انتقام متنكر

ندى حمدي كان قدامها تلات ثواني بالظبط عشان تقرر: يا إما تفضل فقيرة، في أمان، ومحدش حاسس بيها.. يا إما تسحب أخطر راجل في مصر كلها من قلب جراج العربيات قبل ما السم اللي جرى في دمه يقضي عليه ويموته.
تلات ثواني بس.
ده كان كل الوقت اللي حيلتها بعد ما شافت السرنجة بتدخل في جنب رقبته بدم بارد.
كانت شايلة كيسين زبالة خارجة بيهم من باب المطبخ الوراني بتاع ملهى “السفير” في وسط البلد؛ مكان ساهر ومقفول على نفسه، مبيفتحهوش غير السياسيين، القضاة، رجال الأعمال الكبار، والناس اللي لابسة بدد غالية أوي وبيتكلموا بنبرة واطية قادرة تخرب بيوت وتضيع حيوات في ثانية. كانت الساعة قريبة من نص الليل. مية المطر كانت نازلة على الحيطان الخرسانة بتاعة الجراج الأرضي وعاملة خطوط فضية وسخة. اللمض فوق كانت بتزن، ونورها أصفر وضغيف، ومخلية كل عربية مركونة شبه الجري..مة المتروكة.
ندى كان المفروض تلف وترجع.
كانت عارفة كده كويس.
شغالة وويتر بتأخد ملاليم في الساعة مش المفروض تقف في طريق رجالة لابسة جوانتي جلد أسود وراكبين عربيات مرسيدس من غير نمر. واحدة وراها إيجار شقة متأخر، ووصل كهرباء مهددة بسببه النور يقطع عنها، وأختها الصغيرة اللي عندها تسع سنين وعيانة نايمة في أوضة وصالة في بولاق الدكرور.. مابتختارش الشجاعة. بتختار تعيش وبس.
بس الراجل اللي لابس البدلة الكحلي التفصيل ده طلع صوت.
مش صرخة، ولا رجاء. مجرد نفس مكسور ومخطوف وركبه بتخبط في الأرض الرخام.
الراجلين الغرب كانوا واقفين فوق راسه. واحد طويل وأشقر وفي قطف في حاجبه، والتاني شعره أبيض وشايب، ووشه هادي لدرجة باردة تزهق. ندى اتسمرت مكانها ورا عمود خرسانة كبير، وأكياس الزبالة اتزحلقت من إيديها. شافت الراجل أبو شعر شايب بيحط صباعين على رقبة الراجل اللي واقع على الأرض.
قال ببرود: “لسه عايش.”
الأشقر شتم وقال: “عزت مش هيعجبه الكلام ده.”
أبو شعر شايب رد عليه: “عزت قال بلاش نضيع رصاصة هنا.. الجرعة دي هتقضي عليه وتخلصه قبل الشروق.”
بعد كده سحلوه بين عربيتين جيب مركونين، وراموه في ضلمة سلم الطوارئ، وكأنه كيس زبالة ملوش أي قيمة.
ندى كان لسه ممكن تمشي وتنفد بجلدها.
كان ممكن تعمل نفسها مشايفاش حاجة. تطلع فوق، تبصم خروج، تشتري دوا “ليلى” وهي راجعة البيت، ومتقولش كلمة واحدة عن الليلة دي طول عمرها. محدش كان هيرف، ومحدش كان هيلومها. في زحمة القاهرة، الناس بتعيش وتكبر لما توطي عينيها في الأرض وتفوت.
في اللحظة دي، النور والبرق ضرب في فتحة الجراج، ونور وش الراجل الغريب.
شكل سنه تمنية وتلاتين أو أربعين سنة. فك حاد ومحدد، شعر أسود مبلول بماء المطر. وش معمول عشان يأمر وينهي، بس دلوقتي كان هربان منه الدم وخالي من أي لون. ونقطة دم صغيرة كانت بتسيل من مكان غزة السرنجة في رقبته.
عينيه اتفتحت لثانية واحدة بس.
كانت عينين رمادي، باردة، وفيها كمية وعي ورعب تخوف.
جسم ندى اتحرك قبل ما عقلها يفكر حتى يوقفها.
جريت عليه، ونزلت على ركبها، وضربت خده براحة: “يا فندم؟ سامعني؟”
إيده اتنفضت فجأة وقبضت على معصم إيدها.
رغم إنه كان شبه ميت، بس قفشته كانت زي الحديد.
طلع صوت طالع بالعافية ومبحوح: “بلاش… مستشفى.”
“إيه؟”
“مستشفى لأ.”
وبعدها عينيه قلبت وغاب عن الوعي.
ضربات قلب ندى كانت سريعة وقوية لدرجة إنها كانت سامعة دقاتها في ودنها. بصت ناحية المخرج اللي الراجلين اختفوا منه، وبصت لكاميرا المراقبة اللي فوق الأسانسير ولمحت إنها ملفوفة الناحية التانية.. مقصودة.
أياً كان الراجل ده مين، ففيه حد قاصد يمحيه من الدنيا في صمت وبدون شوشرة.
وندى، بغبائها، بقت هي اللي لمسة الجث..ة دلوقتي.
عملت الحاجة الوحيدة اللي القهر والفقر علموهالها: اتصرفت بسرعة. سرقت قفص غسيل كبير من ممر الخدمة، وحشرته جواها بقوة مكنتش تعرف إنها عندها، وغطته بملايات وترابيزات متوسخة، وزقته برة منطقة الشحن وهي بتدعي ربنا إن فرد الأمن اللي على البوابة ميبصش أوي.
ومبصش فعلاً.
المطر كان نازل أشد لما دخلته الكنبة الورا لـ عربيتها الفيات القديمة المصدية. مرتين وهي سايقة في الطريق، شكت إنه قطع النفس. مرتين تمد إيدها المترعشة لورا وتلمس نبضه لحد ما تحس بدقة خفيفة بتصارع.
هي ساكنة في الدور الثالث فوق محل رهن مقفول، في منطقة في بولاق أصوات السارينات فيها عادية لدرجة إنها بقت خلفية للمكان. على ما سحلته وطلعت بيه الشقة، كانت إيديها ورجليها بيترعشوا من التعب، وجزمتها غرقت مية، وقميص الشغل الأبيض بتاعها كان غرقان من دمه.
ليلى كانت نايمة جوة في الأوضة، حاضنة دبدوبها، وقزازة دوا الكلى محطوطة على الكومودينو.
ندى نيمت الراجل الغريب على الكنبة القديمة اللي بتتفرد. طهرت مكان السرنجة بكحول، وحطت كمادة مية ساقعة على دماغه. كانت بتطمن على نفسه كل عشر دقائق. منامتش ولا دقيقة.
الساعة خمسة وسبعتاشر دقيقة الصبح، صحي.
ندى كانت واقفة في المطبخ الصغير، ماسكة مج قهوة ملمستهوش بشفايفها، لما سمعت سوست الكنبة بتزيق.
لفت وراها.
الراجل كان قاعد صلب طوله، ساند إيد على الحيطة، وعينيه بتلف في الشقة كلها كأنه بيعد المخارج، الأسلحة، ونقاط الضعف. الراجل اللي كان شبه جث..ة من ست ساعات، دلوقتي بقا شبه ديب صاحي جوة قفص.
سأل بنبرة جافة: “أنا فين؟”
ندى بلعت ريقها: “في شقتي.”
نظرة عينيه ثبتت على وشها: “أنتي مين؟”
“ندى حمدي. بشتغل في ملهى السفير. شفت راجلين بيأذوك.. وجبتك هنا.”
سكوت مرعب ملى المكان.
بعدها قال: “كلمتي حد؟”
“لأ.”
“حد مشي وراكي؟”
“مظنش.”
عينيه ضيقت: “شفتي وشوشهم؟”
ندى ترددت لثانية.
وفي التردد ده، حاجة جواه اتقلبت. ملامحه ملقيتش، بالعكس، دي حدت أكتر وبقت تخوف.
وزعق بهدوء قاتل: “أنا سألتك سؤال.”
همست وجسمها بيلف: “أيوة.. وواحد منهم قال اسم.. عزت.”
الراجل ثبت في مكانه تماماً ومتحركش.
الشقة الضيقة والفقيرة فجأة حسوا إنها صغرت عليهم والحيطان بتقرب. صوت المطر كان بيخبط في الشباك. ومن جوة الأوضة، طلع صوت كحة صغيرة وتعبانة من ليلى.
الراجل الغريب بص ناحية الصوت.
ندى وقفت قدام باب الأوضة بغريزة أم حامية.
لأول مرة، عينيه ظهر فيها حاجة تانية غير الشك.. مش طيبة، لسه بدري عليها، بس معرفة صدمتها.
“معاكي عيلة جوة؟ طفلة؟”
“أختي الصغيرة.”
رجع بص لندى تاني، ولما نطق المرة دي، صوته كان واطي لدرجة تجمد الدم في العروق:
“أنا اسمي سليم الأنصاري.. لو ليكي في البلد دي، فأكيد عارفة الاسم ده معناه إيه.”
ركب ندى كانت هتخون وتجيبها الأرض.
مين في مصر ميعرفش الاسم ده؟
سليم الأنصاري كان الاسم اللي الناس بتهمس بيه في البيوت، المحاكم، أقسام الشرطة، والمكاتب المدارية. الراجل اللي مفيش مخلوق يقدر يلمسه. الراجل اللي يخلي ملايين تختفي في ثانية، ويخلي دكاترة وظباط ينسوا الأسئلة اللي كانوا هيسألوها.
هي منقذتش راجل غريب وخلاص.
هي مخبية زعيم المافيا ورجل الأعمال الأخطر في مصر جوة بيتها.
سليم قام وقف بالراحة، لسه وشه شاحب، ولسه مش متزن، بس وهو واقف على رجليه كان يرعب أكتر من أي راجل ماسك طبنجة في إيده.
قال وعينيه مسبتة في عينيها: “اسمعي اللي هقولهولك كويس.. الرجالة اللي سابوني في الجراج دول شغالين مع عزت الجيار، الشخص الوحيد في البلد دي اللي اتغري في نفسه وافتكر إنه يقدر ياخد مكاني ويقعد على كرسيي.”
صوابع ندى اتلفت حوالين أكرة الباب اللي ورا ضهرها بقوة.
سليم بص تاني ناحية الأوضة اللي فيها أختها، وكمل كلامه ونبرته بقت أشد:
“وعشان أنتي أنقذتيني… عزت مش هيشوفك واحدة بريئة ملهاش ذنب. عزت هيشوفك خيط ودليل لازم يتمحي.”
ندى همست برعب: “يعني إيه؟”
سليم قرب منها خطوة، وبص في عينيها مباشرة وقال:
“يعني يا ندى.. لو عرفوا أنا فين، مش هيجوا عشاني أنا بس…” نظرة عينيه بقت حجر: “دول هيجوا لأختك الصغيرة الأول، وهتكون هي التمن.”
مشيت طنط إلهام في الممر وهي حاسة إن رجليها مش شايلاها، الدنيا بتلف بيها. كلام شريف صدمها، بس غريزة الأمومة وخبرتها في الحياة كانت بتقولها إن فيه حلقة مفقودة. مايا البنت اللي شمرت كمامها ووقفت في المطبخ، البنت اللي كانت بتبص لشريف بنظرات حب حقيقي وصافي، مستحيل تكون الحية اللي شريف بيتكلم عنها.
وفجأة… ولمحت عينيها خيال “عمر” وهو بيتسحب من الممر المظلم، والابتسامة الخبيثة لسه مرسومة على وشه وهو بيبص في تليفونه.
هنا، طنط إلهام وقفت مكانها… الشرارة نورت في عقلها. عمر؟ إيه اللي جابه الجناح ده دلوقتي؟ وليه ملامحه فيها الانتصار ده كله في وقت البيت فيه بيتحرق؟
### خطة طنط إلهام
إلهام قررت متبقاش الضحية اللي بتعيط. بلعت صدمتها، وأخدت نفس طويل، ودخلت الجناح عند مايا وعمي حسين.
شاورت لحسين إنه يخرج ويسيبهم لوحدهم. قفلت الباب بالمفتاح، وقعدت جنب مايا، وأخدتها في حضنها وهي بترتعش. مسحت دموعها وقالتلها بنبرة هادية بس قوية:
“مايا… بصي في عيني. أنا زي أمك، وأنا اللي اخترتك لشريف. شريف فاكر إنك سببتي موت طارق وسرقتيه… وشريف اتجوزك عشان ينتقم لصحابه. بس أنا عارفة إنك بريئة. قوليلي يا بنتي… مين اللي مهددك؟ مين اللي واقف برة في الضلمة ومخليكي مش قادرة تنطقي؟”
مايا بصت لطنط إلهام بذهول، الرعب اللي في عينيها بدأ يتحول لـ أمل ضعيف. همست وهي بتشهق: “لو اتكلمت… أهلي حيموتوا… هو قال لي كده برة في الجنينة.”
إلهام ضغطت على إيدها: “مين هو يا مايا؟ شريف؟”
مايا هزت راسها بالنفي بسرعة: “لأ… مش شريف. شريف ميعرفش حاجة… شريف ملعوب بيه زيي بالظبط. اللي هددني هو…” وقبل ما تنطق الاسم، صوت خطوات قوية برة الباب خلاها تتفزع وتسكت.
### المواجهة المفاجئة
الباب خبط، وكان صوت عمر: “طنط إلهام؟ عمي حسين؟ المعازيم بدأوا يمشوا والناس بتسأل، خير في إيه؟ شريف ماله؟”
إلهام قامت فتحت الباب، وبصت لعمر بنظرة فاحصة خلت عمر يقلق لثانية، بس رسم الوش الحنين وقال: “يا طنط أنا قلقان على شريف أوي، دخلت عنده الأوضة لقيته مش طايق نفسه ومبهدل الدنيا.”
إلهام ببرود ذكي: “مفيش حاجة يا عمر، شوية سوء تفاهم بين عرسان. بقولك إيه… شريف محتاجك جنب في الأوضة، ادخل قصر معاه الكلام وهديه، وأنا هاخد مايا وأهديها.”
عمر ابتسم بثقة: “حاضر يا طنط، من عيني.”
أول ما عمر دار وشه ومشي ناحية أوضة شريف، إلهام لفت لمايا وقالتلها بصوت واطي جداً: “هو… صح؟ عمر هو اللي هددك؟”
مايا دموعها نزلت وهزت راسها بـ “آه”.
### فخ في جناح العرسان
في أوضة شريف، كان واقف بيلف في الأوضة زي الأسير الجريح. عمر دخل وقفل الباب وراه، وعمل نفسه متأثر: “يا صاحبي.. أنا مش مصدق إنها طلعت كدة! أنا أسف إني مكنتش مصدقك لما قولت لي إنك شاكك فيها من الأول. طارق الله يرحمه حقه رجع خلاص.”
شريف بغل: “حق طارق مش هيرجع غير لما أشوفها مكسورة تماماً يا عمر. بس مش عارف ليه حاسس بنغزة في قلبي.. ليه مدافعتش عن نفسها؟ ليه كانت مرعوبة بالشكل ده؟”
عمر بخبث: “مرعوبة عشان كشفتها! المجرم دايماً بيخاف لما الحقيقة تظهر. سيبك منها دلوقتي، إحنا لازم نخرجها من البيت من غير ما حد من الموظفين أو الصحافة يحس بحاجة، عشان برستيج العيلة.”
في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخلت طنط إلهام، ومعاها مايا اللي كانت لسه بفستان الفرح المتبهدل، ووراهم عمي حسين اللي ملامحه كانت صارمة.
شريف أول ما شاف مايا زعق: “إنتي إيه اللي جابك هنا تاني؟ اطلعي برة!”
طنط إلهام وقفت في النص وقالت بصوت زلزل الأوضة: “اقعد يا شريف… واقعد يا عمر… عشان الليلة دي مش هتعدي غير لما الحقيقة كلها تبان.”
عمر بدأ يتوتر، بس حافظ على هدوءه: “طنط، مش وقته، البنت تعبانة وشريف مش في وعيه…”
إلهام قاطعته بحسم: “أنت بالذات تسكت خالص يا عمر… عشان مايا هتقول كل حاجة دلوقتي… وتحت حمايتي وحماية عمك حسين.”
مايا بصت لشريف، ودموعها نازلة، وبدأت تتكلم وصوتها بيرتعش: “شريف… أنا عمري ما سرقت طارق… ولا عمري كنت خطيبته!”
شريف ضحك بسخرية: “والأوراق اللي باسمك؟ والفلوس اللي اتحولت على حسابك قبل ما يموت بيوم؟”
مايا صرخت بأعلى صوتها وهي بتشاور على عمر: “عمر هو اللي عمل كل ده! عمر هو اللي كان بيمضي مكاني.. هو اللي سرق أبحاث طارق وسربها للشركة المنافسة.. ولما طارق كشفه ومات، عمر هددني بـ أهلي عشان أستقيل وأختفي! والنهارده… هددني تاني في الجنينة وقال لي لو اتكلمت هيقتل أبويا وأمي!”
الأوضة فجأة ساد فيها صمت قاتل.
شريف بص لعمر بملامح بدأت تتغير من الغضب لـ الصدمة التامة… وعمر وشه قلب ألوان، وبدأ يتراجع لورا ناحية الباب.
تفتكروا شريف هيصدق مايا ويتحول غضبه لعمر؟ ولا عمر مجهز مصيبة تانية تخليه يهرب من المأزق ده؟

حكايات شروق خالد

ساد الصمت في الأوضة للحظات كأنها سنين. شريف كان واقف مكانه، عينيه بتتحرك بين مايا المنهارة وعمر اللي ملامح الوش الحنين والـسند بدأت تتساقط من عليه ويظهر وراها وش تاني خالص؛ وش مرعوب وموجوع من المفاجأة.
“أنتِ بتقولي إيه؟” شريف نطق الكلمة دي بصوت دافي وخارج بالعافية، كأن عقله بيرفض يستوعب إن طعنة العمر جاية له من ضهره، ومن أكتر شخص ائتمنه على أسراره وشغله.
عمر حاول يلم الموضوع بسرعة، ضحك بـ توتر وبص لشريف: “شريف! أنت هتصدق التمثيلية دي؟ البنت دي حية، بتلعب بيك وبأهلك عشان تطلع نفسها بريئة وتلبسني أنا الليلة! أنا اللي كنت واقف معاك خطوة بخطوة وبندور على حق طارق!”
في اللحظة دي، طنط إلهام قربت من عمر وبقوة مكنش حد يتخيلها، نزلت بـ كف خماسي على وشه سمع صوته في الجناح كله: “اخرس يا خاين! أنا شفتك بعيني وأنت متسحب في الممر وبتضحك ضحكة النصر بعد ما البنت صرخت… البنت دي مكنتش تعرفك أصلاً قبل ما تدخل بيتنا، منين هتعرف اسم عمر وتتبلى عليك بالاسم ده بالذات لو مكنتش أنت اللي مهددها؟”
عمر حط إيده على وشه، وعينيه اسودت بالغل. لما لقى الخناق بيضيق حواليه، ونظرات عم حسين بقت كلها وعيد، تراجع خطوتين ناحية الباب وسحب من جيب بدلو الداخلية مفتاح عربيتة وقال بنبرة مليانة تهديد صريح:
“ماشي… اعتبروا اللي تقولوه صح. بس أحب أفكرك يا مايا… أبوكي وأمك تليفوناتهم مقفولة من ساعة، ورجالتي واقفين تحت بيتهم. أي حركة غبية منك أو من شريف، اعتبري إنك هتحضر جنازتهم الصبح بدل الفرح.”
### نقطة التحول
التهديد ده كان المفروض يكسر مايا تماماً، بس النتيجة كانت العكس.
شريف، اللي كان الغل عاميه، فجأة فاق. شاف الرعب اللي في عيون مايا، وافتكر كل لحظة طيبة عاشها معاها، وافتكر صاحبه طارق اللي مات مقهور… وفي ثانية، كل الغضب اللي كان جواه اتمسح واتوجه لشخص واحد بس: **عمر**.
شريف هجم على عمر زي الأسد الجريح، مسكه من ياقة بدلته وضربه ضربة عميا وقعته على الأرض: “أبويا وأمها خط أحمر يا عمر! أنت طلعت قذر للدرجة دي؟ كنت بتغفلني وبتستغل قهرتي على طارق عشان تداري على جريم…تك؟”
عم حسين اتدخل بسرعة وبصوت جهوري: “شريف! سيبه دلوقتي… تليفونك فين؟”
حسين مكنش راجل سهل، دا كان لواء سابق وراجل بيعرف يتصرف في الأزمات. سحب تليفونه وطلب رقم بسرعة، وكلم حد من معارفه في مديرية أمن الجيزة (المنطقة القريبة من المنصورية وبيت أهل مايا): “يا فندم، عندي بلاغ عاجل عن محاولة اقتحام وتهديد خطف في العنوان…” واداهم عنوان بيت أهل مايا بالظبط.
عمر وهو على الأرض، وبيمسح الدم من على بوقه، ضحك بوجع وشماتة: “الحقوا كلموهم… بس على ما الشرطة توصل، هيكون كل شيء انتهى.”
### المفاجأة الأخيرة
وسط الزعيق ده كله، صوت تليفون مايا رن في شنطتها المرمية على الأرض.
الأوضة كلها سكتت. مايا جرت على الشنطة بإيد بترتعش، وطلعت التليفون. شافت الاسم… “بابا”.
فتحت السبيكر بسرعة وصوتها طالع مخنوق: “بابا؟ بابا أنت كويس؟ أمي كويسة؟”
صوت الراجل الطيب جه من الناحية التانية مستغرب: “يا بنتي في إيه؟ إحنا كويسين وزي الفل، لسه واصلين البيت من فرحك وبنغير هدومنا. بس تليفوناتنا كانت فاصلة شحن في الطريق. كلمتيني طمنيني عليكي، شريف عامل إيه؟”
مايا حطت إيدها على قلبها ونزلت في الأرض تبكي من الفرحة والارتياح: “الحمد لله… الحمد لله يا بابا. أنا كويسة.. كويسة أوي. اقفل وأنا هكلمك تاني.”
عمر برق عينيه بصدمة… الخطة بتاعته فشلت؛ هو مكنش باعت رجالة ولا حاجة، هو كان بيعتمد على “حرب نفسية” وخدعة إن تليفوناتهم مقفولة عشان يشل حركة مايا ويجبرها على السكوت والهروب.
### الحساب
شريف لف لعمر، وعينيه مفيهاش أي رحمة.
“طلعت بتلعب على الحبلين يا عمر… وكنت عايزني أدمر البنت البريئة دي بإيدي عشان أنت تعيش في الأمان وتتمتع بفلوس أبحاث طارق.”
شريف مسك عمر من هدومه وجره برة الأوضة وسط محاولات عمر للمقاومة، ونزل بيه لرجال الأمن اللي واقفين على بوابة القصر برة، وسلمه ليهم لحد ما البوكس والشرطة يوصلوا، بعد ما عم حسين عمل الاتصالات اللازمة.
### نهاية الليلة الطويلة
الساعة بقت 4 الصبح.
جناح العرسان بقى هادي جداً. طنط إلهام كانت قاعدة جنب مايا، بتمسح على شعرها، وبتعيط وبتقولها: “سامحيني يا بنتي… سامحيني إني حطيتك في الموقف ده، وسامحي شريف… الغل كان عامي قلبه على صاحبه.”
شريف دخل الأوضة، كان شكله مجهد، قميصه الأبيض متبهدل، وعينيه مليانة ندم وكسرة.
قرب من مايا، وقعد على ركبه قدامها، زي ما أمه عملت من شوية. بص في الأرض ومقدرش يرفع عينه في عينها:
“مايا… أنا مش هطلب منك تسامحيني، لأن اللي عملته فيكي الليلة دي ميتغفرش. أنا كنت غبي، وعمر استغل وجعي… لو عايزة تطلقي دلوقتي حالا وترجعي بيتك معززة مكرمة، أنا مستعد. وأي تعويض تطلبيه هيكون تحت رجليكي.”
مايا بصت لشريف… وبصت لطنط إلهام… الفستان الأبيض كان لسه متبهدل، بس الخوف والرعب اللي كانوا ماليين الأوضة اتمسحوا، وحل مكانهم هدوء غريب.
تفتكروا مايا هتقرر إيه؟ هل هتسامح شريف وتديله فرصة تانية بعد ما عرفت الحقيقة؟ ولا الجرح اللي انقشعت عنه الليلة دي هيكون أكبر من إنها تكمل معاه؟

حكايات شروق خالد
مايا فضلت باصة لشريف لفترة طويلة… الأوضة ساد فيها هدوء مريب مفيش فيه غير صوت أنفاسهم المجهدة. نظرة الكسرة والندم اللي في عين شريف كانت حقيقية، بس الوجع والرعب اللي هي عاشتهم في الكام ساعة اللي فاتوا مكنش سهل يتمسحوا بكلمتين.

رفعت راسها وبصت لطنط إلهام، اللي كانت بتبص لها ودموعها في عينيها، كأنها بتترجاها متكسرش قلب ابنها، وفي نفس الوقت حاسة بذنب كبير ناحيتها.

### قرار مايا

مايا أخدت نفس طويل، وسحبت إيدها براحة من بين إيدين شريف، وقامت وقفت وهي بتعدل ديل فستانها المتبهدل. صوتها طلع هادي، بس فيه قوة مكنتش موجودة من أول الليلة:

“شريف… أنت قولت إنك كنت بتدور على حق طارق الله يرحمه، والدافع بتاعك كان الوفاء لصاحبك، وده الشيء الوحيد اللي مخليني مش قادرة أكرهك عمى… بس الوفاء ده عماك عن الحقيقة، وخلاك تظلم بنت كل ذنبها إنها صدقتك وحبتك.”

شريف رفع عينه ليها بلهفة: “يعني إيه يا مايا؟”

مايا هزت راسها بأسى: “يعني أنا مش هطلق منك الليلة دي يا شريف… مش هخرج من البيت ده بالفستان المتبهدل ده والناس تقول هربت يوم فرحها وأعمل لأهلي فضيحة ملهمش ذنب فيها. أنا هفضل هنا… بس في أوضة تانية. الجرح اللي أنت عملته في قلبي وفي كرامتي محتاج وقت عشان يلم… لو كنت عايزني بجد، فـ أنت قدامك رحلة طويلة أوي عشان تثبت لي إنك تستاهل أكون مراتك فعلاً، مش مجرد ضحية في لعبة انتقامك.”

طنط إلهام قامت بسرعة وأخدت مايا في حضنها وهي بتبكي: “عندك حق يا بنتي… عندك كل الحق. شريف لازم يتعلم إزاي يحافظ عليكي، وأنا بنفسي اللي هقف في وشه لو زعلك تاني.”

شريف حس بـ غصة في حلقه، بس في نفس الوقت حس براحة إنها مسبتوش ومشيت. وقف وقال بنبرة ممتنة: “أنا موافق يا مايا… موافق على أي شرط. والوقت اللي هتحتاجيه أنا هكون فيه تحت أمرك.”

### الصباح الجديد… وبداية تانية

الشمس بدأت تطلع وتخترق ستاير الجناح، والأنوار اللي كانت مالية الجنينة بدأت تطفي تماماً، معلنة نهاية ليلة من أصعب الليالي اللي مرت على قصر المنصورية.

عمر اتقبض عليه، والشرطة بدأت التحقيق معاه بناءً على البلاغ اللي قدمه عم حسين، والأدلة اللي شريف قفل عليها في مكتبه وبدأ يجمعها عشان يطهر اسم طارق ويثبت حق مايا.

في نفس اليوم الصبح، مايا نقلت حاجتها لأوضة تانية في القصر. شريف مكنش بيقرب من الأوضة دي إلا لو هي سمحت له، وبدأ يتعامل معاها بمنتهى الأدب والاحترام، بيحاول يعوضها عن كل ثانية رعب عاشتها بسببه.

وطنط إلهام؟ طنط إلهام فضلت هي السند والأم الحقيقية لـ مايا. كانت دايماً تقولها: “البيت ده اتهد في ليلة فرحك يا بنتي… بس إحنا هنبنيه سوا على نظافة، ومن غير أي سر مستخبي في الضلمة.”

ومع كل يوم كان بيمر، كان الجرح بيبدأ يلم… وشريف كان بيثبت فعلاً إنه اتغير، وإن الحب الحقيقي هو اللي انتصر في النهاية على الغل والانتقام.

 

 

​انتقام متنكر في فستان زفاف

 

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *