الورقه البيضاء

الورقة البيضاء اللي أبويا رماها على المكتب كانت شبه الكفن.. كفن للحق، وكفن لكرامة البنت اللي ملهاش ذنب غير إنها وثقت فيا ودخلت البيت ده.

أبويا سحب كرسي الجلد الفخم وقعد، حط رجل على رجل، وبصلي بنظرة خالية من أي رحمة، النظرة اللي كان بيخلص بيها صفقات الشغل المشبوهة في السوق. سحب القلم الحبر من جيبه، وخبط بيه على المكتب خبطات منتظمة كانت بتنزل على قلبي زي دقات ساعة الموت.

“امضي هنا يا ماجد.. وإنتي كمان يا شريف امضي.” قالها أبويا بصوت واطي ومستقر، كأنه بيطلب مننا نمضي على إيصال استلام بضاعة.

أنا كنت واقف، ندى لسه في حضني، جسمها كله بيترعش لدرجة إن أسنانها كانت بتخبط في بعضها. كنت حاسس بنبضات قلبها سريعة ومش منتظمة، زي عصفور بينازع بعد ما اتضرب بالرصاص. بصيت على الورقة وقريت الكلام اللي مكتوب فيها بخط أبويا السريع: تعهد بعدم التعرض، وإقرار من الطرفين بأن ما حدث لم يكن سوى سوء تفاهم عائلي عابر، مع التزام الطرف الثاني (ندى) بعدم إثارة أي بلبلة أو التحدث في الأمر خارج نطاق الأسرة، وفي حال المخالفة يلتزم الطرف الثاني بدفع شرط جزائي…”

ضحكت.. ضحكت بصوت عالي وهستيري لدرجة إن أمي اتخضت ورجعت خطوة لورا. الضحكة دي مكنتش فرحة، دي كانت الوجع لما يوصل لأخره ويتحول لجنون.

“شرط جزائي؟!” صرخت في وش أبويا وأنا بجز على أسناني، “إنت بتكتب شرط جزائي على شرف مراتي؟ أخويا كان بيمد إيده عليها، كان عايز ينهشها في ضهرك وفي بيتك، وإنت بتكتبلي عقد صلح؟!”

شريف كان واقف ساند على مكتبة الكتب، بيمسح دمه بمنديل قماش غالي، وبصلي بنظرة كلها شماتة وغل. قال بصوت لسه متأثر بالخمرة: “جرى إيه يا ماجد؟ كبر مخك.. إحنا دافعين في البنت دي وفي أهلها دم قلبنا، جاي تعملي فيها شهم دلوقتي؟ ما كلنا عارفين هي اتجوزتك ليه.. عشان تطلع من فقر السيدة وتعيش في التجمع.”

مستحملتش.. كنت ههجم عليه تاني وأشرب من دمه، بس ندى شدتني من قميصي جامد. بصيت لها، لقيت دموعها وقفت، وعينيها اللي كانت مليانة خوف من شوية، اتحولت لكتلة من السواد والجمود الكاسر. بصت لأبويا وأمي، وبعدين بصت لشريف، وقالت بصوت هادي ومشرخ، بس هز جدران الأوضة: “الفلوس اللي بتتمنظروا بيها دي، متشتريش ضافر من إيد أمي الشقيانة.. إنتوا ناس زبالة من جوة، والهدوم الغالية دي مدارية وساخة لو طلعت للناس، هتاكلكم صاحيين.”

أمي شهقت وحطت إيدها على صدرها كأنها اتصدمت من قلة الأدب: “شايف؟ شايف يا حسين البنت بيئية وإسلوبها واطي ازاي؟ دي قلة أدب وتربية وشحاتة كمان! إحنا غلطانين إننا وافقنا على الجوازة دي من الأول.. ارميها في الشارع يا حسين، ارميها بالهدوم اللي عليها دي!”

أبويا وقف، طوله وهيبته اللي كان بيخوف بيهم رجاله بشنبات في السوق متهزتش. بص لندى وقال بلغة تهديد صريحة: “سمعيني بقى يا بنت الناس.. إنتي هنا في بيتي، والاسم اللي شايلاه ده اسم حسين الهواري. لو رجلك خطت بره الباب ده، ومعاكي كلمة واحدة تمس سمعة ابني الكبير أو سمعة عيلتي، أنا هخفيكي من على وش الأرض.. وأمك ومطعمها اللي في السيدة، بكلمة مني هخليه يبقى تراب، والبلدية هتقفلهولها في همسة واحدة. هخليكم تشحتوا اللقمة، فاهمة ولا مش فاهمة؟”

الكلام نزل عليا زي الصاعقة. التهديد بأمها كان القشة اللي قطمت ضهر البعير. ندى ملهاش في الدنيا دي غير أمها، الست الغلبانة اللي كبرتها وشقيت عليها بعد ما أبوها مات.

بصيت لأبويا، الراجل اللي المفروض دمي من دمه، وحسيت بقرف ميتوصفش. “إنت مش أبويا..” قلتها بصوت واطي، مليان غل. “والبيت ده مش بيتي.. والفلوس دي أنا مش عايز منها مليم.”

مسكت إيد ندى جامد، وسحبتها ورايا. فتحت باب المكتب وخرجت. أمي صرخت ورايا: “ماجد! لو مشيت دلوقتي مش هتشوف مليم من ورث أبوك! هتحرمك من كل حاجة! هترجع تعيش في الفقر معاها!”

ما التفتش ورايا. مشيت في الممر الطويل، وخرجت للصالة الواسعة اللي كانت مليانة معازيم. الناس كانت واقفة بتشرب كاسات وتضحك، وعازفين الكمانجة بيعزفوا لحن هادي ورومانسي.. ياه على كمية النفاق! مفيش حد من بره يعرف إن جوة الممر ده كان فيه جريمة بتندفن.

مشيت وسط الناس وأنا شادد ندى في إيدي، وفستانها المقطوع كان باين، والناس بدأت تبص وتهمس. “بص فستان مراته عامل ازاي؟” “هو في إيه؟” “مال وشهم مقلوب كدة؟”. مكنش همني أي حاجة، كنت عايز أخرج للهوا.. عايز أتنفس.

خرجنا من بوابة الفيلا الحديد الكبيرة، الأمن جرى ورايا: “يا ماجد بيه.. عربيتك؟”

زعقت فيه: “سيب العربية! مش عايز زفت!”

طلعنا على الطريق العمومي في التجمع. الدنيا كانت ليل، والجو برد، والشارع فاضي ومظلم في بعض الحتت. ندى كانت بتمشي جمبي وهي ساكتة تماماً.. السكوت ده كان بيخوفني أكتر من عياطها. قلعت الجاكت بتاعي وحطيتة على كتافها عشان أداري الفستان المقطوع وأحميها من البرد.

وقفنا تاكسي بعد ربع ساعة مشي. ركبنا ورا، وقلت للسواق: “على السيدة زينب يا سطي.. بسرعة الله يخليك.”

طول الطريق، ندى كانت باصة من الشباك، دموعها نازلة في صمت، وإيدها اللي جوة إيدي كانت تلاجة. كنت بضغط على إيدها وبقولها: “أنا أسف.. أنا أسف يا ندى.. حقك عليا أنا.. أنا هجيبلك حقك والله العظيم ما هسيبهم.”

مكانتش بترد، كانت كأنها سافرت في حتة تانية خالص، حتة مفيهاش غير الوجع والكسرة.

وصلنا السيدة زينب الفجر. الشوارع كانت هادية، وصوت تواشيح الفجر من مسجد السيدة كان مالي المكان ببركة وراحة نفسية ملقيتهاش في فيلا التجمع كلها. نزلنا من التأكسي ودخلنا الحارة. الحارة اللي أمي كانت بتقول عليها “بيئية وبتاعت ريحة وحشة”، كانت في اللحظة دي أحن عليا من قصر أبويا.

طلعنا البيت.. شقة صغيرة في الدور الثالث، بس دافية. أم ندى، الست “مديحة”، كانت صاحية بتصلي الفجر. أول ما شافت بنتها داخلة بالمنظر ده، وجاكتتي عليها، ووشي المتبهدل، صليت على النبي وسلمت بسرعة وقامت مخضوضة: “يا لهوي! في إيه يا ولاد؟ إيه اللي حصل؟ يا ماجد يا ابني مالكم؟”

ندى أول ما شافت أمها، انارت.. رمت نفسها في حضنها وفضلت تصرخ بعلو صوتها، صراخ مكتوم بقاله ساعات طلع كله مرة واحدة. الست مديحة فضلت تطبطب عليها وتبكي وهي مش فاهمة حاجة، وبتبصلي بعينين مليانة أسئلة ورعب.

قعدت على الكرسي الخشب القديم وحطيت راسي بين إيديا، وحكيت للست مديحة كل حاجة.. من أول نظرات أمي، لحد كلام أبويا وتهديده، واللي عمله شريف.

الست مديحة وشها اتغير، ملامحها الشقيانة الطيبة اتحولت لصلابة غريبة. بصت لبنتها وقالت: “حسابهم عند ربنا كبير.. وولاد الحرام مش هيفلتوا.” وبعدين بصتلي وقالت: “وإنت يا ماجد؟ هتعمل إيه؟ دول أهلك.. ومعاهم فلوس وسلطة يهدوا جبال.”

وقفت وبصيت لها في عينها: “أنا مش هسيب حق ندى يا أمي.. وشريف ده أنا هسجنه. أنا هرفع قضية.”

الست مديحة تنهدت بوجع: “يا ابني، القانون مبيحميش الغلابة من الحيتان اللي زي أبوك وأخوك.. أبوك معاه فلوس تشتري ذمم، وهيطلعوا بنتي هي اللي غلطانة ولبسوها قضية تضيع شرفها وشرفي.”

“مش هيحصل يا أمي.. أنا معايا دليل.” قلتها وأنا بفتكر حاجة فجأة.

ندى رفعت راسها وبصتلي باستغراب: “دليل إيه يا ماجد؟ الممر مكنش فيه كاميرات.. أبويا شايل الكاميرات من الممرات الداخلية عشان الخصوصية.”

ابتسمت بمرارة وطلعت تليفوني من جيب البنطلون. “الممر مكنش فيه كاميرات.. بس أنا تليفوني كان في جيبي اللي فوق في الجاكت.. والمسجل بتاعي بيشتغل تلقائي أول ما حد يتصل بيا أو لما بفتحه من بره. أنا لما جريت على صرختك، كنت لسه مخلص مكالمة مع واحد صاحبي، والخط قفل بس البرنامج فضل يسجل.. سجل كل حاجة.. صوت شريف وهو بيقولك (متعملش فيها عبده البطل.. مراتك هي اللي كانت بتتمايع عليا)، وصوت أمي وهي بتقول (إنتي هببتي إيه عشان تخليه يعمل كدة؟)، وصوت أبويا وهو بيبتزنا بالورقة البيضاء وبيقول (تعالوا نمضي ونخلص الموضوع في وسطنا).”

ندى عينيها لمعت ببريق أمل صغير، والست مديحة دعت بصوت واطي: “يارب انصر الحق.”

عدى يومين.. اليومين دول كانوا أصعب يومين في حياتي. قعدت في شقة السيدة زينب، مخرجتش. تليفوني مكنش بيبطل رن.. أبويا، أمي، مدير مكتب أبويا، محامي العيلة.. كلهم بيتصلوا. مكنتش برد على حد.

في اليوم الثالث، جالي مسج من أبويا: “لو مظهرتش إنت والبت دي في مكتب المحامي النهاردة بالليل عشان ننهي الموضوع وتاخد شيك بمليون جنيه تبدأ بيهم حياتك بره مصر، اعتبر نفسك مش ابني، واعتبر أمها في السجن ومطعمها مهدود.. قدامك لحد الساعة ٨ بالليل.”

بصيت للمسج ودمي غلي. بصيت لندى اللي كانت قاعدة بتعمل شاي في المطبخ، ملامحها كانت هادية بس مكسورة. أنا خسرت كل حاجة.. خسرت عيلتي، وخسرت الفلوس، والشركة اللي كنت بشتغل فيها مع أبويا، بس مكنتش مستعد أخسر كرامتي ولا مراتي.

أنا مش هروح للمحامي.. أنا هروح للنيابة.

نزلت من البيت من غير ما أقول لندى وأمها تفاصيل، قلتلهم بس إني مشوار وراجع. أخدت الفلاشة اللي نقلت عليها التسجيل الصوتي، ورحت على قسم الشرطة التابع ليه فيلا التجمع عشان أعمل بلاغ رسمي اتهام بشروع في اغتصاب ضد شريف الهواري.

دخلت القسم، وقعدت مع رئيس المباحث.. راجل ملامحه صارمة بس محترم. حكيتله الموضوع وسمعته التسجيل. الراجل ملامحه اتغيرت وهو بيسمع صوت أبويا وهو بيهدد، وصوت شريف وهو سكران وطافح خمرة.

“الكلام ده كبير يا ماجد بيه..” قال الظابط وهو بيقفل التليفون، “أبوك حسين الهواري، يعني راجل له وزنه وعلاقاته.. وإنت كدة بتهد المعبد على اللي فيه.”

“أنا عايز حقي وحق مراتي يا فندم.. المعبد ده مبني على الكدب والنفاق، وخلي اللي يقع يقع.” قلتها بكل ثبات.

الظابط هز راسه: “تمام.. هنعمل المحضر، والتسجيل ده هيروح للنيابة والبحث الجنائي يتأكد من صحته ومن عدم التلاعب فيه.. بس لازم تعرف إن أبوك بمجرد ما يشم خبر، هيحرك كل أوراقه ضدك.”

“أنا جاهز.”

خرجت من القسم وأنا حاسس إن جبل انشال من على صدري. أنا عملت الصح. الحق لازم يبان.

رجعت السيدة زينب بالليل، الساعة كانت حوالي ٩. دخلت الحارة، بس حسيت بحاجة غلط.. الحارة كانت زحمة بشكل مش طبيعي، والناس واقفة في مجموعات وبيتكلموا بصوت واطي ويبصولي بنظرات مليانة شفقة وخوف.

قلبي انقبض. جريت بسرعة نحو البيت. أول ما وصلت لمدخل البيت، لقيت كراسي مكسرة، ويافطة مطعم الست مديحة الصغيرة اللي تحت البيت مقلوبة ومكسرة نصين، والأكل مدلوق في الأرض!

“في إيه؟! إيه اللي حصل هنا؟!” صرخت في الناس.

طلعلي واحد من الجيران، راجل كبير وصاحب محل بقالة جمبهم: “الحق يا ماجد يا ابني.. من ساعة بالظبط، جوم ناس غريبة في عربيات دفع رباعي، معاهم بلطجية بأسلحة بيضاء.. كسروا مطعم الست مديحة، ودخلوا البيت ورا…”

مستنتش يكمل.. جريت على السلم زي المجنون. بطلع السلم درجتين درجتين وقلبي هيقف من الرعب. باب الشقة في الدور الثالث كان مفتوح.. ومكسور!

دخلت الشقة وأنا بصرخ: “ندى!!! أمي مديحة!!!”

الشقة كانت مقلوبة رأس على عقب.. التليفزيون مكسور، الكراسي متهدمة، الستائر مقطوعة. لقيت الست مديحة قاعدة في الأرض في الصالة، راسها بتنزف دم، وبتعيط بحرقة وتلطم على وشها.

جريت عليها وأنا بترعش: “أمي! أمي إيه اللي حصل؟! فين ندى؟! ندى فين؟!”

الست مديحة رفعت راسها وعينيها مليانة دموع ودم، وقالت بصوت يقطع القلب: “أخدوها يا ماجد.. أخدوا بنتي! جوم وكسروا الباب، وواحد منهم مسكني ضربني على راسي، وشالوا ندى وهي بتصرخ وتستغيث بيك.. أخدوها وقالولي قولوا لماجد.. أبوك بيقولك الساعة بقت ٩.. وإنت تأخرت عن الميعاد!”

حسيت إن الأرض بتلف بيا. أبويا نفذ تهديده.. خطف مراتي!

في نفس اللحظة، تليفوني رن في جيبي. سحبته بسرعة وأنا إيدي بتتفاض من الرعب. كان رقم أبويا.

فتحت الخط وصرخت بكل صوتي: “يا كلاب!! ندى فين؟! لو لمستوا شعرة منها هقتلكوا!! هقتلك يا شريف!!”

جالي صوت من الناحية التانية.. بس مكنش صوت أبويا.

مكنش صوت شريف.

ولا صوت أمي.

كان صوت راجل غريب، صوته خشن وبارد، وفيه نبرة سخرية مرعبة.

“ماجد بيه؟” قال الصوت.

“إنت مين؟! فين ندى؟! أبويا فين؟!” صرخت فيه.

الراجل ضحك ضحكة خفيفة، وبعدين قال برزانة قاتلة: “أبوك؟ حسين بيه وشريف بيه دلوقتي في العناية المركزة بين الحيا والموت.. الفيلا بتاعت التجمع اتولعت فيها من نص ساعة، والبوليس مغرق المكان.”

اتسمرت في مكاني.. اللسان عجز عن النطق. “إنت.. إنت بتقول إيه؟!”

الراجل كمل كلامه وبنفس البرود: “المدام بتاعتك معايا.. بس هي مكنتش مخطوفة من رجالة أبوك يا ماجد بيه.. المدام هي اللي كلمتنا، وهي اللي رتبت لكل حاجة من أول ما رجعتوا السيدة.. ندى هانم طلعت مش سهلة خالص، وخلصت حقها وحق أمها وحقك إنت كمان من العيلة دي كلها في خبطة واحدة. ودلوقتي.. هي عايزاك تجيلها عشان تقفلوا الحساب القديم.. العنوان هيجيلك في رسالة.. ومتتأخرش، عشان ندى م بتحبش الانتظار.”

الخط قطع.

وقفت في وسط الشقة المهدومة، وتليفوني في إيدي، وصوت دقات قلبي واصل لودني. بصيت للست مديحة اللي كانت بتبصلي بذهول وعياطها وقف فجأة.

شاشة التليفون نورت.. وجاتلي رسالة فيها عنوان لمخزن قديم على طريق مصر الإسماعيلية الصحراوي، وتحتها جملة واحدة مكتوبة بخط ندى:

“أنا مستنياك يا ماجد.. عشان تشوف الوش الحقيقي للبنت اللي اتجوزتها شفقة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *