انتوا كلمتوني

الجزء الاول
— «إنتوا كلمتوني عشان أجيلكم أنضّف ورا جوزي السابق ومراته الجديدة؟!» — قالت منى وهي بالعافية ماسكة نفسها من الضحك.
الضلمة برا الشباك كانت بتسحف على الحي الشعبي براحة وبتقل، كأن الليل شايل معاه تعب الدنيا كلها. منى كانت قاعدة في المطبخ الصغير بتاع شقتها، وباصة لكوباية الشاي اللي بردت قدامها، كأنها بتحاول تلاقي في وش الشاي إجابة لكل الغلطات اللي عاشتها.
الموبايل رن للمرة التالتة ورا بعض، ونور الشاشة بيّن اسم هي عارفاه كويس أوي… اسم كفيل يقلب مزاجها في ثانية.
اتنهدت وردّت: حكايات منــال عـلـي
— ألو… مدام فوزية؟
— يا منى يا بنتي… يا حبيبتي… — جه صوت حماتها القديمة ناعم زيادة عن اللزوم، النعومة اللي دايمًا بيكون وراها سم — آسفة إني بكلمك متأخر. والله قلبي واجعني ومش عارفة أنام. عاملة إيه؟ وإزي حبيبة قلبي ليلى؟
منى كانت حافظاها صم. نفس النبرة اللي فيها حنية مزيفة، وبعدها يطلع اللوم والتقطيم واحدة واحدة.
وبرغم كل حاجة، كان في جزء جواها لسه بيتأثر… جزء قديم وتعبان.
— الحمد لله كويسين. ليلى نامت من شوية. خير يا طنط فوزية؟
— يا بنتي كريم حالته يصعب على الكافر… داب خالص، ومبقاش شبه نفسه. محتاج أهله حواليه. لو تقدري تيجي تكلميه… هو لسه بيحبك، والله باين عليه.
“بيحبك”… حكايات منــال عـلـي
الكلمة نزلت على صدرها زي التلج.
هي كانت فاكرة المكالمة مجرد سؤال واجب وخلاص… لكن لأ، رجعنا تاني لكريم… كريم ومشاكله وطلباته اللي مابتخلصش.
— إحنا مطلقين يا طنط — قالت بهدوء بس بنشافة — وكريم متجوز داليا. خليها تاخد بالها منه.
— داليا إيه بس يا بنتي! — صوت الست فوزية اتغير فجأة — دي نزوة وخلاص. إنتِ الأصل… إنتِ بنت الأصول واللي تستحملي. تعالي بكرة ونتكلم براحة. هنعمل الغدا ونقعد كلنا.
تاني يوم، كانت منى واقفة قدام باب الشقة القديمة.
مش جاية ترجع حصري على صفحه روايات واقتباسات
جاية تقفل الباب ده وللأبد.
الباب اتفتح، وظهرت الست فوزية… باين عليها الكبر والتعب، لابسة جلابية بيت قديمة وريحتها خليط بين ريحة برفان رخيص وكافور.
— ياااه أخيرًا جيتي! — قالت وهي ماسكة دراعها — كنت عارفة إن قلبك طيب ومستحيل يقسى.
الشقة ريحتها كتمة… وريحتها ذكريات مصدية.
في الصالة، كان كريم مرمي على الكنبة… وشه أصفر وعينيه حمرا كأنه منامش بقاله سنة. جنبه داليا، قاعدة بمكياج تقيل وجيب قصيرة، وباصة لها نظرة كلها كيد واستفزاز.
— إزيك يا كريم — قالت منى ببرود، كأنها بتكلم واحد غريب.
رفع عينه ليها، وفي عينيه ميكس غريب بين الغل والشماتة.
— أهو جيتي… أمي كانت متأكدة إنك هتيجي جري أول ما تسمعي.
— أنا مجيتش جري — ردت ببرود — أمك قالتلي إنك بتموت.
داليا ضحكت ضحكة مستفزة وهي حاطة رجل على رجل:
— لا ما هو تقريبًا بيموت فعلًا… أصل الأستاذ محتاج حد يغسل وينضف ويكوي، وأنا بصراحة مش داخلة الجوازة دي عشان أبقى خدامة عنده.
الست فوزية بدأت تتربك وتحاول تهدي الدنيا:
— يا بنات اهدوا بس… كل واحدة فيكم لها طبع. منى ست بيت وشاطرة وحنينة، إنما داليا فنانة شوية ومبتعرفش في شغل البيت.
منى بصتلها بهدوء غريب.
وفجأة كل حاجة لفت في دماغها ووضحت.
— يعني إنتِ كلمتيني عشان أرجع أخدم ابنك ومراته؟ — قالت وهي حاسة الغضب بيغلي في عروقها.
— يا منى ما تكبريش الموضوع! — قالت حماتها بسرعة — إحنا أهل برضه. كريم محتاج رعاية، وليلى محتاجة أبوها… وإنتِ قلبك أبيض.
منى ضحكت نص ضحكة كلها مرارة:
— قلبي أبيض؟ عايزاني أرجع أمسح وراهم وأطبخ وأنضف، والهوانم قاعدة تشرب عصير على الكنبة؟
كريم قام مرة واحدة وهو مغلول ومنتوش من العصبية:
— إنتِ بتكلمي أمي كده إزاي؟! نسيتي مين اللي فتحلكم البيت لما مكنش عندكم حتة تقعدوا فيها؟
منى قربت منه خطوة ومن غير خوف:
— إنت اللي فتحتلي البيت؟! أنا اللي كنت بشتغل شغلانتين وإنت صايع على القهوة طول اليوم!
— محدش كان عايزك ببنت صغيرة! — صرخت الست فوزية — إحنا اللي استحملناكم وأكلناكم!
في اللحظة دي، حاجة اتكسرت جوا منى.
بس مش وجع…
غضب.
غضب متكوم من سنين.
رفعت راسها وبصتلهم بعين قايدة نار.
— أوعي تجيبي سيرة بنتي على لسانك! — صرخت، والصالة كلها هسس وسكتت — إنتِ يا منافقة! مش إنتِ اللي كنتِ بتيجي تستلفي مني فلوس الدوا؟ ودلوقتي لما الدنيا اتديرت بيكم افتكرتوني تاني؟
داليا فرقعت من الضحك:
— يا نهار أبيض… وحماتك كانت بتقول إنك هادية وغلبانة وطيبة!
منى لفت لها بسرعة:
— وإنتِ اخرسي خالص! عايشة على قفا الراجل ولسه ليكي عين تتكلمي وتضحكي!
كريم اندفع ناحيتها ومسك دراعها بلواية ذراع وعنف.
بس منى مبقتش الست الضعيفة اللي سابتهم زمان.
لفت إيدها بسرعة وزقته بكل قوتها.
وقع لورا على الكنبة وخبط في الترابيزة، والكبايات اتدشدشت على الأرض.
— متلمسنيش — قالت من بين سنانها وهي بنهج جامد — للمرة الأخيرة… متلمسنيش أبدًا.
الست فوزية شهقت وحطت إيدها على صدرها:
— اطلعي برا! برا بيتي! — صرخت بصوت هيستيري — مش عايزة أشوف وشك تاني!
منى عدلت هدومها وبصتلها ببرود يمّوت:
— ماشي… همشي. بس قبل ما أمشي، لازم تسمعوا الحقيقة كلها… الحقيقة اللي دفنتوها بقالكم سنين ووووو
يتبع
الجزء الثاني
— «إنتوا غرقانين… مش بس في القرف والديون، لا… غرقانين في كدبكم كمان!» — قالت منى بصوت ثابت، كأنها بتحكم عليهم حكم نهائي — «ودلوقتي عايزيني أرجع أنضفلكم الخراب ده من جديد؟ لا يا ست فوزية… الشقة دي بقت سجنكم. والمفتاح؟ مستحيل يرجع لإيديكم تاني.»
حكايات منــال عـلـي
الست فوزية وشها اصفرّ فجأة، ومسكت طرف الروب بتاعها بإيد مرتعشة.
أما كريم، فكان ساكت… مطاطي راسه ومش قادر يبصلها.
وداليا، اللي كانت من شوية عاملة فيها قوية، بقت تلف السيجارة بين صوابعها بتوتر. حصري على صفحه روايات واقتباسات

— امشي… — قالت الست فوزية أخيرًا بصوت مكسور — امشي يا منى. إحنا هنتصرف بطريقتنا.

لكن منى ما اتحركتش.

بصت لكريم… عينيه كانوا فاضيين. لا ندم، ولا حتى حزن. مجرد تعب وخيبة.

— كنت أتمنى لك السعادة — قالت بهدوء — بس إنت ما تستحقهاش. إنت دست على كل حاجة حلوة كانت في حياتك بإيدك.

لفت وخرجت من الشقة.

الباب اتقفل وراها بصوت تقيل… كأنه غطا تابوت اتقفل على عمر كامل.

أول ما نزلت الشارع، الهوا البارد خبط في وشها… لكنه كان نضيف.
ولأول مرة من سنين، حست إنها خفيفة… خفيفة أوي، كأن كابوس طويل أخيرًا خلص.

كل خطوة كانت بتمشيها كان فيها ريحة حرية.
حكايات منــال عـلـي
✦✦✦

عدّى تلات شهور.

الشتا خلص بسرعة، والربيع دخل على حياتها بهدوء غريب.
منى بقت تضحك من قلبها من غير سبب، وده لوحده كان معجزة.

ليلى كانت بتجري في الشقة الصغيرة وهي بتلون رسومات الشمس والبيوت، وبالليل كانوا يعملوا كوبايات كاكاو سخنة ويتفرجوا على أفلام أبيض وأسود قديمة.

أوقات، منى كانت تقعد جنب الشباك وتفكر في الماضي…
بس الذكريات ما بقتش توجع.
بقت مجرد ندبات قديمة اتقفلت.

في يوم، لقت جواب متساب تحت الباب.

من غير اسم.

فتحته لقت ورقة صغيرة مكتوب فيها:

«سامحيني… فهمت كل حاجة متأخر.»

الخط كان مهزوز، كأنه مكتوب بإيد واحد سكران أو مكسور.

ماكانتش محتاجة تعرف مين اللي بعت الجواب.

ابتسمت بهدوء… وقطعت الورقة ورمتها في الزبالة.

وفي اللحظة دي، حست إن الماضي أخيرًا مبقاش ماسك فيها.

✦✦✦

مع الربيع، حياة منى بدأت تاخد شكل جديد.

اشتغلت في شركة ديكور وتصميم داخلي… الشغلانة اللي كانت بتحلم بيها زمان وهي متجوزة كريم، بس وقتها ماكانش عندها لا طاقة ولا ثقة في نفسها.

دلوقتي كل حاجة اختلفت.

كانت بتحب شغلها، والناس هناك مقدرينها، وليلى كبرت وبقت أهدى وأسعد.

وفي يوم بعد الشغل، عدّت على الكافيه القديم اللي كانت دايمًا تهربله وقت زعلها ووحدتها.

قعدت على ترابيزة جنب الشباك.

وعلى الترابيزة اللي جنبها، كان في راجل ماسك كتاب بيقرا فيه.

ملامحه كانت مريحة بشكل غريب.

رفع عينه وبصلها بابتسامة هادية.

— هو إنتِ بتيجي هنا كتير؟ — سأل بصوت دافي.

منى ابتسمت بخفة.

— ساعات… لما أبقى محتاجة شوية هدوء.

هز راسه ورجع يكمل قراية من غير ما يزن.

لكن في اللحظة اللي بصتله فيها، حست بحاجة مختلفة…

حست إنها قدام شخص مالوش علاقة بكل الوجع اللي فات.
لا ذكريات مؤذية… ولا خناقات… ولا خيبة.

ابتسمت من قلبها… ابتسامة حقيقية.

وفجأة، الدنيا رجعت تبان ملكها من جديد.

✦✦✦

بعد شهر…

كانت منى ماشية في جنينة كبيرة على النيل، جنب الراجل ده — وكان اسمه أحمد — وليلى بتجري قدامهم وتضحك وهي بتلعب بالمراجيح.

الشمس كانت داخلة بين خصل شعرها، والهوا بيلعب في هدومها.

بصت منى لأحمد وقالت بصوت واطي:

— أنا حسيت سنين إني عايشة جوه صورة قديمة… باهتة ومفيهاش روح. ودلوقتي… كل حاجة اتغيرت.

أحمد مسك إيدها بهدوء.

— عشان إنتِ اللي غيرتي حياتك بنفسك.

ابتسمت وهي مغمضة عينيها للحظة.

الهوا كان ناعم… والشمس دافية… وقلبها أخيرًا مرتاح.

وراها بقى بيت الكتمة والزعابيق والذكريات التعبانة.

وقدامها… طريق جديد، هادي، ومليان نور.

ولأول مرة في حياتها…

الطريق ده كان بتاعها هي وبس.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *