حكايه احمد وشاديه

القصة كاملة

الكاتبة ملك إبراهيم

أحمد المسيري كان واقف تحت البيت، العربية لسه دايرة وشنطه مرمية على الرصيف. سنتين غربة في السعودية، شغل 12 ساعة في اليوم، وأكل نص نص، ونوم على سرير حديد بيزيق.. كله كان بيهون لما يفتكر ضحكة شادية وهي صغيرة وبتحدف عليه طوبة من البلكونة.

 

شادية بنت الحاج سيد البقال.. جارته من وهو عنده 7 سنين. كبرت في عينه حتة حتة، ولما بقى عنده 24 سنة راح لأبوها وقلبه في إيده. الراجل وافق بس حط الشرط:

“تسافر تجيب قرشينك، ومفيش كلام بينكم طول السنتين. عايزك ترجع راجل تقدر تفتح بيت. بنتي مش لعبة.”

 

أحمد وافق. كان شايف إن أبوها عنده حق. سافر وهو شايل صورتها في المحفظة، وكل ما يوحشه صوتها يكلم أمه في التليفون:

“شادية عاملة إيه ياما؟”

“شادية كويسة يا حبيبي.. شد حيلك إنت بس.”

 

“كويسة”.. الكلمة دي كانت الأكسجين بتاعه سنتين كاملين.

 

نزل من العربية، التراب بتاع السفر لسه على هدومه، ورفع راسه يبص على بلكونتهم.. قلبه وقع في رجليه.

 

الباب الحديد بتاع بيتهم اتفتح، وشادية نازلة. شايلة على كتفها لفة صغيرة.. طفل رضيع لافاه في كوفرتة لبني. وشها منفوخ شوية، وجسمها زايد، وتحت عينيها سواد خفيف بتاع واحدة ما بتنامش من عياط عيل.

 

أحمد حس الدم جري في عروقه مرة واحدة. ابتسم غصب عنه وصرخ بلهفة:

“شادية!!”

 

هي اتسمرت ثانية. عينيها جت في عينه. مفيش كلام يتوصف النظرة دي.. خليط من خضة وذنب وكسرة. وبعدها لفت وشها الناحية التانية ودخلت جوه العمارة اللي جنبهم بسرعة، من غير ولا كلمة. كأنها شافت عفريت.

 

أحمد فضل واقف متنح. “مالها؟ مكسوفة ولا إيه؟ أكيد اتفاجئت”. هز راسه وهو بيضحك لنفسه، قال “تلاقيها رايحة للدكتور بالواد.. أخوها الصغير اللي لسه مولود”.

 

شال شنطة ورا التانية وطلع السلم قلبه بيرقص. هيشوف أمه ويحضنها، ويحكلها، وبالليل ياخد علبة جاتوه وينزل لأبو سيد يتفقوا على الفرح خلاص. الحلم خلاص بقى على باب الشقة.

 

فتح بالمفتاح اللي سايبه معاه من سنتين. أمه “الحاجة فاطمة” كانت بتصلي العصر. أول ما خلصت وشافته، صرخت وحضنته ودموعها نزلت:

“أحمد.. يا ضنايا.. حمدالله على سلامتك يا بني.”

 

بعد الأحضان والبوس والـ”وحشتني” قالها وهو نفسه مقطوع من الفرحة:

“ياما أنا شفت شادية دلوقتي وهي نازلة.. بس شكلها متغير شوية، تخنت كده. هو أخوها ده عنده قد إيه؟ شهرين؟ أصل شايلة عيل صغير.. أنا ناوي أنزل لأبوها بعد المغرب نحدد الفرح بقى، خلاص تعبنا.”

 

الحاجة فاطمة برقت. وشها اللي كان منور من الفرحة اتطفى مرة واحدة كأن حد داس على زرار. قعدت على الكنبة وحطت إيدها على ركبتها، وإيديها بتترعش.

 

أحمد قلبه وقع: “في إيه ياما؟ مالك؟ حد جراله حاجة؟”

 

أمه بلعت ريقها بصعوبة، وبصت في الأرض وقالت بصوت واطي ميت:

“أقعد يا أحمد يا بني.. أقعد.”

 

“في إيه قلقتيني!”

 

“الواد اللي شفته ده.. ده مش أخوها يا أحمد.”

 

سكتت ثانية، والثانية دي كانت أطول من السنتين اللي فاتهم.

“ده ابنها.. شادية اتجوزت يا بني.”

 

الدنيا لفت بيه. الشنط اللي لسه ما اتفتحتش، هدوم الغربة، الريحة بتاعة المطار.. كل ده بقى تقيل فجأة.

“إيه؟.. اتجوزت إزاي؟ إمتى؟”

 

الحاجة فاطمة دموعها نزلت وهي بتمسك إيده:

“بعد ما سافرت بـ 5 شهور، أبوها جالي رجعلي الشبكة.. قاللي كل شيء قسمة ونصيب، وإحنا مش هنستنى حد. يومين بالظبط والبنت اتخطبت للواد محسن ابن المعلم عبده الجزار.. جاهز ومعاه شقته. وفي أقل من شهر كانوا متجوزين. وأهي خلفت من شهرين زي ما شفت.”

 

أحمد قام وقف مرة واحدة، صوته اتخنق:

“وإنتي.. إنتي كنتي بتقوليلي إيه كل ما أكلمك؟ مش كنتي بتقولي شادية كويسة؟ كويسة إزاي وهي متجوزة ومخلفة؟”

 

أمه انهارت في العياط:

“يابني كنت هقولك إيه؟ أقولك وانا عارفة إنك لوحدك في الغربة؟ كنت هتتكسر ومش هتعرف تشتغل ولا هتعرف تنزل. كنت خايفة عليك يابني.. قولت أستنى لما ترجع وتبقى وسطنا.. سامحني يا ضنايا.. والله كنت بدعيلك ليل نهار ربنا يعوضك.”

 

أحمد ماردش. حس إن حد دق مسمار في دماغه. ساب أمه قاعدة تعيط وطلع البلكونة. بص على الشارع.. على بيت شادية اللي بقى بيت أبوها بس. وعلى العمارة اللي دخلتها من شوية.. بيت جوزها.

 

سنتين من عمره، من صحته، من شقاه.. راحوا في “شادية كويسة”.

 

والسؤال اللي كان بيقطع فيه: هي كانت عارفة إني لسه بستناها؟ ولا “كويسة” دي كانت ليا أنا لوحدي؟

 

حط إيده على سور البلكونة الحديد البارد.. وكان ده أول يوم له في مصر.. بس الغربة الحقيقية لسه بتبدأ دلوقتي.

 

يتبع…

بيت الحاج سيد – بعد 10 دقايق

 

شادية طلعت السلم جري، قلبها هيقف. دخلت شقتهم وقفلت الباب وراها بضهرها ونفسها مقطوع. اللفة اللي فيها ابنها “ياسين” على كتفها بدأ يزن.

 

أمها “الحاجة سعاد” طالعة من المطبخ وبتلم الوشاح على راسها:

“إيه يا بت مالك؟ جريتي كده ليه وسيبتي الواد محسن تحت؟”

 

شادية حطت ياسين على الكنبة ودموعها نزلت مرة واحدة:

“أحمد يا ماما.. أحمد المسيري رجع.”

 

الكوباية وقعت من إيد الحاجة سعاد: “بسم الله.. رجع إمتى؟ وشافك؟”

 

“شافني وأنا نازلة بياسين. نده عليا وأنا عيني جت في عينه ومعرفتش أعمل إيه.. دخلت جري عند حماتي.”

 

قعدت على الكرسي وحطت إيدها على وشها وبدأت تشتكي والكلام بيطلع متلخبط:

“أنا تعبت يا ماما.. تعبت. محسن ده مبيطيقش نفس. كل حاجة يقولي مفيش فلوس.. اللبن بتاع الواد بيخلص يقولي اتصرفي من عند أمك. الواد سخن امبارح طول الليل، بقوله نروح للدكتور يقولي سيبيه هيخف لوحده. ده حتى مبيشتريش فاكهة للبيت! أنا حاسة إني متجوزة خزنة مش راجل.”

 

الحاجة سعاد قربت منها وطبطبت على كتفها: “يا بنتي ما إنتي اللي استعجلتي.. أبوكي قالك استني الواد لما يرجع، وإنتي اللي قولتي أنا عايزة أتجوز وأستقر.”

 

شادية رفعت راسها وعنيها فيها كسرة: “عشان كنتوا كل يوم بتزنوا عليا.. ده جاهز ده شقته موجودة، وأحمد فين وأمته يرجع.. وأهو رجع.”

 

سكتت شوية وبصت للفراغ، وابنها بيعيط جنبها. مسحت دموعها وقالت بصوت واطي، نصه ندم ونصه حسبة:

“يا ترى بقى.. رجع معاه كام؟ السنتين دول عمل فيهم إيه؟”

 

الحاجة سعاد ضربت على صدرها: “يا لهوي يا بنتي! اتقي الله.. إنتي على ذمة راجل ومعاكي عيل. ده كلام؟”

 

شادية ما ردتش. شالت ابنها وبدأت تهزه عشان يسكت، وعنيها سرحانة في الشباك اللي بيبص على شارعهم.. على بيت أحمد.

 

—

 

بيت الحاجة فاطمة – الدور التالت

تحت منهم على طول، شقة شهد

 

صوت خبط هادي على الباب. “شهد” كانت في المطبخ بتغسل كوبايتين، وشعرها ملموم كحكة سريعة والتيشيرت البينك بتاعها عليه دبدوب صغير. عندها 22 سنة، ملامحها هادية وجميلة، وعنيها واسعة. من وهي عيلة صغيرة وهي بتحب أحمد، بس عمرها ما قالت. كانت بتسمع صوته طالع نازل مع أخوها حسين، وتستنى شم النسيم عشان تشوفه وهو شايل الطبق وبيضحك.

 

فتحت الباب وهي متوقعة أخوها حسين نسي المفتاح.. لقيته هو.

 

أحمد المسيري واقف. وشه شاحب، ودقنه طويلة يومين، وتيشيرت السفر لسه عليه. بس العنين.. العنين اللي كانت دايماً بتضحك، كانت مطفية ومضايقة.

 

شهد قلبها دق بسرعة لدرجة إنها سمعت صوته في ودانها. فرحة السنين كلها اتجمعت في ثانية.

“أحمد! حمدالله على السلامة.. إنت جيت إمتى؟”

 

صوته كان هادي بس تقيل: “لسه حالاً يا شهد.. حسين موجود؟”

 

“آه آه جوه. اتفضل.”

وسعت من ع الباب وهي مش مصدقة إنه واقف قصادها بعد سنتين. دخل الصالة، ريحة البرفان بتاعه لسه زي ما هي، مخلوطة بريحة تراب السفر.

 

“حسيييين! قوم شوف مين هنا.”

 

حسين طلع من الأوضة بالفانلة الحمالات، أول ما شاف أحمد صرخ وحضنه: “يا جدع وحشتني يا ابن الـ… إيه ياعم الشياكة دي كلها؟”

 

أحمد ابتسم نص ابتسامة مجاملة: “عايزك في كلمتين يا حسين على انفراد.”

 

حسين لمح في عين صاحبه حاجة غلط: “تعالى ندخل أوضتي.”

 

—

 

في أوضة حسين

 

أول ما الباب اتقفل، أحمد مسك دماغه وقعد على السرير: “شادية اتجوزت يا حسين.”

 

حسين اتسمر: “إيه؟ عرفت منين؟”

 

“شفتها بعيني. نازلة وشايلة عيل على كتفها.. ابنها.”

 

حسين قعد جنبه وضرب كف على كف: “يا نهار أسود.. أومال أمك مقالتلكش؟”

 

هنا صوت أحمد علي واتعصب لأول مرة من ساعة ما رجع: “ولا أمي ولا أمك ولا أبوك ولا إنت! كلكم كنتوا عارفين! سنتين وأنا زي الأهبل بكلم أمي تقولي شادية كويسة.. كويسة؟! كنتوا بتهونوا عليا الغربة بكذبة؟ ليه محدش فيكم قاللي الحقيقة؟ كنت رجعت من تاني شهر ووفرت على نفسي كل ده!”

 

صوته كان بيرج في الأوضة، وفيه قهر السنين كلها.

 

وفي نفس اللحظة، باب الأوضة اتفتح بالراحة. شهد داخلة بصينية الشاي، والنعناع ريحته قالبة الشقة.

 

الكوبايات اتهزت في الصينية لما سمعت جملته الأخيرة: “…بعد ما عرفت إن كلكم خبيتوا عليا موضوع جواز شادية.”

 

وقفت متسمرة على الباب. الصينية في إيديها، وعنيها على أحمد وهو متعصب ووشه أحمر، وحسين موطي راسه مش عارف يرد.

 

فهمت كل حاجة في ثانية. فهمت هو ليه شكله كده. فهمت ليه رجع مكسور.

 

أحمد بص لها فجأة وهو بينهج من العصبية، وشافها واقفة وسامعة. سكت.

 

الـ3 في الأوضة، والصمت تقيل. صوت معلقة الشاي بس هو اللي عمل “شخللة” خفيفة لما إيد شهد اترعشت.

يتبع…

 

بعد أسبوع

 

البيت اللي اتبنى على استعجال، بيقع بسرعة.

 

بيت محسن الجزار

صوت رزع وزعيق طالع من الشقة. شادية واقفة في الصالة وابنها ياسين بيعيط في الأوضة.

“أنا مش خدامة عندك يا محسن! الواد عايز بامبرز ولبن، وانت تقولي استني أول الشهر؟ أول الشهر ده بعد 10 أيام!”

 

محسن كان قاعد بيفك في كيس لحمة، وبصلها بقرف: “وإنتي مفكرة الفلوس بتتحدف من السما؟ ما تروحي تقولي لأبوكي يصرف عليكي لو مش عاجبك.”

 

دي كانت القشة. شادية لمت هدومها وهدوم ياسين في شنطة، وخدت ابنها ونزلت عند أمها.

“أنا غضبانة ومش راجعة إلا لما يحس بقيمتي.”

 

بالليل وهي قاعدة في أوضة أبوها القديمة، بترضع ياسين وبتفكر. كلام أمها بيتردد في ودانها: “يا ترى رجع معاه كام؟”

ابتسمت لنفسها ابتسامة باهتة. “أحمد لسه بيحبني.. أنا متأكدة. لو لمحتله بس.. لو عيطتله شوية، هيحن. أتطلق من البخيل ده وأرجع لأحمد. هو أولى بيا وبالفلوس اللي تعب فيها عشاني.”

 

—

 

في نفس التوقيت، شقة الحاجة فاطمة

 

شهد بقت ضيفة يومية. تطلع الصبحية تعمل شاي للحاجة فاطمة، تقعد معاها، تونّسها. والحاجة فاطمة بتحبها، بتقول عليها “بنتي اللي مخلفتهاش”.

 

لاحظت إن أحمد قافل على نفسه الأوضة، بيطلع ياكل لقمة ويدخل تاني. الدقن طولت، والعينين فيهم سهر وتفكير.

 

في يوم طلعتله بكوباية قهوة، خبطت ودخلت. كان قاعد سرحان في تليفونه بيقلب في أسعار المحلات.

“إنت هتفضل كده كتير؟” قالتها وهي بتحط القهوة قدامه.

 

أحمد اتنهد: “عايزاني أعمل إيه يا شهد؟ السنتين طاروا.. والحلم طار.. والفلوس اللي معايا مبقاش ليها طعم.”

 

شهد قعدت قصاده على الكرسي وقالت بجدية: “طعم إيه؟ هو انت سافرت عشان شادية بس؟ ولا عشان تبقى راجل ليك اسمك؟ الفلوس دي شقاك إنت، وعرقك إنت. بدل ما كنت هتجيب بيها شقة وتقفل على نفسك، افتح بيها باب رزق. افتح مشروع هنا في منطقتنا.. الناس كلها عارفاك وعارفة إنك جدع.”

 

الكلام دخل دماغه. رفع عينه ليها: “مشروع إيه؟ أنا مبفهمش في التجارة.”

 

“تتعلم. حسين أخويا فاتح ورشة موبيليا وبيكسب كويس. ممكن تشاركه، أو تفتح سوبر ماركت نضيف.. المنطقة محتاجة واحد. وأنا هساعدك.. في الحسابات، في الوقفة، في أي حاجة.”

 

لأول مرة من أسبوع، أحمد ابتسم نص ابتسامة حقيقية. “إنتي شايفة كده؟”

“أنا متأكدة. إنت أحمد المسيري اللي الكل بيحلف بجدعنته.. قوم اقف على رجلك، ووري الدنيا كلها إنك متكسرتش.”

 

من اليوم ده، أحمد اتغير. نزل مع حسين وشهد، لفوا على محلات، سألوا على إيجار، وحسبوا التكلفة. قرر يفتح “سوبر ماركت المسيري” على أول الشارع.. محل كبير ونضيف. الفلوس اللي كانت هتروح في شقة جوازه من شادية، بقت طوب وأرفف وبضاعة.

 

شهد كانت في ضهره خطوة بخطوة. تختار معاه الألوان، تكلمه موردين، وتشجعه لما يحبط. الحاجة فاطمة بقت تدعيلها في كل صلاة.

 

—

 

بيت الحاج سيد – بعد شهر من غضبة شادية

 

الأخبار في المنطقة بتوصل أسرع من النت. شادية سمعت من أم سيد اللي ساكنة في التاني إن “أحمد فتح محل قد كده، وجاب تلاجات وبضاعة بمئات الألوف”.

 

الدم غلي في عروقها. “يعني معاه فلوس قد كده.. وكان هيشتريلي بيها شقة؟ ودلوقتي بيعمل بيها مشروع؟ وأنا قاعدة هنا متلقحة عند أبويا وجوزي مش معبرني؟”

 

الغيرة والطمع عموا عينيها. لبست عباية سمرة ونزلت من غير ما تقول لأمها. راحت على بيت أحمد الساعة 8 بالليل.

 

خبطت على شقة الحاجة فاطمة. اللي فتح كان أحمد. أول ما شافها، وشه اتقفل ألف قفل.

“نعم؟”

 

شادية بلعت ريقها ومثلت الدموع: “أحمد.. عايزة أتكلم معاك كلمتين بس. استحلفك بالعشرة اللي بينا.”

 

أحمد بص وراه، أمه كانت بتصلي. رجع بص لشادية ببرود: “مفيش عشرة يا شادية. كان فيه وخلصت. اللي بيني وبينك انتهى من اليوم اللي أبوكي رجع فيه الشبكة. بعد إذنك.” وقفل الباب في وشها من غير ما يتردد ثانية.

 

شادية اتصدمت. اتمنت الأرض تتشق وتبلعها. نزلت جري وهي سامعة قلبها بيدق من الكسفة.

 

المشكلة إن عم “حمدي” البواب كان قاعد قصاد البيت وشافها طالعة نازلة. ومن عادته إنه “مبيتبلش في بقه فولة”.

 

تاني يوم، محسن كان راجع من المحل، وقفه عم حمدي: “بقولك إيه يا معلم محسن.. خلي بالك من بيتك. أنا امبارح شايف حرمتك طالعة من بيت الواد أحمد المسيري اللي كان خاطبها زمان.”

 

محسن الدم فار في نافوخه. رمى كيس اللحمة على الأرض وطلع جري على بيت حماه، وشه جايب ألوان.

 

الخناقة الجاية مش هتبقى كلام.. هتبقى فضيحة.

 

يتبع…

 

محسن مطاقش. الدم ضرب في دماغه من كلام عم حمدي. “طالعة من بيت اللي كان خاطبها؟” السكاكين اللي بيقطع بيها في المحل كان نفسه يقطع بيها أحمد دلوقتي.

 

الساعة 9 بالليل، والشارع زحمة. ناس راجعة من شغلها، وعيال بتلعب كورة. محسن جاي من أول الشارع هايج، قميصه مفتوح وبينهج، وفي إيده الساطور الصغير اللي بينضف بيه المحل. وقف قصاد “سوبر ماركت المسيري” اللي لسه متعلق عليه فرع نور.

 

أحمد كان جوة المحل بيرص علب الجبنة مع حسين، وشهد واقفة على الكاشير بتسجّل البضاعة. فجأة الباب الزجاج اترزع.

 

“يا أحمد يا مسيري.. اطلعلي بره يا ناقص يا ابن الناقصة!”

 

الشارع كله اتلم في ثانية. الشبابيك اتفتحت، والستات طلعت البلكونات. أحمد اتخض وساب اللي في إيده وطلع. حسين وشهد وراه.

 

“في إيه يا محسن؟ إنت جاي تتخانق هنا؟”

 

محسن زعق بصوت جاب آخر الشارع: “بجح كمان! إيه اللي مودي مراتي عندكم البيت يا راجل يا ناقص؟ فاكرها سايبة عشان تكلمها في الحرام؟ ده أنا أدفنك مطرحك.”

 

الناس بدأت تهمهم. الفضيحة بقت بجلاجل. أحمد دمه غلي بس مسك أعصابه: “مراتك مين؟ أنا معرفش حاجة عن مراتك. ولو جت بيتي، أنا قفلت الباب في وشها. اسأل أمك عليها بدل ما جاي تعمل راجل عليا هنا.”

 

محسن رفع الساطور: “بتقفل الباب في وش مين يا روح أمك؟ دي كانت خطيبتك ولسه عينك منها!”

 

قبل ما أحمد يرد، صوت زعق من وراهم، صوت يعرفه كل اللي في الشارع.

 

الحاجة فاطمة، أم أحمد، نازلة من البيت لابسة العباية السمرة ووشها أحمر من الغضب. جت وقفت في نص الدايرة اللي اتعملت وسط الناس، وحطت إيدها في وسطها.

 

“بس! كلمة واحدة بس يا ابن المعلم عبده. إنت جاي تتشطر على ابني في أكل عيشه؟”

 

الشارع كله سكت. الحاجة فاطمة كلمتها مسموعة، والكل بيحترمها.

 

بصت لمحسن في عينه، وبعدين بصت للناس كلها وقالت بصوت عالي تسمعه المنطقة كلها:

“اسمع يا محسن وإنت يا خلق.. ابني أحمد المسيري خاطب.. وخاطب أنضف وأجدع بنت في الحتة. خاطب شهد أخت حسين صاحبه، اللي واقفة جوة دي.”

 

وشاورت على شهد اللي كانت واقفة على باب المحل، وشها أحمر ومصدومة، بس رفعت راسها. حسين وقف جنبها وحط إيده على كتفها كأنه بيعلنها قصاد الكل.

 

الحاجة فاطمة كملت كلامها وهي بتقطع: “ابني ملوش أي علاقة ببنتكم ولا بمشاكلكم. اللي جت خبطت على بابنا إحنا طردناها. مالناش في خراب البيوت ولا في الرخيص. شادية دي صفحة وابني قطعها بإيده. فهمت ولا أعيد تاني؟”

 

الكلام نزل على محسن زي المية الساقعة، وعلى الناس زي القنبلة. “خاطب شهد؟” الهمهمة رجعت بس المرة دي بتعاطف مع أحمد.

 

محسن اتكسر وسط الناس. الكرامة بتاعته راحت. لف يبص حواليه لقى كل العيون بتتهمه هو إنه جاي يتبلّى. حس إنه بقى مسخرة.

 

في نفس اللحظة، شادية كانت واقفة في بلكونة بيت أبوها بتتفرج على الفضيحة. قلبها كان بيقع في رجليها وهي شايفة أحمد واقف، وشهد جنبه، وأمه بتعلن خطوبتهم.

 

نزلت جري زي المجنونة عشان تلحق جوزها قبل ما يتهور أكتر. وصلت وسط الزحمة وهي بتصرخ: “محسن! كفاية فضايح.”

 

محسن بص لها، عينه فيها دموع الغل والقهر. شافها السبب في كل ده. شاف إنها كانت بتجري ورا واحد تاني وهو متجوزها. مقدرش يستحمل.

 

شاور عليها قصاد كل الناس، وصوته جه من قاع بير:

“إنتي طالق يا شادية. طالق بالتلاتة. غوري للي كنتي بتجري وراه، عشان مبقاش ليكي راجل اسمه محسن.”

 

ورمى الساطور على الأرض ومشي وسط الناس اللي وسعوله سكة، وهو بيجر كرامته المكسورة وراه.

 

شادية وقعت على الأرض في نص الشارع، صوت صرختها قسم السكوت اللي حصل. ياسين ابنها بيعيط في بلكونة جده فوق.

 

أحمد واقف متسمر. بص لشهد اللي عينيها دمعت، وبص لأمه اللي خدته في حضنها كأنها بتحميه من الدنيا كلها.

 

الصفحة اتقفلت.. بس بالحبر الأحمر، وبفضيحة سمعت آخر الشارع.

 

يتبع…

بعد 3 شهور و10 أيام

 

العدة خلصت. شادية صاحية من النوم وعنيها بتلمع. سرّحت شعرها، لبست عباية جديدة، وحطت كحل خفيف. واقفة قصاد المراية وحاسة إنها رجعت 20 سنة لورا.. لأيام ما كانت مستنية أحمد تحت البيت.

 

“خلاص.. اتطلقت، وأهو رجعلي على الجاهز. بالمحل والفلوس والشقة اللي هيجيبها.” قالتها لنفسها وهي بتضحك.

 

نزلت من غير ما تقول لأمها، وراحت على بيت الحاجة فاطمة. قلبها بيرقص. خبطت على الباب وهي متأكدة إن الباب ده هيتفتحلها على الجنة.

 

اللي فتح كان أحمد. أول ما شافها، ملامحه متغيرتش. لا لهفة، ولا كره، ولا حتى شفقة. كان واقف باصص في وشها كأنه شايف واحدة غريبة بتسأل على عنوان.

 

شادية ابتسمت بكسوف مصطنع: “أحمد.. أنا.. أنا جيت أقولك إن عدتي خلصت. و.. وأنا موافقة. موافقة نتجوز يا أحمد. أنا آسفة على كل حاجة، وغلطت واستاهل أي عقاب.. بس أنا وانت مكتوبين لبعض.”

 

سكتت مستنية يرد، يبتسم، ياخدها في حضنه.

 

أحمد خد نفس عميق، وسند على حلق الباب. بص لها من فوق لتحت وقال بهدوء يخوّف:

“تتجوزي مين؟”

“أت.. أتجوزك إنت.”

“أنا؟” ابتسم بسخرية، ابتسامة وجعتها أكتر من أي قلم. “شادية.. إنتي جيتي متأخر أوي. أوي لدرجة إني لما ببصلك دلوقتي.. بحس بقرف.”

 

شادية شهقت: “إيه؟”

“أيوه قرفان. قرفان من فكرة إن واحدة باعتني عشان واحد جاهز، ولما الجاهز طلع بخيل وجعان، افتكرتني أنا الحصالة اللي هترجعلها. الحب اللي كان بينا مات يا شادية. مات يوم ما أبوكي رجع الشبكة، وانتي وافقتي. اللي فاضل دلوقتي واحد أنا معرفوش.”

 

قرب خطوة وقال بصوت واطي بس قاطع زي السكي..نة: “امشي يا شادية. امشي ومتورينيش وشك تاني. ولو شفتك في شارع، هلف من شارع تاني. بعد إذنك.”

 

وقفل الباب. بالراحة. من غير زعيق. وده كان أقسى من 100 قلم.

 

شادية فضلت واقفة ثانية، وبعدها نزلت على السلم وهي سامعة صدى الكلمة بيرن في ودانها: “قرفان”.

 

—

 

في نفس اليوم، بالليل

بيت حسين وأخته شهد

 

أحمد طالع ومعاه أمه، وفي إيده علبة جاتوه كبيرة وشيك، وبوكيه ورد أحمر. خبط على الباب.

 

اللي فتح حسين، وأول ما شافهم فهم. ابتسم ودخلهم: “يا أهلاً بالنسايب.”

 

قعدوا في الصالون. الحاجة فاطمة مسكت إيد أم شهد وقالت: “إحنا طالبين القرب منكم يا حاجة. طالبين إيد بنتك شهد لابني أحمد.. على سنة الله ورسوله.”

 

أم شهد دموعها نزلت من الفرحة. شهد كانت في المطبخ، سامعة قلبها هيقف. لما ندهوا عليها، دخلت وشها في الأرض ومكسوفة، بس عنيها بتلمع.

 

أحمد قام وقف قصادها، وقال قصاد الكل: “يا شهد.. أنا مش هقولك كلام متزوق. أنا راجل شقيان، بس أوعدك إن شقايا ده كله هيبقى ليكي. أوعدك إني هصونك، وأحطك في عينيا. تتجوزيني؟”

 

شهد رفعت عينها ليه، ولأول مرة تشوف في عينه نفس اللهفة اللي كانت بتشوفها وهي صغيرة، بس المرة دي كانت ليها هي. هزت راسها وهي بتعيط من الفرحة: “موافقة.”

 

الزغاريد ملت البيت.

 

—

 

بعد 6 شهور

 

الأيام عدت زي الحلم. أحمد وشهد اتخطبوا. كان بيعدي عليها كل يوم ياخدها المحل، تعلمه الحسابات، وهو يعلمها يعني إيه جدعنة. مرة المطر مطر عليهم وهم مروحين، قلع الجاكيت بتاعه وغطاها بيه. مرة تعبت بالليل، جاب الدكتور لحد البيت وقعد تحت رجليها للصبح. كل موقف كان بيبني حيطة في بيت حبهم.

 

ويوم الفرح، كانت أجمل عروسة. وهو واقف مستنيها على الباب ببدلته، أول ما شافها حس إن السنتين غربة كانوا تمن قليل أوي قصاد اللحظة دي.

 

—

 

آخر مشهد – بيتهم الجديد فوق السوبر ماركت

 

الفرح خلص، والهيصة سكتت. أحمد دخل الشقة وشال شهد. لف بيها وهو بيضحك، وهي متعلقة في رقبته وبتضحك بعلو صوتها.

 

نزلها بالراحة في الصالة. البيت لسه ريحته جديدة، والفرش جديد، بس الدفا اللي فيه كان بقاله سنين مستنيهم.

 

قعدوا على الكنبة جنب بعض. شهد ساندة راسها على كتفه. سكوت دقيقة، بس سكوت مليان كلام.

 

قطعت السكوت هي، وقالت بصوت واطي: “أحمد.. في حاجة عايزة أقولك عليها من زمان أوي.”

“قولي يا ست البنات.”

لفّت وشها ليه، وعنيها فيها عمر بحاله: “أنا بحبك. بحبك من وأنا عيلة صغيرة بضفاير. كنت بشوفك طالع نازل مع حسين، وكنت بدعي ربنا في كل صلاة تبقى من نصيبي. كنت بحلم باليوم ده من 10 سنين.”

 

أحمد مسك إيديها، باسها، وبص في عنيها وقال:

“وأنا بحبك يا شهد. يمكن محبتكيش من 10 سنين، بس عوضتيني عن كل حاجة وحشة شفتها. عوضتيني عن الغربة، وعن الكسرة، وعن الوهم. إنتي الحقيقة الحلوة اللي ربنا كتبها لي. وعايز أكمل معاكي باقي عمري.. يوم بيوم، وسنة بسنة، لحد ما نشيب سوا.”

 

شدها لحضنه، وهي دفنت وشها في صدره وهي مطمنة.

بره صوت الشارع، وجوه صوت قلبين لقيوا بعض أخيراً.

 

والشباك كان مفتوح، والهوا داخل يلاعب الستاير البيضا.. كأنه بيبارك.

 

النهاية ❤️

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *