رفضوا ترقيتي
الجزء الثاني
ساد الصمت لثانيتين فقط
ثم انفجر المصنع كله دفعة واحدة.
انطلقت صفارات الإنذار من آخر الممر، وتوقفت خطوط التغليف تباعًا، بينما بدأت الشاشات الحمراء تومض فوق رؤوس العمال كأن حريقًا اشتعل داخل النظام نفسه.
وفي المستودع، دوّى صوت أحد المشرفين وهو يصرخ بفزع
الشحنة توقفت!
ركض الجميع في اتجاه المخازن.
العمال.
المهندسون.
قسم الجودة.
حتى الموظفون الذين كانوا قبل دقائق يضحكون في الكافتيريا خرجوا مذعورين يحملون أكواب القهوة بأيدٍ مرتجفة.
أما ريم
فوقفت للحظة في مكانها لا تفهم ما يحدث.
ثم قالت بتوتر
أعيدوا تشغيل النظام!
لكن أحد الفنيين صاح من آخر القاعة
النظام لا يستجيب!
وفي اللحظة نفسها
توقفت أجهزة قراءة البضائع بالكامل.
أصبح العامل يمرر الصندوق أمام الجهاز
فلا يظهر شيء.
مرة
واثنتين
وثلاثًا
ثم ظهرت رسالة حمراء كبيرة على الشاشة
الصلاحيات مرفوضة.
شحب وجه سامر فورًا.
اقترب من أحد الفنيين بعصبية
افتحوا المخزون يدويًا!
رد الشاب بتوتر
لا أستطيع يا باشمهندس كل شيء مرتبط بالحساب الرئيسي.
صرخ سامر
وأين مسؤول النظام؟!
ساد صمت قصير
ثم التفتت العيون كلها نحوي.
كنت لا أزال أجلس أمام الحاسوب القديم بهدوء غريب، بينما أخلع بطاقتي المعلقة على صدري منذ اثنين وعشرين عامًا.
وضعتها فوق الطاولة ببطء.
ثم قلت دون أن أنظر إلى أحد
لم أعد أعمل هنا.
اقترب سامر مني بسرعة حتى كدت أشم رائحة غضبه.
أعيدي تشغيله حالًا!
رفعت عيني إليه أخيرًا.
ولأول مرة رأيته خائفًا.
ليس غاضبًا.
خائفًا.
قلت بهدوء
أنا لم أُعطّل شيئًا.
ثم نظرت حولي إلى الشاشات المطفأة وأصوات الإنذار والعمال المرتبكين.
وأكملت
فقط أغلقت حسابي بعد استقالتي.
صرخت ريم بعصبية
هذا تخريب!
ضحكتُ ضحكة قصيرة متعبة.
ثم نظرت مباشرة إلى ملفاتي التي كانت بين يديها وقلت
التخريب الحقيقي أن تسرقي ملفات شخص وتظني أن امتلاك الأوراق يعني فهم المصنع.
اختفت ابتسامتها فورًا.
فتحت الملف بسرعة وبدأت تقلب الصفحات بعشوائية، كأنها تبحث عن زر سحري يعيد كل شيء.
لكنها لم تفهم سطرًا واحدًا.
كانت الصفحات مليئة بالملاحظات البرمجية والاختصارات وتعليمات الطوارئ التي كتبتها بنفسي على مدار سنوات.
أسرار لا تُفهم بالحفظ.
بل بالعمر الذي ضاع داخل هذا المكان.
وفي الخلف
كان العمال يتجمعون قرب خطوط الإنتاج بصمت متوتر.
ثم سمعنا صوتًا آخر
خط الإنتاج الثالث توقف بالكامل!
ركض أحد المشرفين نحو سامر وهو يلهث
الشحنة الطبية الخاصة بوفد الخليج لم تعد تظهر في النظام!
تغير لون وجه سامر.
ماذا يعني لا تظهر؟!
يعني لا نستطيع إخراجها ولا طباعة بياناتها ولا اعتمادها للشحن!
بدأ العرق يظهر على جبينه.
فبعد أقل من ساعتين
كان وفد الخليج سيصل لتفقد المصنع والشحنة الجديدة الخاصة بالأجهزة الطبية.
وأي خطأ في تلك الشحنة
قد يُسقط العقد كله.
اقترب مني سامر مرة أخرى وقال بصوت منخفض يحاول السيطرة على أعصابه
اسمعي يا أمينة لا تُكبّري الموضوع.
ضحكت بسخرية مريرة.
ثم قلت
أنا لم أصنع الفضيحة يا باشمهندس أنت صنعتها حين قررت أن الخبرة أصبحت عيبًا لأن صاحبتها تقدمت في السن.
حاول الإمساك بذراعي.
لكن فجأة ظهر ابني من جهة المستودعات وهو يقول بغضب
أبعد يدك عن أمي.
ساد توتر ثقيل.
حتى رجال الأمن الذين اقتربوا للتدخل
ترددوا.
كانوا يعرفونني جميعًا.
أحدهم عملتُ يومًا على منع خصم راتبه بعدما اتُّهم ظلمًا بإتلاف بضاعة.
والآخر كنتُ أنا من علّمته كيف يكتب تقارير الأعطال حتى لا يطرده المدير القديم.
نظر أحد رجال الأمن إلى سامر بخجل وقال
هي لم تكسر شيئًا يا باشمهندس.
صرخ سامر
لكنها عطّلت المصنع!
وهنا تدخل فني الأنظمة الشاب، نفسه الذي ناداني قبل قليل خالة أمينة، وقال بصوت مرتبك
لا يا فندم المصنع هو المبرمج على حسابها.
ساد الصمت.
نظر سامر إليه بصدمة
ماذا؟
ابتلع الشاب ريقه وقال
معظم صلاحيات التشغيل الرئيسية مرتبطة بمفاتيح الأستاذة أمينة منذ سنوات.
ثم أضاف بخوف
حتى التحديثات الأخيرة كانت من عملها.
بدأت الهمسات تنتشر بين العمال.
يعني المصنع كله متوقف بسببها؟
معقول؟
إذن كنا نعمل طوال الوقت على نظام هي التي أنشأته؟
أما ريم
فبدأت ترتبك فعلًا.
اقتربت من الحاسوب تحاول تشغيل أحد الأوامر الموجودة في الملف.
لكن الشاشة رفضت التنفيذ.
ثم ظهرت رسالة أخرى
صلاحية غير معتمدة.
ارتبكت أكثر.
وأخذت تضغط الأزرار بعشوائية.
فقلت بهدوء بارد
قلت لكِ امتلاك الملفات لا يعني فهم المصنع.
وفي تلك اللحظة
انطلق إنذار جديد أشد قوة من السابق.
ركض مسؤول الجودة وهو يصرخ
الشحنة الطبية متوقفة بين الفحص والتغليف!
اقتربتُ تلقائيًا من الشاشة.
ورغم أنني لم أعد موظفة
فإن عينَيّ التقطتا الكارثة فورًا.
أجهزة التعقيم الخاصة بالشحنة كانت تحتاج اعتمادًا أخيرًا من النظام.
وبدون ذلك
لن تُسجّل درجات الحرارة ولا بيانات التعقيم.
أي أن الشحنة لو خرجت بهذا الشكل
فقد تصل إلى المستشفيات دون ضمان حقيقي لسلامتها.
شعرت بقشعريرة في جسدي.
أما سامر
فكان يفكر فقط في الوفد.
أخرج هاتفه بسرعة وبدأ يصرخ في أحد المدراء
أجّلوا الوفد نصف ساعة بأي طريقة!
لكن الرد جاءه أسوأ مما توقع.
أغلق الهاتف ببطء
ثم نظر إلى الجميع وقال بصوت مكسور
وفد الخليج وصل بالفعل.
انتشر الذعر أكثر.
أحد الموظفين همس
لو عرفوا أن الشحنة متوقفة انتهينا.
وفي تلك اللحظة تحديدًا
بدأ هاتفي يهتز داخل حقيبتي.
نظرت إليه.
رقم الإدارة العليا.
لم أرد.
عاد الاتصال مرة أخرى.
ثم مرة ثالثة.
وأخيرًا
ظهرت رسالة قصيرة على الشاشة
أين الأستاذة أمينة؟
نظرت إلى الهاتف طويلًا دون كلام.
ثم أطفأت الشاشة بهدوء.
لكن سامر لمح الرسالة.
اقترب مني بسرعة وقال
الإدارة تتصل بك؟!
لم أجب.
فقال بتوتر
أمينة اسمعيني نستطيع أن نحل المشكلة.
ضحكتُ بمرارة.
الآن فقط تذكّرتم أنني أفهم؟
خفض عينيه للحظة.
ولأول مرة منذ سنوات
لم يجد ما يقوله.
أما العمال
فبدأوا يتحدثون واحدًا تلو الآخر.
عامل من خط الإنتاج الثالث قال
لولا الأستاذة أمينة لكنتُ قد فُصلت العام الماضي.
وقالت عاملة أخرى
كانت تبقى بعد انتهاء ورديتها لتساعدنا مجانًا.
وأضاف رجل خمسيني من قسم الصيانة
هي الوحيدة التي كانت تعلمنا بدلًا من أن تهيننا.
بدأ الغضب يتحول داخل المكان.
ليس ضدي
بل ضد سامر.
شعر بذلك فورًا.
فصرخ بعصبية
اصمتوا جميعًا!
لكن لا أحد صمت هذه المرة.
حتى ريم
كانت تنظر إلى الأرض بخوف.
ثم اقترب مني فني الأنظمة الشاب هامسًا
خالة
لمحة نيوز
أمينة المصنع فعلًا لن يعمل بدونك.
نظرت إلى الشاشات الحمراء الممتدة أمامي
وإلى العمال الواقفين بوجوه متوترة
ثم إلى بطاقة العمل القديمة الموضوعة أمامي فوق الطاولة.
اثنان وعشرون عامًا
انتهت بورقة استقالة.
وفجأة
رن هاتف سامر بصوت مرتفع.
فتح المكالمة بسرعة.
ثم تجمد وجهه تمامًا.
كان المتحدث من الإدارة العليا.
سمعناه يقول بعصبية
نريد الأستاذة أمينة فورًا.
رفع سامر عينيه نحوي ببطء
بينما ساد الصمت داخل المصنع كله.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة
أدرك الجميع الحقيقة التي حاولوا تجاهلها دائمًا
أن المرأة التي سخروا من تجاعيد وجهها قبل ساعة واحدة
كانت وحدها تحمل المصنع كله فوق كتفيها.
ظلّ صوت الإدارة العليا يتردّد داخل المصنع كصفعةٍ ثقيلة
نريد الأستاذة أمينة فورًا.
لم يتحرك أحد.
حتى سامر
بدا وكأنه فقد القدرة على الكلام.
أغلق الهاتف ببطء، ثم نظر نحوي بعينين مضطربتين لأول مرة منذ عرفته.
وقال بصوت حاول أن يجعله هادئًا
الإدارة تريد التحدث معك.
لم أتحرك.
أخذت بطاقتي القديمة من فوق الطاولة، تأملت صورتي الباهتة عليها لثوانٍ، ثم وضعتها داخل حقيبتي.
قلت ببرود
لكنني لم أعد موظفة هنا.
ازدادت الفوضى حولنا.
أصوات الإنذارات.
العمال المتجمهرون.
أجهزة المسح المتوقفة.
ووفد الخليج الذي بدأ يتحرك داخل قسم الاستقبال دون أن يفهم أحد كيف يشرح له ما يحدث.
اقترب سامر خطوة أخرى وقال بتوتر واضح
أمينة أرجوكِ.
ضحكتُ بسخرية متعبة.
قبل ساعة فقط
كان وجهي لا يصلح لاستقبال العملاء.
والآن
أصبحوا يبحثون عني كأن المصنع يختنق بدوني.
رنّ هاتفي مرة أخرى.
هذه المرة
أجبت.
جاءني صوت امرأة تتحدث العربية بلكنة أجنبية هادئة
الأستاذة أمينة؟ أنا هالة منصور من الإدارة الإقليمية.
صمتُّ.
فأكملت
نحتاج عودتك فورًا إلى النظام.
قلت ببرود
أنا استقلت.
نعلم ذلك.
إذن لماذا تتصلون بي؟
ساد صمت قصير
ثم قالت بصراحة
لأن المصنع متوقف بالكامل.
نظرت حولي.
إلى الوجوه المرتبكة.
إلى العمال الذين ينتظرون.
إلى ابني الواقف قرب المستودع وعيناه لا تفارقانني.
ثم قلت
هذا ليس خطئي.
نعرف.
ولأول مرة
شعرت أنهم يقولون الحقيقة فعلًا.
قالت هالة بهدوء
راجعت سجلات النظام منذ دقائق كل البنية الرئيسية مرتبطة بصلاحياتك القديمة.
ابتسمت بمرارة.
أخيرًا فهموا.
لكن بعد ماذا؟
قالت
نريد منك العودة مؤقتًا كمستشارة تقنية.
سألتها فورًا
بعقد رسمي؟
ترددت للحظة
ثم قالت
نعم.
رفعت عيني نحو سامر.
كان يراقبني بقلق شديد.
فقلت بوضوح
لدي شروط.
تفضلي.
أولًا لا أعود كموظفة.
موافقون.
ثانيًا كل شيء يكون مكتوبًا.
موافقون.
ثالثًا ابني لا يُمسّ، ولا يُعاقب أي موظف حاول الدفاع عني اليوم.
نظرتُ نحو فني الأنظمة الشاب الذي وقف متوترًا قرب الأجهزة.
ثم أكملت
ولا ذلك الشاب أيضًا.
قالت هالة مباشرة
تم.
تنفست ببطء.
ثم قلت الجملة الأخيرة وأنا أنظر إلى ريم
وأريد ملفاتي كاملة دون ورقة ناقصة.
خفضت ريم رأسها فورًا.
أما سامر
فكان واقفًا كمن يُسحب منه الهواء ببطء.
قالت هالة
هل تعودين الآن؟
نظرت إلى الشاشات الحمراء الممتدة داخل المصنع
ثم قلت
سأعود
لكن بصفتي الشخص الوحيد هنا الذي يعرف كيف يُنقذ هذه الكارثة.
وأغلقت الخط.
ساد صمت ثقيل.
ثم فجأة
ابتعد رجال الأمن من الطريق.
وتحرك العمال تلقائيًا ليفسحوا لي ممرًا وسط المصنع.
كأنهم لا يرون موظفة عادية
بل آخر فرصة لإنقاذ المكان كله.
حين جلست أمام الحاسوب القديم مجددًا
شعرت وكأنني أعود إلى حرب قديمة أعرفها جيدًا.
الشاشة السوداء.
الحروف الخضراء.
الأوامر النصية التي سخروا منها سنوات.
اقترب فني الأنظمة الشاب وهمس
كلهم ينتظرونك.
أجبته بهدوء
إذن لا يُزعجني أحد.
حتى سامر
لم يجرؤ على الاعتراض.
بدأت أراجع سجلات النظام بسرعة.
الأوامر.
سجل الدخول.
صلاحيات التشغيل.
تقارير الجودة.
ثم فجأة
توقفت يدي.
ضيّقت عيني نحو الشاشة.
وأعدت فتح الملف مرة أخرى.
لا
هذا مستحيل.
لكن الأرقام كانت أمامي بوضوح.
رفعت رأسي ببطء.
ونظرت مباشرة إلى ريم.
كانت ترتجف.
سألتها بصوت هادئ أخطر من الصراخ
أنتِ من وافق على تجاوز الجودة هذا؟
ارتبكت فورًا.
أنا أنا لم أقصد
اقترب سامر بسرعة وقال بعصبية
ليس الآن يا أمينة.
لكنني تجاهلته تمامًا.
وأعدت النظر إلى الشاشة.
ثم شعرت ببرودة تسري في أطرافي.
أجهزة التعقيم الخاصة بالشحنة الطبية
كانت قد سجلت درجات حرارة أقل من الحد المطلوب أثناء التغليف.
أي أن التعقيم لم يكن مضمونًا بالكامل.
ولو خرجت الشحنة بهذا الشكل
فقد تصل أجهزة طبية ملوثة إلى المستشفيات.
رفعت رأسي فورًا وقلت بصوت حاد
أوقفوا الشحنة حالًا.
تجمّد المكان.
صرخ سامر
هل جننتِ؟!
التفتُّ إليه بحدة
هل تريد إرسال أجهزة غير مضمونة التعقيم فقط حتى تُرضي الوفد؟!
قال بانفعال
الفرق بسيط!
ضربت الطاولة بقوة لأول مرة.
في الأجهزة الطبية
لا يوجد شيء اسمه فرق بسيط.
ساد الصمت.
حتى العمال توقفوا عن الحركة.
ثم التفتُّ نحو مسؤول الجودة وقلت
من الذي وقّع اعتماد هذه الدفعة؟
نظر الرجل بتردد نحو ريم.
وهنا انهارت ريم أخيرًا.
وضعت يدها على فمها وقالت بصوت مرتجف
سامر قال إن الأمر طبيعي وقال إننا لو أوقفنا الشحنة سنخسر العقد.
تحول كل شيء فجأة.
كل العيون اتجهت نحو سامر.
أما هو
فبدأ يتراجع خطوة للخلف.
قال بعصبية
هي لا تفهم شيئًا!
لكن أحد العمال صرخ من الخلف
بل أنت الذي لا تفهم!
ثم قال آخر
الأستاذة أمينة كانت تبقى بعد دوامها لتُصلح أخطاءكم!
وقالت عاملة من قسم التغليف
هي الوحيدة التي كانت تعلّمنا بدل أن تُهيننا.
وفجأة
بدأ الجميع يتكلم.
عامل وراء عامل.
موظف وراء موظف.
كل واحد يتذكر موقفًا قديمًا معها.
كيف حمتهم.
كيف ساعدتهم.
كيف كانت تبقى وحدها بعد انتهاء الوردية حتى لا يُخصم من رواتبهم بسبب الأعطال.
أما سامر
فبدأ يفقد السيطرة تمامًا.
صرخ
اصمتوا جميعًا!
لكن لا أحد صمت هذه المرة.
حتى رجال الأمن
كانوا ينظرون إليه ببرود.
اقتربت هالة منصور من جهة الاستقبال بعدما دخلت المصنع أخيرًا مع اثنين من الإدارة.
كانت تتابع الشاشات بوجه متوتر.
ثم سألتني مباشرة
هل الوضع خطير؟
أشرت إلى التقارير أمامي.
قلت
لو خرجت هذه الشحنة قد نؤذي مرضى.
شحب وجهها فورًا.
أخذت الملف من يدي بسرعة وبدأت تقرأ.
ثم رفعت رأسها نحو سامر ببطء.
هل كنت تعلم بهذا؟
فتح فمه
لكنه لم يجد جوابًا.
قالت بحدة
أوقفوا الشحنة فورًا.
تحرك قسم الجودة مباشرة.
وأُغلقت بوابات التحميل.
أما وفد الخليج
فبدأ يطالب بتفسير عاجل لما يحدث.
وفي وسط الفوضى كلها
عدتُ إلى الشاشة.
أصلحت صلاحيات المخزون.
ثم أجهزة القراءة.
ثم خطوط التغليف.
أصوات الماكينات بدأت تعود تدريجيًا.
خط بعد خط وجهاز بعد جهاز.
حتى عاد صوت المصنع للحياة من جديد.
لكن هذه المرة لم يعد أحد ينظر إليّ كموظفة عجوز.
بل
كشخص أنقذ المصنع من كارثة حقيقية.
اقترب مني فني الأنظمة الشاب وقال بابتسامة مذهولة
اشتغل النظام
ثم أضاف هامسًا
كل شيء رجع.
لكنني لم أبتسم.
كنت أنظر فقط إلى الشحنة الموقوفة.
إلى الكارثة التي كانت ستخرج إلى الناس فقط لأن بعضهم أراد إرضاء الوفد بأي ثمن.
في صباح اليوم التالي
لم يدخل سامر المصنع.
وصل قرار الإيقاف الرسمي قبل بداية الوردية بساعة واحدة فقط.
أما ريم
فتم سحب منصبها الإداري مؤقتًا، وإحالتها إلى التحقيق الداخلي بعد توقيعها على تجاوزات الجودة.
انتشر الخبر في المصنع كله بسرعة.
لكن الغريب
أن أحدًا لم يشعر بالشماتة.
كان المكان هادئًا على غير عادته.
هادئًا كأن الجميع اكتشف فجأة كم كان قريبًا من كارثة حقيقية.
وفي منتصف الوردية
وصلت هالة منصور مرة أخرى.
لكن هذه المرة
لم تأتِ وسط فوضى وصفارات إنذار.
بل دخلت بهدوء، تحمل ملفًا أزرق رسميًا بيديها.
ثم طلبت رؤيتي.
جلستُ أمامها داخل غرفة الاجتماعات الصغيرة التي قضيت نصف عمري أدخلها فقط حين تحدث مشكلة لا يعرف أحد حلها.
وضعت الملف أمامي وقالت مباشرة
الإدارة راجعت كل شيء.
لم أتكلم.
فأكملت
التحقيق أثبت أن سامر ضغط على قسم الجودة لتجاوز مشكلة التعقيم حتى لا يخسر وفد الخليج.
نظرتُ إلى الطاولة بصمت.
ثم قالت
كما أثبت التحقيق أيضًا أن المصنع كان يعتمد فعليًا على النظام الذي طورته بنفسك طوال السنوات الماضية دون توثيق رسمي، ودون منحك المنصب أو الراتب الذي تستحقينه.
ابتسمتُ بمرارة خفيفة.
كأنهم اكتشفوا الحقيقة بعد أن احترق نصف المكان.
فتحت هالة الملف أمامي.
ثم قالت
الإدارة تريد تعيينك رسميًا مديرة للإنتاج.
ساد الصمت.
حتى صوت المكيف القديم
كان واضحًا داخل الغرفة.
نظرتُ إلى العرض طويلًا.
المنصب الذي حلمت به سنوات.
المنصب الذي عملت لأجله حتى تورمت قدماي من الوقوف.
المنصب الذي استُخدمت خبرتي للوصول إليه عشرات المرات لكن اسمي كان دائمًا يُنسى في النهاية.
قالت هالة بابتسامة
هذه المرة سيكون كل شيء باسمك.
رفعت عيني إليها بهدوء.
ثم سألتها
ولماذا الآن فقط؟
لم تُجب.
لأننا كلتينا تعرف الإجابة.
الآن فقط
بعد أن خافوا.
أغلقت الملف بهدوء.
ثم دفعته نحوها.
تغيرت ملامحها فورًا.
أنتِ ترفضين؟
أومأت برأسي.
نعم.
بدت مصدومة فعلًا.
لكن هذا المنصب كان حقك منذ سنوات!
تنهدت ببطء.
ثم نظرت عبر الزجاج إلى العمال بالخارج.
قلت بهدوء متعب
قضيت عمري أظن أن بقائي هنا هو الأمان.
صمتُّ لحظة
ثم أكملت
لكنني اكتشفت متأخرة أن المكان الذي يُهينك كل يوم قد يتحول مع الوقت إلى قفص، حتى لو منحك لقبًا كبيرًا.
خفضت هالة عينيها دون كلام.
أما أنا
فشعرت لأول مرة منذ سنوات أن صدري أخف.
قلت بوضوح
أريد مستحقاتي كاملة.
وعقد الاستشارة الذي اتفقنا عليه.
وحقوق كل موظف تضرر من قرارات سامر.
ثم أضفت
بعدها سأغادر.
خرج الخبر إلى المصنع كالصاعقة.
الأستاذة أمينة
رفضت المنصب.
حتى العمال لم يصدقوا في البداية.
اقترب مني فني الأنظمة الشاب وقال بدهشة
بعد كل هذا التعب ستتركين المكان فعلًا؟
ابتسمتُ له بهدوء.
بعض الأماكن يا ابني
حين تنجو منها، لا تعود إليها.
أما ريم
فجاءت إليّ قبل نهاية الدوام بساعة.
كانت دون زينة تقريبًا.
وعيناها متعبتان من البكاء.
وقفت أمامي مرتبكة للحظات
ثم قالت بصوت خافت
أنا آسفة.
لم أرد.
فأكملت بسرعة
كنت أظن أن المنصب يعني القوة وأن التشبه بهم هو الطريقة الوحيدة للنجاح.
نظرتُ إليها طويلًا.
ثم قلت
النجاح الذي يجعلك تظلمين غيرك
ليس نجاحًا.
بدأت دموعها تنزل بصمت.
وأضافت
لم أفهم قيمة الخبرة إلا حين رأيت المصنع ينهار في ساعة واحدة.
أخذت نفسًا هادئًا.
ثم قلت
تذكّري هذا جيدًا
المرأة لا تنتهي قيمتها حين يكبر عمرها.
رفعت رأسها نحوي.
فأكملت
بعض النساء
يصبحن أثمن مع السنوات، لأن العمر لا يأخذ منهن بل يضيف إليهن.
بكت ريم أكثر.
لكنني لم أكرهها كما توقعت.
لأنني أدركت أن هناك أشخاصًا سيئين
وآخرين فقط تعلموا الخطأ من المكان الخطأ.
بعد ثلاثة أشهر
لم أعد أستيقظ على صفارات المصنع.
لم أعد أركض خلف الأعطال.
ولم أعد أسمع أحدًا يقول إن وجهي لم يعد مناسبًا.
استأجرتُ مكانًا صغيرًا قديمًا قرب المنطقة الصناعية.
دهناه أنا وابني بأيدينا.
ووضعنا لافتة بسيطة على الباب
مركز أمينة للتدريب الصناعي.
في البداية
ضحك البعض.
امرأة تجاوزت الخمسين
تفتح مركز تدريب؟
لكن بعد أسابيع قليلة
بدأت النساء يأتين.
عاملات تم الاستغناء عنهن بسبب العمر.
موظفات خائفات من خسارة وظائفهن.
فتيات صغيرات لا يجدن من يعلمهن بصدق.
كنت أدرّبهن بنفسي.
أشرح لهن الأنظمة.
الأعطال.
الجودة.
وأقول لهن دائمًا
لا تسمحن لأحد أن يجعلكن تشعرن أن العمر يُلغي قيمتكن.
وفي أحد الأيام
دخلت فتاة صغيرة وسألتني بخجل
أستاذة أمينة هل صحيح أنكِ كنتِ تديرين مصنعًا كاملًا وحدك؟
ابتسمت.
ثم نظرت إلى يديّ المتعبتين.
وقلت بهدوء
لا يا ابنتي كنت فقط أرفض أن ينهار فوق رؤوس الناس.
ضحكت الفتاة.
أما أنا
فشعرت بشيء دافئ داخلي لم أشعر به منذ سنوات.
الراحة.
وفي المساء
كنت أجلس مع ابني أمام المركز بعد انتهاء التدريب.
تمر الشاحنات الكبيرة من الشارع البعيد
ويصلنا أحيانًا صوت المصانع وصفاراتها القديمة.
نظر إليّ ابني مبتسمًا وقال
هل ندمتِ لأنك تركتِ المصنع؟
نظرت إلى السماء طويلًا.
ثم ابتسمت لأول مرة براحة حقيقية.
وقلت
أنا لم أخرج منه مهزومة.
سكتُّ لحظة
ثم أضفت
أنا فقط خرجت قبل أن يسرق ما تبقى مني.
وفي تلك اللحظة
فهمت أخيرًا شيئًا مهمًا جدًا
أن الله قد يمهل الظالم طويلًا
لكنه لا يترك تعب المظلوم يضيع.
وأن الإنسان حين يُظلَم لأنه صادق
أو يُهان لأنه أفنى عمره بإخلاص
فهذا لا يعني أن قيمته انتهت.
أحيانًا
يكون سقوطهم هم
هو أول لحظة يبدأ فيها انتصارك الحقيقي.


