لما عيرته بمرتبه

**الفصل الثاني**
فضلت واقفة في نص الأوضة مش حسة برجلي، والتليفون اللي وقع على السجادة كان يرن ويكتب اسمه على الشاشة، لكن صوابعي كانت متجمدة، مش قادرة أمد إيدي وأرفعه.
الرسالة اللي قريتها قبل ما الموبايل يقع من إيدي كانت عبارة عن سطرين اثنين، بس كانوا كفيلين يهدوا كل حاجة بنيتها في خيالي:
> “كل شيء قسمة ونصيب يا منى. الشغل الجديد خطوة كنت محتاجها لنفسي مش عشان أثبتلك حاجة. والشبكة والحاجة بتاعتك هتكون عندك بكره. أتمنى تلاقي الراجل اللي يقدر يملى عينك ويتناسب مع طموحاتك ومادياتك.”
>
نزلت على ركبي بأيدين بترتعش، ورفعت التليفون تاني وحاولت أقرأ الكلمات مرة وتنين وثلاثة، يمكن أكون قريت غلط، يمكن أكون ظلمته أو فهمت الكلام بأسلوب اندفاعي زي عادتي… لكن الكلمات كانت واضحة وسريعة زي ضربة السك\ينة.
اتصلت بيه تاني وتالت ورابع… الشبكة كانت بترن لحد ما يرجع يعطيني غير متاح، وبعدها التليفون اتقفل خالص.
أتاري الهدوء اللي كان فيه طوال الأيام اللي فاتت ما كانش زعل عابر، ده كان هدوء القرار الإنساني الأخير.. الراجل كان بياخد وقته عشان يترتب ويرتب أفكاره وياخد خطوة الخروج من حياتي بأقل خسائر لنفسيته وكبرياءه.
دخلت عليا أمي الأوضة وهي شايلة الفستان اللي المفروض كنت هقيسه عشان كتب الكتاب بعد أيام. أول ما شافت منظري وأنا قاعدة على الأرض والموبايل في إيدي وعيني مدمعة ومثبتة في الفراغ، اتخضت وقالتلي:
* “في إيه يا منى؟ مالك يا بنتي قاعد كده ليه؟ الفستان أهو وصلت أختك بيه من عند الخياط، قومي قيسيه!”
بصيت لأمي بصة غريبة، حاسة إن لساني تقيل ومش قادرة أطلع كلمة. بلعت ريقي بصعوبة وقلت بصوت مكتوم:
* “مصطفى… مصطفى فركش يا أمي.”
أمي الفستان وقع من إيدها وصوتت بصوت واطي وهي بتقرب مني:
* “يعني إيه فركش؟! إنتي بتتكلمي جد؟ ده كتب الكتاب فاضل عليه أسبوع! العزومات اتوزعت والناس عرفت، فركش إزاي يعني؟ إيه اللي حصل بينكم؟!”
ما عرفتش أقولها إيه. أقولها إني قللت منه؟ أقولها إني قولتله مش هتاخد جنيه من مرتبي وبصيتله بنظرة تقليل؟ أقولها إنه أثبتلي إنه راجل بجد، بس في نفس الوقت قرر إن وجودي في حياته بقى شيء ب يقلل منه؟
تليفون أمي رن في نفس اللحظة، وكانت والدة مصطفى. أمي ردت بسرعة وهي بترتعش:
* “أهلاً يا أم مصطفى… خير؟ منى بتقولي كلام غريب كده مش فاهمة منه حاجة!”
سمعت صوت أم مصطفى من التليفون، كان صوتها جاد، فيه زعل مكتوم وكرامة مرفوعة:
* “والله يا أم منى، مصطفى بلغنا بالقرار ده النهاردة. وقال إن كل حاجة بينه وبين منى انتهت بالتراضي، وإن الشبكة والهدايا هتتوزع وترجعلكوا بكره مع أخته. مصطفى شايف إن ربنا ما كتبش بينكم نصيب، وإحنا بنحترم رغبته… ربنا يوفقها مع حد أحسن.”
أمي اتصدمت وبدأت تعلي صوتها:
* “يا أم مصطفى ده كلام ناس عقلاء؟ كتب الكتاب فاضل عليه أيام! في إيه حصل اصبري نفهم!”
ردت أم مصطفى بهدوء يوجع أكتر من الزعيق:
* “ابني ما بيتسرعش يا أم منى، وإنتي عارفاه. ولما ياخد قرار زي ده بعد تفكير، يبقى اكيد في حاجة كسرته… والكسر في كرامة الراجل ما بيتصلحش بسهولة. سلام عليكم.”
الخط اتأفل. وأمي بدأت تصرخ عليا وتسألني بغضب:
* “عملتي فيه إيه؟ قوليلي الصراحة! الراجل ده كان متمسك بيكي وبيحبك، إيه اللي دار بينكم خلي خلاه يبيع بالبساطة دي ويفضل ينهي كل حاجة قبل كتب الكتاب بأيام؟”
حكيت لأمي اللي حصل… حكيتلها عن مكالمة الـ 30 ألف والـ 10 آلاف، وعن جملتي اللي قلتها بثقة وجفاء، وعن كلامنا في الكافيه.
أمي بصتلي بنظرة خيبة أمل عمرها ما بصتهالي قبل كده، وقعدت على السرير وهي بتهز رأسها:
* “إنتي يا منى؟ إنتي تسيبي غرورك بمرتبك يخليكي تدوسي على راجل شاريكي عشان فرق فلوس؟ الراجل ما يعيبوش إلا قلة أدبه أو قلة كرامته، ومصطفى طول عمره مكافح وابن ناس. فاكرة لما كان بيجيلك أخر الدنيا عشان يطمن عليكي؟ فاكرة لما كان بيمشي ويقتطع من قوته عشان يجيبلك هدية تفرحك؟ فاكرة لما صبر معاكي في كل الظروف؟ جاية دلوقتي عشان بقيتي بتاخدي مرتب أكبر تنسي كل ده وتقوليلو إنت مش هتاخد من مرتبي؟ إنتي فاكرة الراجل بيتقاس بالورق اللي في جيبه؟”
دموعي نزلت بجد ساعتها. الكلام كان بيجرحني بس كنت عارفة إنه صح. أنا افتكرت إن صراحتي وقوتي استحقاق، بس الحقيقة إنها كانت قسوة وغرور متغطي بشعار “طموح”.
عدت الليلة دي وأنا مش عارفة أنام. كل ما أغمض عيني، أفتكر نبرة صوته في الكافيه لما قاللي: “إنتي مؤمنة بالفلوس… مش بيا.”
الكلمة كانت بتتردد في وذني زي الجرس. هو ما جرحنيش، ما شتمنيش، وما اتخانقش معايا… هو بس انسحب بهدوء ودور على حقه في مكان تاني، وثبت لنفسه وللعالم إنه قادر ينجح، بس اختار إن النجاح ده ما يكونش معايا.
تاني يوم الصبح، جرس الباب رن.
كانت أخته الكبيرة ومعاها علبة المطبخ والشنط اللي فيها الهديا والشبكة. دخلت بابتسامة هادية لكن رسمية جداً.
أمي استقبلتها بكسوف وخجل، لكن أخت مصطفى كانت واضحة ومحددة:
* “طنط، دي الشبكة والحاجة بتاعة منى كلها كاملة زي ما خدناها. مصطفى وصاني أطمن إن كل حاجة وصلت لحضرتك، وبيقولك إنه بيحترمك جداً وما يظنش إن فيه نصيب يكمل.”
طلعت من أوضتي ووقفت قدامها، كان شكلي مجهد وعيني منفخة من البكاء. قلتلها بنبرة ترجي:
* “سارة… أنا عايزة أكلم مصطفى. هو فاهم الموضوع غلط، أنا والله ما كان قصدي أهينه.”
سارة بصتلي بهدوء وقالتلي كلام نزل عليا زي التلج:
* “منى… مصطفى مش زعلان. مصطفى استوعب. والفرق كبير بين الراجل الزعلان والراجل اللي استوعب. الزعلان ممكن يرضى بكلمة حلوة أو اعتذار، لكن اللي بيستوعب قيمته وبيعرف إن الشخص اللي معاه شايفه عالة أو أقل منه، خلاص بيمشي وما بيلتفتش وراه. مصطفى الشغل الجديد ده جاله من فترة وكان خايف يخوض التجربة، بس كلامك كان الدفعة اللي خلت عنده طاقة إثبات ذات… هو بشكرك على فكرة، بس مش عايز يكمل معاكي.”
الكلام كان حاد وقاسي، بس حقيقي.
سارة سابت الشنط ومشت، وأنا فضلت واقفة في نص الصالة مش عارفة أعمل إيه.
صاحبتي اللي كانت بتقولي إنتي قاسية اتصلت بيا، وحكيتلها اللي حصل.
قالتلي:
* “منى… إنتي غلطتي، بس لو بتحبيه فعلاً ولازم تنقذي الموقف، ما ينفعش تسيبيه يضيع بسهولة كده. انزلي وقابليه في شركته الجديدة، اتكلمي معاه وش لوش. التليفونات والرسائل مش هتعمل حاجة.”
الكلمة دخلت في دماغي. أنا مش متعودة إني أخسر، ومش متعودة إن حد ينسحب من حياتي بالسهولة دي، والأهم من ده كله… أنا اكتشفت إني بحبه بجد، وإني اتعودت على وجوده السند الحقيقي في حياتي، بس غبائي وطمعي في الصورة الكملية عموني عن حقيقته.
قررت أروحله.
عرفت مكان الشركة الجديدة من على صفحته في السوشيال ميديا. كانت شركة استشارات مالية كبيرة في التجمع الخامس.
لبست شيك جداً، وحاولت أداري آثار البكاء بالميكأب، وركبت عربيتي وطلعت على هناك.
وصلت المبنى، كان فخم جداً. دخلت الريسيبشن وسألت عن الأستاذ مصطفى في قسم المحاسبة والاستشارات.
الموظفة بصتلي وقالتلي:
* “أستاذ مصطفى عنده اجتماع حالياً، ممكن تنتظريه في الاستراحة.”
قعدت في الاستراحة والوقت كان بيمشي بطيء جداً. كل دقيقة بتعدي عليا كأنها سنة.
كنت بشوف الموظفين طالعين نازلين، وبفكر: هل مصطفى بقى جزء من المكان ده؟ هل بقى المكان ده بيدي له القيمة اللي كان يدور عليها وملاقهاش معايا؟
بعد حوالي ساعة، باب قاعة الاجتماعات اتفتح.
طلع مصطفى وهو لابث البدلة الكحلي، متأنق جداً، وشكله مختلف تماماً عن مصطفى اللي كنت بشوفه بالقميص المربعات البسيط اللي بيجري بيه في المصالح الحكومية والشركات الصغيرة. كان بيتكلم مع مدير الشركة بثقة، وبيبتسم بثبات.
أول ما عينه جت عليا وهو طالع من القاعة، ابتسامته اختفت نهائياً.
وقف مكانه لحظة، وبعدين استأذن من مديره وقرب مني بتمهل.
وقف قدامي، والمسافة بيننا كانت متر واحد، بس كنت حاسة إن بيننا جبال.
قال بصوت واطي وهادي:
* “منى؟ إنتي إيه اللي جابك هنا؟”
قلتله بنبرة مرتعشة ومخفوضة:
* “مصطفى… محتاجة أتكلم معاك 5 دقايق بس. أرچوك ما ترفضش.”
بص حواليه للموظفين، وبعدين أخد نفس عميق وقال:
* “تعالي نطلع في الكافيتريا اللي في الرووف.”
طلعنا الرووف، الهواء كان شديد والمكان فاضي.
أول ما وقفنا، بصلي وقال بجمود:
* “خير يا منى؟ أظن الرسالة كانت واضحة، والحاجة وصلتلك البيت الصبح.”
دموعي خانتني ونزلت، مسكت إيده بسرعة لكنه سحب إيده بهدوء شديد ورجعها في جيبه.
قلتله وأنا بتمتم:
* “مصطفى أنا آسفة… أنا أغبي إنسانة في الدنيا. أنا ما كانش قصدي أقلل منك ولا أهينك. أنا بس كنت عايزاك تكون أحسن، بس استخدمت أسلوب زبالة… أنا بحبك يا مصطفى، وما أقدرش أتخيل إن كتب كتابنا اللي فاضل عليه أيام بيتغى بالشكل ده! إديني فرصة تانية، أرجوك… أثبتلك إني اتعلمت الدرس.”
مصطفى بصل للبنايات البعيدة، وابتسم ابتسامة مكسورة وقال:
* “عارفة يا منى… أنا الموقف ده ما زعلنيش منك، ده نبهني. إنتي ما غلطتيش في الأسلوب بس، إنتي كشفتي عن النظرة اللي جواكي ليا. إنتي كنتي شايفاني “مشروع راجل” محتاج تعديل وتطوير عشان يناسب مقامك المادي… مش راجل بتبني معاه حياتك وتستحمليه في حلوه ومُره.”
كمل وهو بيبص في عيني بجمود مرعب:
* “أنا جالي الشغل ده بعيداً عن كلامك، بس كلامك أدافي القلم اللي صحاني من الغفلة. أنتي أعدتي صياغة مشاعري ناحيتك… أنا مبقتش خايف من الفقر أو المرتب القليل، أنا بقيت خايف أعيش مع حد يشوفني أقل منه في يوم من الأيام، أو يمن عليا بمرتبه لما الظروف تضيق.”
مسكت أيده تاني وقالتله بعياط:
* “والله مش هعمل كده تاني! والله أنا مستعدة أستقيل من شغلي خالص لو ده يرضيك ويثبتلك إن الفلوس مش فارقة معايا!”
ضحك بصوت واطي وموجوع:
* “تستقيلي؟ إنتي كده برضه بتفكري بنفس الطريقة… فاكرة إن المشكلة في الشغل أو المرتب! المشكلة في الفكرة يا منى… إنتي مش شايفاني الراجل اللي تفخري بيه، إنتي شايفاني الراجل اللي ينفع تحتويه بشرط إنه يتغير عشان يرضيكي.”
قرب مني خطوة، وقال نبرة حاسمة قطعت كل أمل جوايا:
* “كتب الكتاب اتلغى، والناس كلها عرفت، وأنا حياتي الجديدة بدأت من النهاردة… ومفيش ليها مكان ليكي فيها.”
لف دهره وكان هيمشي، فصرخت فيه بصوت مكتوم:
* “يعني خلاص كده؟ بتبِيع كل السنين دي في لحظة زعل؟!”
وقف وهو مديها ضهره، وما التفتش، وقال كلمة واحدة قبل ما يدخل من باب الأسانسير ويسيبني لوحدي في الرووف:
* “أنا مابعتش… أنا اشتريت نفسي.”
نزلت من الشركة وأنا حاسة بانهيار كامل. كل حاجة حولي كانت بتدور. دخلت عربيتي وقعدت أعيط بحرقة، مش بس عشان خسرته، بس عشان اكتشفت إن الغرور ممكن يهد أحسن حاجة في حياة الإنسان في لحظة غباوة.
عدى يومين، وأنا محبوسة في أوضتي برفض الأكل والكلام مع أي حد.
أمي كانت بتدخل تحاول تهديني، بس أنا كنت حاسة إن الحياة وقفت.
وفجأة… يوم الخميس، اليوم اللي كان المفروض يكون يوم كتب كتابنا…
تليفوني رن برقم غريب.
رديت بصوت مجهد: “ألو؟”
جالي صوت ست كبيرة، صوتها كان باين عليه التوتر والقلق الشديد:
* “ألو… معايا أنسة منى؟”
رديت: “أيوه… مين معايا؟”
قالتلي بصوت بيرتعش:
* “أنا خالة مصطفى يا بنتي… الحقينى يا منى، مصطفى عمل حادثة كبيرة بالكرتة على طريق السخنة وهو راجع من شغل الشركة… وهو حالياً في المستشفى في العناية المركزة، وفي غيبوبة، والموبايل بتاعه مفيش عليه غير رقمك مكتوب عليه (منى) في القائمة السريعة…”
التليفون اتزحلق من إيدي تاني، وحسيت الدنيا كلها اسودت في وشي…
**الفصل الثالث والأخير**
الكلمات طلعت من سماعة التليفون زي ضربة الساطور على دماغي.. “مصطفى في العناية المركزة.. في غيبوبة!”
ما حسيتش بنفسي وأنا بصرخ، صرخة طلعت من جواه ندم وجنون وخوف، هزت أركان البيت كله. أمي جرت عليا وهي مرعوبة:
* “في إيه يا منى؟! في إيه يا بنتي استغفري الله! مين اللي كان بيكلمك؟!”
رميت الموبايل على السرير وأنا بجري زي المجنونة بلم في طرحتي وأي حاجة ألبسها في رجلي:
* “مصطفى يا أمي! مصطفى بين الحياة والموت.. عمل حادثة كبيرة وهو في العناية! أنا لازم أروحله دلوقتي.. لازم ألحقه!”
أمي صرخت ولطمت على صدرها:
* “يا مري! حادثة إيه؟! مستشفى إيه يا بنتي فهميني؟!”
أخذت الموبايل بالعافية وسألت خالته عن اسم المستشفى، وطار عقلنا إحنا الاثنين. أختي وأمي لبسوا في ثواني ونزلنا بنجري على السباك تحت العمارة. الطريق للمستشفى اللي في التجمع كان أطول طريق مشيته في حياتي. كنت قاعدة في العربية ورا، باصة من الشباك للشارع والدموع مغرقة وشي، وإيدي بتترعش بشكل مش قادرة أتحكم فيه.
كنت بدعي ربنا بقلب مكسور، دعاء عمري ما دعيته قبل كده: *”يا رب خذ من عمري وزود في عمره.. يا رب ما تحرمنيش منه وأنا بالصورة دي في نظره.. يا رب اديني فرصة واحدة بس أقوله إن حياتي ملهاش قيمة من غيره.. يا رب ما تجعلش آخر كلمة سمعها مني هي كلمة تكبر وقسوة!”*
أول ما وصلنا المستشفى، الرائحة بتاعة المعقمات والمطهرات خنقتني. أجواء المستشفيات دايماً بتقلل من حجم بني آدم، بتعرفه قد إيه هو ضعيف وهش، قد إيه الفلوس والسيارات والمرتبات العالية دي ولا ليها أي قيمة لما الروح تبقى متعلقة بخيط رفيع.
جرينا على الدور الثاني، قسم العناية المركزة.
من بعيد، شفت عيلته كلها واقفة.. أمه قاعدة على كرسي متحرك وبتعيط بانهيار، وأخته سارة حاضناها وبتبكي، وعمامه واقفين بره وشوشهم سوداء من الهم.
أول ما سارة شافتني، قامت وقفت. كنت فاكرة إنها هتبطش فيا أو تطردني، بس لما قربت منها وشافت المنظر اللي أنا فيه.. شبح إنسانة منهارة ومتدمرة، نظرة الغضب اللي في عينها تحولت لشفقة ومواساة.
قربت مني ومسكت إيدي، وقالتلي بصوت مهدود:
* “منى.. كويس إنك جيتي.”
قلتلها وأنا بنهج والدموع مخلياني مش شايفها كويس:
* “سارة.. مصطفى جراله إيه؟! قوليلي الحقيقة أرجوكي! الدكتور قال إيه؟!”
سارة بصت للباب الزجاجي بتاعة العناية وقالتلي بصوت متقطع:
* “كان راجع من السخنة بعد ما خلص معاينة لموقع جديد تتابع للشركة.. عربية نقل مقطورة خبطت عربية الشغل من الجنب. العربيات اتقلبت.. زميله اللي كان يسوق طلعت منه إصابات خفيفة، بس مصطفى الصدمة كلها كانت في ناحيته. عنده كسر في الضلوع، ونزيف داخلي اتلحق، بس الخبطة في الرأس كانت شديدة.. وهو دلوقتي على أجهزة التنفس، والدكاترة مستنيين النزيف اللي على المخ يقل عشان يعرفوا حجم الضرر.”
بقيت واقفة قدام الباب الزجاجي الكبير، وبصيت من الفتحة الصغيرة..
شفت مصطفى.. الراجل اللي كان من يومين طالع من الاجتماع ببدلته الكحلي الشيك، واثق في نفسه ومالي هدومه.. ممدد دلوقتي على سرير أبيض سرد، الأجهزة محاوطاه من كل ناحية، خرطوم الأوكسجين مغطي نصف وشه، والشاش ملفوف على رأسه، وشاشات ضربات القلب بتطلع صوت منتظم ومخيف في نفس الوقت: *بييييب.. بييييب..*
نزلت على الأرض قدام باب العناية. القوة والغرور والثقة اللي كنت بتكلم بيهم من أسبوع اتدمروا تماماً. حسيت إني نملة صغيرة في الكون.. قعدت على السباك البارد وضمت ركبي لصدري وبكيت بكل جوارحي.
أم مصطفى قربت مني بالكرسي، وحطت إيدها الدافية على رأسي. رفعت رأسي بصيتلها بكسوف وخجل، كنت خايفة تقوللي إنتي السبب.. إنتي اللي نكدتي عليه وجبتيله العصبية والتشتيت.. بس هي مسحت على شعري وقالت بصوت حنون مكسور:
* “ادعيله يا منى.. ادعيله يا بنتي. مصطفى بيحبك.. والله كان بيحبك وشاريكي، وكان بيعافر في الدنيا دي كلها عشان يعملك كل اللي نفسك فيه. هو بس عزّة نفسه كانت عزيزة عليه شويه.. ادعيله يقوم بالسلامة، ومش عايزين حاجة من الدنيا دي غير إنه يفتحلنا عينه تاني.”
