حماتي

في فرح بنتي، جوزها طلب مني قدام أكتر من 200 معزوم إني أدي له مفاتيح الأرض الزراعية. ولما رفضت… ضربني بالقلم لدرجة إني فقدت توازني. خرجت برا القاعة وعملت مكالمة… واتصدم لما شاف مين اللي وصل!
صوت القلم دوى في قاعة الفرح أعلى من صوت الأغاني الشعبية.
ولثانية مرعبة… كل المعازيم اتجمدوا مكانهم وبصّوا لي كأني أنا المصيبة اللي خربت ليلة بنتي.
ركبي ماقدرتش تشيلني.
إيدي خبطت في ترابيزة الهدايا علشان أفضل واقفة. كاسات العصير اتهزت. واحدة شهقت جنب الكوشة.
وكان واقف قدامي ببدلته البيضاء الفخمة… جوز بنتي الجديد، كريم البدري، بيبتسم بثقة واحد متأكد إن كل حاجة أملكها بقت خلاص تحت إيده.
قال بصوت هادي لكن مسموع: ماتعمليش فضايح يا أمينة… هاتي مفاتيح الأرض وخلاص.
وكانت بنتي سلمى واقفة جنبه.بنتي… حبيبتي اللي ربيتها بعمري كله.
وشها كان شاحب تحت المكياج، وصوابعها بتترعش وهي ماسكة بوكيه الورد.
همست بصوت مهزوز: — ماما… أرجوكي… اديه المفاتيح.
والله الجملة دي كسرتني أكتر من القلم.
الأرض دي كانت ملك عيلتنا من أيام جدي الكبير.
أربعين فدان زرع وتفاح ومواشي… والبيت الأبيض القديم اللي جوزي الله يرحمه، الحاج محمود، بناه بإيده طوبة طوبة بعد السيول اللي هدت البيت من عشرين سنة.
كريم كان طول عمره يقول عليها: “حتة أرض مالهاش لا“1
زمة.”
لحد ما المحافظة أعلنت إن الطريق الدائري الجديد هيعدي جنبها.
وفجأة… “حتة الأرض” بقت بملايين الجنيهات.
أم كريم، مدام ناهد البدري، رفعت كاسها بابتسامة مستفزة وقالت: `0 الدراما دي بقت متعبة يا أمينة. إنتِ عندك اتنين وستين سنة وعايشة لوحدك… بجد فاكرة هتعرفي تديري الأرض دي لحد إمتى؟
كام واحد ضحكوا بصوت واطي.
لوحدي.
ده اللي كانوا فاكرينه.
أرملة لابسة فستان كحلي بسيط وجزمة مريحة… ست هادية بتروح الجامع وتحضر العزايم، وإيديها دايمًا فيها أثر شغل الأرض.
واحدة سهل يضغطوا عليها. سهل يكسروها. سهل ياخدوا منها كل حاجة.
كريم قرب خطوة ومد إيده: المفاتيح… إنتِ وعدتي سلمى بهدية فرح.
قلت بهدوء: انا وعدتها بالأمان… مش بالطمع.
ابتسامته اختفت فورًا.
— الأمان ما بيدفعش الضرائب.
مسحت نقطة الدم اللي جنب شفايفي وقلت ببطء: — بس الطمع دايمًا بيسيب دليل وراه.
في اللحظة دي… حاجة اتغيرت في عينيه.
أمه قربت بسرعة وقالت بعصبية: تقصدي إيه بالكلام ده؟
وقفت مستقيمة بالعافية.
خدي كان بيحرقني. لكن قلبي… كان هادي بشكل غريب.
هادي زي السما قبل العاصفة.
سلمى مدت إيدها ناحيتي برجاء: ماما… أرجوكي ماتبوظيش فرحي.
بصيت لها كويس.
للبنت الصغيرة اللي كانت بتجري حافية وسط الغيطان. للبنت اللي اتعلمت تسوق الجرار وهي قاعدة في حضن أبوها. للبنت اللي كانت بتحلف وهي صغيرة إن محدش هيقدر يفرق بينا.
وفجأة… فهمت الحقيقة المرعبة…لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبيطن
القاعة كلها كانت ساكتة… الصمت اللي بييجي قبل الكارثة.
حتى الـDJ وطي الصوت بالتدريج لما شافني واقفة وإيدي على خدي، والدم نازل جنب شفايفي.
لكن أكتر حاجة وجعتني… إن سلمى ماجريتش عليا.
ماحضنتنيش.
ماصرختش في وش جوزها.
كل اللي عملته إنها بصت حواليها بخوف… كأن أكبر مصيبة مش إن أمها اتضربت، لكن إن المعازيم شافوا المنظر.
وقتها بس فهمت.
البنت اللي ربيتها… كانت خايفة على صورتها أكتر من خوفي أنا.
كريم قرب مني تاني وهمس بين سنانه: — خلّصي الليلة دي بهدوء يا أمينة. الناس كلها مستنية. هاتي المفاتيح ونخلص.
بصيتله بثبات. — إنت مستعجل أوي على حاجة مش بتاعتك.
اتوتر للحظة، لكنه رجع ابتسم بثقة: — بعد الجواز كل حاجة بقت واحدة.
قلت: — إلا لو الجواز نفسه مبني على نصب.
وشه اتشد فورًا.
وأمه مدام ناهد قالت بعصبية: — هو إنتِ هتفضلي تلميحات طول الليل؟
رفعت عيني عليها بهدوء: — لا… التصريحات هتبدأ دلوقتي.
وبدون كلمة زيادة… لفيت وخرجت من القاعة.
سمعت الهمس ورايا زي نار ماسكة في قش ناشف.
“هي رايحة فين؟” “شكلها هتعمل مشكلة.” “العروسة هتتفضح.”
لكن ولا مرة سمعت حد يقول: “إزاي راجل يمد إيده على أم مراته؟”
طلعت برا القاعة. الهوا البارد خبط في وشي ولسع مكان القلم.
إيدي دخلت الشنطة بثبات غريب، وطلعت موبايلي.
اتصلت برقم واحد بس.
ولأول مرة من سنين… صوتي ماكانش ضعيف.
قلت: — تعالى يا سيادة المقدم… أظن جه وقتك.
وقف قلبي لحظة وأنا بستنى الرد.
ثم سمعت صوته الهادي: — أنا قريب أصلًا.
قفلت المكالمة.
ورجعت بصيت على باب القاعة الزجاجي الكبير.
من جواه كنت شايفة كريم بيتحرك بعصبية، وأمه بتتكلم مع المعازيم وهي بتحاول تضحك كأن مافيش حاجة حصلت.
لكنهم ماكانوش يعرفوا إن اللي جاي… هيقلب الفرح عزاء.
قبل الفرح بثلاث شهور…
كنت قاعدة في أوضة الحاج محمود القديمة، بقلب في الدفاتر والحسابات بتاعة الأرض.
ومن ساعة ما الحكومة أعلنت مشروع الطريق الجديد… وكريم بقى يزورني كل أسبوع تقريبًا.
مرة يجيب حلويات. مرة يعرض يساعدني. مرة يقول: — إنتِ زي أمي يا طنط أمينة.
لكن عينيه عمرها ما كانت بتبصلي.
كانت دايمًا بتبص للأرض.
للصكوك.
للمفاتيح.
وفي يوم دخل عليا وهو متوتر بشكل غريب وقال: — طنط… هو في ناس سألت عن حدود الأرض؟
سألته باستغراب: — مين؟
قال بسرعة: — عادي يعني… سماسرة.
لكن إحساسي وقتها قال إن فيه حاجة غلط.
الحاج محمود الله يرحمه كان دايمًا يقول: “الطماع بيبان في عينيه قبل إيده.”
ومن بعدها بدأت أركز.
لقيت كريم بيطلب أوراق كتير تخص الأرض. مرة بحجة الضرائب. مرة بحجة التسجيل. مرة بحجة “الأمان”.
وفي ليلة… سمعت سلمى بتتكلم معاه بالتليفون وهي فاكراني نايمة.
قالتله بخوف: — بس ماما ممكن تشك.
رد عليها ببرود: — بعد الجواز كل حاجة هتبقى تحت سيطرتنا.
الكلمة دي صحّتني أكتر من أي منبه.
“سيطرتنا.”
مش “بيتنا”.
مش “مستقبلنا”.
سيطرتنا.
ومن اللحظة دي… بدأت أراقب.
ولأني ست عاشت عمرها وسط الرجالة والفلاحين والتجار… كنت أعرف إن أكبر غلطة يعملها الطماع إنه يفتكر الست الكبيرة غبية.
وفي يوم لقيت واحد غريب بيلف حوالين الأرض.
ولما واجهته… جري.
لكن وقع من جيبه ملف.
ملف غيّر كل حاجة.
جواه صور.
خرائط.
وعقد مبدئي لبيع الأرض لشركة استثمار عقاري.
باسم…
كريم البدري.
قبل الجواز أصلًا.
قعدت وقتها على الكرسي وأنا حاسة إن الدنيا بتلف.
يعني هو ماحبش سلمى؟
كان داخل حياتنا كلها علشان الأرض؟
لكن الصدمة الأكبر كانت في آخر ورقة.
توكيل.
مزور.
باسمي.
وقتها بس… فهمت ليه كان مستعجل ياخد المفاتيح قدام الناس.
كان ناقصه يثبت “الحيازة” علشان الصفقة تكمل.
ومن ساعتها… كلمت الشخص الوحيد اللي أثق فيه.
ابن خالي… المقدم ياسين الدمنهوري.
ضابط مباحث الأموال العامة.
قرأ الملف كله وسكت دقيقة كاملة.
ثم قال: — ماتقوليش إنك ساكتة لحد دلوقتي؟
قلت: — كنت مستنية أعرف بنتي متورطة ولا مغفلة.
سألني: — وعرفتي؟
لكن وقتها… ماعرفتش أجاوب.
رجعت للواقع على صوت فرامل عربية وقفت قدام القاعة.
عربية شرطة مدنية سوداء.
ونزل منها ياسين.
ببدلته الرسمية.
ومعاه اتنين ضباط.
ومن وراه عربية تانية.
قلبي دق جامد… لكن ملامحي فضلت ثابتة.
ياسين بصلي أول ما نزل.
ولما شاف أثر القلم على وشي… عينه اتغيرت فورًا.
قال بصوت منخفض: — هو اللي عمل كده؟
هززت راسي.
فك عضلات فكه بقوة وقال: — تمام.
ثم دخل القاعة بخطوات ثابتة.
وأقسم بالله…
عمري ما هنسا شكل كريم لما شافه.
اللون اختفى من وشه فجأة.
وأمه قامت واقفة وهي مرتبكة: — خير يا حضرة الضابط؟
ياسين طلع بطاقة صغيرة وقال بصوت واضح: — المقدم ياسين الدمنهوري… مباحث الأموال العامة.
القاعة كلها اتجمدت.
ثم بص مباشرة لكريم: — كريم البدري… معانا أمر ضبط وإحضار بتهمة التزوير والشروع في الاستيلاء على ممتلكات الغير والنصب.
سلمى شهقت: — إيه؟!
كريم حاول يضحك: — أكيد فيه سوء فهم.
لكن ياسين رمى الملف على الترابيزة قدامه.
نفس الملف.
ونفس التوكيل المزور.
وقال: — سوء الفهم الوحيد… إنك افتكرت أمينة هانم لوحدها.
الهمس انفجر في القاعة.
واحدة قالت: — يا نهار أبيض… وراجل قام يصور بالموبايل.
مدام ناهد صرخت: — مستحيل! ابني محترم!
ياسين بص لها ببرود: — وابنك المحترم باع أرض مش ملكه بمقدم خمسة ملايين جنيه.
كريم هنا فقد أعصابه.
مسك إيد سلمى بعنف وقال: — ماحدش يتكلم! الورق كان هيتم بعد الجواز!
بصيت لبنتي.
كانت بتبصله كأنها أول مرة تشوفه.
وشها الأبيض بقى رمادي.
وقالت بصوت مكسور: — يعني… كنت بتتجوزني علشان الأرض؟
ماجاوبش.
وسكوته كان أوسخ من أي اعتراف.
سلمى رجعت خطوتين كأن حد ضربها.
ثم بصتلي… والدموع نازلة من عينيها: — ماما… والله ما كنت أعرف.
وفي اللحظة دي… قلبي اتقطع عليها رغم كل حاجة.
لأن الأم… حتى وهي مكسورة… قلبها بيفضل يجري ناحية عيالها.
لكن اللي حصل بعد كده… ماحدش كان متوقعه.
واحد من رجال الأعمال اللي كانوا حاضرين الفرح قرب فجأة وقال: — لحظة واحدة… أنا أعرف الملف ده.
الكل بصله.
قال وهو بيشاور على كريم: — الراجل ده حاول يبيعلي الأرض من شهرين.
القاعه انفجرت همس.
والراجل كمل: — ولما طلبت أشوف المالكة الحقيقية… بدأ يماطل.
ياسين ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: — شهادتك هتفيدنا جدًا يا فندم.
كريم هنا حاول يهرب.
فعليًا جرى ناحية الباب الخلفي.
لكن الضباط مسكوه قبل ما يوصل.
وساعتها… كل القناع وقع.
بقى يزعق ويشتم ويقول: — الست دي خربتلي حياتي!
بصيتله بهدوء لأول مرة من غير خوف.
وقلت: — لا يا كريم… إنت اللي خربت نفسك يوم افتكرت إن الطيبة ضعف.
وأثناء ما الضباط بياخدوه… مدام ناهد جريت وراه وهي بتصرخ: — ابني بريء!
لكن ولا حد كان بيسمعها.
لأن الحقيقة لما تظهر… صوتها بيبقى أعلى من أي كدبة.
الفرح انتهى قبل الفجر.
المعازيم مشيوا واحد ورا التاني.
الأغاني سكتت.
والورد بدأ يدبل.
وسلمى كانت قاعدة في أوضة العروسة… بفستانها الأبيض… وبتعي كأن قلبها اتدفن الليلة دي.
دخلت عليها بهدوء.
أول ما شافتني قامت حضنتني وانهارت: — سامحيني يا ماما… سامحيني.
ربتّ على شعرها وسكت.
قالت وسط شهقاتها: — كنت فاكرة إنه بيحبني… والله كنت فاكرة.
غمضت عيني لحظة.
ثم قلت: — الطماع بيعرف يلبس الحب أحسن من العاشق الحقيقي.
رفعت وشها بصعوبة: — هتسيبيني؟
حضنتها أقوى.
وقلت: — إنتِ بنتي يا سلمى… حتى لو الدنيا كلها وقفت بينا.
وفجأة افتكرت الحاج محمود.
افتكرت يوم ما قالّي وأنا صغيرة: “الأرض مش أغلى من الناس… بس الناس اللي تبيعك علشان الأرض ماتستاهلكش.”
وفي الصبح…
رجعنا البيت الأبيض القديم وسط الغيطان.
الشمس كانت طالعة بهدوء فوق الشجر.
والهوا مليان ريحة تراب مبلول.
سلمى كانت ماشية جنبي ساكتة.
ولأول مرة من سنين… حاسّة إنها رجعت بنتي الصغيرة تاني.
وقفت قدام باب البيت. طلعت المفاتيح من شنطتي.
وبصيت لها.
ثم حطيتهم في إيدها.
اتصدمت وقالت: — بعد كل اللي حصل… لسه واثقة فيا؟
ابتسمت بتعب: — الأمانة مش إنك ماتغلطيش… الأمانة إنك ترجعي لما تعرفي الحقيقة.
دموعها نزلت تاني.
وفي اللحظة دي…
حسيت إن الحاج محمود لو كان عايش… كان هيبتسم.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *