الورث

“ينفع أقعد معاك لحد ما ماما تيجي؟”

سألت بنت صغيرة بريئة رجل الاعمال اللى قاعد على تربيزه 7 فى مطعم شيك فى وسط البلد

الحراس كانوا على وشّك يتحركوا فورًا…

لكن الملياردير رفع إيده بهدوء وقال:

— “سيبوها تقعد.”

فاستغرب الكل… بس ما حدش قدر يعارضه.

البنت قعدت جنبه عادي كأن مفيش حاجة غريبة بتحصل.

بعد شوية الباب اتفتح فجأة…

ودخلت أمها.

أول ما عينيها جت على بنتها اللي قاعدة جنب الراجل ده…

وشها اتسحب منه اللون في ثانية.

تجمّدت مكانها… كأنها شافت كابوس

بعد تلات دقايق من تهديد القنبلة… الطفلة دخلت المطعم.

وده كان المشهد اللي كل اللي حضروه فضل محفور في دماغهم بعد كده… رغم إن محدش قال كلمة “قنبلة” بصوت عالي جوه مطعم “لا ڤيتا”.

لا الجرسون اللي لابس جوانتي أبيض.

ولا رجال الأمن اللي عاملين نفسهم زباين عاديين.

ولا حتى نائبة المحافظ اللي وشها شحب تحت طبقات المكياج الغالي.

ولا رجل الأعمال الملياردير اللي قاعد على الترابيزة رقم ٧… الراجل اللي اسمه لو اتقال في القاهرة، الناس بتوطي صوتها تلقائي.

كل اللي اتقال كان:

— “في بلاغ جالنا.”

وبعدين… باب المطعم الزجاج اتفتح، ودخلت طفلة صغيرة لابسة بالطو أحمر ومبلولة من المطر.

كانت صغيرة لدرجة إن المطعم كله سكت.

يمكن عندها خمس سنين… أو ستة بالكثير.

الكاب اتزحلق من على راسها، وخصلات شعرها الأسود لازقة في خدودها. جزمتها بتصوّت فوق الرخام وهي ماشية.

في إيدها شنطة ضهر بنفسجي ماسكاها جامد كأن حد وصاها ماتسيبهاش أبدًا.

وفي الإيد التانية منديل ورق من مطعم شعبي، مرسوم وراه لعبة متاهة للأطفال.

“لا ڤيتا” مكان أصلًا الأطفال مايدخلوهوش لوحدهم.

مطعم إيطالي فاخر مستخبي ورا إزاز غامق في الزمالك… المشاهير بيروحوله لما يحبوا الناس تشوفهم من غير ما تبص عليهم، والسياسيين يقعدوا فيه يعملوا اتفاقات بعدها ينكروها.

النجف واطي، والإضاءة خافتة، وقايمة الأكل تمنها مرتب شهرين لناس كتير.

وفي الليلة دي… المكان كله كان مِلك لرجل واحد.

سيف الدمنهوري.

قاعد لوحده على الترابيزة رقم ٧.

راجل اشترى نص العمارات اللي حوالين النيل، وبيتحكم في شركات مقاولات وأمن واستيراد أكتر من الحكومة نفسها.

الصحافة كانت بتسميه “إمبراطور العقارات”.

لكن الناس اللي فاهمة الحقيقة… كان ليهم اسم تاني.

آخر الدمنهورية.

راجل ورث إمبراطورية كاملة مستخبية ورا شركات نضيفة وواجهات شيك.

كان لابس بدلة فحمة من غير كرافتة. وشه جامد، عينيه باردة زي الشتا، وسكوته يخلي أي حد يراجع نفسه قبل ما يتكلم.

من دقيقتين بس، رئيس الأمن قرب منه وهمس:

— “في تهديد مجهول. حد بلغ عن قنبلة في المطعم. بنفتش المطبخ ومدخل الخدمة.”

سيف حتى ما اتحركش.

قال بهدوء:

— “خلّيكوا هاديين.”

وبعدين… دخلت الطفلة.

كل رجال الأمن اتحركوا تلقائي.

واحد مد إيده ناحية الجاكيت.

واحد تاني لف ناحية الباب.

حتى مدير المطعم ثبت مكانه.

لكن الطفلة ماكانش باين عليها خوف.

وقفت تبص على المكان كله… كأنها دخلت فصل غلط وبتدور على أكتر شخص شكله ممكن يساعدها.

وبعدين… مشت مباشرة ناحية سيف الدمنهوري.

رجال الأمن اتحركوا فورًا.

سيف رفع صباعين بس.

فوقفوا مكانهم.

وصلت البنت للترابيزة رقم ٧، وبصت على الكرسي الفاضي اللي قدامه.

وقالت بصوت صغير وواضح:

— “لو سمحت… الكرسي ده حد قاعد عليه؟”

رفع عينه وبصلها.

— “لأ.”

— “ينفع أقعد لحد ما ماما ترجع؟”

المطعم كله حبس نفسه.

سيف بص للبنت… وبعدين للباب المبلول بالمطر… وبعدها ناحية الممر اللي اختفى فيه اتنين من رجالته.

وسألها بهدوء:

— “فين مامتك؟”

أشارت وراها بعشوائية:

— “في الحمام… قالتلي أستنى في مكان آمن. بس كل الكراسي التانية عليها ناس كبيرة.”

— “هي اللي جابتك هنا؟”

البنت سكتت لحظة صغيرة جدًا… لكن سيف لاحظها.

وقالت بعدها:

— “ماما بتقول ماينفعش نقول كل حاجة للغربا.”

حاجة خفيفة شبه ابتسامة عدّت في عينيه.

— “واضح إن مامتك ذكية.”

هزت راسها بفخر:

— “أوي.”

— “اسمك إيه؟”

— “ليلى.”

— “واسم العيلة؟”

رفعت دقنها الصغيرة بعند طفولي:

— “ماما بتقول السؤال ده رخَم.”

المرة دي… سيف كان فعلًا قرب يبتسم.

مش ابتسامة كاملة… بس زاوية فمه اتحركت لدرجة إن الست اللي قاعدة على الترابيزة اللي جنبهم لاحظت.

داليا شريف كانت شغالة مع سيف بقالها تسع سنين.

شافته وهو بيهدد رجال أعمال، وبيكسر ناس أقوى من الحكومة، وبيتعامل ببرود مع خيانات وأزمات تخلي أي حد ينهار.

لكن النظرة اللي شافتها دلوقتي… ماشافتهاش من سبع سنين.

من وقت ما بنت اسمها “هنا منصور” اختفت فجأة من حياته… وسابت وراها شنطة سفر وحلم كلية تمريض… وسر كبير داليا ساعدت تدفنه.

على الترابيزة رقم ٧، سيف سحب الكرسي للبنت.

طلعت عليه وحطت الشنطة في حضنها بحرص.

وقالت بسرعة:

— “أنا هقعد هادية.”

رد سيف:

— “ماعتقدش.”

رمشت ليلى كذا مرة… وبعدين قررت إنه مش شخص وحش.

— “أنا بعرف أبقى هادية لما أحب.”

— “دي موهبة نادرة.”

— “الأبلة بتقول عندي هدوء انتقائي.”

— “ده شكله مرض خطير.”

ضحكت بخفة:

— “يعني برغي كتير لما حاجة تهمني.”

سيف سند ضهره في الكرسي وبصلها:

— “وإيه الحاجات اللي تهمك؟”

مين عايز يكملها ؟؟

— “الحاجات اللي فيها ألوان كتير… والرسم. وكمان اللعبة دي،” قالت ليلى وهي بتفرد المنديل الورق المبلول على الترابيزة الفخمة، وبتبص للمتاهة المرسومة بخط يد مشوش ومهزوز. “بس أنا مش عارفة أوصل للأخر، كل الطرق مقفولة.”

سيف الدمنهوري بص للمنديل. عينيه الخبيرة لقطت التفاصيل في ثانية. الخطوط مكنتش مجرد لعبة أطفال؛ المتاهة المرسومة كانت مطابقة لتقسيمة شوارع الزمالك المحيطة بمطعم “لا ڤيتا”، وفي نص المتاهة كان فيه علامة “X” صغيرة فوق مربع مكتوب جواه برقم صغير جداً: “7”.

نظرة البرود اللي في عيون سيف اختفت، وحل مكانها حذر شديد. قرب شوية من ليلى وقال بصوت واطي وهادي:

— “مين اللي رسم المتاهة دي يا ليلى؟”

— “ماما.. رسمتها في الميكروباص وإحنا جايين، وقالتلي لو توهت أو حصلت دوشة، أدخل المكان الشيك ده وأقعد على الترابيزة دي بالذات.”

في اللحظة دي، داليا شريف وقفت من ترابيزتها وقربت بخطوات سريعة مسموعة، وشها كان شاحب تماماً. مالت على سيف وهمست في ودنه وعينيها على البنت:

— “سيف بيه… الأمن بره لقى عربية نقل فلوس مسروقة مركونة في الممر الخلفي للمطعم. والبلاغ عن القنبلة طلع تشتيت للأمن… المطبخ تمام، بس المشكلة مش جوه.. المشكلة بره.”

سيف ما اتهزش، عينيه فضلت مركزة على البنت، وربط الخيوط في دماغه. “هنا منصور” اختفت من سبع سنين، وليلى عندها حوالي خمس أو ست سنين. المتاهة، الذكاء، العناد الطفولي، والاسم القديم اللي رجع يتردد في روحه زي صدى صوت من الماضي.

فجأة، الباب الزجاجي للمطعم اتفتح بقوة، ودخلت معاه نسمة هواء باردة محملة بريحة المطر.

دخلت ست، البالطو بتاعها غرقان مية، وشعرها الأسود المبلول نازل على وشها. كانت بتنهج كأنها كانت بتجري ماراثون. أول ما عينيها جت على الترابيزة رقم ٧، وشها اتسحب منه اللون في ثانية.

تجمّدت مكانها كأنها شافت كابوس… أو كأنها شافت الشخص الوحيد اللي كانت بتهرب منه طول السنين دي.

كانت “هنا”.

ليلى أول ما شافتها، نزلت من على الكرسي بسرعة وفرحة:

— “ماما!”

لكن هنا ما جرتش على بنتها. عينيها كانت متعلقة بعيون سيف الدمنهوري، اللي وقف ببطء وشموخ، وهو بيزرر جاكيت بدلته الفحمية. نظراتهم اتقابلت في صمت قاتل، صمت كان أعلى من صوت الرعد اللي ضرب بره المطعم في اللحظة دي.

رجال الأمن حوالين القاعة حطوا إيديهم تلقائي على أسلحتهم المستخبية، مستنيين إشارة واحدة من صباعين سيف. وداليا شريف حطت إيدها على بوقها بصدمة وهي مش مصدقة إن السر اللي دفنته من سبع سنين واقف قدامها بشحمه ولحمه.

هنا خدت خطوة لورا، وعينيها بتتحرك برعب بين سيف ورجالته، وقالت بصوت مرعوش بس حاد:

— “ليلى… تعالي هنا حالا.”

سيف مرفعش صباعينه المرة دي. ساب ليلى تتحرك، لكنه أخد خطوة وسيعة من ورا الترابيزة وقفلت زاوية الرؤية، وبقى واقف بين هنا وبين باب الخروج.

بص لهنا ببرود شديد، لكن عروق إيده كانت مشدودة، وقال بنبرة صوت خلت مدير المطعم يرجع لورا خطوتين:

— “المطعم محاصر يا هنا.. والبلاغ اللي عملتيه عن القنبلة علشان تشغلي أمني وتدخلي البنت مش هيعدي. السبع سنين خلصوا… ودلوقتي، إحنا محتاجين نتكلم.”
هنا خدت نفس عميق، وحاولت تداري الرعشة اللي في إيديها وهي بتضم ليلى لحضنها جامد. ليلى رفعت راسها وبصت لأمها ببراءة:

— “ماما.. عمو سيف وراني المتاهة، بس هو كمان ميعرفش يحلها؟”

كلمة “عمو سيف” نزلت على هنا زي الصاعقة. بصت لسيف اللي كان واقف زي الجبل، ملامحه مابتقولش أي حاجة، بس عينيه كانت بتقرا كل حركة بتعملها كأنه بيقرا كتاب مفتوح.

سيف شاور بإيده لداليا شريف. داليا قربت بسرعة، وعينها مش جاية في عين هنا من الكسوف والخوف. سيف قال بصوت واطي وصارم:

— “خدي ليلى على المكتب جوه.. خلي معاها حراسة، ومحدش يقرب منها أو يضايقها.”

هنا اتفضت وحاولت تمنعهم:

— “لأ! بنتي مش هتمشي من جنبي!”

سيف قرب خطوة واحدة، وبقى واقف قدامها مباشرة. الريحة بتاعته، نفس البرفيوم القوي اللي مالتفتش بيه من سنين، اخترق حواسها. قال بنبرة هادية بس ترعب:

— “بنتك في أمان جوه أكتر من برا يا هنا. بره فيه حراسة وفيه أمن دولة بيفتشوا عن البلاغ اللي إنتي عملتيه. لو عايزة تخرجي معاها دلوقتي وتتحققي في سين وجيم، اتفضلي. لو عايزة تحميها.. سيبي داليا تاخدها.”

هنا بكت بصمت، وبصت لداليا نظرة عتاب طويلة، وبعدين مالت على ليلى وهمستلها:

— “روحي مع طنط داليا يا ليلى.. أنا هنا مش هسيبك.”

ليلى هزت راسها ومشيت مع داليا وهي ماسكة شنطتها البنفسجي، والمطعم كله كان بيراقب المشهد في ذهول.

أول ما الباب الداخلي اتقفل على ليلى، سيف التفت لهنا، وسحب كرسي من الترابيزة رقم ٧ وشاورلها تقعد:

— “اقعدي.”

هنا مقعدتش. فضلت واقفة، مبلولة من المطر، وبتترعش من البرد والخوف. وقالت بحدة مكتومة:

— “عايز مني إيه يا سيف؟ أنا سبتلك كل حاجة واختفيت.. سبتلك الإمبراطورية والفلوس والبلد كلها.. رجعت لورايا تاني ليه؟”

سيف قعد ببرود، وسند إيديه على الترابيزة، وبص للمنديل اللي عليه المتاهة:

— “أنا المرة دي ما دورتش عليكي يا هنا.. إنتي اللي جيتي لحد عندي. البلاغ المجهول عن القنبلة اتعمل من خط تليفون مسجل باسم شركة شحن وهمية.. شركة أنا عارف إنك كنتي بتديريها من تلات سنين في الإسكندرية تحت اسم مستعار.”

هنا اتصدمت إن سيف كان عارف خط سيرها، بس حاولت تتماسك:

— “أنا ماعملتش بلاغ تشتيت عشان أصلح غلطة.. أنا كنت بهرب.. فيه ناس بتطاردني يا سيف، ناس من طرف عمك “عادل الدمنهوري”!”

سيف أول ما سمع اسم عمه، عينيه ضيقت والبرود اللي فيهم اتحول لشرار:

— “عمي عادل مات من سنتين.”

هنا ضحكت بمرارة ودموعها نازلة:

— “مات بالنسبة للناس وللإعلام.. لكن شغله وشركاته السرية لسه عايشة. هما عرفوا طريق الشنطة اللي أنا خدتها معايا من سبع سنين.. الشنطة اللي داليا ساعدتني أهرب بيها. الشنطة دي مكنش فيها لبس يا سيف.. كان فيها الملفات اللي تثبت إن عمك هو اللي قت*ل أبوك عشان يورث الدمنهورية!”

المطعم كله في اللحظة دي بدا كأنه خالي من الصوت، الكلمة وقعت على سيف زي القذيفة. رئيس الأمن قرب من سيف بسرعة وهمس له:

— “سيف بيه.. فيه تلات عربيات جيب سودا وقفت برا المطعم، والرجالة اللي فيهم مسلحين ومش تبعنا.. وبدأوا يطوقوا المكان.”

سيف وقف ببطء، وبص لهنا اللي كانت بتبكي وركبها مش شايلاها، وبعدين بص ناحية الباب الزجاجي اللي بدأ يظهر من وراه ظلال رجالة غامضة.

سيف حط إيده في جيب بنطلونه، وطلع مس*دسه الصغير وقال لرئيس أمنه بنبرة حاسمة:

— “اقفلوا الأبواب الإلكترونية.. ومحدش يضرب نار إلا بإشارتي. هنا.. تعالي ورايا.”

سيف مشي بخطوات سريعة وثابتة ناحية الممر الداخلي للمطعم، وهنا كانت بتتحرك وراه وهي بتترعش، مش بس من برد المطر اللي مغرق هدومها، لكن من الرعب اللي بتعيشه.

المطعم فجأة اتقلب لثكنة عسكرية. الجرسونات اللي كانوا لابسين جوانتي أبيض اختفوا، ورجال الأمن اللي كانوا عاملين نفسهم زباين سحبوا أسلحتهم ووقفوا في زوايا إستراتيجية ورا الأعمدة الرخام. صوت قفل الأبواب الإلكترونية الحديدية وهي بتنزل ورا الواجهة الزجاجية عمل صدى صوت مرعب جوه المكان.

سيف فتح باب مكتبه الخاص اللي في آخر الممر، ودخلت هنا وراه. داليا كانت قاعدة على الكنبة الجلد وليلى في حضنها، البنت كانت بدأت تنعس بس أول ما شافت أمها اتنفضت وقامت جريت عليها:

— “ماما! هما ليه قفلوا البيبان الكبيرة؟ وفيه صوت دوشة بره.”

هنا حضنتها جامد ودفنت وشها في شعرها وهي بتحاول تكتم عياطها:

— “مفيش حاجة يا قلب ماما.. ده صوت الرعد بره، المطر شديد أوي.”

سيف قفل الباب الخشبي التقيل للمكتب، والتفت لهنا وعينيه حادة زي الموس:

— “الملفات دي فين يا هنا؟”

هنا رفعت راسها وبصتله بتحدي مخلوط بخوف:

— “مش معايا.. مش في الشنطة البنفسجي بتاعة ليلى لو ده اللي بتفكر فيه. الملفات في مكان أمان، ومحدش يعرفه غيري. أنا جيت هنا لأن “لا ڤيتا” المكان الوحيد اللي رجالة عادل الدمنهوري مش هيقدروا يدخلوه طول ما إنت فيه.. كنت عارفة إنك هتحمي المكان، وبالتالي هتحمي بنتي.”

سيف قرب منها خطوتين، وطول القامة بتاعه كان بيحسسها بالتهديد التام:

— “إنتي استغليتي أمني، وعملتي بلاغ كاذب قلب أجهزة الدولة، ودخلتي بنتك في وسط لعبة كبار.. عشان تحميها؟!”

— “عشان عادل الدمنهوري ماماتش يا سيف!” هنا زعقت بصوت مكتوم وهي بتبص لليلى عشان ماتخافش: “عمك عايش في اليونان باسم مستعار، والرجالة اللي بره دول رجالة “إياد” ابنه.. هما عرفوا إني في القاهرة، ولو مسكوني.. مش هيرحموا ليلى.”

في اللحظة دي، النور جوه المطعم وفي المكتب اقطع تماماً.

المكان كله بقى ضلمة كحل، ليلى صرخت ومسكت في هنا جامد. داليا وقفت بسرعة من مكانها:

— “سيف بيه! هما قطعوا كابلات الكهرباء العمومية للمبنى بالكامل.. المولد الاحتياطي ماشتغلش، شكلهم بوظوه.”

جهاز اللاسلكي اللي في حزام سيف خروش، وصوت رئيس الأمن طلع منه مشوش ومرعوب:

— “سيف بيه.. الأبواب الإلكترونية فصلت عنها الكهربا وبتفتح يدوي من بره.. الرجالة المسلحين بدأوا يكسروا الإزاز الأمامي.. هما جوه الصالة دلوقتي!”

سيف ملامحه ما اتهزتش في الضلمة. طلع كشاف صغير من جيبه ونوره، وبص لهنا وقال بلهجة آمرة مفيش فيها مجال للنقاش:

— “داليا.. هتاخدي ليلى وتنزلي من سلم الخدمة اللي بيودي للجراج السفلي، عربيتي الـ SUV المصفحة هناك، السواق معاه المفتاح وهيبتدي يتحرك فوراً على قصر المريوطية.”

هنا مسكت في دراع سيف بلهفة:

— “وأنا؟ أنا مش هسيب بنتي!”

سيف فك إيدها ببرود وقوة، وبص في عينيها مباشرة تحت إضاءة الكشاف الخافتة:

— “إنتي هتفضلي هنا معايا.. عشان نصلح الغلطة اللي عملتيها من سبع سنين، ونشوف مين اللي هيدخل من الباب ده ويمشي على رجليه.. ومين اللي هيخرج في كفن.”

صوت تكسير الإزاز الفاخر للمطعم بره كان عالي جداً، وراه صوت ضرب نار مكتوم بدأ يتردد في الصالة الخارجية. سيف سحب أجزاء مس*دسه، وبص للباب.. مستني اللحظة اللي هيتفتح فيها.
داليا هزت راسها بسرعة وهي بترتعش، وأخدت ليلى اللي كانت عمالة تعيط وتناديلها: “ماما.. أنا خايفة من الضلمة! مش عايزة أمشي!”

هنا مالت عليها وبستها بسرعة وهي بتحاول تحبس دموعها:

— “اسمعي كلام طنط داليا يا ليلى.. أنا وراكي علطول، مش هسيبك.. روحي معاها.”

أول ما داليا وليلى اختفوا من الباب السري اللي ورا المكتب ونزلوا في سلم الخدمة، سيف شد هنا من دراعها بقوة ووقفها ورا مكتبه الخشب العريض والمصفح ضد الرصاص. النور الخافت اللي جاي من كشافات العربيات الجيب بره كان بيعكس ظلال مرعبة على حيطان المكتب.

صوت ضرب النار بره في الصالة بقى عنيف جداً. رجالة سيف كانوا مدربين على أعلى مستوى، بس المهاجمين كانوا كتير ومعاهم أسلحة أوتوماتيكية تقيلة. صوت خطوات تقيلة وجري بدأ يقرب من ممر المكتب.

سيف همس لهنا وهو عينه على الباب:

— “الشنطة البنفسجي بتاعة ليلى.. إنتي كنتي ماسكاها كأن فيها حياتك. لو الملفات مش فيها، إيه اللي جوه الشنطة وخلاكي تغامري وتيجي هنا؟”

هنا بلعت ريقها وصوتها كان بيرتعش وهي سامعة صوت الرصاص بياكل في خشب الباب الخارجي للمكتب:

— “الشنطة فيها اللاب توب بتاع عادل الدمنهوري.. اللاب ده عليه الحسابات السرية لكل غسيل الأموال وتجارة الس*لاح اللي بتحصل باسم شركاتك من غير ما تعرف! الرجالة اللي بره دول مش جايين يقت*لوني أنا بس يا سيف.. دول جايين يمسحوا أي دليل يربطهم بالعمليات دي قبل ما الحكومة تحط إيدها عليها!”

فجأة، الباب الخشب بتاع المكتب اضرب عليه سيل من الرصاص، الإكرة اجمكت واتكسرت، والباب اتفتح بقوة نتيجة ركلة عنيفة من بره.

سيف في جزء من الثانية وطى وسحب هنا معاه للأرض ورا المكتب، والرصاص كان بيعدي من فوق راسهم يكسر في اللوحات والنجف الصغير اللي في السقف.

دخل راجل ضخم، لابس قناع أسود، وفي إيده بندقية آلية. بدأ يضرب نار بعشوائية في أركان الأوضة وهو بيزعق بصوت جهوري:

— “هنا منصور! سيف الدمنهوري! اطلعوا بدل ما نولع في المكان بمن فيه!”

سيف ببرود غريب، مكنش باين عليه أي خوف. بص لهنا ونزل صباعين إيده اللي كانوا دايماً إشارة لرجالته، المرة دي كانت الإشارة لنفسه.

حرك جسمه بسرعة البرق من ورا المكتب، وضرب تلات رصاصات متتالية بدقة متناهية. الراجل الضخم وقع في مكانه من غير ما يطلع صوت.

سيف قرب من الج*ثة بسرعه، وسحب البندقية الآلية من إيده، ولف لهنا وقالها:

— “الجراج مبقاش أمان.. داليا وليلى في خطر. إياد الدمنهوري مش غبي، أكيد مأمن المخارج التانية.”

في اللحظة دي، جهاز اللاسلكي اللي على الأرض جمب الج*ثة خروش، وطلع منه صوت حاد وبارد جداً، صوت سيف عارفه كويس.. صوت “إياد الدمنهوري”، ابن عمه:

— “سيف.. يا ابن عمي العزيز. أنا عارف إنك سامعني. المطعم كله تحت إيدي، ورجالتك بيموتوا بره واحد ورا التاني. والبنت الصغيرة وداليا؟ رجالتي مستنيينهم تحت عند العربية الـ SUV.. اللعبة خلصت يا سيف. اطلع وإيدك فوق راسك وإلا هتسمع صوت صريخ بنتك في اللاسلكي حالا.”

هنا حطت إيدها على بوقها وصرخت بانهيار تمام، وسيف مسك البندقية الآلية وعينيه اسودت وبقى فيها نظرة موت حقيقي.. ونبرة صوته اتغيرت تماماً وهو بيبص للممر.

سيف داس على زرار اللاسلكي اللي في إيده، وبصوت هادي لدرجة ترعب، أهدأ من برود الشتا اللي بره، قال:

— “إياد.. إنت غلطت غلطة عمرك لما فكرت إنك تقدر تدخل مكاني وتلعب بقواعدك. أنا مش هطلع وإيدي فوق راسي.. أنا هجيلك بنفسي.”

سيف رمى اللاسلكي على الأرض وداس عليه بجزمته كسره مية حتة. التفت لهنا اللي كانت منهارة تماماً على الأرض وبتترعش:

— “سيف.. أرجوك.. ليلى ملهاش ذنب، ليلى بنتك يا سيف! بنتك إنت مش بنتي لوحدي!”

الكلمة دي وقعت في الأوضة كأنها قنبلة حقيقية مش بلاغ كاذب. سيف ثبت مكانه لثانية واحدة، عينيه وسعت والصدمة هزت جبل البرود اللي جواه.. ليلى اللي كانت قاعدة جنبه على الترابيزة رقم ٧، اللي ورثت عناد الدمنهورية وذكائهم، طلعت حتة منه.

لكنه مأداش لنفسه فرصة يستسلم للصدمة؛ الوقت بيجري وكل ثانية بحياة. قرب من هنا، شدها من إيدها وقفها وقال بصوت قاطع زي السيف:

— “لو عايزة بنتنا تعيش.. تجمدي دلوقتي وتتحركي ورايا خطوة بخطوة. مفهوم؟”

هنا هزت راسها ومسحت دموعها بسرعة، الرعب على بنتها تحول لطاقة رهيبة.

سيف سحب خزنة البندقية الآلية، اتأكد إنها مليانة، وخرج للممر وهو بيتحرك بحذر ذئب بيصطاد. صالة “لا ڤيتا” الفخمة كانت متبهدلة؛ النجف المكسور مغطي الأرض، والرخام الأبيض غرقان دم. اتنين من رجالة إياد كانوا واقفين في الصالة مديين ضهرهم للممر وبيأمنوا المكان.

سيف ماداهمش فرصة يلتفتوا.. بتلات طلقات سريعة وخاطفة، وقعوا في مكانهم قبل ما حد يسمع صوتهم وسط ضرب النار اللي لسه شغال برا المطعم.

سيف شاور لهنا، وجريوا ناحية باب الخدمة الخلفي اللي بيودي للجراج السفلي. السلم كان ضلمة كحل، وريحة الرطوبة والعوادم مغرقة المكان. وهم نازلين، سمعوا صوت صدى ضحكة عالية وباردة جاية من تحت.. ضحكة إياد الدمنهوري.

وصلوا لآخر السلم واستخبوا ورا عمود خرساني ضخم. الجراج كان واسع، والإضاءة النيون الصفراء بترعش. في النص، كانت عربية سيف الـ SUV المصفحة واقفة، وحواليها خمس رجالة مسلحين.

داليا كانت واقفة على جنب، وشها غرقان دم من خبطة في راسها، وواحد من الرجالة ماسكها من شعرها. وإياد الدمنهوري واقف قدام باب العربية، ماسك ليلى من دراعها، والبنت كانت بتصرخ وتبكي بحرقة: “ماما! بابا! الحقوني!”

إياد كان لابس بالطو أسود طويل، وفي إيده مس*دس كاتم للصوت حاطه على راس ليلى. وبصوت عالي ومستفز زعق في الجراج:

— “اطلع يا سيف! أنا عارف إنك هنا.. الشنطة البنفسجي معايا، واللاب توب معايا.. والنسل الجديد للدمنهورية كمان في إيدي. اطلع بدل ما أنهي الحكاية دي هنا حالا!”

هنا كانت هتجري وتصرخ، بس سيف كتم بوقها بإيده وبص في عينيها مباشرة، وعينيه كان فيها نظرة تانية خالص.. نظرة راجل قرر يهد المعبد على اللي فيه عشان يحمي عيلته. همس في ودنها:

— “أول ما هبدأ ضرب، اطلعي اجري على داليا وخذي ليلى.. ومتبصيش وراكي.”

سيف أخد نفس عميق، وخرج من ورا العمود وهو رافع بندقيته، مش في وضع استسلام، لكن في وضع هجوم حتمي.. ووشه مفيش فيه غير ملامح الموت.

إياد أول ما شاف سيف خارج من ورا العمود، ضحكته الخبيثة وسعت، وضغط بالمس*دس أكتر على راس ليلى:

— “أخيراً شرفت يا إمبراطور.. خطوة كمان وهطير دماغها!”

سيف ما وقفش، وفضل يتقدم بخطوات بطيئة ومنتظمة، وعينيه مثبتة في عين إياد ببرود مرعب:

— “إنت فاكر إنك ماسك عليا لوي ذراع يا إياد؟ إنت مش عارف إنت واقف في ملك مين.. ولا عيلتك دي كلها عايشة على قفا مين.”

في أقل من رمشة عين، وقبل ما إياد يستوعب الجملة، سيف وجه البندقية الآلية مش ناحية إياد ورجالته.. وجهها لفوق وضرب دفعة رصاص مكثفة على لوحة مفاتيح الكهرباء الرئيسية وخزان خط إطفاء الحريق التلقائي اللي فوق راسهم مباشرة!

الشرار طار، والمواسير انفجرت وطلعت سيل من المية المضغوطة زي الشلال، والجراج كله اتقلب لـ ضباب وضلمة وتشويش كامل. في نفس الثانية، هنا جرت بأقصى سرعتها مستغلة الدوشة والمية اللي عمت عيون الرجالة.

الراجل اللي كان ماسك داليا اتزحلق من المية، داليا ضربته بكعب جزمتها في رجله وفلتت منه. إياد اتفاجئ بالمية ودموعه نزلت من ضغط الهوا، ليلى استغلت اللحظة وعضت إيده بكل قوتها. إياد صرخ وسابها، وهنا وصلت في نفس اللحظة، سحبت ليلى لحضنها والاتنين استخبوا ورا دهر العربية المصفحة.

رجالة إياد بدأوا يضربوا نار بعشوائية في الضلمة والمية، بس سيف مكنش بيضرب بعشوائية. هو حافظ زوايا الجراج ده حتة حتة.

بتحركات سريعة وصامتة زي الشبح، سيف بدأ يصطادهم واحد ورا التاني. صوت الرصاص بتاعه كان بيطلع مع كل صرخة لواحد من رجالة إياد وهو بيقع على الأرض. تلاتة ماتوا في أقل من دقيقة.

إياد حس إن السحر انقلب على الساحر، والسرير اللي كان فارشه لسيف بقى قبره هو. سحب الشنطة البنفسجي من على الأرض وحاول يجري ناحية مخرج الجراج الخلفي.

لكنه أول ما لف، لقى سيف واقف قدامه مباشرة.. المية مغرقة بدلة سيف الفحمية، وشعره نازل على جبهته، وعينيه فيها غضب الإمبراطور اللي صحى من النوم.

إياد رفع مس*دسه برعب وهو بيترعش:

— “لو قربت هقت*لك يا سيف! الفلوس والملفات معايا.. أنا اللي هبقى الدمنهوري الجديد!”

سيف لمس ماسورة مس*دس إياد بـ إيد واحدة، وبلفتة سريعة وقاتلة، لوى ذراع إياد لورا لحد ما صوت كسر العظم سمع في الجراج كله. إياد صرخ صرخة مكتومة والطبنجة وقعت من إيده. سيف وجمحه بالبونية في وشه وقعه على الأرض غرقان في دمه ومية المطر.

سيف وطى، أخد الشنطة البنفسجي، وبص لإياد وهو بيلهث:

— “الدمنهورية ليها كبِير واحد يا إياد.. وأبوك لما مات، مات عشان فكر في نفس اللي إنت فكرت فيه.”

في اللحظة دي، بيبان الجراج الكبيرة اتكسرت، ودخلت قوات خاصة تابعة لأمن الدولة، ومعاهم رئيس أمن سيف اللي باقي من رجالته. المكان كله اتملى بنور الكشافات القوية. القائد قرب من سيف وبص لإياد وللج*ثث:

— “سيف بيه.. إحنا سيطرنا على المطعم فوق، ورجالة الأمن قبضوا على باقي العصابة بره بعد البلاغ التاني اللي جالنا من مكتبك. إيه الوضع هنا؟”

سيف شاور على إياد المرمي على الأرض:

— “الراجل ده ورجالته هما اللي عملوا بلاغ القنبلة المزور، وهما اللي هاجموا المطعم.. خذوهم من هنا.”

القوات سحبت إياد والرجالة، والجراج بدأ يفضى.

سيف التفت ورا العربية الـ SUV. هنا كانت قاعدة على الأرض، ضامة ليلى لحضنها وداليا جنبهما بيطمنوهم. سيف قرب بخطوات هادية، ونزل على ركبته قدامهم.

ليلى رفعت راسها، عينيها البنية الواسعة — اللي شبه عيون سيف بالظبط — كانت مليانة دموع بس مبقاش فيها خوف. بصتله وقالت بصوت واطي:

— “عمو سيف.. إنت بطل زي اللي في الكرتون؟”

سيف ملامحه لانت تماماً لأول مرة من سنين. مد إيده ومسح مية المطر والدموع من على خدها الصغير، وبص لهنا اللي كانت بتبص له بنظرة رجاء واعتذار وتعب من السنين اللي فاتت.

سيف وقف، ومد إيده لهنا عشان تقوم:

— “المطعم اتبهدل.. والليل لسه أوله. قصر المريوطية جاهز، ودلوقتي.. إحنا التلاتة عندنا كلام كتير جداً لازم يتقال، ومتاهات قديمة لازم تتحل.”

هنا مسكت إيده وقامت، وليلى مسكت في إيد سيف التانية وهي شايلة شنطتها البنفسجي. سيف فتحلهم باب العربية المصفحة، وركبوا سوا.. والعربية مشيت في شوارع الزمالك تحت المطر، سيبين وراهم ليلة مطعم “لا ڤيتا” اللي غيرت كل حاجة، وبداية فصل جديد لإمبراطورية الدمنهوري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *