طفلتي

بنتي ابن خالها زقها من على السلم وهما في الرحله، فاجبرها أهلي تكمل مشي 3 ساعات كاملة بحجة: بطلي دلع وما تبوظيش الرحلة….كانوا فاكرين إني هعديها زي كل مره لكن اللي ما يعرفوش إني ركبت طيارة لأول مرة من 10 سنين علشان خاطر عيون بنتي.
=إحنا معندناش وقت نلف على مستشفى دلوقتي… بطلي دلع وامشي…
دي كانت الجملة اللي أمي وأبويا قالوها لبنتي “سيلينا” اللي عندها 15 سنة بعد ما شافوها بتقع من على درج حجري وهي بتصرخ من الوجع وتترجاهم يودوها الطوارئ.
وبدل ما يساعدوها…أجبروها تمشي حوالي 3 ساعات كاملة…أنا عرفت ده تاني يوم.
كنت قاعدة في مكتبي في القاهرة، غرقانه وسط ملفات وقضايا وشغل متراكم، ولما موبايلي رن وظهر اسم سلينا على الشاشة، افتكرت إنها هتكلمني تحكيلي عن الرحلة اللي راحتها مع جدو وتيته وأخويا وولاده.
كانت رحلة للأقصر في إجازة المدارس…جوزي ما قدرش ياخد إجازة من الشغل، وأنا من أكتر من 10 سنين ما ركبتش طيارة…مش مجرد خوف…
كنت بعاني من نوبات هلع حقيقية…المطارات بالنسبة لي كانت كابوس…إيدي بتترعش. نفسي بيضيق.
وبحس إني ممكن أقع في أي لحظة.
علشان كده طول عمرنا بنسافر بالعربية أو القطر.
سلينا كانت عارفة ده كويس.
بس كانت نفسها تسافر مع ولاد خالها وتعيش جو المغامرة.
وأمي وقتها قالتلي:متقلقيش… هتبقى في عيوننا.
ولما فتحت مكالمة الفيديو…حسيت قلبي وقع.
بنتي كانت قاعدة على سرير أوضة الفندق…وشها أصفر.
وشعرها منكوش.وصوتها مخنوق بالعايط…قالت: ماما… ممكن اوريكي حاجة من غير ما تتعصبي؟
وبعدين قلبت الكاميرا…وساعتها شفت رجلها.
الكاحل كان متورم بشكل مرعب…ولونه أزرق وأحمر.
وشكله مش طبيعي نهائي…همست: مكسور..
في اللحظة دي حسيت الدنيا اسودت قدامي…صرخت:
إيه اللي حصل؟!قالت: امبارح وإحنا بنتمشى عند المعبد… كريم ابن خالي زقني هزار من ورا….
=إيه؟!
=وقعت
=وجدو وستو شافوا؟هزت رأسها…كلهم شافوا…
=وما حدش وداكي لدكتور؟
سكتت شوية…وبعدين قالت: خلاص يا ماما مجرد كدمة…
حسيت الد م بيغلي في عروقي.
=وإنتِ طلبتي تروحي المستشفى؟
=كتير.
=وقالوا إيه؟….وطت راسها وقالت= قالوا الرحلة متكلفين فيها فلوس ومش هيضيعوها علشاني..
ما قدرتش أتكلم…بصراحة…كنت على وشك الانهيار.
سألتها: مشيتي قد إيه بعد الوقعة؟
قالت:حوالي 3 ساعات…قفلت عيني.وحاولت أسيطر على نفسي.
=إنتِ لوحدك دلوقتي؟
=أيوه.
=يعني سابوكي في الفندق؟
=نزلوا يتمشوا.
بنتي مصابة…لوحدها. في مدينة تبعد مئات الكيلومترات عن بيتها…قفلت المكالمة فورًا…ودورت على أول رحلة متاحة…كان فاضل مقعد واحد.
حجزته فورًا…اتصلت بأمي.ما ردتش.
اتصلت بأبويا.ما ردش.أخويا طارق هو اللي رد.
أول ما سمعني قال اللي جنني…حكايات أسما السيد
صلـوا علي محمد في التعلـيقات وانتظروا البقيـه ـ حكـايـات أسمـا السـيد @أبرز المعجبين
الفصل الثاني
أول ما سمعت صوت أخويا طارق…
كنت حرفيًا على آخر أعصابي.
قلت بعصبية:
— بنتي رجلها شكلها مكسور وإنتوا سايبينها في الفندق لوحدها؟!
رد ببرود استفزني أكتر:
— يا أختي اهدي شوية.
— الموضوع مش مستاهل.
— مجرد التواء.
— وأبوكي وأمك شافوها.
حسيت إني هكسر التليفون في إيدي.
— شافوها؟!
— شافوها وهي بتصرخ من الوجع وسايبينها تمشي 3 ساعات؟!
تنهد بضيق.
— ما إحنا كلنا كنا بنمشي.
— يعني نوقف الرحلة كلها علشان بنت عندها كدمة؟
في اللحظة دي…
بقيت أرتعش من الغضب.
مش مجرد زعل.
غضب حقيقي.
أسود.
مؤلم.
قلت من بين سناني:
— طارق…
— لو بنتك هي اللي وقعت…
كنت هتقول نفس الكلام؟
سكت.
ثانيتين.
ثم قال:
— ما تكبريش الموضوع.
وقفلت السكة في وشه.
بعد أقل من أربع ساعات…
كنت قاعدة جوه الطيارة.
أول مرة أركب طيارة من عشر سنين.
إيدي كانت ساقعة.
ونفسي متلخبط.
والرعب القديم بيحاول يرجع.
لكن كل مرة كنت أحس بالهلع…
كنت أفتكر شكل رجل سلينا.
لون الكاحل الأزرق.
وصوتها وهي بتحاول تبين إنها كويسة.
فكان الخوف يختفي.
ويتحول لغضب.
لما الطيارة نزلت الأقصر…
ما استنيتش لحظة.
أخدت أول تاكسي.
ورحت الفندق مباشرة.
وصلت أوضتها.
خبطت الباب.
ولما فتحته…
شفت بنتي.
أول ما شافتني…
انفجرت في العياط.
العياط اللي كانت حابسة نفسها عنه من امبارح.
