التوام
لما كنت في رحلة عمل في امريكا جاني اتصال من المستشفى وقالوا لي إن مراتي بتولد.. وتوأم ثلاثي كمان! أنا اتسمّرت في مكاني ومبقتش عارف أنطق.. لإنها من خمس سنين، قالت لي إنها مستحيل تخلف.
أنا اسمي إسكندر. عندي 32 سنة، وبدير شركة شحن وتأمين طرق وممرات تجارية كبيرة. شغلي كله حركة وسفر دائم ومش بفضى خالص.
من ست سنين، اتجوزت وفاء، البنت اللي حبيتها من أيام الجامعة. وقتها كنا بنحلم نcumulative بيت دافي، بيت مليان بحركة وعياط وضحك أطفال بيجروا حافيين في الجنينة، وريحة الفطار يوم الإجازة، وتكون ضحكتهم مالية البيت ومالهاش آخر.
لكن بعد تلات سنين من العلاج في أكبر وأحسن المستشفيات، وتحاليل وحقن وأدوية ومكاتب دكاترة ما بتخلصش.. وليالي كاملة كانت وفاء بتعيط فيها في الحمام من غير صوت عشان مسمعهاش.. الدكاترة صدمونا بالحقيقة. وفاء عندها مشكلة كبيرة في الخصوبة، ونسبة إنها تحمل شبه مستحيلة.
الوجع الصامت
وفاء كانت بتحاول تخبي كسر قلبها. كانت لسه بتعمل لي القهوة الصبح بابتسامة، وبتتصنع الفرحة في عزومات العيلة، وتضغط على إيدي لما حد يسألنا بفضول: “مش هنفرح بـ أولاد إسكندر بقى؟”.
بس أنا كنت بشوف اللمعة اللي بتطفي في عيونها كل ما نعدي في الحديقة ونشوف أب وأم ماسكين إيد طفل صغير. كنت بشوف إيديها وهي بـ تترعش لما تلمس بالصدفة الصندوق الصغير اللي في الدولاب.. الصندوق اللي شلنا فيه هدوم البيبي اللي اشتريناها في أول سنة جواز.
في ليلة من الليالي، أخدتها في حضني وقلت لها: “مش مهم.. وجودك في حياتي كفاية عندي”.
بس أنا كنت بكدب..
كنت بنام وبصحى ونفسي أكون أب، الموضوع كان بياكل في قلبي.
كرهت نفسي بسبب الشعور ده. وكرهت الهدوء والسكوت اللي بيستقبلني كل ما أرجع البيت الكبير.. مفيش صوت طفل بيجري، مفيش ألعاب متبعترة في الأرض.
وأكتر حاجة كنت بكرها هي لمت العيلة، لما قرايبي يضحكوا ويقولوا: “إيه يا إسكندر مش هتعملولنا ليلة ونفرح بنونو صغير؟”.
كل مرة، وفاء كانت بتوطي رأسها وتبتسم بوجع.. وأنا كنت بفضل واقف زي الجبان ومبردش.
الهروب والقرار الصعب
على السنة السادسة من جوازنا، البعد بينا بقى ملموس وجدار عازل. بقيت أتحجج بسفريات الشغل الكتيرة والمؤتمرات عشان أهرب ومأقعدش في البيت.
وفاء بطلت تسألني هترجع إمتى. وبدأت تشغل نفسها بأعمال الخير، وبقت تزور ملجأ الأيتام وبيوت المغتربات، كانت بتساعد الغرباء في الوقت اللي جوزها فيه بيبعد عنها وبيتغير عليها.
في ليلة، قبل ما أسافر بالطيارة، سبت ورق الطلاق ممضي على مكتبي.
قلت لنفسي هأرجع من السفر وأتكلم معاها بهدوء. أقنعت نفسي إن الانفصال هو الحل الأقل وجعاً لينا إحنا الاتنين.
أقنعت نفسي بحاجات كتير، لإن الإحساس بالذنب بيبقى سهل لما تغلفه وتسميه “رحمة”.
بس عمري ما تخيلت إن في نفس اليوم ده، حياتي كلها هتتشقلب بمكالمة تليفون واحدة.
المكالمة الصادمة
كنت واقف في قاعة المؤتمرات، قدامي ترابيزة مليانة مستثمرين، وتليفوني الشخصي بدأ يرن ورا بعضه من غير ما يفصل.
الرقم كان بتاع مستشفى “سانت ماري” المركزي.
عقدت حواجبي ورديت.
جاني صوت الدكتور، وكان بيتكلم بسرعة ولهفة خلت نفسي يقف:
“أستاذ إسكندر، مدام وفاء في غرفة العمليات بتولد حالا!”
أنا اتجمدت في مكاني.
قلت بصوت مبحوح وميدوب مسموع: “أكيد في غلط في الاسم.. مراتي مبتحملش”.
حصل سكوت لثواني على الخط.. بعدين الدكتور قال: “مفيش غلط يا فندم، المدام وفاء حامل في توأم ثلاثي، وحالتها حرجة جداً، لازم تيجي هنا فوراً”.
حامل في توأم ثلاثي؟!
الكلمتين دول نزلوا على دماغي زي القنبلة.
الأصوات اللي في القاعة اختفت.. الإضاءة، الشاشات، العقد اللي بملابين الدولارات اللي قدامي.. كل ده اتمسح من عيني.
مبقاش في ودني غير صوت وفاء من خمس سنين وهي بتبكي في المطبخ وبتقولي:
“إسكندر.. لو في يوم عوزت تسيبني عشان مش هقدر أجيبلك طفل، أنا مش هلومك”.
يومها، أخدتها في حضني ووعدتها إن ده عمره ما هيحصل.
والنهاردة.. أنا الشخص اللي ساب ورق الطلاق على المكتب ومشي!
جريت برا قاعة المؤتمرات، وطلبت طيارتي الخاصة، وقلت للطيار يطلع فوراً على البلد. طوال الرحلة، إيدي كانت بـ تترعش لدرجة إني مش عارف أمسك كباية مية.
كيف حصل ده؟!
جوازنا كان بارد وميت من شهور، مبنتكلمش، بنشارك نفس البيت والاسم والماضي بس، لكن كنا زي غريبين عايشين في بيت واسع.
بس ورا كل الأسئلة دي، كان في خوف واحد بياكل قلبي أكتر من الشك..
خوف من إن وفاء تكون مرت بكل ده لوحدها!
لوحدها في الحمل..
لوحدها في كل زيارة دكتور..
لوحدها وهي بتواجه المخاطر..
ولوحدها لما شافت ورق الطلاق اللي سبتهولها!
في الممر الضيق #حكايات_علي_ابوالدهب
لما وصلت المستشفى، ممر الولادة كان منور بزيادة ويوجع العين. لقيت والدتي وقرايبي ومساعدي واقفين ووشوشهم مخطوفة وقلقانة.
مبصتش لأي حد فيهم..
سألت بس: “وفاء فين؟”
خرج دكتور بالطو الأبيض وقرب مني وأخدني على جنب.
قال لي بهدوء وحذر: “أستاذ إسكندر، أنت كنت عارف إنها حامل في تلات توائم؟”
هزيت رأسي بالنفي.. زوري كان ناشف ومش قادر أتنفس.
الدكتور اتنهد وقال:
“الوضع خطير جداً. جسم المدام كان ضعيف وتعبان، وشيل تلات أطفال مع بعض خلا الأمور معقدة وصعبة. في فترة من الفترات اقترحنا عليها نضحي بطفل عشان نخفف المخاطر، بس هي رفضت تماماً وقالت مستحيل أفرط في أي واحد فيهم”.
برقت عيني وقلت بصوت واطي: “هي كانت عارفة؟! من إمتى؟”
الدكتور بص لي بنظرة مقدرتش أفهمها وقال: “من بدري.. كانت دايماً بتيجي كشوفاتها لوحدها. وكل مرة كنا بنسألها، كانت بتقول جوزي مسافر في شغل كتير ومش عايزة أشغله وأقلقه”.
”مش عايزة أشغله!”
الجملة دي نزلت عليا أشد من أي كرباج.
في الوقت اللي كنت بهرب فيه من بيتي وجوازي ورا سفريات الشغل والاجتماعات، وفاء كانت شايلة في بطنها المعجزة اللي ياما دعينا بيها سوا!
كانت بـ تحمي أطفالنا التلاتة لوحدها..
وأنا سبت لها ورق طلاق!
سندت ضهري على الحيطة وحسيت ببرودة بتمشي في دمائي كلها.
فجأة، باب غرفة العمليات اتفتح، والممرضة خرجت بتصرخ: “أهل المدام وفاء!”
جريت على الباب.. الغرفة اتفتحت بالكامل.
وفي اللحظة دي بالذات، عرفت إن حياتي عمرها ما هترجع زي الأول..#حكايات_علي_ابوالدهب
لإن وش الدكتور مكنش وش واحد جايب خبر يفرح..
ومن وراه.. سمعت صوت عياط بيبي..
وبعدين البيبي التاني..
وبعدين.. سـكـوت تام!#حكايات_علي_ابوالدهب
حازم فضل باكي في حضني لفترة طويلة، وكأنه بيغسل بدموعه كل لحظة شك شكها فيا، وكل كلمة صدق فيها بسمة على حسابي. كنت بطبطب عليه وأنا حاسة إن روحي هي اللي بترجعلي مش بس صحتي.
بس الحكاية متهتش لحد هنا.. لأن اللي عملته بسمة مكنش مجرد خطوبة وفشلت، دي كانت جريمة شروع في قتل وسرقة.
القانون لا يحمي المغفلين.. ولا الخاينين
بعد ما حازم هدي تماماً، وقف ووشه كله غضب وعزم. بصلي وقال: “أمي.. الست دي مش هتمشي كده ببساطة. دي كانت هتموتك، وسرقتنا، وتبلت عليكي.. أنا مش هسيب حقك وحقي”.
حازم أخد كارت الذاكرة الصغير (الميموري) من الكاميرا المخفية، ونزل فوراً على قسم الشرطة. وبما إن الكاميرا سجلت بالصوت والصورة اعترافها الضمني، وكمان وهي بتمد إيدها على الذهب، الموضوع مبقاش مجرد كلام ستات أو خلاف عائلي.
تاني يوم الصبح، كانت قوة من المباحث رايحة لبيت أهل بسمة. جيرانا اللي كانوا واقفين على السلم يواسوها ويقولوا “يا ملاك” شافوها وهي نازلة في الكلبشات، وطبعاً الفضيحة في المنطقة بقت بجلاجل.
زيارة غير متوقعة
بعد يومين، وأنا قاعدة في الصالة وحازم بيأكلني بنفسه، الباب خبط. حازم فتح، ولقينا أم بسمة وأخوها الكبير واقفين على الباب، وشوشهم في الأرض، وعينيهم مكسورة.
أخوها دخل وقرب مني، وطأطأ رأسه وقال: “يا حجة هنا.. إحنا ملناش عين نبص
الجزء الثاني
حازم وقف وقفة رجالة وقالهم بنبرة حاسمة: “الذهب ده حقنا وأنتوا مرجعتوهوش جدعنة، ده عشان هيفضل حرز في القضية لو مجاش. أما بخصوص التنازل.. فـ أمي هي صاحبة الحق، والقرار ليها”.
الكلمة الأخيرة
كلهم بصوا لي.. بسمة نفسها مكنتش معاهم، كانت بايتة في الحجز، البنت اللي كانت من كام يوم بتميل على ودني وتقولي “محدش هيصدقك”، دلوقتي مصيرها كله تحت رحمة صباعي ده لو شاور بالتنازل أو الرفض.
بصيت لأمها اللي كانت بتعيط بجد، واهتديت لقول الله تعالى: «وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ».
قلت لهم: “أنا هتنازل عن قضية الشروع في القتل.. عشان خاطر شيبتك يا أم بسمة، وعشان أخوكي الراجل المحترم اللي ملوش ذنب في قلة رباية أخته. بس قضية السرقة هتفضل شغالّة، ولازم تاخد حكم وتتسجن ولو كام شهر.. عشان تتعلم إن الله حق، وإن الكرسي المتحرك اللي زقته بقلة أصل، كان ممكن يوديها المشنقة”.
نهاية البداية
أهلها وافقوا وهم بيبوسوا على راسي من كتر الفرحة إن بنتها نجت من حكم مؤبد. وبسمة اتأدبت، وأخدت حكم مخفف بالحبس سنة مع إيقاف التنفيذ في السرقة بعد تنازلنا عن الباقي، بس الفضيحة اللي عاشت فيها هي وأهلها كانت أكبر من أي سجن. اتطردت من شغلها، والمنطقة كلها بقت تشاور عليها بـ “الحرباية”.
بعد كام شهر.. الجبس اتفك من عليا، ورجعت أمشي على رجلي تاني بفضل ربنا ودعواتي. وحازم؟ حازم اتعلم الدرس الأكبر في حياته: إن مش كل وش بيضحك بيكون نضيف، وإن قلب الأم دايماً دليله.. ومبيكدبش أبداً.مرت سنة كاملة على الحادثة دي.. سنة غيرت فينا حاجات كتير.
الحمد لله، قمت من على الكرسي المتحرك ووقفت على رجلي تاني، صحيح بِمشية تقيلة شوية وفيها زكة بسيطة بتفكرني باللي حصل، بس النصرة اللي ربنا نصرني بيها كانت مخلياني حاسة بخفة في قلبي وكأني بطير. حازم اتغير تماماً، مابقاش يسيبني لحظة، وبقى يسابقني في الخدمة، وكأنه بيعوضني عن كل ثانية شك فيها في كلامي.
وفي يوم جمعة، كنا قاعدين بنفطر سوا، ولقيت حازم باصص في طبقه ومتردد، وعمال يلف ويدور في الكلام.
بصيت له وابتسمت: “قول يا حازم.. في إيه يا بني؟ شكلك وراه حكاية”.
حازم رفع عينه وبصلي بخجل: “أمي.. في بنت معايا في الإدارة في الشغل، بقالنا كذا شهر بنتعامل، ومحترمة جداً.. بس أنا.. أنا بقيت بخاف يا أمي، بقيت بحس إن كل الوشوش بتخدع، وخايف أكرر نفس الغلطة”.
ضحكت من قلبي وطبطبت على إيده: “يا حبيبي، أصابعك مش زي بعضها. وبعدين، إنت نسيت إن معاك رادار؟ المرة دي أنا اللي هاجي معاك وأشوفها، وقلب الأم مبيخيبش”.
المقابلة.. ونظرة “الرادار”
فعلاً، رتبنا ميعاد ورحنا نزور أهل البنت، واسمها “أمل”. من أول خطوة دخلت فيها بيتها، عيني كانت بتراقب كل تفصيلة.. طريقة كلامها مع أمها، ضحكتها، حتى نظرات عينيها وهي بتقدم لنا الشربات.
أمل كانت واضحة، مكنش فيها المصنعة ولا الخبث بتاع بسمة. كانت بتتكلم ببساطة، ولما عرفت بظروف رجلي وصعوبة حركتي، من غير ما تتكلم كتير، لقيتها بتعدل لي المخدة ورا ضهري بحنان حقيقي، مش عشان لقطة قدام حازم، لأن حازم أصلاً كان بيتكلم مع باباها ومكنش باصص علينا.
لما رجعنا البيت، حازم قعد جمبي على أعصابه: “إيه يا أمي؟ طمنيني.. الرادار قال إيه؟”
قلت له وأنا مرتاحة: “اتكل على الله يا بني.. البنت دي وشها فيه رضا، وإيدها خفيفة ورحيمة. دي بنت أصول بجد”.
ليلة الفرح.. والدرس الأخير
الشهور جرت بسرعة، وجيه يوم فرح حازم وأمل. القاعة كانت منورة، والكل فرحان. وأنا قاعدة في وسط الفرح لابس فستاني الجديد وفرحانة بابني، لقيت أمل سابت الكوشة، وجتلي لحد عندي.. نزلت بفستانها الأبيض على الأرض تحت رجلي، وباست إيدي وقالتلي: “نورتي دنيتنا يا ماما هنا.. حازم ده في عيني، وإنتي قبل منه”.
في اللحظة دي، شريط ذكريات السلم والضلمة والوجع والابتسامة الصفرا عدا قدام عيني في ثانية واحدة.. بس المرادي، الشريط اتقطع بضحكة حازم وهو جاي علينا وبيحضننا إحنا الاتنين.
بصيت للسما وقلت: “الحمد لله”.. ربنا بياخد وبيرجع، بيوجع بس بيجبر بالخاطر. وبسمة؟ بسمة بقت مجرد ذكرى رمادية في كتاب حياتنا، درس قاسي اتعلمنا منه إن الحقيقة ممكن تتأخر، وممكن تقع من على السلم.. بس في الآخر، دايماً بتقف على رجليها
وبعد سنتين من ليلة الفرح دي، كانت الشقة مليانة بحركة وصوت “هنا الصغيرة”، حفيدتي اللي حازم وأمل سموها على اسمي.
كنت قاعدة في البلكونة في شمس العصاري، وأمل خارجة شايلة صينية الشاي وبتضحك وهي بتزعق لـ حازم عشان يلحق بنته قبل ما توقع المكعبات. بصيت لحازم وهو بيجري ورا بنته بلهفة وحب، وافتكرت اللحظة اللي كنت فيها عاجزة على الكرسي ده.. وكيف ربنا بدل الخوف بأمان، والوجع بضحكة مالية البيت.
عرفت وقتها إن ربنا مبيسبش حد مظلوم، وإن السقوط اللي افتكرته زمان نهاية عمري، كان هو الدافع اللي نضّف حياتنا من الخبث وفتح لنا باب للبداية الحقيقية.
التفتّ لـ حازم وأمل وقلت لهم بابتسامة صافية من كل قلبي: “ربنا يديمكم ليا سند، ويديم بيتنا عمران بالرضا والنية الطيبة”.
تمت.