قطتي الصغيره
ابني رجع البيت بقط برتقالي بعين واحدة… لأنه قال إنهم “شبه بعض”. لكن اللي اكتشفناه تحت طوق القط بعد يومين خلانا ننهار من الصدمة.
ابني نوح فقد عينه وهو عنده خمس سنين بسبب السرطان. عمره ما فهم التشخيص بالكامل هو بس فهم النتيجة. الرقعة على عينه. نظرات الناس. والطريقة اللي الأطفال في الملاهي كانوا بيسكتوا بيها أول ما يجري ناحيتهم.
بدأ يسألني إذا كان شكله قبيح. وكنت دايمًا أقوله إنه أجمل حاجة شافتها عيني في حياتي.
علشان كده… لما رجع البيت عصر يوم تلات وهو شايل قط برتقالي هزيل بعين واحدة، وبيعرج، في حضنه فهمت فورًا ليه ماقدرش يسيبه في الشارع.
قال ببساطة: ــ ماما… هو شبهي.
القط كان حالته صعبة جدًا. عينه مفقودة. ورجله الخلفية بتجر وراه. وفراؤه متلبد وباهت. لكن وهو نايم في حضن نوح… كان فيه نوع من الثقة المرهقة في عينيه كسرت قلبي نصين.
نوح كان سماه بالفعل: “الكابتن”.
دورنا على صاحبه في كل مكان. جروبات الفيسبوك. إعلانات الحي. ورق متعلّق في كل شارع قريب.
لكن محدش اتصل. ولا حد جه ياخده.
فقررنا نعالجه بنفسنا.
إحنا أصلًا ماكانش معانا فلوس كتير. فواتير العلاج أكلت تقريبًا كل اللي كنا موفرينه. لكن نوح اختفى في أوضته، وبعد شوية رجع ماسك حصالته مليانة فلوس عيد ميلاده اللي كان بيجمعها طول السنة.
قال: ــ الكابتن محتاجهم أكتر.
بعد يومين، أخدنا الكابتن للدكتورة البيطرية.
الدكتورة كانت لطيفة جدًا ودقيقة. أدوية. تحاليل. وخطة علاج كاملة.
وفي نص الكشف، طلبت مني أشيل الطوق من رقبته. شِلته من غير ما أفكر. كان طوق جلد قديم وطري من كتر الاستعمال… ومن غير أي اسم أو رقم.
حطيته على الترابيزة وكنت هلف أمشي…
لكن لمحت حاجة غريبة في الناحية الداخلية للطوق.
قصاصة ورق صغيرة جدًا، متنية بإحكام، ومتثبتة تحت البطانة بشريط لاصق.
تقريبًا ماكنتش هشوفها.
فتحت الورقة ببطء. قريتها مرة. ثم قريتها تاني.
إيديا بدأت تترعش بعنف لدرجة إني اضطرّيت أحطها على الترابيزة.
لأن الرسالة كانت بتقول:
“أنا سيبت القط قدام بيتكم عن قصد. هو ماوصلكوش بالصدفة — أنا اتأكدت إنه يلاقيكم. تقدروا تحتفظوا بيه. هو من البداية كان المفروض يبقى ليكم. لكن عندي شرط واحد… ولما تعرفوه، مش هتقدروا تتجاهلوه.” ⬇️l
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبين
الورقة كانت صغيرة جدًا… لكن الكلمات اللي فيها حسّستني إن الأرض اتحركت من تحت رجلي.
فضلت أبص عليها وأنا مش قادرة أتنفس كويس.
الدكتورة البيطرية لاحظت إن لوني اتغير وقالت بقلق: ــ حضرتك كويسة؟
ماعرفتش أرد فورًا.
نوح كان واقف جنب الترابيزة، حضن الكابتن بقوة وهو بيبصلي بعينيه الواسعين. العين الوحيدة اللي فاضلة له كانت مليانة خوف بمجرد ما شاف وشي.
قال بهدوء: ــ ماما… في إيه؟
حاولت أبتسم. لكن شفايفي كانت بتترعش.
خبيت الورقة بسرعة في جيبي وقلت: ــ مافيش يا حبيبي… يلا نرجع البيت.
طول الطريق وأنا سايقة… كنت حاسة إن حد بيراقبنا.
كل عربية ورايا كانت بتخليني أبص في المراية. كل شخص واقف على الرصيف كان بيخلّي قلبي يدق أسرع.
نوح كان في الكرسي الخلفي يكلم الكابتن بصوت واطي: ــ هتبقى كويس… أنا كمان بقيت كويس بعد العملية… صح يا كابتن؟
القط رفع راسه الضعيفة ولحس إيد نوح الصغيرة.
وفي اللحظة دي… حسيت بوجع حاد في صدري.
لأن ابني اللي اتبهدل من المرض… لسه عنده قلب يعرف يحب بدون خوف.
أول ما دخلنا البيت، نوح أخد الكابتن على أوضته علشان يفرّجه على “مكانه الجديد”.
أما أنا… قفلت باب المطبخ عليا وطلعت الورقة تاني.
وقريتها كاملة المرة دي.
“أنا سيبت القط قدام بيتكم عن قصد. هو ماوصلكوش بالصدفة — أنا اتأكدت إنه يلاقيكم. تقدروا تحتفظوا بيه. هو من البداية كان المفروض يبقى ليكم. لكن عندي شرط واحد… ولما تعرفوه، مش هتقدروا تتجاهلوه.
لو الكابتن بدأ يثق فيكم… يبقى الوقت جه إنكم تعرفوا الحقيقة عن نوح.”
الورقة وقعت من إيدي.
حسيت ببرودة مرعبة زحفت في جسمي كله.
الحقيقة عن نوح؟
إيه الحقيقة اللي ممكن أعرفها عن ابني وأنا اللي ولدته بإيدي؟
وفجأة… افتكرت حاجة.
حاجة دفنتها جوايا سنين.
يوم العملية.
يوم ما الدكتور خرج بعد استئصال عين نوح.
كنت منهارة بالكامل. قاعده على أرضية المستشفى وبعيط بشكل هستيري. وقتها جه راجل غريب قعد جنبي.
فاكرة ملامحه بشكل مشوش. لكن فاكرة صوته كويس.
قال: ــ ابنك قوي بشكل نادر.
افتكرته وقتها مجرد أب بيواسيني.
لكن بعدها قال جملة غريبة جدًا:
ــ في ناس بتتولد علشان تنقذ أرواح تانية… حتى لو دفعت جزء من نفسها التمن.
افتكرت إني كنت مصدومة من كلامه.
ولما رفعت وشي بعدها… كان اختفى.
في اللحظة دي… سمعت خبط على باب البيت.
شهقت بعنف.
قلبي حرفيًا وقف.
بصيت من الشباك بسرعة.
راجل واقف برا.
لابس جاكيت رمادي وقديم شوية. وشعره أبيض. وفي إيده قفص قطط صغير فاضي.
اتجمد الدم في عروقي.
فتحت الباب بحذر وأنا ماسكة الموبايل مستعدة أكلم الشرطة.
الراجل بصلي بهدوء وقال: ــ واضح إن الكابتن وصلكم فعلًا.
شهقت: ــ إنت اللي سيبته؟
هز راسه ببطء.
وكانت عينيه مليانة تعب مرعب.
قلت فورًا: ــ إنت عايز إيه؟
بص ناحية السلم اللي فوق. مكان أوضة نوح.
وبعدين قال: ــ أشوف الولد.
الغضب انفجر جوايا فورًا.
ــ مستحيل.
لكن الراجل قال بسرعة: ــ من فضلك… قبل ما تحكمي عليا… اسمعيني.
كنت هقفل الباب في وشه.
لكن في اللحظة دي… الكابتن ظهر فوق السلم.
أول ما شاف الراجل… وقف مكانه فجأة.
ودانه اترفعوا. وعينه الضعيفة اتوسعت.
بعدها حصلت حاجة غريبة جدًا.
القط بدأ يعرج بسرعة ناحية الراجل… ويطلع صوت بكاء خافت.
الراجل ركع على ركبته فورًا.
والكابتن حط راسه في حضنه.
بشكل خلاني أعرف فورًا… إنه صاحبه فعلًا.
نوح نزل يجري من فوق وهو بيصرخ: ــ الكابتن!
وقف فجأة لما شاف الراجل.
وبعدين بص للقط في حضنه وسأل: ــ ده باباه؟
الراجل رفع عينه لنوح… وفجأة شفت الدموع فيها.
قال بصوت مكسور: ــ كان ابني.
الصمت نزل على المكان كله.
أنا اتجمدت.
نوح ما فهمش. لكن أنا فهمت إن فيه مصيبة جاية.
دخل الراجل بهدوء وقعد على الكنبة. والكابتن فضل لازق فيه كأنه رجع البيت أخيرًا.
أنا وقفت بعيدة. قلبي بيدق بعنف.
قلت: ــ مين حضرتك؟
سكت ثواني… وبعدين قال: ــ اسمي عادل.
بص لنوح بحزن غريب.
ــ وابني كان اسمه ياسين.
نوح قعد جنب الكابتن على الأرض وهو بيسمع باهتمام.
أما أنا… فحسيت إن في حاجة بتضغط على صدري بقوة.
عادل طلع صورة قديمة من محفظته.
ولد صغير. عنده تقريبًا سبع سنين. وشعره أسود. وعلى عينه الشمال… رقعة طبية.
نفسي اتسحب فجأة.
لأن الولد… كان شبه نوح بشكل يخوف.
نوح قرب من الصورة بعينيه الواسعين: ــ ده شبهي.
عادل ابتسم وسط دموعه: ــ أوي.
إيدي بدأت تبرد.
قلت بصوت متوتر: ــ إنت تقصد إيه بالكلام اللي في الرسالة؟
عادل بصلي مباشرة… وقال الجملة اللي قلبت حياتي كلها:
ــ ابنك عاش بسبب ابني.
مافهمتش.
أو يمكن عقلي رفض يفهم.
قلت بعصبية: ــ يعني إيه؟
عادل بلع ريقه بصعوبة.
ــ ياسين مات من سنتين.
نوح حضن الكابتن تلقائيًا.
أما أنا… فجسمي كله اتشنج.
عادل كمل: ــ كان عنده نفس نوع السرطان… لكن حالته كانت متأخرة جدًا.
الهواء بقى تقيل حواليا.
ــ قبل ما يموت… طلب يتبرع بكل حاجة يقدر يسيبها لطفل تاني.
قلبي بدأ يخبط بعنف.
وعادل قال بصوت مكسور: ــ القرنية اللي زرعوها لنوح… كانت بتاعة ياسين.
الدم اتجمد في عروقي.
بصيت لنوح فورًا.
ابني كان ساكت. مش فاهم بالكامل.
لكن أنا… افتكرت كل حاجة.
افتكرت الدكتور لما قال إن فيه “متبرع مناسب ظهر فجأة”. افتكرت إني كنت منهارة وموافقتش حتى أسأل كتير.
كنت بس عايزة أنقذ ابني.
إيديا غطت بقي وأنا بعيط.
عادل طلع نفس طويل وقال: ــ ياسين كان بيحب القط ده بشكل جنوني.
بص للكابتن بحنان موجوع: ــ كانوا شبه بعض برضه… الاتنين بعين واحدة.
نوح بص للكابتن بصدمة خفيفة: ــ يعني الكابتن كان بتاع ياسين؟
هز عادل راسه.
وبعدين قال: ــ وبعد ما ياسين مات… الكابتن اتغير تمامًا.
صوته اتكسر: ــ بطل ياكل… بطل ينام… وكان يهرب كل يوم ويفضل قاعد قدام المستشفى اللي مات فيها ياسين.
دموعي نزلت أكتر.
عادل بص لنوح وقال: ــ أول ما شافك من أسبوعين… جري وراك فورًا.
افتكرت اللحظة دي.
القط كان فعلاً بيبص لنوح بطريقة غريبة. كأنه يعرفه.
عادل قال: ــ حاولت آخده بعيد… لكنه كل مرة كان يرجع عند بيتكم.
نوح همس: ــ علشان أنا شبهو.
عادل ابتسم وسط دموعه: ــ يمكن.
سكت لحظة… وبعدين قال: ــ أو يمكن علشان جزء من ياسين لسه عايش جواك.
في اللحظة دي… نوح بدأ يعيط.
مش عياط عالي. لكن دموع صغيرة نازلة بصمت.
قربت منه بسرعة: ــ حبيبي؟
بصلي وسأل السؤال اللي كسرني: ــ الولد ده مات علشاني؟
شهقت.
عادل قال بسرعة: ــ لأ يا بطل… ياسين كان هيموت سواء إنت موجود أو لأ.
قرب من نوح بحذر: ــ لكن آخر حاجة عملها قبل ما يروح… إنه ساعد طفل تاني يعيش.
نوح حضن الكابتن بقوة وهو بيعيط.
أما أنا… فحسيت إني بنهار.
لأن في أم تانية… كانت قاعدة في مستشفى في يوم من الأيام… وفقدت ابنها علشان ابني يعيش.
عادل طلع ظرف صغير من جيبه.
مده لنوح.
ــ دي حاجة ياسين كان محتفظ بيها للكابتن.
نوح فتح الظرف ببطء.
وكان جواه صورة.
ياسين… شايل الكابتن الصغير.
وخلف الصورة… جملة مكتوبة بخط طفل:
“لو أنا مشيت… ماتسيبش الكابتن لوحده.”
نوح انفجر في البكاء.
حضن الصورة لصدره.
وفي اللحظة دي… الكابتن قرب من نوح وحط راسه في حضنه الصغير.
كأن الاتنين كانوا بيداويوا بعض.
عدّى وقت طويل وإحنا قاعدين ساكتين.
بس صوت العياط الخافت وخرخرة القط.
وبعدين… عادل قام ببطء.
قلت بسرعة: ــ استنى.
بصلي.
قلت والدموع في عيني: ــ تقدر تزور الكابتن وقت ما تحب.
ملامحه اتهزت كأنه ماكانش متوقعها.
نوح بصله فورًا: ــ وإنت كمان ممكن تزورني.
عادل ضحك وهو بيعيط.
ولأول مرة… شفت راجل مكسور بالشكل ده.
قبل ما يمشي… وقف عند الباب وقال بهدوء: ــ أنا كنت فاكر إني لما أسيب الكابتن عندكم… هكون بسيبه آخر حاجة من ابني.
بص لنوح.
ــ بس الظاهر… ابني كان بيسيبلي أنا سبب أعيش.
يتبع
بعد الليلة دي… بقى في جزء من البيت اتغيّر للأبد.
مش حاجة كبيرة يقدر أي حد يلاحظها أول ما يدخل. لا لون الحيطان. ولا ترتيب الأثاث. لكن الإحساس نفسه اتغيّر.
البيت اللي كان مليان خوف وتعب ومستشفيات وعلب دوا… بدأ يبقى أهدى شوية.
الكابتن بقى ينام كل ليلة جنب سرير نوح. أحيانًا فوق رجله. وأحيانًا فوق المخدة نفسها كأنه حارس صغير بعين واحدة.
ونوح… رجع يضحك تاني.
مش طول الوقت. لسه كان فيه أيام يقف قدام المراية ويبص للرقعة على عينه ويسكت. لسه كان أوقات يرفض يخرج لما الأطفال يبصوا عليه كتير. لكن بقى فيه حاجة مختلفة.
بقى يحس إنه مش لوحده.
وفي كل مرة حد يبص للكابتن باستغراب… نوح كان يرفع راسه بفخر ويقول: ــ هو بطل… وأنا كمان.
وعادل بدأ يزورنا فعلًا.
في الأول كانت الزيارات قصيرة ومتوترة. يقعد عشر دقايق. يلعب مع الكابتن شوية. يسيب لعبة صغيرة لنوح أو كتاب تلوين ويمشي.
لكن مع الوقت… بدأت ألاحظ إنه بيحاول يضحك مخصوص علشان خاطر نوح. حتى لو عينيه دايمًا باين فيها الحزن.
وفي مرة… كنت واقفة في المطبخ بعمل شاي. وسمعته من الصالة بيسأل نوح: ــ تعرف ياسين كان بيحب إيه أكتر حاجة؟
نوح هز راسه.
عادل ابتسم بحزن: ــ كان بيحب الفضاء بشكل جنوني. كان مقتنع إن النجوم ناس راحوا السما بس منورين لسه.
سكت شوية. وبعدين سمعته يقول بصوت متكسر: ــ لما كان بيتعب جدًا… كان يقولي: “بابا… لو مت، ماتزعلش. أنا هبقى نجمة سهلة تلاقيها.”
وقفت مكاني وأنا حاسة بدموعي بتنزل.
لأن مافيش وجع في الدنيا أقسى من أب فقد ابنه.
لكن الأقسى… إنه يفضل عايش بعده.
بعد شهر تقريبًا… الدكتورة اتصلت بينا علشان متابعة دورية لنوح.
المستشفى كانت دايمًا بتخوفه. ريحة المعقمات لوحدها كانت كفاية تخليه يسكت تمامًا.
لكن المرة دي… دخل وهو شايل الكابتن في الحاملة الصغيرة.
ولما الممرضة ضحكت وقالت: ــ ده مين ده؟
نوح رد بثقة: ــ أخويا.
ضحكت الممرضة باعتباره هزار. لكن أنا وعادل… بصينا لبعض وسكتنا.
أثناء الكشف… الدكتورة كانت مبسوطة جدًا.
التحاليل ممتازة. والأشعة مطمنة.
قالت بابتسامة: ــ أعتقد إن بطلنا الصغير أخيرًا بدأ يستعيد نفسه.
أول ما خرجنا من العيادة… نوح شد جاكيتي بخفة.
نزلت لمستواه.
همس: ــ ماما؟
ــ نعم يا حبيبي؟
بص للكابتن اللي جوه الحاملة وقال: ــ هو ياسين شايفنا؟
قلبي اتعصر.
حاولت أجاوب. لكن الكلمات وقفت في زوري.
عادل هو اللي رد بهدوء: ــ أيوه.
نوح بصله بعين واسعة: ــ بجد؟
عادل ابتسم وسط دموع خفيفة: ــ ولو شافك دلوقتي… هيكون مبسوط جدًا.
نوح سكت ثواني. وبعدين قال: ــ وأنا كمان مبسوط إنه ساعدني.
في الليلة دي… بعد ما نوح نام… قعدت في البلكونة لوحدي.
القاهرة كانت هادية بشكل نادر. والهواء بارد شوية.
عادل خرج بعد دقايق وقعد بعيد باحترام.
فضل ساكت شوية… وبعدين قال: ــ شبه أمه.
بصيتله.
ابتسم ابتسامة صغيرة: ــ ياسين.
سكت لحظة. وبعدين كمل: ــ كانت قوية جدًا. حتى وهي بتنهار.
عرفت من نبرة صوته إنه بيتكلم عن مراته.
سألته بهدوء: ــ هي فين دلوقتي؟
بص للسما طويلًا قبل ما يرد: ــ مقدرتش تستحمل بعده.
نفسي اتسحب.
ــ ماتت؟
هز راسه ببطء: ــ لأ… بس سابت البيت وكل حاجة ومشت.
صوته كان مليان تعب سنين.
ــ قالتلي كل ركن بيفكرها بيه. حتى نفسها بقى يوجعها.
ماعرفتش أقول حاجة.
لأن الحزن أحيانًا بيكسر الناس بطُرق مختلفة. فيه اللي يعيط. وفيه اللي يختفي.
بعدها بأسابيع… بدأ نوح يطلب يروح المدرسة من تاني.
وده كان أكبر مفاجأة.
لأن بعد العملية… كان بيكره المدرسة.
الأطفال ماكانوش قاسيين عمدًا دايمًا. لكن فضولهم كان بيجرحه.
مرة طفل سأله: “إنت نص قرصان؟” وكل الفصل ضحك.
رجع البيت يومها وقفل على نفسه بالساعات.
لكن دلوقتي… كان مختلف.
أول يوم رجع فيه… أصر ياخد الكابتن معاه لحد باب المدرسة.
وقف القرفصاء قدامه وقال: ــ استناني أرجع يا كابتن.
القط موّاء بصوت خافت ولمّ نفسه حوالين رجله.
وأنا كنت واقفة أبص عليهم وقلبي بيوجعني ويخف في نفس الوقت.
بعد الضهر… رحت أستلمه وأنا متوقعة ألاقيه ساكت أو متضايق.
لكن أول ما شافني… جري ناحيتي مبتسم.
ابتسامة حقيقية. واسعة. من النوع اللي ماشفتهوش على وشه من سنين.
حضنته بسرعة: ــ عملت إيه؟
قال بحماس: ــ حكيتلهم عن الكابتن!
ضحكت وسط دموعي: ــ بجد؟
ــ أيوه! ووريتهم صورته… وكلهم قالوا إنه جامد.
سكت لحظة. وبعدين همس: ــ وحتى لو عنده عين واحدة… لسه كيوت.
الكلمة دي كسرتني.
لأن لأول مرة… كان بيتكلم عن نفسه برضه.
وفي يوم مطر… صحيت على صوت خبط خفيف على باب الشقة.
فتحت لقيت عادل واقف. لكن شكله كان غريب.
مرهق. وشاحب. وعينيه حمرا.
قلقت فورًا: ــ في إيه؟
حاول يبتسم: ــ ممكن أشوف نوح؟
دخل.
كان نوح وقتها بيرسم على الأرض مع الكابتن.
أول ما شاف عادل… ابتسم وجري عليه.
لكن عادل حضنه بطريقة خلت قلبي ينقبض.
طويلة أوي. كأنه بيتشبث بيه.
بعد شوية… طلب مني نتكلم برا.
خرجنا البلكونة.
وبصلي مباشرة وقال: ــ عندي سرطان.
الدنيا سكتت.
حتى صوت المطر اختفى.
شهقت: ــ إيه؟
ضحك بخفة متعبة: ــ ironic صح؟
دموعي نزلت فورًا.
قال: ــ اكتشفوه متأخر.
سند على سور البلكونة وكمل: ــ يمكن علشان كده كنت مصر الكابتن يوصلكم.
صوته اتكسر.
ــ كنت محتاج أتأكد إن آخر جزء من ياسين… هيبقى وسط ناس بتحبه.
عيطت غصب عني.
لكن عادل رفع إيده بسرعة: ــ ماتعيطيش… كفاية دموع في البيت ده.
رجعت بصيتله وأنا حاسة بالعجز.
قال: ــ أنا مش خايف أموت.
سكت لحظة.
ــ أنا بس كنت خايف أموت لوحدي.
في اليوم ده… نوح رفض يسيبه يمشي.
فضل ماسك فيه طول الليل تقريبًا. يحكيله عن المدرسة. وعن رسوماته. وعن الكابتن اللي سرق قطعة فراخ من المطبخ.
وعادل كان بيضحك… ضحك حقيقي لأول مرة.
لكن المرض كان أسرع.
خلال الشهور اللي بعدها… بقى أضعف بشكل يخوف.
الشعر الأبيض بدأ يقع. صوته بقى أهدى. وإيده بقت ترتعش أكتر.
ومع ذلك… مافاتش أسبوع من غير ما يزور نوح.
لحد ليلة الشتاء دي.
الساعة كانت قرب اتنين بعد منتصف الليل لما موبايلي رن.
أول ما شفت اسم المستشفى… قلبي وقع.
وصلت هناك وأنا حرفيًا مش قادرة أتنفس.
نوح كان صاحي رغم الوقت. مصر ييجي معايا.
وأول ما دخلنا الأوضة… عرفت.
عادل كان رايح.
الأجهزة صوتها بطيء. والهدوء تقيل.
لكن أول ما شاف نوح… ابتسم.
رفع إيده بصعوبة.
نوح جري مسكها فورًا.
عادل بصله طويلًا… كأنه بيحفظ ملامحه.
وبعدين همس: ــ بطل.
نوح بدأ يعيط: ــ ماتسبنيش.
قلبي اتكسر.
لكن عادل ابتسم بحنان موجوع: ــ فاكر النجوم؟
نوح هز راسه وهو بيشهق.
عادل بص للسقف: ــ لما تشتاقلي… بص لفوق.
الدموع كانت بتنزل من عينيه هو كمان.
ــ وأنا هكون هناك… جنب ياسين.
وفي اللحظة دي… الكابتن اللي كان نايم في حضن نوح رفع راسه فجأة.
وبطريقته العرجا البطيئة… مشى لحد سرير عادل.
وقف جنب إيده.
وحط راسه تحت كفه.
عادل بدأ يعيط بصمت.
أصابعه تحركت بصعوبة فوق فروه البرتقالي.
وهمس: ــ أهو… رجعتله أخيرًا.
بعدها بدقايق…
الأجهزة طلعت صوت طويل متواصل.
ونوح صرخ.
أما أنا… فحضنت ابني والقط الاتنين مع بعض… وإحنا بننهار.
عدّى سنة.
وفي ليلة صيف هادية… كنت واقفة في البلكونة.
نوح كان نايم. والكابتن كبر شوية وبقى أهدى.
فجأة… نوح خرج من أوضته وهو فرك عينه.
وقف جنبي وبص للسما.
وقال بهدوء: ــ ماما؟
ــ نعم؟
أشار لنجمتين منورين جنب بعض.
ــ أعتقد دول هما.
بصيت للسما… وحسيت دموعي بتنزل.
نجمتين جنب بعض فعلًا.
واحدة صغيرة… وواحدة أكبر شوية.
حضنت نوح وهو ساند راسه على كتفي.
والكابتن لف نفسه حوالين رجلينا.
وفي اللحظة دي… لأول مرة من سنين طويلة…
ماحسّتش إننا مكسورين.
بس ناس نجوا… وبيحاولوا يكملوا الحياة بقلوب فيها وجع… لكن فيها حب أكتر.
تمت