جريت عليا.
لكن أول ما حطت رجلها على الأرض…
صرخت.
صرخة خلت قلبي يتقطع.
حضنتها فورًا.
وقلت:
— خلاص يا حبيبتي.
— أنا جيت.
بعد نص ساعة كنا في قسم الطوارئ.
الدكتور أول ما شاف رجلها…
وشه اتغير.
قال:
— من إمتى الإصابة دي؟
قلت:
— من امبارح.
رفع رأسه بسرعة.
— امبارح؟!
— أيوه.
سكت لحظة.
ثم قال:
— وهي كانت بتمشي عليها؟
بصيت له.
— حوالي 3 ساعات.
الدكتور فضل ساكت.
ثم هز رأسه بعدم تصديق.
بعد الأشعة…
الدكتور دخل علينا.
وملامحه متجهمة.
وقال الجملة اللي خلت دمي يتجمد:
— الكاحل فيه كسر واضح.
— وفيه تمزق شديد في الأربطة.
— وكان لازم يتثبت من أول ساعة.
حسيت الدنيا بتلف.
وسلينا بدأت تعيط.
أما الدكتور فكمل:
— الحمد لله إنكم جيتوا.
— لأن الاستمرار في المشي كان ممكن يعمل مضاعفات أسوأ بكتير.
في اللحظة دي…
رن موبايلي.
كانت أمي.
بصيت للاسم.
ثم رديت.
أول ما فتحت الخط قالت:
— هو إنتِ فين؟
ضحكت من الصدمة.
— فين؟!
— أنا في المستشفى مع بنتي.
سكتت.
ثم قالت:
— يعني سيبتي شغلك وسافرتي علشان كدمة؟
في اللحظة دي…
حتى الدكتور سمع الجملة.
ورفع رأسه من الملف.
أما أنا…
فحسيت إن آخر خيط صبر عندي اتقطع.
قلت بهدوء مرعب:
— كسر.
سكتت.
— إيه؟
— الدكتور بيقول كسر.
ولسه مكملة:
— وإنتوا سبتوها تمشي عليه 3 ساعات.
لأول مرة…
أمي ما ردتش.
لكن بعد ثواني…
سمعت صوت أبويا أخد منها التليفون.
وقال بنبرة حادة:
— وإنتِ جاية تحاسبينا يعني؟
— ما إحنا ربيناكي وكبرناكي.
— وغلط وارد يحصل.
قلت:
— الغلط وارد.
— لكن لما بنت عندها 15 سنة تترجى تروح مستشفى وأنتم ترفضوا؟
— ده مش غلطة.
— ده إهمال.
الصمت نزل على الخط.
ثم حصل شيء ما كنتش متوقعاه.
سلينا مدت إيدها.
وأخدت مني الموبايل.
وقالت بصوت مبحوح من العياط:
— جدو…
— أنا كنت بقولكم رجلي مكسورة.
— والله كنت بقولكم.
— ليه ما صدقتونيش؟
الصمت اللي حصل بعدها…
كان أقسى من أي رد.
يتبع…الفصل الثالث
فضلت ماسكة إيد سلينا وأنا سامعة أنفاس أبويا على الطرف التاني.
لكن مفيش رد.
ولا كلمة.
ولا حتى محاولة دفاع.
بس صمت.
الصمت اللي بييجي لما الإنسان يبقى عارف إنه غلطان.
وأخيرًا أبويا اتكلم.
لكن مش بالطريقة اللي كنت متوقعاها.
قال بصوت ناشف:
— إحنا ماكنّاش نقصد.
سلينا ردت فورًا:
— بس أنا كنت بعيط.
— وكنت بقولكم مش قادرة أمشي.
— وكنت بقولكم ودوني لدكتور.
صوتها بدأ يتكسر.
— وإنتوا قلتوا إني بدلع.
وأنا حسيت دموعي بتنزل غصب عني.
لأن دي مش مجرد إصابة.
دي خذلان.
خذلان من الناس اللي المفروض يكونوا الأمان.
قفلنا المكالمة.
والدكتور بدأ إجراءات التثبيت.
سلينا كانت شجاعة بشكل وجعني.
كل شوية تبتسم وتقول:
— أنا كويسة يا ماما.
مع إنها كانت بتتألم.
وكل ما تقولها…
كنت أحس إن قلبي بيتكسر أكتر.
بعد ساعتين رجعنا الفندق.
وأول ما دخلنا البهو…
شفتهم.
أمي.
وأبويا.
وأخويا طارق.
وولاده.
راجعين من الفسحة.
بيضحكوا.
وبيتكلموا.
ولما شافوني…
الضحك اختفى.
أمي كانت أول واحدة قربت.
وقالت:
— عاملة كل الدوشة دي ليه؟
بصيت لها.
مش مصدقة اللي سمعته.
— دوشة؟
— أيوه.
— الحمد لله طلعت سليمة.
رفعت ملف الأشعة اللي في إيدي.
وحطيته قدامها.
— اقرأي.
بصت للأشعة.
ثم للدكتور المكتوب اسمه.
ثم رجعت تبصلي.
وسكتت.
أما طارق…
فكان واقف بعيد.
قلت:
— كريم فين؟
اتوتر.
— ليه؟
— فين كريم؟
ابنه طلع من وراه.
ولد عنده 16 سنة.
واقف بيبص في الأرض.
قلت:
— إنت اللي زقيت سلينا؟
قال بسرعة:
— كنت بهزر.
— ماكنتش أقصد.
— هي اللي وقعت.
قلت:
— وبعد ما وقعت؟
سكت.
— عملت إيه؟
ما ردش.
لكن سلينا هي اللي ردت.
— ولا حاجة.
— ضحك.
الولد رفع رأسه بسرعة.
— لا والله.
— أنا ما ضحكتش.
لكن سلينا قالت:
— ضحكت.
— وكلهم ضحكوا.
الصمت نزل على المكان كله.
بصيت لأخويا.
— وكنت فين ساعتها؟
قال:
— كنت قريب.
— وما خدتش بنتي على مستشفى ليه؟
بدأ يتعصب.
— خلاص بقى.
— اللي حصل حصل.
الجملة دي كانت آخر حاجة محتاج أسمعها.
قلت:
— لا.
— اللي حصل ما خلصش.
أمي دخلت في الكلام.
— هتعملي إيه يعني؟
— هتحبسي ابن خالك؟
— هتقطعي رحمك؟
ضحكت.
ضحكة قصيرة وباردة.
— الموضوع مش ابن خالها.
— الموضوع إن بنتي وقعت.
— واتصابت.
— واتسابت تتعذب ساعات.
— وأنتم كلكم قررتوا إن راحتكم أهم منها.
أبويا اتضايق من كلامي.
وقال:
— إنتِ مكبرة الموضوع زيادة.
في اللحظة دي…
سلينا نفسها رفعت رأسها.
وقالت:
— جدو.
بصلها.
قالت:
— لو كانت شهد بنت خالو هي اللي وقعت…
كنت هتسيبها تمشي؟
ما عرفش يرد.
ولا طارق عرف يرد.
ولا أمي.
ولا أي حد.
لأن الإجابة كانت واضحة للجميع.
لأ.
مستحيل.
في الليلة دي…
أخدت سلينا.
وحجزت أوضة تانية بعيد عنهم.
وأول مرة من سنين…
ما حسيتش بأي ذنب تجاه زعل أهلي.
ولا تجاه غضبهم.
ولا تجاه اتهاماتهم.
لأن وأنا قاعدة جنب بنتي وهي نايمة…
ورجلها متجبسة.
افتكرت كل مرة عديت فيها مواقف مشابهة.
كل مرة قالوا:
“سيبيها.”
“عديها.”
“كبرتي الموضوع.”
“علشان خاطر العيلة.”
وفي كل مرة كنت بسكت.
لكن المرة دي كانت مختلفة.
لأن اللي اتأذى مش أنا.
اللي اتأذى بنتي.
والحدود اللي كنت بتنازل عنها لنفسي…
ماينفعش أتنازل عنها لما تخصها هي.
تاني يوم الصبح…
صحيت على خبط شديد على باب الأوضة.
فتحت.
لقيت مدير الفندق واقف.
ومعه موظف أمن.
وشكله متوتر جدًا.
قال:
— مدام…
— محتاجين حضرتك ضروري.
قلبي انقبض.
— ليه؟
بص ناحية سلينا.
ثم قال:
— لأن في مشكلة كبيرة حصلت بالليل.
— ومحتاجة وجود حضرتك فورًا.
وفي اللحظة دي…
ظهر طارق في آخر الممر.
وشه شاحب بشكل مرعب.
وعرفت فورًا…
إن في حاجة حصلت.
حاجة قلبت الرحلة كلها رأسًا على عقب.
يتبع…
الفصل الرابع
قلبي انقبض فورًا.
بصيت لطارق.
وشه كان أصفر.
وعرقان.
ومش قادر يبص في عيني.
قلت بحدة:
— في إيه؟
مدير الفندق اتردد لحظة.
ثم قال:
— ياريت ننزل المكتب تحت.
— الموضوع حساس شوية.
بصيت لسلينا.
كانت لسه نايمة.
فطلبت من إحدى الموظفات تفضل معاها دقائق.
ونزلت.
أول ما دخلت مكتب الإدارة…
لقيت أمي قاعدة.
وأبويا.
وطارق.
وزوجته.
وكريم.
لكن المرة دي…
محدش بيتكلم.
ولا حد بيرفع عينه.
فيه توتر غريب مالي المكان.
قلت بعصبية:
— حد ينطق.
— إيه اللي حصل؟
مدير الفندق تنهد.
ثم فتح شاشة الكمبيوتر اللي قدامه.
وقال:
— حصلت شكوى من أحد النزلاء.
— بخصوص حادثة حصلت في المعبد أول امبارح.
اتجمدت.
المعبد.
يوم وقعة سلينا.
ضغط على زر.
وظهر تسجيل فيديو.
واضح إنه من كاميرات مراقبة المنطقة الأثرية.
الصورة كانت بعيدة شوية.
لكن كفاية جدًا.
شفت سلينا طالعة على الدرج الحجري.
وشفت كريم وراها.
ثم…
شفت إيده.
وهي بتندفع بقوة.
مش لمسة.
مش هزار.
دفعة واضحة.
متعمدة.
قوية.
خلت سلينا تفقد توازنها.
وتقع على الدرج.
درجة وراء درجة.
لحد ما وصلت للأرض.
والفيديو وقف.
الأوضة كلها سكتت.
حتى أنا.
كنت حاسة إن نفسي اتسحب.
لأن اللي كنت بحاول أقنع نفسي إنه “تهور عيل”…
طلع أسوأ.
بكتير.
بصيت ناحية كريم.
كان بيعيط.
لكن مش زي العيال اللي ندمانة.
كان عياط خوف.
خوف من اللي جاي.
قلت بهدوء مرعب:
— ليه؟
ما ردش.
سألت تاني.
— ليه؟
بدأ يرتجف.
وبعدين قال جملة خلت أمه تنهار في العياط.
قال:
— علشان جدو بيحبها أكتر مني.
الصمت نزل على المكان.
بصيت لأبويا.
وشفت الصدمة على وشه.
أما كريم ففضل يتكلم.
كأنه كان كاتم الكلام ده من سنين.
— دايمًا سلينا.
— سلينا الشاطرة.
— سلينا المؤدبة.
— سلينا الجميلة.
— سلينا اللي الكل بيحبها.
ثم بص لأبويا.
— عمر ما حد شافني أنا.
أمه بدأت تبكي.
أما طارق فكان مصدوم.
كأنه أول مرة يسمع الكلام ده.
لكن كريم كمل.
— ولما وقعِت…
خفت.
— خفت أقول الحقيقة.
— ولما الكل قال إنها كدمة…
سكت.
— ولما قالت إنها موجوعة…
سكت برضه.
— كل يوم كنت بخاف أكتر.
لأول مرة…
الغضب اللي جوايا اتلخبط.
لأن اللي عمله بشع.
لكن اللي قدامي دلوقتي كان طفل ضايع.
طفل ارتكب كارثة.
ثم دفن نفسه فيها.
لكن الكارثة ما كانتش خلصت.
مدير الفندق قال:
— في جزء تاني لازم تشوفوه.
وشغل فيديو تاني.
من بهو الفندق.
بعد رجوعهم من المعبد.
وشفنا سلينا.
بتعرج.
وبتعيط.
وبتحاول تسند نفسها.
وشفنا أمي.
بتقول حاجة.
وبعدين تمشي.
وشفنا أبويا.
يبص على رجلها.
ويهز كتفه.
ويمشي.
وشفنا طارق.
واقف.
ساكت.
ما عملش أي حاجة.
وأنا قاعدة بتفرج…
حسيت بوجع أكبر من وجع الوقعة نفسها.
لأن الفيديو كشف الحقيقة كاملة.
ماحدش كان جاهل.
ماحدش ماخدش باله.
كلهم شافوا.
كلهم عرفوا إنها متأذية.
واختاروا يكملوا الرحلة.
أمي بدأت تعيط.
وقالت:
— والله ما قصدنا.
أبويا مسك رأسه بإيده.
لأول مرة في حياتي…
شوفته مهزوم بالشكل ده.
لكن الندم بعد وقوع الضرر…
ما بيمسحش الضرر.
قمت من مكاني.
وأنا هادية جدًا.
الهدوء اللي بيخوف أكتر من الصراخ.
قلت:
— أنا راجعة القاهرة النهارده.
— أنا وسلينا.
ثم بصيت لأمي وأبويا.
— ومن النهارده…
في حاجة هتتغير.
كلهم رفعوا عيونهم ناحيتي.
وأكملت:
— محدش هيبقى ليه حق ياخد قرار يخص بنتي غيري.
— لا سفر.
— لا مبيت.
— لا رحلة.
— لا أي حاجة.
أمي شهقت.
— يعني إيه؟
قلت:
— يعني انتهى.
— الثقة انتهت.
الدموع نزلت من عيونها.
لكن لأول مرة…
ما حسيتش بالذنب.
ولا بالتردد.
ولا بالخوف من زعلهم.
لأن صورة سلينا وهي لوحدها في أوضة الفندق…
كانت لسه قدام عيني.
بعد ساعات…
كنت أنا وبنتي على الطيارة راجعين القاهرة.
سلينا كانت نايمة على كتفي.
والجبيرة على رجلها.
وأول مرة من بداية القصة…
حسيت إنها بأمان.
قبل إقلاع الطيارة بدقائق…
وصلتلي رسالة من أبويا.
رسالة قصيرة جدًا.
“أنا آسف.”
بس كده.
كلمتين.
ولا تبرير.
ولا أعذار.
ولا لوم.
بصيت للرسالة طويلًا.
ثم قفلت الشاشة.
لأن الاعتذار مهم.
لكن إعادة بناء الثقة…
حاجة تانية خالص.
وحاجة بتحتاج وقت طويل جدًا.
يتبع…رجعنا القاهرة في نفس الليلة، لكن الحقيقة إن اللي اتكسر ماكانش كاحل سلينا بس. كان في حاجة أكبر اتكسرت جوايا أنا شخصيًا. طول الطريق من المطار للبيت كانت بنتي نايمة على كتفي، وكل شوية تفتح عينيها وتسألني إذا كنت زعلانة منها. وكل مرة كنت أحس إن قلبي بيتقطع وأقولها نفس الجملة: “إنتِ ما عملتيش أي حاجة غلط يا حبيبتي.”
بعد أسبوعين اتشال الجبس المؤقت واتحدد موعد العلاج الطبيعي. الدكتور أكد إن الإصابة هتخف، لكن كان لازم راحة وصبر. المشكلة إن الجرح الحقيقي ماكانش في الرجل. المشكلة كانت في خوف جديد دخل قلب بنتي.
بقت تتردد قبل ما تطلب أي حاجة.
كل مرة تتعب تقول: “ممكن أكون بتدلع.”
كل مرة تشتكي من وجع تسأل: “هو ده يستاهل دكتور ولا لأ؟”
وأول مرة سمعتها بتقول الجملة دي حسيت بغصة خنقتني.
لأن بنتي كانت بتتعلم درس غلط.
كانت بتتعلم إن وجعها ممكن ما يبقاش مهم.
وإن الناس اللي بتحبها ممكن تتجاهله.
وده كان أخطر من الكسر نفسه.
في يوم من الأيام كنت قاعدة معاها في جلسة العلاج الطبيعي، والدكتور كان بيطلب منها تمشي خطوات بسيطة. كانت بتعرج شوية لكنها بتحاول. فجأة سألتني بصوت هادي:
“ماما… لو إنتِ ما كنتيش جيتي، كان ممكن يحصل إيه؟”
الدكتور سكت.
وأنا سكت.
لثواني طويلة.
بعدين قلت:
“كنت هاجي يا سلينا.”
قالت:
“بس لو ما عرفتيش؟”
لأول مرة ما لقيتش إجابة.
لأن الحقيقة إن مجرد فكرة إنها كانت ممكن تفضل لوحدها هناك كانت مرعبة.
بعدها بأيام قليلة وصلني جواب بخط إيد أبويا.
أبويا عمره ما كتب جواب في حياته.
حتى في أعياد الميلاد كان بيتصل وخلاص.
لكن المرة دي كان فيه ظرف كامل.
فتحته وأنا متوترة.
وكان أول سطر مكتوب فيه:
“أنا خذلت حفيدتي.”
فضلت أبص للكلمة دي دقيقة كاملة.
خذلت.
مش غلطت.
مش قصرت.
خذلت.
ويمكن لأول مرة في حياتي أشوف أبويا بيعترف بحاجة بالشكل ده.
كان كاتب إنه كل ما يفتكر شكلها وهي بتمشي وهي موجوعة يحس إنه فشل كجد.
وإنه اكتشف متأخر جدًا إن الرحلة اللي كان خايف تبوظ كانت اتباظت فعلًا.
بس مش بسبب الكسر.
بسبب موقفهم.
أما أمي ففضلت أسابيع تحاول تكلمني.
في الأول كنت برد ببرود.
ثم بقيت ما أردش أصلًا.
مش عقاب.
لكن لأني كنت محتاجة مسافة.
محتاجة أفهم إذا كنت أقدر أثق فيهم تاني ولا لأ.
وفي يوم فجأة رن جرس الباب.
فتحت.
ولقيت أمي واقفة.
لوحدها.
من غير ميك أب.
من غير كلام كتير.
ومن غير دفاع.
أول ما شافتني قالت:
“أنا جاية أعتذر لسلينا.”
بس.
ولا كلمة زيادة.
دخلت.
وقعدت قدام بنتي.
ولأول مرة في حياتي شفت أمي تبكي قدام حفيدتها.
بكت وهي بتحكي إنها كانت خايفة تضيع الرحلة.
وخايفة تعمل مشكلة وسط العيلة.
وخايفة كل الناس تشتكي.
ولأنها كانت مركزة في كل حاجة…
نسيت تركز في أهم شخص.
نسيت تركز في سلينا.
بنتي فضلت ساكتة فترة طويلة.
ثم قالت:
“أنا كنت فاكرة إن محدش مصدقني.”
الجملة نزلت على أمي كأنها ضربة.
وبكت أكتر.
أما أنا ففهمت في اللحظة دي إن بعض الجروح بتحتاج شجاعة علشان نعترف بيها.
وبعض الاعتذارات بتاخد وقت طويل علشان تتقال.
لكن في النهاية…
الشيء الوحيد اللي كان يهمني فعلًا هو إن بنتي تعرف حقيقة واحدة.
إن صوتها مهم.
وإن وجعها مهم.
وإن أي حد في الدنيا كلها لو قال لها إنها بتدلع وهي موجوعة…
يبقى هو الغلطان.
مش هي.
ولأول مرة من يوم الرحلة…
شفت سلينا تبتسم ابتسامة كاملة.
ابتسامة بنت بدأت تصدق نفسها من جديد.
وساعتها عرفت إن رحلة الأقصر انتهت.
لكن رحلة شفاء بنتي الحقيقية…
كانت لسه بتبدأ.
يتبع
بعد زيارة أمي بأسبوع تقريبًا بدأت الحياة ترجع لشبه الطبيعي. سلينا كانت بتروح جلسات العلاج الطبيعي مرتين في الأسبوع، وأنا بقيت أرتب شغلي على مواعيدها مهما كانت عندي اجتماعات أو قضايا مهمة. الغريب إن الإصابة قربتنا من بعض بطريقة ما حصلتش من سنين. بقت تحكيلي كل حاجة. كل تفصيلة. كل إحساس. كل خوف كانت بتخبيه علشان ما تزودش همومي.
وفي إحدى الليالي كنت بدخل أوضتها علشان أطمن عليها قبل النوم، فسمعتها بتتكلم في التليفون بصوت واطي. أول ما دخلت قفلت المكالمة بسرعة.
ابتسمت وقلت:
“مين؟”
احمر وشها وقالت:
“صاحبتي.”
ما ضغطتش عليها.
لكن بعد يومين عرفت الحقيقة.
المدرسة اتصلت بيا.
في البداية افتكرت إن الموضوع يخص غيابها بسبب العلاج.
لكن الأخصائية الاجتماعية قالت جملة خلتني أتوتر:
“مدام… إحنا قلقانين على سلينا.”
قلبي انقبض فورًا.
“ليه؟”
قالت:
“في بنت في الفصل قالت إن سلينا بقالها فترة بتقعد لوحدها في الفسحة وبتقول إنها ما بقتش تثق في حد.”
سكتت.
ثم أضافت:
“وقالت كمان إنها لو وقعت أو تعبت محدش هيساعدها.”
قفلت المكالمة وأنا حاسة إن حد ضغط على صدري.
لأن الكسر كان بيخف.
لكن أثر اللي حصل كان لسه عايش جواها.
في نفس اليوم أخدتها بالعربية بعد المدرسة بدل السائق.
فضلنا ساكتين شوية.
ثم قلت بهدوء:
“إنتِ زعلانة؟”
هزت كتفها.
“عادي.”
عرفت فورًا إنها مش عادي.
قلت:
“الأخصائية اتصلت بيا.”
سكتت.
ثم بصت من الشباك.
وبدأت دموعها تنزل.
من غير صوت.
من غير بكاء.
بس دموع.
وقالت:
“أنا كنت فاكرة جدو وتيتة بيحبوني.”
الجملة دي وجعتني أكتر من أي حاجة.
قلت بسرعة:
“هما بيحبوكي.”
هزت رأسها.
“اللي بيحب حد ما يسيبوش وهو بيتوجع.”
ما عرفتش أرد.
لأن جزء مني كان حاسس إنها عندها حق.
وصلنا البيت.
وقعدنا في الجنينة الخلفية.
وكان أول حوار حقيقي بينا عن اللي حصل.
قالت إنها فضلت طول الرحلة تحاول تقنع نفسها إنهم أكيد هيودوها مستشفى بعد شوية.
وبعد ساعة كانت بتقول أكيد بعد الغدا.
وبعد الغدا كانت بتقول أكيد لما نرجع الفندق.
وبعد الفندق كانت بتقول أكيد بكرة.
لكن بكرة ما جاش.
وكل مرة كانوا يرفضوا كانت بتحس إن قيمتها أقل.
إن راحتها أقل أهمية.
إنها عبء.
وفي اللحظة دي فهمت ليه الموضوع أكبر من مجرد كسر.
لأن اللي اتكسر كان إحساسها بالأمان.
وبدأت من يومها أوديها جلسات مع أخصائية نفسية.
في الأول رفضت.
قالت إنها مش مجنونة.
لكن بعد عدة جلسات بدأت تتكلم.
وبدأت ترجع تضحك.
وبدأت ترجع للبنت اللي أعرفها.
أو على الأقل نسخة جديدة منها.
أقوى شوية.
وأوعى شوية.
لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها إن أثر الرحلة ما كانش خلص.
لأن بعد شهر تقريبًا وصلتني رسالة إلكترونية من إدارة المدرسة.
وكان عنوانها:
“واقعة تنمر خطيرة تستدعي حضور ولي الأمر.”
وأول اسم قرأته في التقرير خلاني أتجمد مكاني.
كريم.
ابن خالها.
كان قدام المدرسة.
وكان سبب مشكلة جديدة هتقلب العيلة كلها من أول وجديد.أول ما قريت اسم كريم حسيت معدتي اتقبضت. في البداية افتكرت إن الموضوع مجرد خناقة مراهقين أو مشادة عادية في المدرسة. لكن لما وصلت مكتب المديرة وعرفت التفاصيل، فهمت إن المشكلة أكبر من كده بكتير.
سلينا كانت قاعدة في مكتب الأخصائية الاجتماعية. وشها شاحب وعينيها حمرا من العياط. أول ما شافتني قامت وحضنتني بقوة.
قلت بهدوء:
“إيه اللي حصل؟”
الأخصائية تنهدت وقالت:
“كريم جه المدرسة النهارده.”
اتجمدت.
“جه هنا ليه؟”
قالت:
“قال إنه جاي يعتذر.”
بصيت لسلينا.
فقالت بصوت مبحوح:
“أنا ما كنتش عايزة أشوفه.”
الأخصائية كملت:
“في البداية كان الكلام هادي. بعدين حصلت مشادة.”
مدتلي ورقة مطبوعة.
كان تقرير من كاميرات المدرسة.
شغلت الفيديو.
وشفت كريم واقف قدام سلينا في الفناء.
كان بيحاول يكلمها.
وهي بترفض.
وبعدين سمعته بيقول جملة خلت دمي يغلي:
“إنتِ اللي خربتي العيلة كلها.”
سلينا كانت واقفة مكانها.
واضح عليها الصدمة.
أما كريم فكمل:
“من ساعة اللي حصل وكل الناس بتبصلي كأني مجرم.”
“جدو مبقاش يكلمني.”
“بابا كل يوم يزعقلي.”
“إنتِ السبب.”
في اللحظة دي شفت بنتي بتلف وتمشي.
لكن كريم مسك دراعها.
ثانية واحدة بس.
لكنها كانت كفاية.
سلينا صرخت.
صرخة قوية.
صرخة خارجة من خوف متراكم بقاله شهور.
ووقعت على الأرض وهي بتعيط.
—
قفلت الفيديو وأنا بحاول أسيطر على نفسي.
قلت:
“هو فين دلوقتي؟”
المديرة قالت:
“أبوه أخده.”
خرجت من المدرسة وأنا حاسة إن النار بتاكلني من جوا.
لكن أول ما بصيت لسلينا عرفت إن غضبي مش هو المهم.
المهم هي.
ركبنا العربية.
وفضلت ساكتة طول الطريق.
لحد ما قالت فجأة:
“هو ليه بيكرهني؟”
وقفت العربية على جنب.
وبصيتلها.
قلت:
“هو ما بيكرهكيش.”
قالت:
“أمال ليه بيعمل كده؟”
تنهدت.
لأن الحقيقة كانت أصعب من أي إجابة بسيطة.
قلت:
“في ناس لما تغلط غلطة كبيرة ما بتعرفش تواجه نفسها.”
“فتدور على أي حد تلومه.”
“وكريم اختارك إنتِ.”
سكتت شوية.
ثم قالت:
“بس أنا ما عملتش حاجة.”
مديت إيدي ومسكت إيدها.
وقلت:
“عارفة.”
“وأهم حاجة إنك إنتِ تعرفي كده.”
—
في نفس الليلة رن تليفوني.
كان طارق.
رديت.
وصوته كان مكسور بشكل ما سمعتوش منه قبل كده.
قال:
“أنا تعبت.”
سكت.
ثم قال:
“مش عارف أتعامل مع كريم.”
لأول مرة ما كانش بيتكلم كأخ متعصب.
كان بيتكلم كأب مرعوب.
قال إن كريم بطل يخرج من أوضته.
وبطل يلعب كورة.
وبقى عصبي طول الوقت.
وإن المدرسة استدعته أكتر من مرة.
وإن الولد كل ما حد يجيب سيرة الرحلة ينهار.
ثم سكت لحظة طويلة وقال:
“أنا فاكر إني كنت بحميه.”
“لكن يمكن أنا اللي ضيعته.”
الجملة دي فضلت ترن في دماغي ساعات.
لأنها كانت الحقيقة.
من أول يوم وقع فيه سلينا.
ماحدش وقف كريم قدام غلطه.
كلهم حاولوا يغطوا عليه.
ويقللوا اللي حصل.
ويبرروا.
ولما الطفل ما بيتحاسبش…
بيتعلم إن المشكلة مش في اللي عمله.
المشكلة في اللي كشفه.
—
بعد أسبوعين حصل شيء ما كنتش متوقعاه.
كنت راجعة من الشغل.
ولقيت ظرف أبيض تحت باب الشقة.
من غير اسم مرسل.
فتحته.
وجوا كان فيه جواب بخط إيد كريم.
خط طفل مرتبك.
وفي أول سطر مكتوب:
“أنا عارف إن حضرتك يمكن تكرهيني.”
وقفت مكاني أكمل القراءة.
“أنا ما كنتش عايز أوقع سلينا كده.”
“كنت غيران.”
“وكنت فاكر إن مجرد زقة صغيرة مش هتعمل حاجة.”
“ولما وقعت خفت.”
“ولما خفت كذبت.”
“ولما كذبت بقيت بخاف أكتر.”
“وكل يوم كنت بصحى أتمنى أصحى ألاقي اللي حصل ما حصلش.”
دموعي نزلت وأنا بكمل.
لأن لأول مرة من شهور…
حد من العيلة كلها كان بيقول الحقيقة كاملة.
من غير تبرير.
من غير أعذار.
من غير كلمة “هزار”.
ولا “قضاء وقدر”.
ولا “بطلوا تكبير للموضوع”.
بس الحقيقة.
وفي آخر الجواب كانت جملة واحدة:
“لو سلينا عمرها ما سامحتنيش أنا هتفهم… بس قوليلها إني آسف بجد.”
قفلت الخطاب.
وبصيت ناحية أوضة بنتي.
وعرفت إن القرار المرة دي مش قراري أنا.
القرار كان قرارها هي.
هل هتسامح؟
ولا الجرح لسه أعمق من كده؟
ولأول مرة من يوم الرحلة…
كنت مستعدة أسيب الإجابة كلها في إيدها.
يتبع
فضل الخطاب عندي يومين كاملين قبل ما أوريه لسلينا. مش لأنني كنت بخبي عنها، لكن لأني كنت عايزة أتأكد إنها مستعدة تقراه. في الليلتين دول كنت كل ما أعدي جنب أوضتها ألاقيها قاعدة تذاكر أو تتفرج على حاجة، لكن كان واضح إن جزء منها لسه هناك. لسه على درجات المعبد. لسه في الفندق وهي لوحدها. لسه في اللحظة اللي اكتشفت فيها إن الناس اللي وثقت فيهم اختاروا يكملوا يومهم عادي وهي موجوعة.
في مساء الجمعة قعدنا سوا في البلكونة. الجو كان هادي والقاهرة تحتنا مليانة أنوار. طلعت الخطاب وحطيته قدامها.
بصتلي باستغراب.
وقالت:
“إيه ده؟”
قلت:
“من كريم.”
وشها اتغير فورًا.
لكنها ما رجعتش الخطاب.
فضلت باصة له ثواني طويلة.
ثم فتحته.
وقرأت.
من أول كلمة لآخر كلمة.
من غير ما تتكلم.
من غير ما ترفع عينها.
ولما خلصت طوته بهدوء.
وحطته على الترابيزة.
وسكتت.
فضلت مستنية.
دقيقة.
اتنين.
خمسة.
ثم سألتها:
“إيه رأيك؟”
تنهدت ببطء.
وقالت:
“أنا مصدقاه.”
استغربت.
“بجد؟”
هزت رأسها.
“أيوه.”
“عارفة إنه ندمان.”
سكتت شوية.
ثم أكملت:
“بس ده ما بيغيرش اللي حصل.”
الجملة كانت أكبر من سنها بكتير.
وأذكى من سنها بكتير.
لأنها فهمت حاجة ناس كبار ما بيفهموهاش.
إن الاعتذار الحقيقي مهم.
لكن ما بيمسحش الماضي.
—
بعدها بأيام بدأت الإجازة الصيفية.
وكانت أول مرة من سنين ما نسافرش.
سلينا نفسها رفضت.
كل ما حد يجيب سيرة رحلة كانت تتهرب من الكلام.
فقررت ما أضغطش عليها.
لحد ما في يوم وأنا راجعة من الشغل لقيتها قاعدة على السفرة ومعاها ورقة وقلم.
قلت:
“بتعملي إيه؟”
خبّت الورقة بسرعة.
ابتسمت.
“ولا حاجة.”
عرفت فورًا إن فيه حاجة.
لكن سبتها براحتها.
بعد ساعة تقريبًا خرجت من أوضتها.
وكان معاها ظرف.
وحطته قدامي.
وقالت:
“ممكن تبعتيه لعمو طارق؟”
فتحت الظرف.
ولقيت جواب قصير جدًا.
لكن كل كلمة فيه كانت تقيلة.
كانت كاتبة:
“أنا قبلت اعتذار كريم.”
“بس محتاجة وقت.”
“ومش عايزة حد يضغط عليا علشان أسامح بسرعة.”
“لما أبقى جاهزة هعرفكم.”
وقفت أقرأ الجواب مرتين.
ثم بصيت لبنتي.
وحسيت بفخر عمري ما حسيت زيه.
لأنها كانت بتحط حدودها.
من غير قسوة.
ومن غير انتقام.
ومن غير ما تسمح لحد يقرر مكانها هي حاسة بإيه.
—
بعد أسبوع وصلنا رد طارق.
مش رسالة.
هو بنفسه.
خبط باب البيت.
ولأول مرة من شهور دخل من غير صوت عالي.
ولا دفاع.
ولا تبريرات.
قعد في الصالون.
وسأل على سلينا.
لما نزلت من أوضتها وقف.
وكأنه مش عارف يبدأ منين.
ثم قال:
“أنا آسف.”
وسكت.
ثم كررها تاني.
“أنا آسف.”
المرة دي كانت مختلفة.
لأنها كانت أول مرة يعتذر من غير ما يقول بعدها “بس”.
من غير ما يقول “أصل”.
من غير ما يقول “ما كنتش أقصد”.
اعتذار كامل.
بسيط.
وصادق.
سلينا هزت رأسها.
وقالت:
“أنا سمعتك.”
ثم رجعت أوضتها.
يمكن أي حد تاني كان يشوف ردها بارد.
لكن أنا فهمته.
كانت لسه بتحاول.
ولأول مرة حد احترم ده.
—
مرت الشهور.
والعلاج الطبيعي انتهى.
والكاحل رجع أقوى.
والتورم اختفى.
وبقت سلينا تمشي وتجري عادي.
لكن الحاجة اللي فرحتني أكتر من أي تقرير طبي حصلت في أول يوم دراسة في السنة الجديدة.
كنت واقفة قدام المدرسة أوصلها.
فنزلت من العربية.
وبعدين رجعت فجأة.
افتكرت إنها نسيت حاجة.
لكنها فتحت الباب وقالت:
“ماما؟”
قلت:
“نعم؟”
ابتسمت.
وقالـت:
“أنا مبقتش بخاف أقول إني موجوعة.”
سكتت.
ثم أكملت:
“ولو حد ما صدقنيش… هفضل أتكلم لحد ما يسمعني.”
قفلت الباب وجريت ناحية المدرسة.
وأنا فضلت قاعدة مكاني.
مش قادرة أتحرك.
لأن في اللحظة دي بالذات فهمت إن بنتي كسبت معركة أكبر بكتير من معركة الكسر.
كسبت نفسها.
وكسبت صوتها.
ويمكن دي كانت أول مرة من يوم الرحلة أحس إن النهاية السعيدة بدأت فعلًا.
مرت سنة كاملة على رحلة الأقصر.
سنة فيها حاجات كتير اتغيرت.
حاجات ما كنتش أتخيل إنها تتغير أصلًا.
سلينا بقت في الصف الجديد.
رجعت تلعب رياضة.
رجعت تخرج مع أصحابها.
ورجعت تضحك بنفس الطريقة اللي كانت بتضحك بيها قبل الحادثة.
لكنها ما رجعتش نفس البنت تمامًا.
بقت أقوى.
وأوضح.
وأجرأ في التعبير عن نفسها.
وفي الحقيقة…
أنا كمان ما رجعتش نفس الشخص.
لأن الرحلة دي كشفت لي حاجات كنت برفض أشوفها سنين طويلة.
كشفت لي إني طول عمري كنت ببرر.
وبسامح بسرعة.
وبعدي مواقف كتير علشان “خاطر العيلة”.
لدرجة إني ساعات كنت بنسى نفسي.
لكن لما الموضوع وصل لبنتي…
ما قدرتش أعمل كده.
ولأول مرة حطيت حدود حقيقية.
—
في عيد ميلاد سلينا السادس عشر قررنا نعمل احتفال صغير في البيت.
أصحابها.
شوية قرايب.
وعشاء بسيط.
وأثناء التحضيرات سألتني فجأة:
“ماما… لو جدو وتيتة حبوا يجوا، ينفع؟”
بصيت لها.
وسبت القرار ليها.
قلت:
“إنتِ اللي تقرري.”
سكتت شوية.
ثم قالت:
“ينفع.”
ولأول مرة فهمت إن المسامحة الحقيقية بدأت.
مش لأن حد طلبها منها.
ولا لأن حد ضغط عليها.
لكن لأنها اختارتها بنفسها.
—
في يوم الحفلة وصل أبويا وأمي بدري.
كانوا متوترين بشكل واضح.
خصوصًا أبويا.
من يوم اللي حصل وهو اتغير.
بقى يتصل على سلينا بنفسه.
يسأل عليها.
يتابع جلسات العلاج.
يبعت لها كتب لأنها بتحب القراءة.
ويحاول يصلح اللي انكسر.
مش بالكلام.
بالأفعال.
ولما دخل البيت يومها كان شايل هدية كبيرة.
لكن أول حاجة عملها ما كانتش إنه يديها الهدية.
وقف قدامها.
وقال:
“قبل أي حاجة…”
وسكت.
واضح إنه بيجمع شجاعته.
ثم قال:
“أنا فخور بيكي.”
سلينا ابتسمت.
وأبويا كمل:
“وأنا آسف للمرة المليون.”
ضحكت لأول مرة.
وقالت:
“وصلت الرسالة يا جدو.”
وأخيرًا ضحك هو كمان.
ضحكة مرتاحة ما سمعتهاش منه من زمان.
—
أما كريم…
فكان أصعب واحد فيهم.
لأنه كان لسه شايل ذنب كبير.
لدرجة إنه فضل شهور يرفض ييجي أي تجمع عائلي تكون فيه سلينا.
وفي يوم اتصل بيا طارق.
وقال:
“ممكن أكلمك بصراحة؟”
قلت:
“طبعًا.”
قال:
“الولد محتاج فرصة.”
سكت شوية.
ثم كمل:
“مش علشان ينسى.”
“علشان يتعلم يعيش بعد الغلط.”
الجملة دي فضلت في دماغي فترة طويلة.
لأنها كانت صحيحة.
في ناس بتفتكر إن العقاب هدفه الانتقام.
لكن الحقيقة إن الهدف الأهم هو التعلم.
والتغيير.
—
بعد أسابيع قليلة كنا في تجمع عائلي صغير.
وسلينا كانت قاعدة في الجنينة تقرأ.
وكريم وصل.
أول ما شافها اتوتر.
واضح جدًا.
فضل واقف بعيد.
ثم أخيرًا قرب.
وقف قدامها.
وقال:
“ممكن أقعد؟”
بصت له.
ثم هزت رأسها.
وقعد.
الصمت استمر دقيقة كاملة.
ثم قال:
“أنا عارف إنك مش ناسية.”
قالت:
“صح.”
قال:
“وأنا مش ناسي برضه.”
ثم سكت.
وأضاف:
“بس أنا بحاول أبقى شخص أحسن.”
ولأول مرة من يوم الحادثة…
ابتسمت له.
ابتسامة صغيرة جدًا.
لكنها كانت كفاية.
كفاية علشان أفهم إن صفحة جديدة بدأت تتفتح.
مش لأن الماضي اختفى.
لكن لأنهم قرروا ما يفضلش يحكم مستقبلهم للأبد.
—
بعد الحفلة بأيام قليلة كنت برتب درج قديم في المكتب.
ولقيت حاجة نسيتها تمامًا.
تذكرة الطيران.
نفس التذكرة اللي حجزتها في لحظة غضب وخوف.
التذكرة اللي خلتني أركب طيارة لأول مرة بعد عشر سنين من الرعب.
فضلت أبص لها شوية.
وأفكر.
الغريب إن أكتر حاجة فاكراها من الرحلة دي مش الخوف.
ولا المطار.
ولا الطيارة.
أكتر حاجة فاكراها هي اللحظة اللي قررت فيها أتحرك.
اللحظة اللي بطلت فيها أستنى حد تاني يتصرف.
—
دخلت سلينا المكتب وقتها.
وشافت التذكرة في إيدي.
وقالت وهي بتضحك:
“لسه محتفظة بيها؟”
قلت:
“أيوه.”
سألت:
“ليه؟”
ابتسمت.
وقلت:
“علشان دي مش مجرد تذكرة.”
“دي ذكرى اليوم اللي اكتشفت فيه إن الأم ممكن تعمل حاجات كانت فاكرة إنها مستحيلة.”
قربت مني.
وحضنتني.
وقالت:
“وأنا اكتشفت فيه إن عندي ماما مستعدة تحارب الدنيا كلها عشاني.”
في اللحظة دي…
ما كانش فيه أي حاجة محتاجة تتقال بعدها.
لا عن الرحلة.
ولا عن الكسر.
ولا عن الوجع.
لأن النهاية الحقيقية للقصة ما كانتش يوم ما رجل سلينا خفت.
ولا يوم ما الاعتذارات اتقالت.
النهاية الحقيقية كانت يوم ما بنتي عرفت إن صوتها له قيمة.
ويوم ما عرفت أنا إن حماية أولادي أهم من أي مجاملة.
وأهم من أي خوف.
وأهم من أي حد.
وأنا لو رجع بيا الزمن ألف مرة…
كنت هركب نفس الطيارة.
في نفس اليوم.
وبنفس السرعة.
علشان خاطر عيون بنتي.
النهاية.
