كارما

كارما كانت قاعدة في أوضة صغيرة في بيت العيلة بتعيط بصوت مكتوم وجنبها أمها ميرا اللي كانت بتحاول تمسك دموعها بالعافية. أبوها لسه ميت بقاله أربعين يوم بالظبط والبيت اللي عاشت فيه طول عمرها بقى فجأة ساحة حرب. أعمامها الاتنين لمار وكنان قاعدين في الصالة تحت بيقسموا الورث كأن مفيش حد تاني في الدنيا. كارما سمعت صوت لمار وهو بيقول بصوت عالي احنا رجالة العيلة والبيت ده بتاع أبونا واحنا أولى بيه والبنات ملهومش قعاد هنا. أمها ميرا نزلت تجري تقولهم حرام عليكم ده حق البنت ده بيت أبوها اللي شقي عمره فيه وانتو عايزين ترمونا في الشارع. كنان رد عليها بكل برود وقالها كلمة حق البنات ايه هو انتي فاكرة اننا هنسيب بيت العيلة يروح لبنت. كارما كانت عندها تمنتاشر سنة ساعتها لسه مخلصة ثانوية عامة وحلمها تدخل كلية حقوق عشان تجيب حق الناس. لكن لقت نفسها هي اللي محتاجة اللي يجيب لها حقها. في نفس اليوم ده لموا هدومهم في شنطتين بلاستيك كبار ورموهم برا الباب. الجيران كانوا واقفين يتفرجوا ومحدش قادر يتكلم عشان لمار وكنان كانوا مسيطرين على المنطقة كلها. كارما مسكت ايد أمها ومشيت وهي بتبص وراها على البيت اللي اتربت فيه والشباك اللي كانت بتذاكر قدامه والبلكونة اللي أبوها كان بيقعد يشرب فيها الشاي. راحت قعدت عند خالتها في أوضة فوق السطوح. الأوضة كانت حر في الصيف وبرد في الشتا بس على الأقل كان عندهم سقف. كارما فضلت تعيط كل يوم لحد ما أمها قالت لها بصي يا كارما الدموع مش هترجع حق أبوكي اللي يرجع الحق هو القوة والعلم. الكلمة دي رشقت في قلب كارما زي السهم. قررت انها مش هتضعف تاني. اشتغلت في محل ملابس الصبح وبالليل كانت بتذاكر عشان تدخل كلية حقوق. كانت بتنام أربع ساعات بس في اليوم. أمها ميرا كانت بتشتغل في البيوت عشان تساعدهم يعدوا الأيام. عدت سنة ورا سنة وكارما دخلت كلية الحقوق وكانت الأولى على دفعتها كل سنة. كانت بتقرأ في كتب المواريث والورث الشرعي وكانت عارفة ان حقها محفوظ في القانون وفي الشرع بس مكنش معاها فلوس ولا قوة تقف قدام أعمامها. في سنة تالتة كلية اتعرفت على واحدة صاحبتها اسمها لمار الصغيرة على اسم عمها بس كانت طيبة جدا. لمار دي عرفتها على أخوها الكبير آدم. آدم كان راجل بمعنى الكلمة كان عنده شركة مقاولات كبيرة وكان معروف انه راجل تقيل وكلمته مسموعة في السوق كله. آدم شاف كارما أول مرة في مكتبة الكلية وهي قاعدة بتذاكر ووشها مرهق من الشغل. قرب منها وسألها انتي بتذاكري طول الوقت كده ليه. قالت له عشان عندي تار قديم وعايزة أخلصه. آدم ضحك وقالها تار ايه انتي في حقوق ولا في الصعيد. حكت له حكايتها كلها من أول يوم أبوها مات لحد ما اترمت في الشارع هي وأمها. آدم سمعها للآخر ومسك ايدها وقالها بصي يا كارما أنا عمري ما شوفت بنت جدعة زيك وأنا عايز أكون جنبك. كارما في الأول خافت وقالت له أنا مش عايزة حد يشفق عليا. قالها مش شفقة ده احترام. وعدت الأيام وآدم فضل جنبها لحد ما اتخرجت بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف. يوم التخرج أمها ميرا كانت بتعيط من الفرحة وكانت لابسة فستان جديد آدم جابه لها. آدم طلب ايد كارما من أمها وقالها أنا عايز أكمل مع بنتك المشوار. ميرا وافقت لأنها شافت فيه الرجولة اللي كانت بتدور عليها لبنتها. اتجوزوا جوازة بسيطة بس كلها حب. آدم مكنش بس جوزها ده كان ضهرها وسندها. قالها عايزة تكملي دراسات عليا كملي عايزة تشتغلي افتح لك مكتب محاماة. كارما قالت له أنا عايزة حاجة واحدة بس عايزة أرجع حق أبويا. آدم قالها حق أبوكي هيرجع يعني هيرجع وبالقانون. كارما بعد الجواز ما قعدتش في البيت تتفرج على حياتها وهي بتعدي. كانت بتصحى الساعة ستة الصبح تلبس بدلتها وتروح الشركة مع آدم. آدم كان بيعلمها كل حاجة في السوق. كان بيقولها السوق ده عامل زي المحكمة اللي يفهم الورق كويس هو اللي بيكسب. كارما كانت بتسمع الكلمة وتحفظها في قلبها. كانت بتدخل اجتماعات كبيرة مع مقاولين ومهندسين وكلهم كانوا في الأول بيبصوا لها على انها مرات صاحب الشركة وجاية تتسلى. بس أول ما كانت تبدأ تتكلم وتفتح بوقها بكلمتين قانون كان الكل يسكت ويسمع. بقت سمعتها في السوق انها شاطرة وبتعرف تجيب حق الشركة من بوق الأسد. في نفس الوقت كانت بتحوش كل جنيه بتاخده. كانت بتعمل جمعيات وتشيل فلوسها في البنك باسم أمها ميرا. ميرا كانت بتقولها يا بنتي عيشي حياتك بقى وانسي اللي فات. كارما كانت ترد تقولها يا أمي اللي ينسى وجعه عمره ما بيتعلم. أنا مش ناسية عشان أكره أنا فاكرة عشان لما يجي اليوم أعرف أتصرف صح. آدم كان شايف اصرارها وكان بيحترمه جدا. عمره ما قالها انسي. بالعكس كان كل ما يشوفها سرحانة يقولها قربنا يا كارما حقك هيرجع. عدت السنين وكارما خلفت ولد صغير سمته نوح على اسم المحامي الطيب اللي كان بيساعدها في الكلية وكان واقف جنبها. نوح الصغير ده بقى روح قلب ميرا. ميرا كانت بتشيله وتقول ده العوض من ربنا. كارما كانت بتبص لابنها وتفتكر أبوها وتقول في سرها يا ترى لو أبويا كان عايش كان هيشيل حفيده ازاي. الحنين كان بياكل قلبها كل يوم. كانت بتعدي من قدام بيت العيلة كل فترة وهي راكبة العربية مع آدم. كانت بتشوف البيت بيقدم وبيتبهدل. جنينة أبوها اللي كان زرعها بايديه نشفت. الشبابيك بقت متكسرة. عرفت من الجيران ان لمار وكنان دخلوا في شراكة مع واحد نصاب وخسرهم كل فلوسهم وبقوا يستلفوا من طوب الأرض. لمار باع دهب مراته وكنان رهن البيت للبنك. الكلام ده كان بيوجع كارما مش بيفرحها لأنها كانت عارفة ان البيت ده تعب أبوها وشقى عمره. وفي يوم آدم دخل عليها المكتب وقالها كارما عايز أقولك خبر بس متتخضيش. البيت بتاعكم نازل مزاد علني الأسبوع الجاي. كارما قلبها وقع في رجلها. مسكت الورقة اللي في ايده وقرت الاعلان. كان نفس العنوان اللي محفور في قلبها. نفس الشارع ونفس رقم البيت. قعدت على الكرسي وسكتت شوية وبعدين قالت لآدم أنا عايزة البيت ده يرجع. مش عايزة أي حاجة تانية في الدنيا غير البيت ده. آدم قالها اعتبريه رجع. من اللحظة دي كارما بدأت تخطط لكل حاجة. راحت البنك وسألت على كل التفاصيل القانونية بتاعة المزاد. حضرت ورقها كله وجهزت الفلوس اللي كانت محوشاها طول السنين دي مع فلوس آدم اللي قالها فلوسي هي فلوسك. بس كارما أصرت انها تدفع نص الفلوس من تعبها هي عشان تحس انها هي اللي رجعت حقها بدراعها. ليلة المزاد مكنتش عارفة تنام. قامت صلت وقعدت تعيط وتدعي لأبوها. قالت له يا أبويا لو سامعني أنا بكرة هرجع بيتك اللي انت بنيته. أنا عمري ما نسيتك ولا نسيت تعبك. أمها ميرا كانت قاعدة جنبها بتدعي لها وتقولها ربنا هينصرك زي ما نصرني بيكي يا بنتي. تاني يوم الصبح لبست أحلى بدلة عندها وآدم جاب لها طقم دهب بسيط وقالها البسي ده أبوكي كان نفسه يشوفك عروسة وانت لابسة دهب. كارما حضنته وقالت له انت عوض ربنا ليا. يوم المزاد كان زحمة جدا. لمار وكنان كانوا قاعدين في آخر الصالة وشكلهم مبهدل وتعبان. كانوا فاكرين ان خلاص البيت هيتباع وياخدوا أي فلوس تفضل بعد سداد الديون. فجأة دخلت كارما لابسة بدلة سوداء شيك ونضارة شمس وماسكة شنطة جلد ومعاها آدم ونوح المحامي المساعد بتاعها. أول ما لمار شافها اتصدم وقال ايه ده كارما. كارما شالت النضارة وبصت له وقالت له أيوه كارما بنت أخوكم اللي قولتوا عليها ملهاش ورث. كنان قام وقف وقال انتي جاية هنا تعملي ايه جاية تشمتي فينا. كارما قالت له لا أنا جاية أشتري بيتي. المزاد بدأ والسعر عمال يعلى. ناس كتير بتعلي وكارما ساكتة. لحد ما وصل السعر لرقم كبير الناس كلها سكتت. ساعتها كارما رفعت ايدها وقالت رقم أعلى من آخر رقم بكتير. كل الناس بصت لها. لمار وكنان كانوا هيتجننوا. حاولوا يعلوا عليها بس مكنش معاهم فلوس. البنك كان عايز فلوسه وبس. المزاد رسي على كارما. القاضي خبط بالمطرقة وقال مبروك البيت بقى باسم الأستاذة كارما. كارما قامت وقفت ومسكت الميكروفون وقالت بصوت عالي قدام كل الناس البيت ده كان بتاع أبويا الراجل الطيب اللي عمره ما ظلم حد وأعمامي طردوني أنا وأمي منه من عشر سنين وقالوا البنات ملهومش ورث والنهاردة أنا رجعت بيتي بفلوسي وبشقايا وبتعبي أنا وجوزي. كل الناس سقفت لها. لمار وكنان نزلوا راسهم في الأرض ومقدروش يبصوا في وشها. كارما خرجت من المزاد وراحت على بيت خالتها جابت أمها ميرا من ايدها وقالت لها قومي يا أمي هنرجع بيتنا. ميرا مكنتش مصدقة وفضلت تعيط وتقول بجد يا بنتي هنرجع بيتنا. كارما قالت لها أيوه يا أمي هنرجع بيتنا اللي أبويا بناه طوبة طوبة. راحوا على البيت وكارما فتحت الباب بالمفتاح الجديد. الريحة لسه زي ما هي ريحة أبوها في كل ركن. دخلت أوضتها القديمة لقت لسه العلامة اللي كانت عاملاها على الحيطة وهي صغيرة. قعدت على الأرض هي وأمها وفضلوا يعيطوا من الفرحة. بعد يومين لقت الباب بيخبط. كان لمار وكنان جايين ومعاهم مراتاتهم. كانوا جايين يطلبوا السماح. لمار قالها احنا غلطنا يا كارما والطمع عمانا وسامحينا. كنان قالها احنا ملناش مكان نروحه. كارما بصت لأمها وأمها بصت لها. كارما قالت لهم بصوا يا عمامي أنا مش زيكم أنا اتربيت على ايد راجل علمني ان الحق بيرجع وعلمني كمان ان المسامح كريم. البيت ده هيفضل بيت العيلة وهتفضلوا تيجوا فيه بس مش هتملكوه تاني لأنكم معرفتوش تحافظوا عليه. أنا هعمل الدور اللي فوق ليكم تقعدوا فيه لحد ما تقفوا على رجليكم تاني بس بشرط تحترموا أمي وتحطوها فوق راسكم. أعمامها فضلوا يعيطوا وباسوا راسها وراس أمها. كارما عملت كده عشان أبوها كان طيب وكان هيعمل كده. بعدها بشهر كارما عملت عقيقة كبيرة في البيت وعزمت كل الجيران وكل الناس اللي وقفوا جنبها. وآدم كان واقف جنبها زي الجبل. ونوح صاحبهم كان بيصور كل حاجة. وفي وسط العزومة كارما قامت وقالت أنا عايزة أقول كلمة واحدة بس حق أبويا رجع مش عشان أنا بقيت غنية ولا عشان اتجوزت راجل تقيل حق أبويا رجع عشان أنا مسبتش حقي وعشان أمي دعت لي وعشان ربنا مبيضيعش حق حد مظلوم. كل الناس سقفت ودموع الفرحة كانت في عيون الكل. ومن اليوم ده البيت بقى مفتوح لكل الناس و كارما بقت رمز للبنت الجدعة اللي رجعت حقها وحق أمها بدراعها وبعلمها وبجوزها اللي صانها. كارما بعد ما رجعت البيت قررت انها مش هتخليه مجرد حيطان. جابت عمال ومهندسين وبدأت ترممه من أول وجديد. قالت لآدم أنا عايزة أرجع كل حاجة زي ما أبويا كان عاملها. الجنينة رجعت تتزرع تاني ورد وفل وياسمين. البلكونة اللي أبوها كان بيقعد فيها رجعت تحط فيها نفس الكرسي الخشب اللي كان بيحبه. أمها ميرا بقت كل يوم الصبح تقوم بدري تفتح الشبابيك وتشغل قرآن بصوت عالي وتقول البيت كان ميت من غير صوت القرآن. كارما كانت بتشوف أمها بتضحك من قلبها بعد عشر سنين عجاف وده كان عندها بالدنيا كلها. آدم كان بيجي كل يوم بعد الشغل يلاقي كارما قاعدة في الصالة بتتفرج على صور أبوها القديمة. كان بيقعد جنبها ويقولها أبوكي لو كان موجود كان هيفتخر بيكي جدا. كارما كانت بتسمع الكلمة دي ودموعها تنزل بس دموع فرحة مش حزن. نوح الصغير كان بيجري في البيت كله ويضحك وصوته مالي البيت حياة. كارما علمت ابنها من صغره ان الحق عمره ما بيضيع وان البنت زي الولد ليها حق وليها كلمة. وكانت بتحكي له عن جده الطيب اللي بنى البيت ده عشان يلم العيلة مش عشان يفرقها. الجيران بقوا يجوا يباركوا ويقولوا لكارما انتي بنت بمية راجل. وكارما كانت ترد تقولهم أنا بنت أبويا وبس. القصة بتاعتها بقت تتحكي في المنطقة كلها. أي بنت أبوها يموت وأعمامها ياكلوا حقها كانوا يقولوا لها روحي شوفي كارما عملت ايه. بقت قدوة لكل البنات المظلومة. حتى لمار وكنان بعد ما سكنوا فوق بدأوا يتغيروا. بقوا يساعدوا كارما في مصاريف البيت وبيحترموا ميرا جدا. لمار في يوم قال لكارما أنا اتعلمت منك ان الطمع بيقل ما جمع. وكنان قالها سامحينا احنا ظلمناكي وانتي طلعتي أحسن مننا كلنا. كارما ضحكت وقالت لهم اللي فات مات احنا ولاد النهاردة. وفي ليلة من الليالي كارما كانت قاعدة في البلكونة مع ميرا بيشربوا شاي وآدم قاعد بيحكي لنوح الصغير حواديت. ميرا بصت لبنتها وقالت لها فاكرة يا كارما لما كنا فوق السطوح وبتقوليلي هنرجع امتى. كارما ضحكت وقالت لها كنت واثقة اننا هنرجع عشان ربنا مبيظلمش حد. آدم قال حق أبوكي رجع يا كارما بس الأهم انك رجعتي لنفسك كرامتك. كارما بصت للسما وقالت الحمد لله يا رب حق أبويا رجع بجد. كارما نامت الليلة دي وهي مطمنة وحاسة ان أبوها راضي عنها في قبره وان تعب السنين كلها مرحش على الفاضي وانها قدرت تثبت ان البنت تقدر ترجع حقها لو عندها ارادة وعلم وصبر وجوز جدع واقف في ضهرها. الحق بيرجع لاصحابه مهما طال الزمن وربنا كبير ومبينساش المظلوم ودي حكاية كارما اللي رجعت بيت أبوها وخلصت الحكاية وحق أبويا رجع أخيرا يا ناس الحمدلله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *