فرحه بعد غياب
من ثماني سنين، اختفت بنتها الوحيدة على شاطئ الإسكندرية…
ولما شافت وشها مرسوم في وشم على ذراع شاب غريب، الحقيقة اللي اكتشفتها بعدها خلتها مش قادرة تاخد نفسها.
في يوم صيفي من أوائل شهر يوليو، كان كورنيش الإسكندرية زحمة كالعادة.
ضحك الأطفال، صوت البياعين، ونسمات البحر اللي بتملى المكان حياة.
لكن بالنسبة للحاجة فاطمة، المكان ده كان مجرد ذكرى مؤلمة عمرها ما قدرت تنساها.
من ثماني سنين بالظبط، فقدت بنتها الوحيدة “سارة”، اللي كانت لسه مكملة عشر سنين.
في اليوم ده، كانت الأسرة بتقضي يوم على البحر.
ثواني قليلة بس…
الحاجة فاطمة لفت وشها تدور على شنطتها، ولما بصت تاني، سارة كانت اختفت.
في الأول افتكرت إنها راحت تلعب مع الأطفال اللي حواليها.
لكن بعد دقائق من البحث والنداء عليها، بدأ الخوف يتسلل لقلبها.
فتشوا الشاطئ كله.
سألوا كل الناس.
بلغوا الأمن.
وأعلنوا في مكبرات الصوت عن طفلة صغيرة لابسة فستان أصفر وشعرها ضفاير.
لكن مفيش حد شافها.
فرق الإنقاذ فتشت البحر.
والشرطة بدأت تبحث في كل مكان.
لكن الغريب إنهم ما لقوش أي أثر.
لا شبشب.
ولا لعبة.
ولا أي حاجة تدل إنها كانت موجودة.
وكأن الأرض انشقت وبلعتها.
انتشرت الأخبار وقتها في كل مكان:
“اختفاء طفلة في ظروف غامضة على شاطئ الإسكندرية.”
ناس قالت يمكن غرقت.
وناس قالت يمكن اتخطفت.
لكن الحقيقة فضلت مجهولة.
بعد أسابيع طويلة من البحث، رجعت الأسرة للقاهرة بقلب مكسور.
لكن الحاجة فاطمة عمرها ما استسلمت.
طبعت آلاف الصور.
وزعتها في المحافظات.
سافرت وراء أي معلومة أو إشاعة.
وكان عندها أمل إن بنتها لسه عايشة.
بعد ثلاث سنين من اختفاء سارة، جوزها الحاج محمود مات من الحزن.
وسابها لوحدها تدير محل الحلويات الصغير اللي كانوا عايشين منه.
لكنها فضلت متمسكة بالأمل.
بالنسبة لها…
سارة ما ماتتش.
وفي صباح حار من شهر أبريل، كانت الحاجة فاطمة قاعدة قدام محل الحلويات بتاعها.
وفجأة وقفت عربية ميكروباص قديمة.
نزل منها مجموعة شباب دخلوا يشتروا مية وحلويات.
الحاجة فاطمة ما اهتمتش في البداية.
لكن فجأة…
اتجمدت في مكانها.
على ذراع واحد من الشباب كان فيه وشم لوجه بنت صغيرة.
وشم بسيط.
وش مدور.
عينين واسعين.
وشعر على شكل ضفاير.
لكن بالنسبة لها…
كان الوجه ده مستحيل تنساه.
إيد
حكايات شروق خالد
إيد الحاجة فاطمة بدأت تترعش، والعلبة اللي كانت في إيدها وقعت على الأرض. عينيها اتسمرت على دراع الشاب، ونفسها بدأ يضيق وكأن الهوا سحب من المكان كله. مكنتش شايفة الوشم بس، كانت شايفة حتة من روحها، الوشم كان لـ “سارة” بنت طفولتها، بنفس الملامح، نفس النظرة البريئة، وحتى الضفيرتين اللي كانت بتسرحهم لها بإيدها كل يوم الصبح قبل ما تروح المدرسة.
الشاب لاحظ نظراتها المرعوبة ووقفتها المتجمدة، فاستغرب وبص لدراعه وبعدين بصلها وقال بقلق: “مالك يا حاجة؟ في إيه؟ حضرتك تعبانة؟”
فاطمة مكنتش قادرة تنطق، لسانها كان عاجز، بس إيدها اترفعت ببطء شديد ولمست دراعه، صوابعها مشيت فوق الوشم وكأنها بتتحسس وش بنتها الحقيقي. دموعها نزلت فجأة زي السيول، وبصوت مبحوح ومكسور طلعت منها الكلمة: “دي سارة… دي بنتي!”
الشباب صحابه كلهم سكتوا وبصوا لبعض بدهشة. الشاب سحب دراعه بسرعة وهو مش فاهم حاجة وقال: “بنتك مين يا حاجة؟ ده وشم أنا عامله من كذا سنة.. إيه اللي جاب بنتك للموضوع؟”
فاطمة صرخت بأعلى صوتها وهي بتمسك في قميصه: “والله بنتي! الوش ده وش بنتي سارة اللي ضاعت مني في إسكندرية من تمان سنين! أنا أم ومستحيل أغلط في وش ضنايا.. قولي أرجوك، مين دي؟ وإنت عرفت الوش ده منين؟”
الشاب وشه اتخطف وأصحابه بدأوا يهدوا الست الكبيرة اللي كانت منهارة تماماً. الشاب قعد على كرسي قدام المحل وقال وهو بيحاول يستوعب: “يا حاجة اهدي بالله عليكي.. أنا اسمي كريم، والوشم ده مش مجرد رسمة عاجباني.. دي صورة أختي الصغيرة بالتبني!”
الكلمة نزلت على فاطمة زي الصاعقة: “أختك بالتبني؟!”
كريم اتنهد وكمل وعينه مليانة حزن: “أيوة.. من حوالي تمان سنين، أبويا الله يرحمه كان شغال صياد في إسكندرية. وفي يوم رجع البيت ومعاه طفلة صغيرة، كانت في حالة صدمة تامة، مابتنطقش ولا كلمة، ومبتفتكرش أي حاجة حتى اسمها. أبويا حاول يسألها كتير، ولف بيها في الأماكن القريبة، بس ملقاش حد بيسأل عنها وخاف يوديها للشرطة ليفتكروه خطفها، خصوصاً إنه كان راجل غلبان وعايش على قد حاله. أخدها وعشنا بيها في قرية صغيرة على أطراف البحيرة، وسميناها ‘نور’.. وكبرت معانا وبقت أختي الغالية. ولما أبويا مات من سنتين، أنا قررت أرسم وشها على دراعي عشان تفضل معايا في كل مكان بشتغل فيه عشان أصرف عليها.”
فاطمة كانت بتسمع والكلام بيأكد كل شكوكها.. الطفلة المنصدمة اللي مابتنطقش، التوقيت، المكان.. كل حاجة كانت راكبة على بعضها.
طلعت جري على جوه المحل، وفتحت درج مكتبها القديم وطلعت منه الصورة الأصلية لـ سارة بالفستان الأصفر والضفاير، وخرجت بيها وهي بتنهج، حطت الصورة في إيد كريم وقالتله: “بص.. بص في الصورة دي وقولي مش دي نور؟!”
كريم بص للصورة، وعينيه وسعت من الصدمة. الصورة كانت كربون من الوشم، ومن ملامح أخته “نور” وهي صغيرة. الشباب أصحابه اتجمعوا حواليه وبصوا للصورة وواحد منهم قال بذهول: “يخرب بيت الشبه.. دي نور بالظبط يا كريم! دي هي!”
كريم رفع عينه لفاطمة والدموع في عينه: “يا أمي.. نور عايشة، وبتكبر، وهي دلوقتي عندها 18 سنة.. بس هي لسه فاكرة إننا أهلها الحقيقيين لأنها نسيت كل حاجة قبل حادثة الشاطئ.”
فاطمة وقعت على ركبها في الأرض، ورفعت إيدها للسما وهي بتبكي وتضحك في نفس الوقت: “الحمد لله يا رب.. بنتي عايشة.. محمود مات وهو فاكرها ماتت بس هي عايشة!”
كريم قام بسرعة وسندها وقالها وعينه دمعت: “يا أمي، إحنا مش خطافين، أبويا الله يرحمه غلبان ورباها أحسن تربية ودلوقتي هي في ثانوية عامة وبنت زي الفل. أنا هاخدك ليها دلوقتي حالا.. من حقك تشوفي بنتك، ومن حقها تعرف أمها الحقيقية.”
وفي نفس اليوم، ركبت فاطمة مع كريم في الميكروباص، وقلبها كان بيدق أسرع من دقات الساعة، رايحة لرحلة عمرها ما تخيلت إنها هتوصل لنهايتها بعد تمان سنين من العذاب، رايحة تقابل “سارة” اللي غابت طفلة.. وهترجع لها شابة.
حكايات شروق خالد
الميكروباص كان بيجري على الطريق، وكل كيلومتر بيمر كان بالنسبة لفاطمة كأنه سنة كاملة من الانتظار. دموعها مكنتش راضية تقف، وإيدها لسه ماسكة في صورة سارة الصغيرة كأنها خايفة تضيع منها تاني. كريم كان قاعد جنبها، باصص من الشباك ومحتار.. جواه فرحة صدمة إن البنت الغلبانة اللي ربوها طلع ليها أم وعيلة بتدور عليها، وجواه خوف طبيعي من اللحظة اللي “نور” هتعرف فيها الحقيقة.
بعد حوالي ساعتين، الميكروباص دخل قرية هادية على أطراف البحيرة. البيوت كانت بسيطة، والشوارع ضيقة وتراب. العربية وقفت قدام بيت صغير مبني بالطوب الأحمر، قدامه شجرة توت كبيرة.
كريم نزل وسند فاطمة اللي رجليها مكنتش شايلاها من التوتر. دخلوا من الباب الصغير، وكريم نادى بصوت عالي: “يا نور.. يا نور، أنتي جوه؟”
من الأوضة الجوانية، طلع صوت بناتي رقيق: “أيوة يا كريم، ثواني وطالعة.”
لحظات.. وخرجت بنت شابة، طولها ممشوق، ملامحها هادية، ولابسة عباية بيتي بسيطة ولمة شعرها لورا. فاطمة أول ما شافتها، الدنيا لفت بيها. الشبه مكنش محتاج كلام.. هي نفس العينين الواسعين المسحوبين، نفس رسمة الحواجب، ونفس الضحكة اللي بتنور الوش. “سارة” كبرت وبقت عروسة.
نور بصلتهم باستغراب، ولما شافت فاطمة وهي بتبكي ومنهارة، جرت عليها بغريزة نقية وقالت: “أهلاً يا حاجة.. مالك؟ فيكي إيه؟ كريم، مين الست البركة دي؟”
فاطمة معرفتش تسيطر على نفسها، رمت نفسها في حضن نور وفضلت تضمها بـ غل شديد وكأنها عايزة تدفنها جوه ضلوعها، وصرخت بوجع سنين: “يا قلب أمك.. يا حتة مني.. يا سارة يا بنتي!”
نور اتخضت وبصت لكريم وهي مش فاهمة حاجة وتحاول تبعد بالراحة: “كريم.. في إيه؟ الست دي بتقول إيه؟ ومين سارة دي؟”
كريم قفل الباب وقعدهم، ودموعه نزلت وهو بيتكلم: “نور.. اقعدي واسمعيني كويس. فاكرة لما حكيت لك إن أبويا الله يرحمه لقاكي على الشاطئ في إسكندرية وأنتي صغيرة ومكنتيش فاكرة اسمك ولا عيلتك؟”
نور ريقها جِف، وبدأت تترعش: “أيوة.. فاكرة. قولتلي إنك دورت على أهلي وملقتش حد.”
كريم حط إيده على كتف فاطمة وكمل: “أهو أهلك هما اللي م بطلواش تدوير عليكي يوم واحد من تمان سنين.. الست دي تبقى أمك الحقيقية يا نور.. واسمك الحقيقي سارة محمود.”
نور بصت لفاطمة بذهول، وعقلها مكنش قادر يستوعب الصدمة. تمان سنين عايشة في حكاية، وفجأة الحكاية بتتغير في ثانية. فاطمة طلعت الصورة القديمة وحطتها في إيد نور: “بصي يا بنتي.. بصي لنفسك وأنتي عندك عشر سنين.. ده فستانك الأصفر اللي ضعتي بيه، ودي الضفاير اللي كنت بعملها لك.. أنتي سارة بتاعتي يا نور، والله العظيم أنتي بنتي.”
نور بصت للصورة.. وفجأة، كأن فيه ستارة سودا انزاحت من على ذاكرتها. ملامح الفستان الأصفر.. ريحة البحر.. صوت راجل حنين بيضحك معاها (أبوها محمود).. وصوت الست دي بالظبط وهي بتناديها “سارة”! الذكريات لفت في دماغها زي الشريط السريع لحد ما دماغها وجعتها.
دموع نور نزلت، وبصت لفاطمة بنظرة تانية خالص.. نظرة رجوع الروح. اترمت في حضن فاطمة بجد المرة دي، وفضلوا الاتنين يبكوا في مشهد يقطع القلب، وكريم واقف بعيد بيبكي وسعيد إنه رجع الأمانة لأصحابها.
بعد ما الهيجان والدموع هديت، نور بصت لكريم وقالتله: “أنا عمري ما هنسى إنكم حمتوني وربيتوني يا كريم.. إنتوا أهلي برضه.”
كريم ابتسم وقالها: “وأنا هفضل أخوكي يا نور.. بس مكانك الطبيعي دلوقتي مع أمك، روحي معاها وعوضيها عن سنين العذاب.”
فاطمة أخدت بنتها في إيدها، ورجعوا القاهرة.. المرة دي الميكروباص مكنش راجع فاضي، المحل الصغير اتقفل عشان يتفتح باب جديد للحياة، وفاطمة أخيرًا قدرت تاخد نفسها وتنام وهي ضامة بنتها في حضنها، بعد تمان سنين من الوجع والصبر اللي اتقدروا بأجمل نهاية.
## فرحة بعد غياب: عودة سارة
حكايات شروق خالد

