سر الطفل
أول ما مايا خبطت على بابي الخلفي الفجر، كنت واقفة في المطبخ بعجن البسكويت، والبيت كله ساكت إلا صوت الساعة القديمة فوق البوتاجاز، كأنها بتعد تنازلي لحاجة سودا جاية.
الجو كان برد، والدنيا لسه ضلمة، وفجأة سمعت خبطة خفيفة بره… خبطة جسم بيقع وهو بيحاول ميبانش.
أنا عندي تلاتة وستين سنة، ومبقتش أجري على أي صوت زي زمان… بقيت أسمع الأول، وأخلي قلبي يحكم إذا كان اللي برا محتاج رحمة… ولا فيه مصيبة.
فتحت الباب…
ولقيت مايا واقعة على إيديها وركبها.
شعرها مفكوك، هدومها متلخبطة، فردة جزمة وفردة كوتشي، نفسها طالع بالعافية… ولما رفعت وشها، حسيت الأرض بتتحرك من تحتي.
شفايفها متقطعة… عينها مورمة وبتزرق… وخدها كله خربوش… لكن أكتر حاجة وجعتني مكانتش الدم.
كانت النظرة اللي في عينها.
نظرة واحدة مكسورة بتحاول تبان قوية.
بصتلي وقالت بصوت مهزوز: “ماما روث…”
الكلمة دي كسرتني.
من تلات شهور بس، بعد جوازها من ابني ماركوس، وقفت في نفس المطبخ شايلة فطيرة وسألتني بخجل: “ينفع أناديكي ماما؟”
وقتها استخبيت ورا نظارتي عشان متشفش دموعي.
البنت دي دخلتها بيتي وقلبي… وعمري ما حسستها إنها غريبة.
دخلتها جوا بسرعة، قعدتها على الترابيزة الخشب القديمة، وقفلت الباب بالمفتاح.
نور المطبخ كشف كل حاجة… علب السكر القديمة… ريحة الزبدة… العجين اللي مستني يدخل الفرن…
كل الحاجات العادية دي خلت شكل الكدمات على وشها أبشع.
مديت إيدي للتليفون.
لكن مايا مسكت معصمي بكل قوتها.
وقالت وهي بتترعش: “أرجوكي… مش دلوقتي… خليني أحكيلك الأول.”
بصيتلها شوية، وبعدها هزيت راسي. “دقيقة واحدة بس… وبعدها هطلب الشرطة.”
جبت فوطة ساقعة وحطيتها على خدها، فشهقت من الوجع، وبعدها سكتت وكأنها أخيرًا لقت مكان آمن.
كنت شايفة إيديها طول الوقت على بطنها… كأنها بتحمي حاجة أغلى من روحها.
بصيتلها وقلبي بدأ يدق بعنف. قلت بهدوء: “مين اللي عمل فيكي كده يا مايا؟”
نزلت عينها على الترابيزة، وفضلت تحك بإصبعها في خدش قديم بالخشب.
وقالت بصوت مبحوح: “سيليست.”
قلبي وقف.
سيليست… بنتي.
حسيت المطبخ كله سكت مرة واحدة.
قلت بعدم تصديق: “بنتي؟”
هزت راسها وهي بتحاول تمنع دموعها.
وقالت إن سيليست راحتلهم البيت بالليل، داخلة بزجاجة نبيذ وابتسامة مزيفة، وبتقول إنها جاية تصلح اللي بينهم.
وأنا عارفة بنتي كويس.
سيليست كانت تعرف تلبس القسوة شكل ذوق… لدرجة إنك ممكن تشكرها وهي بتطعنك.
مايا دخلتها البيت… طبعًا دخلتها.
مايا ممرضة أطفال… قلبها طيب زيادة عن اللزوم، ودي كانت أكتر حاجة سيليست بتستغلها.
قعدوا شوية في الصالة، وسيليست صبت كوباية نبيذ.
لكن مايا رفضت تشرب.
سألتها: “قالتلها ليه؟”
هزت راسها: “لا… أنا مقولتش لحد غير ماركوس.”
وبعدين إيديها نزلت على بطنها أكتر.
وفي اللحظة دي… فهمت.
حسيت نفسي مش قادرة أتنفس.
همست وقالت: “أنا حامل… داخلة في الأسبوع التامن.”
لثانية واحدة بس… شوفت نفسي رايحة لبيت سيليست، بشدها من شعرها قدام الجيران كلهم وأسألها عملت إيه.
لكن غضبي بعدها برد.
والغضب البارد… أخطر بكتير.
بصيت على شفايف مايا المتقطعة… على عينها… على إيديها اللي بتحاوط بطنها…
وقلت: “قالتلك إيه؟”
بدأت تعيط.
وقالت: “قالت إن ماركوس متورط معايا… وإن توقيت الحمل مش طبيعي… وقالت إن البيبي مش ابنه.”
الفوطة وقعت من إيدي.
مش مجرد إهانة… دي طعنة لطفل لسه متولدش.
قالتلي إن سيليست وقفت تسد عليها الطريق، ولما حاولت تعدي، مسكتها بعنف، ولما مايا قالت إنها هتكلم ماركوس…
سيليست ضحكت وقالت: “محدش هيصدقك قدام أهلك.”
أهلك…
الكلمة اللي ناس كتير بيستخدموها كس*لاح.
بصيت لمايا… ولقيت في عينيها خوف عمره ما كان المفروض يتزرع جوا ست حامل.
ساعتها افتكرت جوزي الله يرحمه، وصوته وهو دايمًا يقول: “احمي اللي يعتبرك أمان.”
مسكت التليفون.
واتصلت بأخويا.
ولما رد، كان صوتي هادي بشكل يخوف.
قلتله: “جه الوقت.”
وقبل ما يسألني أي سؤال… قلت:
“هاتلي ملف سيليست القديم كله… لأنها المرة دي مش هتفلت.”
حكايات شروق خالد
الخط فضل ساكت ثانيتين…
وبعدين أخويا قال بصوت تقيل: “هي عملت إيه المرة دي يا روث؟”
بصيت لمايا وهي قاعدة قدامي، حضناها بإيديها كأنها خايفة حد يخطف روحها قبل طفلها.
وقلت وأنا مبحلقه في الكدمة اللي تحت عينها: “ضربت مرات أخوها الحامل.”
سمعت نفس أخويا يتغير فجأة.
قال بحدة: “أنا جاي.”
وقفلت المكالمة.
مايا كانت مرعوبة، حرفيًا مرعوبة، لدرجة إنها كل شوية تبص ناحية الباب كأن سيليست ممكن تدخل علينا في أي لحظة.
قربتلها كوبايه مية، لكن إيديها كانت بتترعش وهي بتمسكها.
قلت بهدوء: “ماركوس فين؟”
هنا وشها انكسر أكتر.
وقالت: “تليفونه مقفول… ومن بعد اللي حصل وأنا مش عارفة أوصله.”
جوايا حاجة سوداء اتحركت.
ابني عمره ما كان بيقفل تليفونه… إلا لو فيه كارثة.
وفي اللحظة دي بالذات… التليفون اللي على الرخامة رن.
اسم ماركوس ظهر على الشاشة.
مايا شهقت ومدت إيديها بسرعة، لكني مسكت التليفون قبلها.
رديت.
“فينك؟”
صوته كان متقطع وأنفاسه سريعة. “ماما… مايا عندك؟”
“عندي.”
سمعت صوت ارتياح خرج منه كأنه كان بيغرق.
لكن بعدها مباشرة صوته اتبدل لغضب: “سيليست راحت هناك؟”
سكت ثانية.
وقلت: “عملت أكتر من كده.”
الصمت اللي جه بعد الكلمة دي كان مرعب.
وبعدين سمعته يهمس: “يا رب…”
قلت بحدة: “تعالى فورًا.”
وقبل ما يقفل، قال حاجة خلت قلبي يتجمد: “خلي الباب مقفول يا ماما… ومتفتحيش لسيليست مهما حصل.”
قفلت المكالمة وبصيت لمايا.
وشها بقى أبيض تمامًا.
قلت: “في إيه؟”
بلعت ريقها بالعافية وقالت: “هي… كانت بتقول كلام غريب قبل ما تضربني.”
“زي إيه؟”
بصت حوالين نفسها وكأنها خايفة الحيطان تسمع.
وقالت: “قالت إن الطفل ده لو اتولد… كل حاجة هتضيع منها.”
قطبت حاجبي. “يعني إيه؟”
مايا بدأت تعيط وهي بتحاول تتكلم: “قالت إن أبو ماركوس كتب أغلب الورث باسم ماركوس… وإن أول حفيد ليكي هياخد الجزء الأكبر من الأرض والشركة.”
حسيت الدم انسحب من وشي.
الورث.
طول عمري عارفة إن سيليست عندها غيرة من أخوها… لكن موصلتش في خيالي إنها ممكن تأذي طفل علشان فلوس.
وفجأة…
سمعنا صوت عربية وقفت بعنف قدام البيت.
مايا انتفضت.
قومت بسرعة وطفيت نور المطبخ، وبصيت من طرف الستارة.
وسيليست كانت واقفة برا.
شعرها مرتب… لابسة معطف أبيض… وكأنها خارجة من حفلة مش من خناقة.
لكن عينيها…
كانت عيون واحدة فقدت عقلها.
نزلت من العربية وبصت ناحية البيت مباشرة.
وبعدين ابتسمت.
الابتسامة دي خلت ضهري يقشعر.
خبطت على الباب الأمامي بهدوء.
خبطة… خبطة… خبطة.
وبعدين بصوت ناعم جدًا قالت: “ماما… أنا عارفة إن مايا هنا.”
مايا بدأت ترجف.
لكن سيليست كملت: “قوليلها متخافش… أنا بس جاية أتكلم.”
ضحكت ضحكة قصيرة باردة.
“أصل اللي حصل بينها وبيني… لسه مخلصش.”
حكايات شروق خالد
مايا استخبت ورايا فور ما سمعت صوت سيليست.
إيديها كانت متشبته في هدومي لدرجة حسيت ضوافرها دخلت في جلدي، لكني ماحركتهاش.
البيت كله كان ساكت… إلا صوت خبط سيليست الهادي على الباب.
خبطة… خبطة… خبطة…
كأنها متأكدة إننا جوا… ومتأكدة أكتر إنها هتدخل.
قربت من الشباك بحذر، ورفعت طرف الستارة سنة صغيرة.
سيليست كانت واقفة تحت نور العمود قدام البيت، ووشها هادي بطريقة تخوف.
الناس الشريرة بجد عمرها ما بتصرخ أول.
أخطر ناس هما اللي يفضلوا هاديين وهم بيكسروا اللي قدامهم.
وفجأة رفعت راسها ناحيتي بالظبط.
وعرفت إني ببص عليها.
ابتسمت.
وبعدين قالت بصوت عالي شوية: “لو مخبياه جوا يا ماما… تبقي بتختاري صفها عليا.”
الدم غلى في عروقي.
فتحت الباب الداخلي سنة صغيرة من غير ما أشيل السلسلة الحديد.
وقلت ببرود: “امشي يا سيليست.”
ضحكت بخفة، كأنها متسلية.
“هي قالتلك إيه؟ إني ضربتها؟”
بصيتلها من فوق لتحت.
ولأول مرة في حياتي… حسيت إن البنت اللي قدامي مش بنتي.
قلت: “أنا شوفت وشها.”
ابتسامتها اختفت ثانية، وبعدها رجعت تاني بس أبرد.
“مايا كذابة.”
ومن جوا المطبخ، سمعت شهقة مكتومة من مايا.
لكن سيليست كملت: “هي خانت ماركوس… ولما واجهتها، بدأت تصرخ وتضرب نفسها.”
الكلام كان مقرف لدرجة إني حسيت معدتي اتقلبت.
قلت من بين سناني: “بتتهميها في شرفها وهي حامل؟”
ولأول مرة… ملامح سيليست اتكسرت.
عينيها لمعت بطريقة غريبة، وقالت بعصبية: “الطفل ده هيخد كل حاجة!”
سكتت لحظة، وبعدها قربت من الباب أكتر.
“أنتي فاهمة؟ أنا بنتك! أنا اللي كنت معاكي طول عمري! مش هي!”
وفي اللحظة دي… نور العربية اللي وقفت فجأة قدام البيت ضرب وشها.
ماركوس نزل من العربية بسرعة مرعبة.
وشه كان أحمر من الغضب، وعينيه مليانة رعب.
أول ما شاف أخته واقفة، جري عليها.
“إنتي اتجننتي؟!”
سيليست لفتله بسرعة: “ماركوس اسمعني—”
لكن قبل ما تكمل، زعق فيها لأول مرة في حياته: “ضربتي مراتي الحامل؟!”
الجملة نزلت على الشارع كله كالصاعقة.
حتى الجيران بدأوا يفتحوا الشبابيك.
سيليست بصت حواليها بتوتر لأول مرة.
وقالت بسرعة: “هي كذابة! الطفل مش—”
ماركوس صرخ: “اخرسي!”
الصوت كان مرعب.
لدرجة إن مايا نفسها ارتعشت جوا البيت.
ماركوس قرب من أخته وهو بيتنفس بعنف: “أنا شوفت الكاميرات.”
سيليست اتجمدت.
وأنا قلبي وقع.
كاميرات؟
ماركوس طلع تليفونه، ورفع الشاشة قدامها.
“نسيتي إن عندي كاميرا على باب البيت؟”
لون وشها اختفى بالكامل.
وفي اللحظة دي… عرفت إنها خلصت.
ماركوس بصق الكلمات في وشها: “الفيديو كله متسجل.”
سيليست بدأت تهز راسها بسرعة. “لا… لا… أنا كنت متعصبة بس… هي استفزتني…”
لكن ماركوس رجع خطوة لورا كأنها بقت غريبة عنه.
وقال بصوت مكسور: “إنتي حاولتي تأذي ابني.”
ابني…
الكلمة دي قت*لت حاجة جوا سيليست.
بدأت تعيط فجأة، لكن دموعها مكانتش ندم…
كانت خوف.
ولأول مرة من ساعة ما جت…
سمعنا صوت سرينة الشرطة داخل الشارع.
حكايات شروق خالد
السرينة كانت بتقرب بسرعة، وصوتها شق سكون الشارع كله.
سيليست بصت يمين وشمال بذعر، وبعدها رجعت تبص لماركوس كأنها مستنية منه ينقذها زي كل مرة.
لكن ابني كان واقف جامد مكانه.
وشه شاحب… وعينيه مليانة صدمة عمرها ما هتتفهم.
كأنه لأول مرة يشوف أخته على حقيقتها.
سيليست قربت منه خطوة وهي بتعيط: “ماركوس… بالله عليك… أنا أختك.”
رد عليها بصوت واطي لكنه قاسي: “ومايا مراتي… والطفل اللي في بطنها ابني.”
الجملة نزلت عليها كأنها صفعة.
الباب الأمامي اتفتح وخرجت أنا ومايا ورايا ببطء.
أول ما ماركوس شافها، جري عليها فورًا.
مسك وشها بين إيديه، وعينيه فضلت تلف على الكدمات كأنه مش مستوعب.
وقال بصوت مبحوح: “عملت فيكي كده؟”
مايا بدأت تعيط أول ما حضنها.
العياط اللي كانت حابساه من ساعة ما وصلت انفجر مرة واحدة.
وهي بتستخبى في صدره قالت: “كانت هتوقعني على بطني…”
ماركوس غمض عينيه وكأنه بيتعذب.
أما سيليست… فبصتلهم بكره مرعب.
كره خالص من أي رحمة.
وقالت وهي تصرخ: “هي سرقتك مني!”
الشارع كله سكت.
حتى عساكر الشرطة أول ما نزلوا من العربية وقفوا يبصوا.
سيليست كانت منهارة تمامًا.
شعرها اتفك… ومكياجها ساح… لكن عينيها فضلت مليانة حقد.
وأنا واقفة هناك، افتكرت فجأة بنت صغيرة عندها سبع سنين، كانت بتجري عليا كل يوم بعد المدرسة وتحضني.
فين راحت البنت دي؟
إمتى بقى قلبها بالشكل ده؟
الظابط قرب بهدوء وقال: “مدام، لازم تيجي معانا.”
سيليست بصتلي أنا.
مش لماركوس… ولا لمايا.
ليا أنا.
وقالت بصوت متكسر: “هتسلميني؟”
السؤال دبحني.
لأن دي بنتي… مهما عملت.
لكن وأنا ببص لمايا، اللي كانت حضنا بطنها بخوف… عرفت إن السكوت المرة دي هيقت*ل ناس أبرياء.
فبصيت لسيليست وقلت: “أنا بحمي اللي مظلوم.”
الدموع نزلت من عينيها فجأة.
لكن قبل ما الظابط يمسكها، صرخت بكل قوتها: “إنتو مش فاهمين! الطفل ده لو اتولد… كل حاجة هتضيع!”
ماركوس لف ناحيتها ببطء.
وقال: “تقصدِ الفلوس؟”
اتوترت… وسكتت.
وهنا أخويا نزل من عربيته أخيرًا.
كان شايل ملف بني قديم في إيده.
وأول ما شاف سيليست، تنهّد بحزن وقال: “كنت بدعي اليوم ده ما يجيش.”
قلبي اتقبض.
قلت: “ملف إيه ده يا سام؟”
بصلي ثواني… وبعدين فتح الملف.
طلع صور… ورسايل… وتقارير قديمة.
وقال بصوت تقيل: “سيليست ما بدأتش الليلة دي يا روث.”
سيليست صرخت فجأة: “اسكت!”
لكن أخويا كمل: “فاكرة خطيبها القديم اللي سابها قبل الفرح؟”
الدم هرب من وشي.
طبعًا فاكرة.
الراجل اللي اختفى فجأة من حياتها، وسيليست قالت وقتها إنه خانها وسافر.
أخويا طلع صورة وحطها قدامي.
وفي الصورة… كان الراجل واقف بعين مورمة وجرح جنب رقبته.
وقال: “بلغ وقتها إنها هددته بس*كينة بعد ما عرف إنها بتراقبه وبتتحكم فيه.”
مايا شهقت.
أما ماركوس… فكان بيبص لأخته كأنه أول مرة يعرفها.
وأخويا كمل: “وإحنا دفنّا الموضوع وقتها بفلوس ومحامين علشان نحمي سمعة العيلة.”
سيليست بدأت تهز راسها بعنف وهي بتصرخ: “كلكم كدابين!”
لكن أخويا طلع تقرير تاني.
وقال: “وده تقرير الدكتورة النفسية اللي كانت بتتابع معاها.”
سكت ثانية… وبعدين قال الجملة اللي قلبت الدنيا كلها:
“سيليست كانت مهووسة بماركوس من وهي صغيرة… وبتعتبر أي ست تقرب منه عدو لازم يختفي.”
الشارع كله اتجمد.
حتى الهوا وقف.
ماركوس بصلها كأنه اتضرب في قلبه.
وقال بصدمة: “إيه؟”
سيليست بدأت تتراجع لورا خطوة… واتنين… وعينيها بتلف بينا كلنا كأنها محاصرة.
أخويا قفل الملف ببطء وقال: “أمك كانت رافضة أقول الحقيقة… وأنا وافقتها وقتها. قولنا علاج وهتخف.”
بصلي بنظرة كلها لوم قديم. “بس إحنا غلطنا يا روث.”
جسمي كله تقل.
افتكرت سنين كاملة كنت بفسر تصرفات سيليست على إنها غيرة عادية… مش مرض.
افتكرت خناقاتها مع أي بنت ماركوس يرتبط بيها… إزاي كانت تخرب علاقاته بطريقة “بريئة”… إزاي كانت تبكي لو سافر يومين من غير ما يكلمها.
يا رب…
أنا كنت شايفة ومغمضة عيني.
ماركوس رجع يبص لأخته، وعينيه مليانة وجع مرعب.
“كل ده حقيقي؟”
سيليست فجأة انفجرت.
“أيوه!” صرخت بيأس. “أيوه! لأنك كنت ليا!”
مايا اتسمرت مكانها.
أما سيليست فكانت بتنهار قدامنا كلنا.
“من يوم ما اتولدت وأنا بسمع إن ماركوس مميز… ماركوس الحنين… ماركوس الذكي… وحتى لما بابا مات، فضلتي ماسكة فيه أكتر مني!”
كل كلمة كانت طالعة منها كأنها س/كين قديمة متخزنة سنين.
بصتلي أنا مباشرة.
“عمرك ما حبيتيني زيه.”
الجملة دخلت في صدري زي الرصاص.
فتحت بقي أرد… لكن ماطلعش صوت.
لأن جزء جوايا خاف تكون مصدقاها طول عمرها.
سيليست دموعها كانت نازلة بجنون وهي بتضحك ضحكة مخيفة: “وبعدين جت دي!”
وشاورت على مايا.
“خدت مكاني… خدت البيت… خدت حبكوا… ولما عرفت إنها حامل… فهمت إن خلاص… انتهيت.”
مايا حضنت بطنها بخوف وهي بترجع لورا.
أما ماركوس… فكان شكله مكسور.
قال بصوت واطي: “إنتي أختي… عمري ما كنت عدوك.”
سيليست بصتله بوجع غريب… وجع شخص ضاع جواه شيء من زمان.
لكن فجأة وشها اتغير.
بقت هادية بشكل مرعب.
وده خوّفني أكتر من صريخها.
رفعت عينيها على مايا… وبعدين ابتسمت.
ابتسامة باردة جدًا.
وقالت: “بس لسه عندي فرصة أصلح كل حاجة.”
وقبل ما أي حد يفهم قصدها…
جريت.
جريت ناحية مايا بكل قوتها.
مايا صرخت.
ماركوس حاول يلحق… وأنا حسيت قلبي وقف.
لكن قبل ما توصلها…
الظابط مسك سيليست من دراعها بعنف.
اتعبلقت فيه وهي بتصرخ هستيري: “سيبنييي! سيبنييي! هي خدتهم مني!”
عسكري تاني جري يساعده، واتنينهم بالعافية سيطروا عليها.
الناس اتجمعت في الشارع.
الجيران بيبصوا من الشبابيك… ناس بتصور بالموبايلات… وأنا واقفة حاسة إن حياتي كلها بتتفكك قدامي.
سيليست وهي متكتفة كانت لسه بتبص على مايا.
مش بنظرة غضب…
نظرة أخطر.
نظرة واحدة مقتنعة إن اللي قدامها سرق حياتها.
وفجأة، وهي بتتسحب ناحية عربية الشرطة، صرخت بأعلى صوتها:
“اسألوها عن ليلة الحادثة!”
كلنا سكتنا.
ماركوس قطب حاجبه. “حادثة إيه؟”
سيليست ضحكت وسط دموعها.
وقالت: “قوليلهم يا مايا… قوليلهم ابنك الحقيقي مات قبل كده إزاي.”
وش مايا اتحول للأبيض فجأة.
وفي اللحظة دي…
عرفت إن في سر تاني مستخبي.
سر الطفل الذي مزّق العائلة
حكايات شروق خالد


