عايزني

شاف اللي جواه، وشه اتغير.
كان طلب شغل…
طلب كانت مقدماه من سنتين لوظيفة في مصنع كبير، مرتبها كان هيبقى تقريبًا ضعف مرتب الأتيليه.
وفي آخر الورقة… مكتوب بخط إيدها
اعتذرت عن الوظيفة… لأن مواعيدها هتخليني أسيب جنى لوحدها.
عصام بلع ريقه بصعوبة.
إنتي… رفضتي الشغل ده؟
نادية ضحكت ضحكة كلها وجع.
أيوه… علشان حضرتك كنت رافض فكرة الحضانة، وقلت إن البنت لازم تلاقي أمها أول ما ترجع من المدرسة.
نزل بعينه للأرض…
أول مرة يحس إنه مش شايف الصورة كاملة.
لكن قبل ما ينطق بأي كلمة…
رن تليفونه.
بص للشاشة…
الاسم اللي ظهر خلى ملامحه تتغير فورًا.
إيهاب.
رد بسرعة…
لكن أول جملة سمعها من صاحبه… قلبت كل اللي كان فاكره عن حياة إيهاب وياسمين رأسًا على عقب…
يتبع…عصام رد بسرعة، ولسه هيقول إزيك يا عم؟… لكن صوت إيهاب كان مكسور بطريقة عمره ما سمعها قبل كده.
إنت في البيت؟
أيوه… خير؟
سكت إيهاب ثواني، وبعدين قال بصوت واطي
ممكن أعدي عليك؟ لوحدي.
استغرب عصام.
طبعًا… بس مالك؟
لما أوصل هفهمك.
قفل السكة.
عصام فضل باصص للموبايل، وحاسس إن في حاجة غلط.
نادية كانت واقفة بتلم الورق من على الترابيزة، وكأن المكالمة متهمهاش.
بعد أقل من نص ساعة…
جرس الباب رن.
فتح عصام… واتصدم.
إيهاب واقف قدامه، لكن مش إيهاب اللي كان بيشوفه كل يوم.
دقنه طالعة، عينيه حمرا من السهر، هدومه مكرمشة، وحتى عربيته الفخمة مش موجودة تحت العمارة.
دخل من غير كلمة.
قعد على الكنبة، وحط وشه بين إيديه.
عصام قرب منه بقلق.
إيه اللي حصل؟
إيهاب أخد نفس طويل وقال
فاكر لما كنت بتقولي… يا بختك بياسمين؟
ابتسم عصام ابتسامة محرجة.
أيوه…
رفع إيهاب عينه وبص له نظرة كلها تعب.
تعرف ياسمين بقالها كام يوم مش بتكلمني؟
اتسمر عصام مكانه.
ليه؟
ضحك إيهاب ضحكة مرة.
لأنها طلبت الطلاق.
نادية، اللي كانت واقفة في المطبخ، إيديها وقفت في الهوا من غير ما تحس.
أما عصام… فحس إن الأرض بتميد بيه.
إيهاب كمل وهو بيحك شعره بعصبية
إنت شفت السفرة… والفستان… والبيت النضيف…
وسكت لحظة…
لكن ما شفتش إنها كانت بتعمل كل ده وهي بتستخبى كل ليلة تعيط لوحدها.
عصام بلع ريقه.
يعني إيه؟
إيهاب طلع من جيبه ظرف أبيض، وحطه قدامه على الترابيزة.
اقرأ.
فتح عصام الظرف…
وأول سطر وقعت عليه عينه خلاه يشهق…
كانت ورقة من طبيب نفسي…
باسم…
ياسمين.
يتبع…عصام قلب الورقة بإيد مرتعشة، وعينه جريت على السطور بسرعة.
تعاني المريضة من إرهاق نفسي شديد، ونوبات قلق، وتوصى بالراحة وتقليل الضغوط.
رفع رأسه بذهول.
دي… دي ياسمين؟
إيهاب هز رأسه ببطء.
أيوه… مرات اللي كنت بتحسدني عليها.
ساد الصمت.
ثم قال إيهاب وهو يبتسم ابتسامة موجوعة
إنت كنت شايف الفستان… لكن ما شفتش إنها قبل ما تيجوا بساعة كانت خارجة من جلسة علاج.
نادية وقفت مكانها، وعيناها اتسعتا.
إيهاب كمل
شايف البيت اللي بيلمع؟ فيه شركة نظافة بتيجي مرتين في الأسبوع. شايف الأكل؟ معظمه شيف بيحضره، وهي بس بتطلعه في الأطباق قبل الضيوف.
بص لعصام مباشرة.
وشايف ابتسامتها؟
سكت لحظة طويلة.
دي أصعب حاجة كانت بتعملها.
عصام حس إن كل المقارنات اللي كان بيبنيها في دماغه بتقع واحدة واحدة.
لكن إيهاب لسه ما قالش كل الحقيقة.
طلع موبايله، وفتح صورة.
ناولها لعصام.
الصورة كانت لياسمين… لكن مش بالفستان السواريه.
كانت قاعدة على سرير مستشفى، لابسة هدوم بسيطة، وشها شاحب، وعينيها مليانة دموع.
اتجمد عصام.
إيه ده؟
قال إيهاب بصوت مبحوح
دي من أسبوع.
وقبل ما يشرح أكثر…
رن جرس الباب فجأة.
التلاتة بصوا ناحية الباب في نفس اللحظة.
إيهاب اتغير لون وشه، وقام واقف بسرعة كأنه كان مستني حد.
عصام فتح الباب…
وأول ما شاف الشخص الواقف بره، رجع خطوة لورا من شدة الصدمة…
كانت ياسمين نفسها… لكن ملامحها كانت مختلفة تمامًا عن الست اللي شافها من ساعات.
وجهها باهت، عينيها منتفخة من البكاء… وفي إيدها ملف كبير، أول ما دخلت حطته على الترابيزة وقالت بصوت ثابت
خلاص يا إيهاب… جبت كل الأوراق… ومفيش رجعة بعد اللي هتعرفوه الليلة.
يتبع…ياسمين حطت الملف على الترابيزة، وسحبت نفسًا عميقًا وهي بتحاول تثبت رعشة إيديها.
بصت لنادية الأول… ثم لعصام.
معلش إني جيت من غير ميعاد… بس يمكن اللي هقوله النهارده ينقذ بيتكم.
عصام كان لسه مش مستوعب.
إيه الأوراق دي؟
فتحت الملف بهدوء، وطلعت رزمة فواتير وعقود وكشوفات بنكية.
دي الحقيقة اللي محدش يعرفها.
إيهاب غمض عينيه كأنه حافظ كل ورقة فيها.
قالت ياسمين
إنتوا فاكرين إننا عايشين حياة كاملة… صح؟
ولا حد رد.
ابتسمت ابتسامة باهتة.
العربية اللي عجباكم… قسط.
طلعت ورقة.
والفيلا… عليها قرض.
ورقة تانية.
وشركة إيهاب… عليها ديون بالملايين.
اتسعت عينا عصام.
إزاي؟!
رد إيهاب بصوت منخفض
من سنة حصلت صفقة كبيرة خسرتني مبلغ ضخم… ومن يومها وأنا بحاول أغطي الخسارة بأي شكل.
ياسمين كملت
علشان كده كل ما حد يعزم نفسه علينا… كنت ألبس وأجهز البيت وأمثل إن كل حاجة تمام.
نادية همست
تمثلوا؟
نزلت دمعة من عين ياسمين.
كل يوم.
ثم أخرجت ظرفًا صغيرًا من الملف، ومدته لنادية.
عارفة ده إيه؟
فتحت نادية الظرف…
كان فيه إيصال بيع.
قرأت الاسم… ثم شهقت.
الإيصال كان يثبت أن ياسمين باعت شبكة جوازها من شهور.
رفعت رأسها بصدمة.
ليه؟
أجابت ياسمين وهي تمسح دموعها
علشان نسدد مرتبات العمال… قبل ما الشركة تقفل.
نظر عصام إلى إيهاب، ولم يجد في عينيه الرجل الذي كان يحسده دائمًا. .. بل وجد رجلًا أنهكته المسؤولية وهو يحاول أن يخفي وجعه بابتسامة أمام الناس.
لكن قبل أن ينطق أحد…
رن هاتف إيهاب مرة أخرى.
نظر إلى الشاشة، فتغير لون وجهه فجأة.
همس بصوت يكاد لا يُسمع
مستحيل…
رفع رأسه إليهم وقال
البنك…
ثم رد على المكالمة، وبعد ثوانٍ فقط، سقط الهاتف من يده على الأرض…
وتجمد الجميع عندما سمعوا الموظف من السماعة يقول بصوت واضح
يا أستاذ إيهاب… صدر قرار بالحجز على الشركة ابتداءً من صباح بكرة.
وتحولت ملامح إيهاب إلى شحوب كامل…
يتبع…اتجمد إيهاب مكانه…
الموبايل وقع من إيده، والصوت اللي طالع من السماعة فضل يرن في ودان الكل.
أستاذ إيهاب؟… حضرتك معايا؟
لكن إيهاب ما ردش.
قفل المكالمة ببطء، وقعد على أول كرسي قابله، وكأنه فجأة كبر عشرين سنة.
ياسمين ما اتفاجئتش…
غمضت عينيها وقالت بهدوء موجوع
كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.
بص لها إيهاب.
أنا آسف.
هزت راسها.
أنا مش زعلانة على الفلوس يا إيهاب… أنا زعلانة إنك سيبتني لوحدي أشيل كل حاجة.
سكتت لحظة، ثم كملت والدموع في عينيها
كل يوم كنت تطلب مني ألبس أحسن هدومي لو حد جاي… وتبتسمي… ومتخليش حد يحس إن عندنا أزمة.
لفتت ناحية عصام ونادية.
السفرة اللي انبهرتوا بيها النهارده…
ابتسمت بسخرية.
معظم الأطباق كانت مستعارة من أختي.
اتصدم عصام.
إيه؟
والشموع؟ كانت من فرح صاحبتي. والفستان؟ مستلفاه من بنت خالتي.
نادية حست بغصة في قلبها.
أما عصام… فافتكر كلامه وهو بيقارن بينها وبين ياسمين، وحس بخجل عمره ما حسه قبل كده.
قام من مكانه، ومشى لحد المطبخ.
بص لنادية وهي واقفة تغسل الكوبايات.
بص لإيديها…
كانت مليانة آثار وخز الإبر من شغل الخياطة، وفيها شقوق من المنظفات.
لأول مرة يشوفها بجد.
مد إيده بهدوء، وأخذ منها الكوباية.
استغربت.
بتعمل إيه؟
قال بصوت واطي
سيبيها… أنا هغسل.
بصت له بعدم تصديق.
لكنه كمل يغسل، من غير ما يبص في عينيها.
وفي الصالة…
إيهاب كان ماسك إيد ياسمين لأول مرة من شهور، وقال بصوت مكسور
يمكن خسرت الشركة…
