قصه كامله
كنت فاكرة إن حياتي ماشية زي القطر.. نفس المحطة كل يوم. تصحى 7، تنزلي 8، ترجعي 6، تتفرجي على مسلسل تركي وتنامي.
نفس الشارع، نفس وشوش الناس في الميكروباص، نفس ريحة القهوة في مدخل العمارة، نفس جارتنا اللي بتقف في البلكونة تسقي الزرع وتراقب مين طالع ومين نازل. كنت بقول لنفسي أنا مبسوطة كده، أنا بحب الروتين، الروتين أمان. بس الحقيقة كنت زهقانة، زهقانة لدرجة إني بقيت بنسى أنا كنت بحلم بإيه زمان.
لحد ما لقيت الورقة دي تحت باب شقتي.
يومها كنت راجعة متأخرة، الساعة 7 ونص، الشنطة هتتقطع من كتر الحاجات اللي فيها، ومفاتيحي كالعادة ضايعة في قعر الشنطة. ببص تحت رجلي لقيت ورقة كراسة عادية، متنية نصين، مش مكتوب عليها حاجة من برا. فكرتها إعلان من بتوع النت ولا فاتورة.
فتحتها وأنا واقفة على السلم.
بس الخط.. خط رجالي تقيل، تقيل ومستعجل في نفس الوقت، كأنه قعد وروق على نفسه وهو بيكتبلي أنا مخصوص:
“صباحك بيبتدي لما بتدخلي المكتب. القهوة بتاعتك سكر زيادة، بس ضحكتك هي اللي مسكرة اليوم كله. خليكي فاكرة إن في حد شايفك حتى وإنتي مش واخدة بالك.”
قلبي وقع في رجليا.
وقفت مكاني كأني اتسمّرت. الشارع سكت مرة واحدة.
مين اللي عارف أنا بشرب قهوتي إزاي؟ أنا بشربها في المكتب، 3 معالق سكر، وكل زمايلي بيتريقوا عليا عشان بعملها شربات. مين اللي واخد باله من ضحكتي اللي أنا نفسي بنساها؟ أنا بقالي شهور مضحكتش من قلبي بجد.
دخلت الشقة وقفلت الباب بالمفتاح مرتين، وفضلت ماسكة الورقة كأني ماسكة قنبلة. بين الخوف والفضول، الفضول كسب. حطيت الورقة على التسريحة وقعدت أبصلها.
تاني يوم صحيت بدري غصب عني. لبست ونزلت وأنا ببص ورايا كل شوية. في الشغل كنت مركزة مع كل راجل بيعدي.
وصلت المكتب، وبعدها بساعة لقيت ورقة تانية مزحوقة من تحت كيبورد الكمبيوتر بتاعي:
“البلوزة الزرقا كانت حلوة عليكي النهاردة.”
أنا فعلاً كنت لابسة البلوزة الزرقا!
الدم هرب من وشي. يعني هو هنا؟ في نفس الدور؟ في نفس الشركة؟
بصيت حواليا بسرعة. المكتب المفتوح كله رجالة وستات بيكلموا في التليفونات. إسلام، زميلي اللي قاعد ورايا، كان بيبصلي وابتسم. ابتسامة غريبة. قلبت وشي بسرعة.
إسلام ده متجوز وعنده بنت، بس من أول ما جيت الشركة وهو عينه مش بتتشال من عليا. دايماً يقولي “يا إسراء يا رايقة” ويجيبلي قهوة من غير ما أطلب. معقول هو؟ لا لا، خط إسلام صغير وملعبك، مش الخط التقيل ده.
بدأت لعبة جديدة في حياتي. كل يوم أصحى أدور على الرسالة قبل ما أدور على موبايلي.
شهر كامل.. كل يوم رسالة.
يوم يوصف مشيتي وأنا متأخرة وبجري والشنطة بتخبط فيا. يوم يكتبلي “صوتك وأنتي بتتخانقي مع خدمة العملاء بتاعة النت الصبح كان مسموع لآخر الشارع، بس كان قمر”. أنا كنت بتخانق في البلكونة الساعة 8 الصبح، مين سمعني؟
مرة لقيت شيكولاتة جلاكسي اللي بحبها، اللي بالبندق، محطوطة على مكتبي في الشغل ومعاها ورقة: “عشان اليوم الطويل”. محدش يعرف إني بحب الجلاكسي بالبندق غير ماما.
ومرة تانية، ودي اللي رعبتني بجد، لقيت ورقة مكتوب فيها: “الكابوس اللي صحاكي 3 الفجر امبارح خلص خلاص، متناميش معيطة تاني”.
أنا فعلاً صحيت 3 الفجر يومها على كابوس، كنت بحلم إني بقع من مكان عالي، وقعدت أعيط لوحدي في الضلمة. محدش كان معايا في الشقة. محدش سمعني. إزاي عرف؟
هنا الخوف اتحول لهوس. بقيت أدور في كاميرات الأسانسير في خيالي، أبص على شباك الجيران. بقيت أقفل البلكونة بالمفتاح.
وحبيت المجهول ده. أيوة، دي الحقيقة المريبة. رغم الرعب، كنت بستنى رسالته كل يوم كأنها جرعة هوا. لأول مرة من سنين حد شايفني، مركز في تفاصيلي، حافظ أيامي. الروتين الممل بقى فيلم تشويق وأنا البطلة.
كنت بشك في اتنين بس.
إسلام، زميلي المتجوز. وشادي، جارنا المبرمج اللي ساكن فوقي ومبيخرجش من أوضته غير عشان ياخد الأوردر بتاع الدليفري. شادي شاب غريب، لابس نضارة طول الوقت، وكل ما نتقابل على السلم يبص في الأرض ويقول “سلام” بصوت واطي ويمشي. مرة النور قطع وكنت طالعة بالكشاف، لقيته واقف قدام باب شقتي كأنه كان نازل، ولا طالع؟ اتلبخت وقالي “معلش” وجري.
حتى عملت حركة غبية. كتبت ورقة وسيبتها على باب شقتي من برا: “إنت مين؟”. تاني يوم لقيت الرد تحت بابي: “واحد نفسه تبصيله بجد مرة واحدة بس. مش من فوق لتحت”.
الجملة دي وجعتني.
بعدها بثلاث أيام، الرسايل اختفت فجأة.
10 أيام كاملة.. ولا ورقة. ولا شيكولاتة. ولا أي حاجة.
أول يومين قولت زهق. تالت يوم اتضايقت. خامس يوم بدأت أقلق بجد. بقيت أنزل أبص تحت الباب زي المجنونة. بقيت أروح الشغل بدري أدور تحت الكيبورد. مفيش.
اكتئبت. حسيت إني اتسابت بجد. كأني كنت متجوزة واتطلقت في السر. بقيت أسمع أغاني حزينة وأنا اللي بقالي سنة مسمعتش أغاني. حتى المسلسل التركي بطلت أشوفه.
في اليوم العاشر، وأنا خلاص قررت أنسى وأقطع الورق القديم، لقيت البواب طالعلي بظرف شيك، أبيض ونضيف، مش ورق كراسة المرة دي. مكتوب عليه بخط مرتعش جداً: “إسراء”.
فتحته وإيدي بتترعش. جواه ورقة واحدة:
“سامحيني على الغياب.. كنت تعبان. تعبان أوي. الدكتور قالي ارتاح بس معرفتش مرتاحش وانا بعيد عنك. لازم أقابلك. لو فضلتي عايزة تعرفيني بجد. بكرة الساعة 7 في جنينة ميدان فيكتوريا. هكون لابس جاكيت أسود وماسك كتاب أزرق. لو مجيتيش، هختفي من حياتك للأبد ومش هتسمعي عني تاني. وصدقيني ده هيكون أحسن ليكي.”
قرأت الرسالة 20 مرة. تعبان؟ دكتور؟ يعني إيه؟
طول الليل منمتش. شربت 4 قهوة. قست كل هدومي. طب أروح ولا لأ؟ طب لو طلع مجنون؟ طب لو طلع إسلام بجد وعامل فيلم؟ طب لو شادي؟ بس الكلام شكله أكبر من كده.
الساعة 6 ونص كنت في جنينة ميدان فيكتوريا. الجنينة اللي كنا بنروحها وأنا صغيرة. الجو كان مغيم وبداية شتا، والنور الأصفر بتاع العواميد عامل جو مرعب. قلبي هيقف، سامعة دقاته في ودني. كل راجل لابس أسود كنت بفكره هو.
وبعدين شوفته.
في آخر الجنينة، على الدكة اللي تحت الشجرة الكبيرة. جاكيت أسود.. وكتاب أزرق ماسكه في إيده ومخبي وشه بكاب أسود منزلّه على عينيه. قاعد لوحده، ورجليه بتتهز بتوتر.
هو ده.
أخيراً.
خدت نفس عميق وبدأت أقرب، خطوة ورا خطوة، حاسة إني طايرة. كنت خلاص هنده عليه، هفتح بوقي وأقول “إنت؟”
وفجأة.. عربية نص نقل قديمة وقفت قدامي مرة واحدة بفرملة فظيعة، بتحجب الرؤية بيني وبينه، وناس نزلت بتتخانق بصوت عالي، سواق بيزعق مع واحد بتاع موتوسيكل. “يا بهيم.. يا حمار..” وزعيق ولمّة ناس.
عيوني اتحركت بعيد عنه كام ثانية بس، 10 ثواني بالظبط، زقيت الناس عشان أعدي، قلبي بيقولي اجري.
ورجعت أبص على الدكة اللي كان قاعد عليها.. لقيته اختفى.
الدكة فاضية. مفيش جاكيت أسود. مفيش كتاب أزرق. كأنه فص ملح وداب.
جريت لحد الدكة وأنا بنهج. قربت من المكان لقيته سايب ظرف تاني، نفس الظرف الشيك الأبيض، محطوط تحت طوبة صغيرة، وجنبه الكتاب الأزرق نفسه!
مسكت الظرف فتحته بسرعة، إيدي متلجة. لقيت مكتوب فيه بخط مرتعش أكتر من المرة اللي فاتت:
“أنا اللي بكتبلك الرسايل.. أنا بحبك من 5 سنين وانتي مش حاسه بيا، ورغم إني قريب جداً منك بس مش قادر اعترف بحبي وخايف أخسرك. كل مرة بقرب ببعد. كل مرة بشوفك بتضحكي مع حد تاني قلبي بيتقطع. أنا آسف إني خوفتك، بس مكنتش لاقي طريقة تانية تخليني في يومك. أنا عارف إني جبان، بس النهاردة كنت ناوي أبطل جبن. بس لما شفتك جاية عليا مقدرتش.. مقدرتش أواجهك. سامحيني.”
إسراء كانت واقفة في نص الجنينة، ماسكة الجواب والكتاب الأزرق، مستغربة ومش فاهمة مين ده.. كانت فاكرة إنها بتدور على حبيب مجهول.. طلعت بتدور على سر هيغير كل حياتها لما تعرفه.
فتحت الكتاب الأزرق بسرعة، كان كتاب قديم، “الحب في زمن الكوليرا”. لقيت جواه صورة.. صورة قديمة مصفرة.
وآخر جملة مكتوبة في الجواب بخط كبير: “بصي وراكي كده”
أول لما بصت وراها اتصدمت وعيونها مش مصدقة اللي هي شايفاه..
بصت وراها…
الدنيا لفت بيا.
شادي.
شادي جارنا المبرمج اللي ساكن فوقي.
كان واقف تحت العمود النور الأصفر، لابس نفس الجاكيت الأسود، بس من غير الكاب. شعره منكوش من الهوا، النضارة مغيمة من البرد، وماسك نفس الكتاب الأزرق في إيده.. نسخة تانية منه.
عينيه حمرا كأنه بقاله 10 أيام معيطش.
أنا تنحت. لساني اتربط.
“شادي؟!”
هو اتخض لما ندهت اسمه كأني صرخت. قرّب خطوة لورا كأنه هيجري.
قلتله بصوت عالي والجنينة كلها بتبص علينا: “إنت اللي بتبعت الورق؟ إنت اللي بتراقبني؟!”
مردش. فضل يبص في الأرض زي عادته.
قربت منه أنا المرة دي، مسكت الكتاب اللي كان واقع على الدكة، فتحته تاني.. الصورة اللي جواه..
كانت صورتي أنا.
بس مش صورة دلوقتي. صورة من 5 سنين. كنت في حفلة تخرج الجامعة، لابسة فستان أسود، وشعري قصير، وبضحك ضحكة كبيرة. جنبي.. شاب رفيع لابس نضارة، هو شادي، بس أرفع وشكله أصغر بكتير، وبيبصلي أنا مش للكاميرا.
ذاكرتي رجعت مرة واحدة زي شريط سينما بيجري بسرعة.
شادي مكنش مجرد جار ساكن فوقي من سنتين. شادي كان معايا في الكلية. كان زميلي في سكشن البرمجة سنة تانية. كان بيحبني من 5 سنين فعلاً. كان كل يوم ييجي يقعد جنبي في المدرج وأنا حتى مش فاكرة اسمه. مرة عملي مشروع التخرج بتاعي كله من غير ما أطلب، ومرة جابلي نوتس المادة لما تعبت وغبت أسبوع. وأنا كنت بقول عليه “الواد الغلبان بتاع النضارة” لصحابي وبضحك.
وفي حفلة التخرج، سمعته بيقول لصاحبه إنه هيعترفلي.. وأنا يومها كنت مشغولة بحب جديد، واحد أكبر مني وعدني بالجواز وسابني بعدها بثلاث شهور وخلاني أكره كل الرجالة.
بعدها اختفى. ساب الجامعة وسافر. وأنا نسيته تماماً. مسحته من ذاكرتي كأنه مكنش موجود.
لحد من سنتين لما عزلت في العمارة دي، لقيت واحد ساكن فوقي، بيبص في الأرض وبيقول سلام. عمري ما ربطت. هو اتغير، تخن شوية، ربى دقنه، ولبس نضارة تانية. بس هو فاكرني. فاكر كل تفصيلة.
“إنت.. إنت شادي بتاع سكشن 3؟” قلتها وأنا بترعش.
هز راسه ببطء ودمعة نزلت من ورا النضارة.
“أنتي نسيتيني خالص، صح؟” قالها بصوت متحاش ومبحوح. “أنا عارف. أنا عارف إني مكنتش حد يتشاف. طول عمري الشخص اللي بيقعد ورا. حتى لما سكنتي تحتي، قعدت شهرين مقتنع إنك هتفتكريني لوحدك. بس مفتكرتيش. كنتي بتطلعي وتضحكي مع إسلام ومع البواب ومع أي حد.. وتيجي عندي وتبصي الناحية التانية.”
الكلام نزل عليا زي القلم.
“الرسايل..” قلتله.
قال: “كنت تعبان بجد. مش كدب. عملت عملية الزايدة والدكتور قالي اقعد في السرير 10 أيام. 10 أيام من غير ما أشوفك بتعدي من تحت البلكونة، من غير ما أسمع صوت ضحكتك. كنت هتجنن. فقولت لو مجتش هتعرفي قيمتي. طلعتي بتدوري عليا.”
سكت شوية وبعدين شال الكتاب اللي في إيده، نفس رواية “الحب في زمن الكوليرا” اللي كنت أنا سايباها على سلم العمارة من 4 شهور ونسيتها. كنت كاتبة اسمي عليها من جوه.
“فاكرة الكتاب ده؟ سيبتيه على السلم. خدته قلت هديهولك تاني يوم. فضل عندي 4 شهور مش عارف أديهولك إزاي. فبدأت أكتبلك.”
كل حاجة بقت منطقية فجأة بطريقة ترعب.
القهوة سكر زيادة.. كان بيشمها لما بطلع معاه في الأسانسير.
البلوزة الزرقا.. شافني وأنا نازلة من البلكونة بتاعته.
الشيكولاتة.. شاف البواب وهو طالعها لي.
صوتي وأنا بتخانق مع خدمة العملاء.. شباك أوضته فوق بلكونتي بالظبط.
حتى الكابوس الساعة 3 الفجر.. كنت بعيط بصوت عالي وهو سامعني عشان الشبابيك خشب قديم.
مكنش سحر ولا جن. كان واحد حبني من بعيد لدرجة حفظني.
كنت مستنية أشوف مجرم ولا مريض نفسي يخطفني. لقيت قدامي أكتر بني آدم حبني في حياتي، وواقف مرعوب مني أنا.
“إنت كنت بتراقبني؟” سألته وأنا لسه ماسكة دموعي.
قال بسرعة: “لا والله.. يعني آه.. بس مش زي ما إنتي فاكرة. أنا عمري ما بصيت من خرم باب ولا صورتك. أنا بس.. كنت بشوفك. زي ما أي حد بيشوف حد بيحبه. وكنت بخاف أقرب فتخافي مني زي ما خوفتي دلوقتي.”
وبعدين بصلي بكسرة عمري ما هنساها وقال الجملة اللي خلتني أعيط بجد:
“أنا آسف إني حبيتك من غير إذنك.”
في اللحظة دي، العربية النص نقل اللي كانت عاملة الخناقة رجعت تاني، والسواق لسه بيزعق. النور قطع في الجنينة كلها لحظة ورجع. شادي اتخض ووقع الكتاب من إيده.
وطيت جبتهوله. إيدينا لمست بعض. إيده كانت ساقعة وبتترعش جامد.
أنا خدت قرار في ثانية.
مسكت إيده وقلتله: “تعالى نروح نشرب قهوة.. سكر زيادة…”
هو اتصدم. عينيه وسعت ورا النضارة. كأنه مش مصدق”.
مشينا جنب بعض من الجنينة لحد الشارع. مكناش بنتكلم. بس لأول مرة من 5 سنين، شادي مكنش بيبص في الأرض وهو ماشي جنبي. كان بيبص قدام.
وأنا لأول مرة من كتير، حسيت إن القطر اللي ماشي كل يوم في نفس المحطة.. أخيراً غيّر طريقه…تمت