الكلام ده كان زي المية المغلية اللي بتتنزل على جرحي. يا الله على طيبة الناس دي! أنا اللي قللت منه، وأمه في قمة محنتها بتطبطب عليا وتفكرني بحبه ليا!
مرت الساعات بطيئة جداً.. الليل جه والنهار طلع، وأنا مارضيتش أتحرك من قدام باب العناية. أمي وأختي حاولوا ياخدوني البيت عشان يرتاح جسمي، بس رفضت بصرامة. قعدت على كرسي الانتظار، كل ما أغمض عيني أفتكر كل موقف بيننا..
أفتكر يوم ما اتخرجت، لما جالي الورشة ببوكيه ورد بسيط ومكنش معاه حق ورد غالي، بس جابه بأحلى ابتسامة وقالي: *”عقبال ما أشوفك أكبر مهندسة في الدنيا.”*
أفتكر لما كنا بنقعد في الكافيهات البسيطة ونشرب شاي، ويقعد يرسم لي على المنديل شكل شقتنا المستقبيلة ويوعدني إنه هيعملي مطبخ مودرن زي ما بحب..
أفتكر إني في زحمة الماديات والحسابات والأرقام، نسيت الأهم.. نسيت المعدن. نسيت إن الفلوس بتروح وتيجي في ثانية، بس الراجل الأصيل اللي بيحب بجد وبيحمي بقلبه ده عملة نادرة مابترجعش لو ضاعت.
على الضهر في اليوم الثاني، الدكتور خرج من العناية وهو بيقلع الجوانتي.
جرينا كلنا عليه زي المجانين:
* “خير يا دكتور؟! طمنا أرجوك!”
الدكتور ابتسم ابتسامة خفيفة، والتعب باين على وشه:
* “الحمد لله.. بفضل الله أولاً ودعواتكم، النزيف وقف تماماً بدون التدخل الجراحي اللي كنا خايفين منه. الضغط بدأ يستقر، والوظائف الحيوية رجعت لمعدلها الطبيعي. إحنا بدأنا نقلل المخدر، ومتوقع إنه يبدأ يسترد وعيه خلال الساعات الجاية.”
أم مصطفى سجدت على الأرض في الصالة وبتعيط وبتحمد ربنا، وأنا أخذت نفس عميق حطيت إيدي على قلبي وحسيت إن الروح ردت فيا من جديد.
بعد ساعتين، الممرضة خرجت وقالت:
* “المريض بدأ يفتح عينه وبيحرك صوابعه.. ممكن حد واحد بس يدخل يبص عليه دقيقة واحدة من غير ما يتعبه.”
أم مصطفى بصتلي وقالتلي:
* “دخلي يا منى.. ادخلي إنتي يا بنتي.”
بصيتلها بذهول:
* “أنا يا طنط؟! بس حضرتك أمه.. إنتي الأولى!”
ردت بحكمة وابتسامة دافية:
* “أنا أمه وعارفة إنه لما يفتح عينه، هيكون محتاج يشوف إن الدنيا لسه فيها أمل.. أدخليلي يا منى، بس بلاش ضغط عليه.”
لبست العباءة الزرقاء المعقمة، وغطيت شعري، وحطيت الكمامة، ودخلت بخطوات مرعوبة.
صوت الأجهزة كان عالي.. قربت من السرير ببطء.
مصطفى كان ممدد، عينيه كانت مفتوحة نص فتحة، بيبص للسقف ببطء وتعب.
قربت منه، ووقفت جنبه. بصلي.. عينيه طافت في وشي لثواني كأنه بيحاول يتجمع أنا مين أو هو فين.
شلت الكمامة ببطء عشان يشوف وشي..
أول ما عرفني، عينيه أتحركت بصعوبة، وشفتاه اترعشت تحت خرطوم الأوكسجين.
ما قدرتش أتمالك نفسي.. مسكت إيده اللي كانت باردة ومربوط فيها الكانيولا، وحطيتها على وشي وبكيت بالراحة خالص عشان ما أزعجهوش:
* “مصطفى.. حمد الله على سلامتك يا حبيبي.. حمد الله على سلامتك يا كل حاجة ليا.”
بصلي بنظرة تعبانة، وصوته طلع مبحوح جداً، طالع بصعوبة من زوره:
* “منى..؟”
قلتله وأنا ببوس إيده ودموعي بتنزل عليها:
* “أنا هنا يا مصطفى.. أنا جنبك ومش همشي خالص.. سامحني يا مصطفى.. سامحني يا أجدع وأرجل بني آدم شفته في حياتي. أنا كنت كورة غرور وغباء، والضربة دي أثبتتلي إن الدنيا دي ولا تسوى حاجة من غيرك.”
مصطفى غمض عينه ببطء، وأخد نفس عميق.. وبعدين فتح عينه تاني وبصلي..
المرة دي ما كانتش في عينيه نظرة الجمود أو القسوة اللي شفتها في الرووف بتاع الشركة.. كانت فيها نظرة عتاب هادي، ووجع سحبت منه الحادثة كل قسوة.
ضغط على صوابع إيدي بضعف شديد.. ضغطة صغيرة جداً، بس كانت بالنسبة ليا بالدنيا وما فيها.
قال بصوت واطي خالص:
* “إنتي.. جيتي ليه؟”
قلتله بنبرة صادقة طلعت من جوه قلبي:
* “جيت عشان عرفت إن الحياة من غيرك مالهاش طعم ولا قيمة.. جيت عشان أقولك إن الـ 30 ألف والـ 10 آلاف والشركات والعربيات والفلوس دي كلها تراب تحت رجلك.. جيت أقولك إني مستعدة أعيش معاك في أوضة وصالة ونأكل عيش وحاف، بس تكون معايا وبخير.. أنا مش عايزة غيرك يا مصطفى.. مش عايزة غير الراجل اللي أمنلي وحبني ووقف جنبي.”
مصطفى سكت شوية، وبص لسقف الأوضة، وبعدين رجع بصلي وقالي:
* “أنا مش زعلان منك دلوقتي يا منى.. أنا بس.. كنت خايف.”
قلتله بسرعة: “خايف من إيه يا حبيبي؟”
قاللي بصعوبة:
* “خايف أبقى عبء على حد.. خايف النظرة اللي شفتها في عينيكي تظهر تاني لما الحياة تضيق بينا.”
نزلت على ركبي جنب السرير، وبصيت في عينيه مباشرة وقلتله بثبات:
* “أنا بوعدك قدام ربنا، قدام الابتلاء اللي إحنا فيه ده.. النظرة دي اتدفنت للأبد. أنا اتعلمت الدرس بأقسى طريقة ممكنة يا مصطفى.. أنا عرفت إن القيمة في الإنسان مش في جيبه، القيمة في قلبه وأصله وأخلاقه.. وإنت أثبتلي إنك سيد الرجالة كلهم، لما قمت واشتغلت على نفسك وأثبت ذاتك في أيام قليلة، مش عشان الفلوس، عشان كرامتك.. وأنا مش عايزة أكمل عمري إلا مع راجل بكرامة مصطفى.”
الممرضة دخلت في اللحظة دي وقالت بصرامة خفيفة:
* “كفاية كده يا أنسة، المريض محتاج يرتاح والزيارة وقتها خلص.”
مصطفى بص للممرضة، وبعدين بصلي.. ومسك إيدي أسلوب أثبت شويه قالي:
* “ما تمشيش بعيد..”
دموع الفرحة نزلت من عيني، وابتسمت له بأمل لأول مرة من أيام:
* “مش همشي.. قاعدالك بره، ومش هتحرك غير وأنت طالع على رجلك معايا.”
مرت الأيام في المستشفى.. مصطفى بدأ يتعافى بسرعة بفضل الله. اتنقل من العناية لغرفة عادية بعد يومين.
خلال الأيام دي، ما سيبتوش لحظة. كنت أنا وأمه وأخته بنتناوب على خدمته.
كنت بأكله بإيدي، وبقعد جنبه أحكيله عن شغلي وأسمع منه عن أحلامه في شغل الاستشارات الجديد.
ما بقاش بيننا لغة “مرتبي ومرتبك”.. بقت اللغة الوحيدة هي “حياتنا ومستقبلنا”.
شفته وهو بيتكلم بحماس عن الشركة الجديدة، وعن الأفكار اللي هيقدمها، وعن الترقية اللي المودير وعده بيها أول ما يرجع بالسلامة.. شفت الراجل اللي كان جواه طموح جبار، بس كان محتاج اللي يثق فيه ويدعمه بإنصاف وحب، مش بقلة احترام واستعلاء.
بعد أسبوعين كاملين، مصطفى خرج من المستشفى ورجع بيته..
وكان لازم نقعد القعدة الحسمية.
في يوم الجمعة، جمعنا العيلتين في بيت مصطفى.. أمي وأختي، وأمه وأخته وعمامه.
كان مصطفى قاعد على الكنبة، لسه فيه بعض الجروح في وشه، بس عينيه كانت مليانة حياة وأمل.
عم مصطفى الكبير فتح الكلام وقال:
* “والله يا جماعة، إحنا مررنا بأيام صعيبة.. والحمد لله ربنا سلم وخرج مصطفى بالسلامة. دلوقتي إحنا عايزين نعرف رأسنا من رجلينا.. كتب الكتاب اللي اتأجل، نحدد معاده ولا إيه العمل؟”
الكل سكت، وعينين الناس كلها اتجهت لمصطفى وليا.
مصطفى بصلي بابتسامة هادية، وبعدين بص لعمه وقال بصوت واثق:
* “عمي.. أنا ومنى اتعلمنا كتير من اللي حصل. إحنا عرفنا قيمة بعض بجد.. وعرفنا إن البيت اللي بيتبني على أساس هش من الماديات أو الغرور ببيقع مع أول خضة.. إحنا حطينا نقطة وبدأنا السطر من جديد.”
قام وقف بصعوبة شوية، وقرب من أمي وباس رأسها وقالها:
* “يا طنط.. أنا طالب إيد منى تاني، بس المرة دي وأنا محمل بخبرة وأمل جديد.. مش هأوعدها بإني هكون أثرى رجل في العالم، بس بأوعدها وبأوعدكم إني هكون الراجل اللي يحميها، ويحترمها، وما يخليهاش تحتاج حاجة في الدنيا أبداً.”
أمي عيطت من الفرحة وقالتله:
* “إنت بني آدم أصيل يا مصطفى.. ومنى بنتي اتعلمت الدرس، وإحنا يشرفنا ونفتخر بيك يا ابني.”
مصطفى بصلي وقال بابتسامة فيها لمحة مزاح من بتاعة زمان:
* “بس فيه شرط واحد يا منى!”
قلتله بسرعة وأنا ببتسم:
* “شرط إيه؟ أنا موافقة على أي حاجة!”
ضحك قائلًا:
* “مرتبك الـ 30 ألف ده.. ماليش دعوة بيه خالص! تعملي بيه اللي إنتي عايزاه، تحطيه في البنك، تجيب بيه دهب، براحتك.. والمرتب بتاعي في شغلي الجديد، هو اللي هينفق على البيت ده بالقرش والمليم.. عشان البيت ده يتبني على أصول، والراجل يفضل راجل في بيته.”
الكل ضحك في القاعة، وشالت الفرحة المكان كله.
قلتله وأنا هيمانة وببصله بكل احترام وحب:
* “ومرتبي ومرتبك وحياتي وكل ما أملك.. تحت رجليك يا مصطفى. البيت ده مش هيتبني غير بيك وبوجودك سقف وقافز لينا.”
بعد شهرين بالتمام والكمال..
كانت القاعة مليانة بالنور والأغاني والبهجة.
كتب الكتاب اتعمل في جامع كبير في التجمع، وبعدها حفلة جميلة شيك جمعت كل حبايبنا.
كنت لابسة الفستان الأبيض المرة دي، ومصطفى واقف جنبي بالبدلة الكحلي الشيك، ماسك إيدي بقوة وثبات..
أول ما المأذون قال جملته الشهيرة: *”بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”*..
المعازيم صقفوا وصوت الزغاريد ملأ المكان.
مصطفى مال عليا، وباس رأسي حنية وود، وقالي في وذني بصوت دافي:
* “مبروك يا مدام مصطفى.. جاهزة نبتدي الحكاية صح؟”
دمعة فرحة هربت من عيني، مسحتها بسرعة وابتسمتله من كل قلبي وقلتله:
* “جاهزة يا حبيبي.. جاهزة أعيش معاك العمر كله وأنا رافعة رأسي بيك قدام الدنيا كلها.”
**تمت**

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *