هاشم وامل
الجزء الأول
الكاتبة ملك إبراهيم
هاشم السيوفي عنده 35 سنة. طويل، كتافه عريضة، دقنه دايماً مهندمة، وعينه فيها حِدة بتخلي أي حد يفكر مرتين قبل ما يكدب عليه. ابن عيلة المسيري بتاعة الحديد والصلب. فلوس تتكلم، وأراضي، ومصانع، واسمه بيتفتح له ألف باب. بس رغم كل ده، هاشم كان دايماً حاسس إنه محبوس في قفص دهب.
من سبع سنين بالظبط، قابل أمل توفيق.
أمل كانت سكرتيرة في الدور السادس في شركة المسيري. بنت 24 سنة، وشها مدور زي القمر، وضحكتها بتخلي يومك ينضف. من أسرة بسيطة ساكنة في شبرا. أبوها توفيق موظف على المعاش، وأمها ست بيت بتعمل أحلى صينية بطاطس في المنطقة. لا عندها عربية ولا فيلا، بس عندها كرامة وعزة نفس تهد جبل.
أول مرة هاشم شافها كانت داخلة عليه المكتب بملف، وقعت من التوتر والقهوة ادلقت على البدلة بتاعته اللي تمنها مرتب شهرين. استعدت تتفصل في نفس اليوم، بس هو بص للبدلة وبصلها وقال:
“فداكي.. المهم إنتي كويسة؟”
ومن يومها بدأت الحكاية. فطار متأخر في المكتب، مكالمات بعد الشغل، ويوم خميس اعترفلها وهو بيوديها لحد أول الشارع عشان أبوها ميرضاش حد يوصلها لحد البيت. قال لها: “يا أمل.. أنا مش شايف حياتي من غيرك”.
أمه، الحاجة فريال المسيري، وقفت له زي الصخرة.
“تتجوز حتة سكرتيرة؟ بنت البواب؟ الناس تقول علينا إيه؟ إحنا المسيري!”
أبوه سكت، بس السكوت بتاعه كان رفض أتقل من الكلام.
أخوه الكبير عبدالله، دراعه اليمين في الشغل، قاله: “هاشم.. الجواز نسب. وإنت بتناسب لنا كلنا مش بتناسب ل نفسك بس”.
هاشم عنيد. وقف قدامهم كلهم وكتب كتابه على أمل في قاعة صغيرة حضرها 20 نفر بس. مفيش فرح كبير، مفيش صور في الجرايد. أهله قاطعوه 6 شهور، لحد ما أبوه تعب ودخلوا المستشفى، فهاشم رجع، واتصالح مع عيلته.
عاشوا 3 شهور بس مع بعض في فيلا صغيرة في التجمع. 3 شهور كانوا بالعمر كله. كانت بتصحيه الصبح تحط له الفطار، وتراجعه في جدول أعماله كأنها لسه السكرتيرة بتاعته. كان بيرجع آخر الليل يلاقيها مستنياه ويسهروا مع بعض.
بعد 3 شهور جاله سفرية شغل مهمة لباريس. مصنع جديد وشراكة مع شركة فرنساوية. كان لازم يقعد أسبوعين.
يوم السفر، أمل حضنته في المطار وقالتله: “خلي بالك من نفسك.. ومتطولش عليا”.
قالها: “أسبوعين ويعدوا هوا. هرجع نطلع شهر عسل تاني، ماشي؟”
ضحكت وهزت راسها.
فات الأسبوع الأول، وكان بيكلمها فيديو كل يوم. يحكي لها عن برج إيفل، وهي توريه الأكل اللي طبخته وصورته عشان لما يرجع تعملهوله.
اليوم التامن الساعة 3 الفجر بتوقيت باريس، تليفونه رن. عبدالله أخوه.
“ألو.. عبدالله خير؟”
صوت عبدالله كان متكسر: “البقاء لله يا هاشم.. أمل.. أمل عملت حادثة على الدائري وهي راجعة من عند أمها.. العربية اتقلبت.. ماتت في ساعتها”.
هاشم مفهمش. “نعم؟ أمل مين اللي ماتت؟ إنت بتقول إيه؟”
“يا هاشم شد حيلك.. الدفنة كانت العصر. مكنش ينفع نستنى. الإجراءات خلصت… دفناها في مدافن العيلة”.
قفل السكة، وهاشم واقف في نص الأوضة في الفندق، وماسك التليفون. الدنيا سكتت مرة واحدة. لا صوت، لا نفس، لا باريس، لا شغل. بس جملة واحدة بتتكرر: “دفناها”.
تاني يوم الصبح كان في طيارة. 4 ساعات طيران كأنه 4 سنين. وصل القاهرة وطلع من المطار على المدافن عدل. عبدالله وأمه كانوا مستنيينه. أمه بتعيط، وعبدالله وشه في الأرض.
وقف قدام قبر رخام أبيض جديد، مكتوب عليه بالخط الكوفي:
“المرحومة أمل توفيق .. زوجة هاشم المسيري”
“توفيت يوم 12 مارس 2019”
نزل على ركبه. مسك الرخام بإيده. كان بارد. برد غريب دخل في عضمه.
“أمل؟.. أنا جيت.. مش قولتيلي متطولش؟”
محدش رد. التراب لسه جديد، وزرع الصبار اللي جنب القبر لسه متسقاش.
من اليوم ده وهاشم اتغير. قفل الفيلا اللي عاشوا فيها وباعها. رجع قعد في قصر العيلة، بس ساكت. شغله كبر أكتر، بقي اسم المسيري في كل حتة، بس هو نفسه مبقاش موجود. كل خميس بعد صلاة المغرب، لازم يروح المدافن. يقعد ساعتين يتكلم مع القبر، يحكي لها عن الشغل، عن أمه اللي تعبت، عن عبدالله اخوه اللي بقى مدور الشركة معاه.
أهله عرضوا عليه بنات وزراء ورجال أعمال. أمه اتحايلت عليه.
“يا بني الضنا غالي.. لازم تِخلف ولد يشيل اسمك”.
كان رده ثابت: “أنا اتدفنت معاها يوم 12 مارس. أنا بس اللي بتأخر على القبر شوية كل يوم وبروح”.
سبع سنين عدوا. 2019 بقت 2026. هاشم بقى 35 سنة. بس القبر لسه زي ما هو، والحزن لسه زي ما هو…يتبع
الفصل الثانى
مكتب هاشم في الدور الـ25. إزاز من الأرض للسقف، والتجمع كله تحته. الساعة 10 الصبح، وعبدالله قاعد قدامه بيشرح صفقة الحديد الجديدة.
تليفون هاشم الداخلي رن. السكرتيرة: “هاشم بيه، مدام ليلى مرات عبدالله بيه على التليفون، بتقول ضروري”.
هاشم بص لعبدالله، فتح الاسبيكر.
ليلى صوتها متوتر: “يا هاشم الحقني. مروان ابني عامل مصيبة في المدرسة، والمديرة بتقول لازم ولي الأمر يجي حالاً. وعبدالله تليفونه مقفول من ساعة الاجتماع.. وأنا في المستشفى مع ماما، مش هعرف أتحرك دلوقتي خالص”.
عبدالله قفل ملف الصفقة بسرعة
عبدالله ضرب كف على كف: “يا دي النيلة، عندي توقيع عقود كمان نص ساعة مع الوفد الألماني. مش هينفع أتحرك”.
هاشم قام لبس الجاكيت: “خلاص أنا هروح. مروان ابن أخويا. هاتيلي رقم المديرة يا ليلى”.
بعد 20 دقيقة كان هاشم بيركن العربية الـG-Class قدام بوابة المدرسة. الأمن عرفه من شكله ومن اسم المسيري. دخل على مكتب المديرة.
المديرة ست خمسينية اسمها ميس منال، لابسة نضارة وقاعدة ورا مكتب خشب ضخم. مروان قاعد على كرسي في الركن، وشه في الأرض، وماسك قلم رصاص مكسور.
ميس منال وقفت: “هاشم بيه المسيري بنفسه؟ أهلاً يا فندم.. كنا محتاجين والد مروان”.
“أنا عمه، وجاي مكان أبوه. خير يا ميس منال؟ الواد عمل إيه؟”
“مروان شد التوكه بتاعة زميلته تولين، شعرها اتقطع وفضلت تعيط. الموضوع بسيط بس سياسة المدرسة لازم ولي أمر الطرفين يقعدوا مع بعض. والدة تولين على وصول دلوقتي”.
الباب خبط، ودخلت دادة ماسكة إيد بنت صغيرة.
تولين.
ست سنين، شعرها بني ناعم لحد كتفها، مربوط بنص توكه والتانية مروان قطعها. عينيها واسعة، وسودة، وفيها لمعة. لابسة يونيفورم المدرسة الكحلي.
أول ما هاشم عينه جت في عين البنت، قلبه عمل حاجة غريبة. حاجة ماحسهاش من سبع سنين. نفس ملامح حبيبته ، نفس العيون اللي كانت بتبص له زمان.
بلع ريقه وقال في سره: “مش معقول.. البنت دي شبهها”.
مروان أول ما شاف عمه استخبى وراه.
“يا عمو أنا مكنش قصدي.. هي اللي مردتش تديني الاستيكة بتاعتها”.
هاشم مكنش سامع. عينه على تولين اللي قعدت على الكرسي وفضلت تبص في الأرض وتفرك في إيديها، نفس الحركة اللي أمل كانت بتعملها لما تتوتر.
ميس منال قالت: “دقيقة واحدة، مامت تولين وصلت”.
الباب اتفتح.
ست داخلة وهي بتنهج، طرحتها مظبوطة، لابسة طقم سادة شيك، وفي إيدها شنطة صغيرة. وشها شاحب من القلق على بنتها.
أول ما عينيها جت في عيون هاشم، هي شهقت وحطت إيدها على بوقها.
وهو قام وقف مرة واحدة، الكرسي اللي وراه وقع، ووشه بقى خالي من الدم.
الدنيا لفت بيه، وريحة البرفان بتاعها هي هي، ريحة الياسمين اللي كان جايبهولها قبل ما يسافر.
اسمه طلع من بوءه مبحوح، مصدوم، كأنه طالع من قبر:
“أمل…!!”
سكت المكتب كله. ميس منال، مروان بص لعمه، وتولين رفعت وشها لأمها.
والست اللي لسه داخلة، عينيها دمعت، وشفايفها اترعشت وهي بتبص لهاشم، كأنها شافت عفريت طالع من ماضي مدفون من سبع سنين.
يتبع…
الفصل الثالث
أمل أول ما شافت هاشم واقف قصادها، وشها جاب مية لون. في لحظة مسكت تولين، حضنتها في صدرها كأنها بتحميها من رصاصة، وعينيها كلها فزع.
هاشم قرب خطوة، صوته طالع مش ثابت:
“أمل.. إنتي.. إنتي عايشة؟ إزاي؟ أنا دفنتك بإيدي.. ده قبرك أنا بزوره كل أسبوع !”
أمل ساكتة. شفايفها بتترعش، وعينيها بتهرب من عينه. ضاغطة على كتف تولين لدرجة إن البنت قالت: “ماما بتوجعيني”.
ميس منال واقفة متسمرة، مش فاهمة حاجة. حاولت تلم الموقف:
“يا أستاذ هاشم اتفضل اقعد.. أستاذة أمل اهدي.. إحنا بس بنحل مشكلة بسيطة بين الولاد”.
فتحت الملف اللي قدامها وبدأت تقرا بصوت رسمي عشان تهدي الجو:
“تمام.. الطالب: مروان عبدالله المسيري.. الصف الأول الابتدائي.. والطالبة: تولين هاشم المسيري.. نفس الصف”.
وسكتت فجأة. رفعت النضارة وبصت للورقة وبصت لهاشم وبصت لأمل.
“هاشم المسيري؟.. هو حضرتك تبقى…”
الاسم نزل على دماغ هاشم زي الصاعقة.
“تولين هاشم المسيري”
بص للبنت اللي ماسكة في ايد أمها بفزع. نفس العيون، نفس الوش المدور، نفس كل حاجة .
قرب خطوتين ونزل على ركبه قصاد البنت، صوته اتحول لجنون:
“يعني إيه؟.. يعني إيه تولين هاشم المسيري؟.. دي بنتي؟.. أنا عندي بنت؟.. وأنا معرفش؟!.. سبع سنين معرفش إن عندي بنت؟!”
يتبع في الجزء الأخير


