تزوجت ست كبيره
اتجوزت ست كبيرة ووحيدة علشان الفلوس وسقف أنام تحته… وبعد جنازتها، المحامي سلّمني صندوق وقال: “الحاجة نعمات قالت إن ده الشيء اللي إنت محتاجه فعلًا.”
لما اتجوزت نعمات الهانم، كان عندي خمسة وعشرين سنة… مفلس… غرقان ديون… وبنام في عربيتي النقل القديمة ورا سوبر ماركت في مدينة نصر.
هي كان عندها واحد وسبعين سنة.
أرملة.
هادية.
وعايشة لوحدها في فيلا قديمة راقية في مصر الجديدة.
ولأ… أنا ما اتجوزتهاش عن حب.
كنت بضحك على نفسي وأقول إنه مجرد “نجاة”. أستحمل كام سنة… أمثل دور الزوج المحترم… ولما تموت آخد البيت وأبدأ حياتي أخيرًا.
ماكنتش متخيل أبدًا إن نعمات كانت شايفاني على حقيقتي من أول يوم.
ورغم كده… عاملتني أحسن مما أستحق.
كانت تصحى بدري تعملي فطار قبل ما أنزل شغل. اشترتلي جزمة جديدة لما لاحظت إن جزمتـي القديمة مفتوحة من الجنب. وفي عز الشتا، لقيت بالطو جديد متعلّق جنب الباب.
قالت ببساطة: — البرد هيكسر عضمك بالجاكيت الخفيف ده.
لكن الحقيقة؟
أنا تقريبًا ماقدّرتش أي حاجة من دي.
عمري ما بصيت لنعمات كزوجة.
كنت ببصلها كعدّاد بينقص.
كل زيارة دكتور… كل علبة دوا فوق الترابيزة… كانت بالنسبالي تذكير إن كل حاجة هنا هتبقى بتاعتي قريب.
عارف قد إيه ده بشع دلوقتي.
بس وقتها؟ كنت مقتنع إني “واقعي”.
لحد صباح اليوم اللي وقعت فيه نعمات فجأة في المطبخ.
كنت بفتح التلاجة لما سمعت صوت جسمها وهو بيخبط في الأرض.
لما جريت عليها… كانت عينيها مفتوحة… لكن نفسها بيتسحب.
ماتت بعد تلات أيام.
في الجنازة، أهلها كانوا بيبصولي وكأني حشرة.
— نصّاب. — اتجوزها علشان الورث. — أخيرًا خد اللي عايزه.
والمضحك؟
إني كنت فاكر فعلًا إني كسبت.
لحد ما قعدت في مكتب المحامي.
ريحة الورق القديم والقهوة الباردة مالية المكان. والمحامي، راجل أصلع بنضارة رفيعة، فتح الوصية وبدأ يقرا.
الفيلا راحت لبنت أختها.
معظم الفلوس راحت لجمعيات خيرية ومستشفى سرطان أطفال.
وأنا؟
ماخدتش ولا جنيه.
حسّيت بطني بتقع.
— إيه؟ قلت الكلمة وأنا مش مستوعب.
لكن المحامي ما اتأثرش. بس مد إيده بهدوء تحت المكتب… وطلع صندوق جزم قديم.
وحطه قدامي.
كان اسمي مكتوب فوقه بخط نعمات المرتعش.
قطبت حاجبي. — ده إيه؟
بصلي المحامي بهدوء وقال: — الحاجة نعمات قالت: “ده الشيء اللي هو محتاجه فعلًا.”
إيدي بدأت ترتعش وأنا برفع الغطا.
وأول حاجة شوفتها جوا… خلّت الدم يتجمد في عروقي.
كانت صور.
صور ليا.
عشرات الصور.
أنا وأنا نايم في عربيتي زمان. أنا وأنا باكل من عربية فول في الشارع. أنا وأنا واقف قدام البنك يوم ما اتحجز على حسابي. أنا وأنا ببكي جوه العربية بعد ما شركة المقاولات طردتني.
كل لحظة كنت فاكر إن محدش شافني فيها…
كانت نعمات شايفاها.
تحت الصور كان في ظرف أبيض.
فتحته بإيد مرتجفة.
وكانت الرسالة بخطها:
“يا كريم…أنا …“يا كريم…
لو إنت بتقرا الرسالة دي… يبقى أنا خلاص مشيت، ويمكن لأول مرة في حياتك تبقى لوحدك بجد.
عارفة إنك كنت فاكر إنك أذكى مني.
وإن الست العجوز اللي اتجوزتها كانت مجرد محطة مؤقتة في حياتك.
لكن الحقيقة يا ابني… إني شفتك من أول يوم دخلت فيه بيتي.
شفت الجوع اللي مستخبي ورا عنيك.
وشفت القهر.
وشفت الولد اللي الدنيا دعسته لدرجة إنه بقى مستعد يبيع آخر جزء نضيف جواه علشان ينجو.
أنا ما اتخدعتش بيك.
أنا اخترتك.
أيوه… اخترتك بإرادتي.
لأن أول مرة شوفتك فيها، كنت واقف قدام الفرن اللي جنب الكنيسة، بتحاول تقنع الراجل يديك رغيفين بالدين.
ولما الراجل زعقلك… مشيت من غير ما تشتمه.
فضلت رافع راسك رغم الذل.
وقتها افتكرت ابني.
ابني الوحيد “شريف”.
كان عنده تقريبًا نفس نظرتك…
نفس الإصرار الغاضب اللي بيحاول يخبي انكساره.
شريف مات من خمسة عشر سنة.
حادثة عربية.
ومن يومها والبيت بقى قبر كبير.
الناس كانت فاكرة إني محتاجة زوج.
لكن الحقيقة؟
أنا كنت محتاجة صوت نفس تاني في البيت.
حد يفتح باب الجنينة الصبح.
حد يخبط بالكوباية بالغلط.
حد يخلي المكان يحس إنه عايش.
يمكن إنت ماحبتنيش…
بس أنا حبيتك بطريقتي.
كل الصور اللي في الصندوق دي… علشان تعرف إن كان في حد شايفك طول الوقت.
حتى في أسوأ لحظاتك.
حتى وإنت فاكر نفسك مالكش قيمة.
كنت أبعت البواب يراقبك أحيانًا لما تختفي يومين.
كنت بخاف تكون مت في العربية ومحدش ياخد باله.
يوم ما الشركة طردتك، قعدت مستنياك لحد الفجر.
دخلت البيت عامل نفسك قوي… لكني سمعتك وإنت بتعيط في الحمام.
وساعتها عرفت إنك لسه ما بقيتش وحش بالكامل.
عارف ليه ما سبتلكش الفلوس؟
لأن الفلوس هي اللي خلتك تضيع نفسك من البداية.
إنت مش محتاج ميراث.
إنت محتاج فرصة ترجع إنسان تاني.
علشان كده… فتّح قاع الصندوق.”
وقفت قراية والعرق ساقع على ضهري.
بصيت جوه الصندوق تاني.
كان في لوح خشب رفيع مغطي القاع.
شيلته بإيدي المرتعشة…
ولقيت تحت منه مفتاح صغير… ومظروف تاني.
فتحته بسرعة.
“العمارة اللي في شارع عثمان ابن عفان باسمك.
مش الفيلا…
الفيلا عمرها ما كانت مهمة.
العمارة فيها عشر شقق قديمة فوق بعض.
الدور الأرضي فيه ورشة مقفولة.
زمان شريف كان نفسه يحولها لمكان يأوي الشباب اللي مالهمش بيت.
بس مات قبل ما يعمل ده.
لو لسه جواك ذرة آدمية…
كمّل الحلم بداله.
ولو قررت تبيع المكان وتاخد الفلوس؟
مش هلومك.
الدنيا كانت قاسية عليك بما فيه الكفاية.
بس يا كريم…
لأول مرة في حياتك…
حاول تبقى الشخص اللي كنت محتاجه وإنت صغير.”
ماحستش بنفسي غير وأنا ببكي.
مش البكا اللي بيتحكم فيه الواحد.
لا…
البكا اللي بيطلع من مكان مدفون جواك بقاله سنين.
المحامي كان ساكت.
اداني مفتاح تاني وقال بهدوء:
— الحاجة نعمات سابتلك كمان ده.
— إيه ده؟
— مفتاح الورشة.
خرجت من المكتب وأنا مش شايف قدامي.
القاهرة كانت زحمة كعادتها.
الكلاكسات…
ريحة العادم…
صوت البياعين…
كل حاجة زي ما هي.
بس أنا؟
أنا ماكنتش نفس الشخص.
وصلت العمارة وقت المغرب.
عمارة قديمة في مصر الجديدة.
دهانها باهت.
السلم رخامه متشقق.
بس واقفة بعناد وسط العمارات الحديثة كأنها بترفض تموت.
طلعت المفتاح وفتحت الورشة.
ريحة تراب وخشب قديم ضربت وشي.
المكان كان مليان كراتين وصور وأدوات نجارة صدية.
وفي الركن…
لقيت مكتب صغير فوقه كشكول أسود.
فتحته.
وكان خط شريف.
“مشروع بيت الأمان.”
قلبي دق بعنف.
الدفتر كان مليان خطط.
رسومات.
أفكار لمكان يستقبل الشباب المشردين ويوفرلهم شغل وسكن مؤقت.
وفي آخر صفحة…
جملة متسطرة بالقلم الأحمر:
“أي حد ممكن يبقى وحش… لو فضل جعان وخايف وقت كفاية.”
قفلت الدفتر ببطء.
الجملة خبطتني في قلبي مباشرة.
لأن دي كانت حكايتي أنا.
أنا ما اتولدتش نصاب.
الدنيا هي اللي سحلتني حتة حتة لحد ما بقيت مستعد أتجوز ست كبيرة مستني موتها.
وفجأة…
الحاجة نعمات كانت شايفة ده كله.
شايفة القرف اللي بقيت فيه…
وبرضه قررت تديني فرصة أخيرة.
في الليلة دي…
نمت لأول مرة من سنين من غير خوف.
مش في عربية.
ولا وأنا خايف من صاحب دين يخبط عليا.
ولا خايف من بكرة.
نمت فوق مكتب خشب قديم في ورشة ترابها مالي هدومي…
لكن لأول مرة حسيت إن عندي بيت فعلًا.
وفي نص الليل…
صحيت على صوت خبط خفيف على باب الورشة.
فتحت الباب لقيت ولد صغير…
يمكن عنده ١٤ سنة.
هدومه متبهدلة.
وشه مليان تراب.
وعينه فيها نفس الجوع اللي كان في عيني زمان.
قال بصوت مكسور:
— عمو… هو المكان ده لسه بيوزع أكل؟
فضلت باصصله ثواني طويلة.
وبعدين…
افتكرت نعمات.
افتكرت شريف.
وافتكرت نفسي.
فتحت الباب على آخره وقلت:
— ادخل يا ابني.
ويمكن…
دي كانت أول مرة في حياتي…
أعمل حاجة مش ..
يتبع
الفصل الثاني
الولد دخل الورشة وهو متردد، كأنه متعود إن أي باب بيتفتحله ممكن يتقفل في وشه في أي لحظة.
كان جسمه رفيع زيادة عن اللزوم، وشعره منكوش بطريقة تدل إنه بقاله أيام ما لمسش مية. التيشيرت الرمادي اللي لابسه كان أوسع منه بدرجتين، ومقطوع عند الكتف، وفي رجله شبشب بلاستيك قديم.
وقف عند الباب وهو بيبص حواليه بحذر.
قلتله بهدوء: — اسمك إيه؟
تردد شوية قبل ما يرد: — يوسف.
— جعان؟
هز راسه بسرعة، بس بعزة نفس غريبة.
مشيت ناحية التلاجة الصغيرة اللي في آخر الورشة. ماكانش فيها غير جبنة وطماطم ونص رغيف عيش بايت وزجاجة مية.
عملتله ساندويتشين وحطيتهم قدامه.
الواد بص للأكل كأنه مش مصدق. وبعدين فجأة… خطف أول ساندويتش وبدأ ياكل بسرعة مرعبة.
اللقمة كانت بتقطع نفسه. وشه كله خوف. كأنه مقتنع إن حد هيدخل دلوقتي ياخد الأكل منه.
وقفت أبصله وأنا حاسس بحاجة بتعصر قلبي.
أنا كنت كده زمان.
يمكن أسوأ.
كنت عارف شكل الإنسان لما الجوع يذله.
بعد ما خلص، شرب المية دفعة واحدة ومسح بقه بضهر إيده.
قلتله: — إنت قاعد في الشارع؟
سكت شوية. وبعدين قال: — من شهرين.
— وأهلك؟
عينيه اتحولت لحجر. — ماتوا.
ماعرفتش أقول إيه.
قعدت على الكرسي الخشب قدامه وأنا حاسس بثقل غريب جوا صدري.
الورشة كانت ساكتة إلا من صوت المروحة القديمة اللي بتزيق فوقنا. ريحة الخشب والتراب والدهان القديم مالية الجو.
يوسف بصلي فجأة وقال: — إنت صاحب المكان؟
اتلجلجت للحظة.
أنا نفسي ماكنتش فاهم إذا كنت فعلًا “صاحب” أي حاجة. كل اللي أعرفه إني من يومين بس كنت مستني ست عجوز تموت علشان آخد بيتها.
قلت بهدوء: — تقريبًا.
هز راسه كأنه مش مهتم، وبعدين قال: — هو أنا ممكن أنام هنا الليلة؟
السؤال ضربني بقوة.
لأن دي نفس الجملة اللي قلتها لراجل غريب من سبع سنين لما كنت بنام في مواقف العربيات.
“ممكن أنام هنا الليلة؟”
وقتها الراجل طردني وشتم أمي.
بصيت ليوسف طويل. وبعدين قلت: — ممكن.
الواد ما ابتسمش. بس كتافه نزلت لتحت فجأة… كأن جسمه كله أخيرًا صدق إنه آمن.
اليوم اللي بعده صحيت على صوت حركة خفيفة.
فتحت عيني لقيت يوسف بينضف الورشة.
كان ماسك مقشة قديمة وبيكنس التراب من غير ما يطلب منه حد.
قلتله باستغراب: — بتعمل إيه؟
ارتبك فورًا. — آسف… صحيت بدري فقولت أنضف شوية.
بصيتله كام ثانية. وبعدين لأول مرة من شهور… ابتسمت.
ابتسامة حقيقية.
قلت: — تعالى نفطر الأول.
نزلنا اشترينا فول وطعمية من العربية اللي تحت العمارة. والراجل بتاع الفول كان بيبصلي باستغراب.
يمكن علشان أول مرة يشوفني ماشي مع حد.
أو يمكن علشان شكلي بقى مختلف فعلًا.
بعد الفطار طلعت الورشة تاني، وفضلت أبص حواليا.
المكان كان مليان حياة قديمة.
صور لشريف وهو صغير. خشب متراكم. دواليب صدية. وورق كتير جدًا.
فتحت كرتونة قديمة ولقيت ملفات المشروع.
“بيت الأمان.”
كل صفحة كانت مليانة تفاصيل. إزاي يحولوا العمارة لمكان للشباب اللي مالهمش مأوى. ورش تدريب. أوض نوم. مطبخ صغير. حتى أسماء جمعيات تساعدهم.
قعدت بالساعات أقلب في الورق.
وكل ما أقرا أكتر… كل ما أحس إني بصغر.
شريف كان ابن ناس أغنيا. ومع ذلك كان بيفكر في الناس اللي في الشارع.
وأنا؟ أنا كنت مستعد أبيع روحي علشان أهرب من الشارع.
يوسف كان قاعد في الركن ساكت. وفجأة قال: — إنت هتعمل المكان ده؟
بصيتله.
السؤال خوّفني.
لأني ماكنتش أعرف.
المكان محتاج فلوس. وترميم. وشغل. وأنا أصلًا لسه مديون.
قلت ببطء: — معرفش.
يوسف هز كتفه وقال: — لو اتعمل… ناس كتير هتتبسط.
وبعدين رجع يبص للأرض.
الجملة البسيطة دي فضلت ترن في دماغي طول اليوم.
بعد العصر، سمعت صوت عربية فخمة وقفت قدام العمارة.
بصيت من الشباك… ولقيت بنت نازلة من عربية مرسيدس سودا.
لابسة نضارة شمس كبيرة وبدلة شيك. وشها كان مألوف.
قلبي وقع لما عرفتها.
“داليا.”
بنت أخت نعمات.
اللي خدت الفيلا.
طلعت السلم بالكعب العالي وهي باصة حوالين المكان بقرف واضح.
أول ما دخلت الورشة، شالت النضارة وقالت ببرود: — كنت عارفة إني هلاقيك هنا.
وقفت قدامها وأنا متوتر. — خير؟
بصت ليوسف الأول. وبعدين رجعتلي. — ممكن نتكلم لوحدنا؟
يوسف فهم وسابنا فورًا.
داليا فضلت واقفة تبصلي ثواني. وبعدين قالت: — كنت مستنية تبيع العمارة بسرعة.
ضحكت بسخرية مريرة. — وأنا كنت مستني آخد الفيلا.
ملامحها ما اتحركتش. — طنط نعمات كانت أذكى مننا كلنا.
سكتنا لحظة.
وبعدين قالت: — إنت فاكر إنها ماكنتش عارفة إنك اتجوزتها علشان الفلوس؟
ماقدرتش أبصلها.
قالت بهدوء غريب: — هي قالتلي قبل ما تموت إنك أكتر شخص محتاج الرحمة شافته في حياتها.
الكلمة خبطتني.
“الرحمة.”
أنا؟
الإنسان اللي كان مستني موتها؟
داليا فتحت شنطتها وطلعت ملف. — دي أوراق العمارة. الضرائب متدفعتش بقالها سنين. وفي مقاول عايز يشتريها.
قلبي دق بسرعة. — يعني إيه؟
— يعني لو مش هتدفع المتأخرات خلال شهر… هتخسر المكان كله.
حسيت الأرض بتميد بيا.
— والمبلغ كام؟
قالت الرقم.
وكنت حاسس كأن حد ضربني في بطني.
مبلغ مستحيل بالنسبة ليا.
ضحكت بمرارة ومسحت وشي. — خلاص. يبقى أبيعها.
داليا فضلت باصةلي شوية. وبعدين قالت: — كنت عارفة إنك هتقول كده.
لفت علشان تمشي… لكنها وقفت عند الباب وقالت من غير ما تبصلي: — بس لو بعت المكان… يبقى طنط نعمات كانت غلطانة فيك فعلًا.
وسابتني ومشيت.
فضلت واقف مكاني مدة طويلة.
حاسس إني مخنوق.
أنا طول عمري كنت بجري ورا النجاة. أي فرصة فلوس كنت باخدها. أي مخرج من الفقر كنت بتعلق فيه.
ليه دلوقتي القرار بقى صعب؟
ليه لأول مرة الفلوس مش باينة أهم حاجة؟
بصيت ناحية الركن اللي يوسف قاعد فيه.
كان نايم وهو حاضن شنطة هدومه الصغيرة.
خايف حد يسرقها.
وفجأة… افتكرت نفسي وأنا في سنه.
ونفس الرعشة عدت في جسمي.
في الليل، ماعرفتش أنام.
قعدت على سطح العمارة أبص للقاهرة.
المدينة كانت منورة وزحمة حتى بعد نص الليل. صوت الكلاب. الميكروباصات. ريحة الدخان.
وفجأة حسيت بحاجة غريبة.
وحدة.
وحدة حقيقية.
أول مرة نعمات ما تبقاش موجودة في البيت. ولا صوتها. ولا ريحة القهوة بتاعتها.
غمضت عيني… وافتكرتها وهي بتحطلي الطبق قدامي وتسألني: “أكلت كويس يا كريم؟”
حاجة بسيطة جدًا.
لكن محدش سألني السؤال ده من سنين.
لقيت دموعي بتنزل فجأة.
بسرعة مسحتها بعصبية.
لكن الصوت اللي طلع ورايا جمدني: — البكا على الميت مش عيب.
لفيت بسرعة.
كان عم سيد البواب.
واقف ماسك كوباية شاي.
قعد جنبي بهدوء وقال: — الحاجة نعمات كانت بتحبك أوي.
ضحكت بسخرية موجوعة. — كانت غبية.
هز راسه. — لا. كانت شايفة اللي جواك.
سكت شوية وبعدين قال: — قبل ما تموت بأسبوع، قالتلي: “كريم عامل زي البيت المكسور… الناس شايفة الخراب، بس أنا شايفة إنه لسه واقف.”
الكلمات دخلت جوايا زي السكينة.
عم سيد شرب رشفة شاي وقال: — متضيعش آخر حاجة سابتهالك.
وبعدين قام ونزل.
وسابني لوحدي مع دماغي.
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت خناق تحت العمارة.
نزلت بسرعة.
ولقيت تلات شباب كبار محاوطين يوسف.
واحد منهم شد الشنطة من إيده وهو بيضحك: — هات اللي سرقته يا ابن الكلب.
يوسف كان مرعوب. — والله ما سرقت حاجة!
جريت ناحيتهم من غير تفكير. — في إيه؟
الواد اللي ماسك الشنطة بصلي باستهزاء. — وإنت مالك؟
يوسف صرخ: — دول تبع المعلم ربيع… عايزين ياخدوني.
قلبي اتقبض.
أنا أعرف النوعية دي.
شباب بيشغلوا الأطفال في السرقة والتسول.
الواد الكبير قرب مني وقال: — اسمع يا باشا… الواد ده عليه فلوس.
قلت بحدة: — طفل عليه فلوس إيه؟
ابتسم ابتسامة قذرة. — كلنا بندفع تمن الأكل والنوم.
يوسف كان بيرتعش.
وفجأة حسيت بحاجة سوداء بتطلع جوايا.
غضب.
غضب قديم جدًا.
مسكت الشاب من قميصه وزقيته بعنف. — غور من هنا.
هو اتصدم ثانية… وبعدين ضربني.
وللحظة… رجعت كريم القديم.
العنيف. المكسور. اللي عاش في الشارع.
الخناقة انفجرت.
لكمات. شتايم. دم.
وفي الآخر الشباب جريوا.
كنت واقف بنهج والدم نازل من شفايفي.
يوسف كان بيبصلي بصدمة.
وقال بصوت صغير: — إنت رجعت علشاني.
الجملة وقفت الزمن للحظة.
لأني طول عمري… ماحدش رجع علشاني.
بصيتله وأنا بحاول أتنفس. وبعدين قلت: — طول ما إنت هنا… محدش هيلمسك.
والغريب؟
إني كنت أقصدها فعلًا.
نهاية الفصل الثاني
الفصل الثالث
طول ما إنت هنا… محدش هيلمسك.
الجملة خرجت مني وأنا مش فاهم أنا بوعده بإيه بالظبط. أنا اللي عمري ما قدرت أحمي نفسي، واقف فجأة قدام ولد شوارع مرعوب وبقوله إن المكان ده أمان. يمكن كنت بكذب عليه. يمكن كنت بكذب على نفسي. بس في اللحظة دي، وأنا شايف عينيه وهي بتتعلق فيا كأنه لقى حيطة يستند عليها بعد شهور من الجري، حسيت إن الكذبة دي لازم تتحول لحقيقة حتى لو كسرت ضهري.
يوسف ما ردش. كان واقف ماسك شنطته الصغيرة بإيده الاتنين، ووشه شاحب، وشفايفه بتترعش. نزلت لمستوى عينه وقلت بصوت أهدى: — متخافش.
قال بصوت مبحوح: — هما هيرجعوا.
كنت عارف إنهم هيرجعوا. النوع ده ما بيسيبش حد يهرب بسهولة، خصوصًا لو طفل كان بيجيبله فلوس. ومع ذلك قلت: — لما يرجعوا هيلاقوا راجل واقف.
بصلي كأنه مش مصدق كلمة “راجل” دي طالعة مني. يمكن أنا كمان ماصدقتهاش.
طلعته فوق الورشة وقفلت الباب بالمفتاح. الدم كان ناشف على شفايفي، وكتفي بيوجعني من الضربة اللي خدتها، بس الوجع الحقيقي كان في صدري. فتحت الحنفية الصغيرة اللي في الحمام ونضفت وشي. يوسف كان واقف ورايا ساكت، وبعد لحظة مد إيده بمنديل ورق قديم كان مطبق في جيبه.
خدت المنديل منه وابتسمت رغم الألم. — إنت دايمًا شايل مناديل؟
قال ببساطة: — الواحد في الشارع لازم يبقى معاه حاجات تنفع.
الجملة كانت أكبر من سنه. طفل عنده أربعة عشر سنة بيتكلم كأنه عجوز اتعلم من الخسارة. قعدت على الكرسي، وهو قعد على الأرض قدامي. كان واضح إنه مستني أزعق، ألومه، أقول له إن مشاكله هتخرب عليا المكان. لكنه فوجئ بيا بسأله: — المعلم ربيع ده مين؟
وشه اتقفل. — واحد بيشغل العيال.
— في إيه؟
— أي حاجة. تسول. سرقة. توصيلات. مراقبة محلات. اللي يرفض يتضرب. واللي يهرب يرجعوه.
بلعت ريقي. — وإنت هربت؟
هز راسه. — أيوه.
— ليه؟
سكت طويل. بعدين قال: — علشان كان عايزني أعمل حاجة وحشة.
ما سألتش. عرفت من نظرته إن السؤال هيكسر فيه حتة مش مستعدة تتكسر. اكتفيت إني أقول: — خلاص. مش هترجعله.
ضحك ضحكة قصيرة من غير فرح. — هو مش بيسأل.
— وأنا كمان مش بسأل.
كانت أول مرة أحس إن صوتي فيه قوة مش جاية من الغضب، جاية من قرار.
بعد شوية، عم سيد البواب خبط ودخل، ولما شاف وشي اتنهد. — دخلت في خناقة؟
قلت: — كانت داخلة لحد عندنا.
بص ليوسف وفهم كل حاجة تقريبًا من غير ما حد يشرح. عم سيد كان من الناس اللي شافت القاهرة وهي بتاكل أولادها واحد واحد. قرب من الولد وقال: — تعالى يا بطل، أم سيد عاملة كشري. تاكل؟
يوسف بصلي يستأذن. الإحساس ده وجعني. طفل بقى محتاج إذن علشان ياكل. هزيتله راسي، فقام بخطوات مترددة ونزل معاه.
فضلت لوحدي في الورشة.
فتحت كشكول شريف تاني. قلبت الصفحات بعصبية، كأني بدور على إجابة. كان كاتب كل حاجة بدقة مدهشة: أعداد الأسرّة، تكلفة المراتب، اتفاقات مبدئية مع دكاترة متطوعين، أسماء أصحاب محلات وافقوا يدربوا الشباب، حتى جدول أسبوعي لتعليم القراءة والكتابة. كل ده كان حلم واحد مات قبل ما يشوفه.
وفي آخر الكشكول كان فيه ظرف صغير ملزوق في الغلاف. ماكنتش واخد بالي منه قبل كده. شديته بحذر وفتحته. لقيت صورة لشريف وهو واقف جنب نعمات في نفس الورشة، ماسك لافتة كرتون مكتوب عليها: “بيت الأمان… لكل اللي مالوش باب يخبط عليه.”
تحت الصورة، بخط نعمات، جملة صغيرة: “كان بيقول إن الباب اللي اتقفل في وش إنسان ممكن يفتح في وش عشرة غيره.”
حسيت إن الصور دي مش مجرد ذكريات. دي كانت وصية تانية. مش وصية قانونية. وصية قلب.
في المساء، رجع يوسف من عند عم سيد وشكله أخيرًا أكل كويس. أم سيد طلعت وراه بطبق فيه رز وبطاطس وحتة فراخ صغيرة، وقالتلي وهي بتحط الطبق: — الولد ده هيفضل هنا؟
قلت قبل ما أفكر: — أيوه.
بصتلي بنظرة طويلة. — يبقى لازم تعرف إن فتح الباب لواحد معناه إن التانيين هيشموا ريحة الأمان وييجوا.
قلت: — مش فاهم.
قالت: — الشارع مليان عيال يا كريم. واللي بيلاقي مكان دافي بيقول لغيره.
نزلت كلامها على قلبي زي التحذير. أنا لسه مش عارف أدفع ضرائب العمارة، ولسه مش عارف أحمي يوسف، ولسه مش عارف أنا نفسي هعيش منين. افتح الباب لغيره إزاي؟
لكن في نفس الليلة، الإجابة جت لوحدها.
الساعة كانت قربت من واحدة بعد نص الليل لما سمعنا خبط خفيف. يوسف اتنفض من النوم وجرى ناحية الحيطة. أنا مسكت عصاية خشب قديمة وقربت من الباب. الخبط اتكرر. صوت صغير قال: — يوسف؟
بصيت له. وشه اتغير. — دي مريم.
فتحت الباب بحذر. كانت بنت صغيرة، يمكن عندها عشر سنين، شعرها مربوط بتوكة مقطوعة، ولابسة جاكيت رجالي طويل عليها. كانت ماسكة إيد طفل أصغر منها، يمكن ست سنين، عينه وارمة من العياط.
يوسف جرى لها. — إنتي جيتي إزاي؟
قالت وهي بتنهج: — ربيع عرف إنك هنا. قال هيولع في المكان واللي فيه. وأنا هربت قبل ما يحبسونا.
الطفل الصغير استخبى وراها.
أنا وقفت حاسس إن أم سيد كانت بتتكلم عن اللحظة دي بالظبط. الباب اتفتح لواحد، والتانيين شموا ريحة الأمان.
مريم بصتلي بخوف وقالت: — إحنا مش هنقعد. بس يوسف قال قبل كده لو لقينا مكان نستخبى فيه نيجي هنا.
يوسف وطي عينه في الأرض، كأنه ارتكب جريمة.
كنت مفروض أزعق. أقوله إنت مالك توزع عنواني؟ إنت عارف أنا في إيه؟ لكن لما بصيت للبنت والطفل، لقيت نفسي مش قادر.
الطفل كان حافي.
رجليه مليانة تراب وجروح صغيرة.
فتحت الباب أكتر وقلت: — ادخلوا.
مريم ما دخلتش فورًا. سألت: — هتضربنا؟
الكلمة قطعتني.
قلت بصوت مكسور: — لا.
دخلوا.
في أقل من يومين، الورشة اللي كانت مقفولة بالتراب بقت فيها تلات عيال نايمين على بطاطين قديمة. يوسف، مريم، والطفل الصغير اللي اسمه آدم. وأنا واقف بينهم مش عارف أنا بقيت إيه. صاحب مكان؟ ولي أمر؟ مجنون بيجمع مصايب؟ ولا واحد بيحاول يكفر عن عمر كامل؟
الصبح بدري، خرجت أشتري عيش وجبنة. وأنا راجع لقيت داليا واقفة قدام العمارة.
نفس العربية الفخمة. نفس البرود. لكن المرة دي وشها كان فيه قلق.
بصت للكيس اللي في إيدي وبعدين للباب. — سمعت إن حصل خناقة هنا امبارح.
قلت: — أخبارك بتوصلك بسرعة.
— المنطقة كلها بتتكلم. إنت دخلت نفسك في سكة مش بتاعتك.
ضحكت بمرارة. — وإيه السكة اللي بتاعتي؟ إني أبيع العمارة وأرجع أنام في عربيتي؟
سكتت. يمكن الجملة لمستها.
قالت: — طنط نعمات كانت طيبة، بس الطيبة مش خطة. العيال اللي إنت مخبيهم دول ممكن يجيبوا لك بوليس، بلطجية، مشاكل، قضايا. إنت مش مؤسسة مرخصة. إنت واحد عليه ديون.
— عارف.
— طيب بتعمل كده ليه؟
السؤال طلع بسيط، لكني ماعرفتش أجاوب بسرعة.
بصيت ناحية شباك الورشة. كان آدم واقف ورا الإزاز المكسور بيبص علينا. أول ما شافني بصيتله استخبى.
قلت: — علشان حد زمان كان لازم يعملهالي وماعملهاش.
داليا اتلخبطت لحظة. وشها اللين ظهر ثانية، وبعدين اختفى بسرعة. — المتأخرات لازم تتدفع خلال شهر.
— عارف.
— والمقاول اللي عايز يشتري العمارة مش هيستنى.
— عارف.
— وهو مش راجل سهل يا كريم.
رفعت عيني ليها. — تقصدي إيه؟
اترددت. — اسمه شوقي العتال. بيشتري عمارات قديمة، يطلع سكانها بأي طريقة، ويهدمها. طنط نعمات كانت رافضة تبيعله سنين. بعد موتها، افتكر إنك هتبقى أسهل واحد يضغط عليه.
حسيت ببرودة في ضهري. — وهو له علاقة بربيع؟
داليا بصتلي بسرعة. السكوت جاوب.
ضحكت وأنا بفهم. — يعني البلطجية اللي جم ليوسف ممكن ما يكونوش بس علشان يوسف؟
قالت: — ممكن. وممكن لا. بس وجود العيال هنا هيديله سبب يخليك تبان غلطان.
ساعتها فهمت اللعبة. المكان مش بس حلم نعمات وشريف. المكان أرض. والأرض في مصر الجديدة تساوي ملايين. وأنا، الفقير اللي محدش يحترمه، بقيت فجأة واقف في طريق ناس أقوى مني.
داليا قربت خطوة وقالت بصوت منخفض: — بيع يا كريم. خُد فلوسك وابدأ من جديد. طنط نعمات مش موجودة علشان تزعل.
بصيتلها طويل. — بس أنا موجود.
ما ردتش.
مشيت وسابتني، لكن نظرتها فضلت وراها. نظرة واحدة مش عارفة تحترمني ولا تشفق عليا.
دخلت الورشة ولقيت مريم واقفة في نص المكان ماسكة مقشة. يوسف بيحاول يصلح قفل الباب. آدم قاعد يرسم على كرتونة قديمة. تلات أطفال مرعوبين، ومع ذلك بدأوا يتحركوا كأن المكان بيتهم.
حطيت الأكل وقلت: — بعد الفطار هننضف المكان بجد.
يوسف رفع راسه. — يعني هنقعد؟
بصيتله. — هنحاول.
الكلمة كانت صادقة. ماوعدتهوش بالنصر. وعدته بالمحاولة.
وبدأنا.
اليوم ده كان أول يوم الورشة تتنفس من سنين. فتحنا الشبابيك. طلعنا الكراتين. رمينا الخشب المتعفن. مريم طلعت شاطرة في الترتيب بشكل غريب. كانت تقسم الحاجة: ده ينفع، ده يتباع خردة، ده يتغسل. يوسف كان قوي رغم سنه، بيشيل معايا. آدم كان صغير، فكان شغله يمسح التراب من الصور ويقعد يسأل: — ده مين؟
كنت أقول: — شريف.
— مات؟
— أيوه.
— كان طيب؟
بصيت لصورة شريف وهو مبتسم جنب أمه. — أظن.
آدم قال ببساطة: — يبقى هو في الجنة.
ماعرفتش أرد. الأطفال ساعات بيقولوا جمل كبيرة كأنهم بيحطوا ضمادة على جرح مش فاهمينه.
بعد يومين من التنضيف، الورشة بقت مختلفة. لسه فقيرة. لسه محتاجة دهان وأثاث وتصليح. لكن بقى فيها مساحة. بقى فيها ركن للنوم، ركن للأكل، وركن حطيت فيه كشكول شريف والصورة. علقتها على الحيطة بمسمار صدئ. تحتها كتبت على ورقة بيضا: “بيت الأمان.”
لما علقتها، يوسف وقف جنبي وقال: — بقت حقيقة؟
قلت: — لسه.
قال: — بس ليها اسم.
ابتسمت. — الاسم بداية.
في نفس الليلة، عم سيد جاب راجل كهربائي يعرفه. الراجل بص للمكان وقال إن التوصيلات كارثة وإنه ممكن يعمل الأساسيات بسعر قليل. أم سيد جابت بطاطين قديمة. جارة في الدور التاني، ست اسمها مدام عواطف، نزلت ببرطمان مربى وهدوم ولادها القدام. في الأول كنت مستغرب. أنا طول عمري شايف الناس بتتفرج على الوجع وتمشي. لكن اكتشفت إن في ناس بتساعد لما تلاقي حد بدأ.
بس الخير ما بييجيش لوحده.
بعد أسبوع، جالي إنذار رسمي.
ورقة مختومة، مكتوب فيها إن المكان مخالف لاستخدامه كسكن أو مأوى، وإن في شكوى من سكان مجهولين بوجود “أطفال مشردين يهددون أمن العقار.”
كنت عارف إن مفيش سكان اشتكوا. عم سيد قالها بصراحة: — دي ريحة شوقي العتال.
مسكت الورقة وأنا حاسس إن الجدران بتقرب عليا. العيال كانوا بياكلوا في الركن. مريم لاحظت وشي. — هنمشي؟
قلت بسرعة: — لا.
بس صوتي ماكانش ثابت.
في اليوم اللي بعده، رحت الحي أسأل عن الإجراءات. اتعاملوا معايا كأني متسول داخل مكان غلط. موظف ورا شباك زجاجي بصلي من فوق لتحت وقال: — عايز تعمل مأوى؟ لازم جمعية، ترخيص، موافقات، حماية مدنية، صحة، تضامن، ورق كتير.
قلت: — طب أبدأ منين؟
قال بملل: — من إنك ما تبدأش.
الناس اللي ورايا ضحكوا.
خرجت من هناك وأنا حاسس بإهانة قديمة بتصحى. نفس الإحساس لما كنت واقف قدام البنك يوم ما حسابي اتحجز عليه. نفس الإحساس لما صاحب الشغل رمى ملفي وقاللي: “إنت خسارة فيك المرتب.” كنت على وشك أستسلم. أبيع. أهرب. أرجع لكريم القديم اللي بينجو لوحده.
لكن لما رجعت، لقيت آدم نايم على بطانية ونعمات في الصورة فوقه كأنها بتحرسه.
وقفت عند الباب طويل.
لا. مش ههرب.
فتحت تليفوني القديم واتصلت بداليا.
ردت بعد رنتين. — أيوه؟
قلت: — عايز أعرف أعمل جمعية إزاي.
سكتت. — إنت لسه مصر؟
— أيوه.
— ليه بتصعبها على نفسك؟
قلت وأنا ببص لصورة نعمات: — علشان هي طول عمرها كانت سهلة عليا، وأنا عمري ما استحقيت ده.
نفسها اتسمع في السماعة. — قابلني بكرة.
قفلت وأنا حاسس إن أول باب رسمي اتفتح، حتى لو فتحة صغيرة.
لكن قبل بكرة ما ييجي، الليل جاب الامتحان الحقيقي.
الساعة تلاتة الفجر، صحيت على ريحة دخان.
في الأول افتكرتها من الشارع. بعدين سمعت مريم بتصرخ: — نار!
قمت مفزوع.
الستارة القديمة جنب الباب كانت مولعة، والنار بتطلع بسرعة على الخشب المتراكم. يوسف كان بيحاول يطفيها بجردل مية، وآدم بيعيط في الركن.
جريت عليهم. شلت آدم وطلعته بره. رجعت وسط الدخان، عيني بتحرقني، وصدري بيتخنق. مريم كانت محشورة جنب الدولاب، بتكح ومش قادرة تتحرك. شديتها من إيدها، وفي اللحظة دي سمعت زجاجة بتتكسر بره.
حد رمى مولوتوف.
مش ماس كهربا. مش حادثة.
حد كان عايز يولع المكان بينا.
طلعت مريم بره، ورجعت ليوسف اللي كان مصمم يطفي النار. صرخت فيه: — اطلع!
قال: — الصور!
بصيت للحيطة. صورة شريف ونعمات كانت النار قربت منها.
يوسف جرى ناحية الصورة.
من غير تفكير جريت وراه. شديت الصورة من الحيطة، والنار لسعت إيدي. صرخت، بس مسكتها كويس. يوسف وقع من الدخان، فشيلته من قميصه وسحبته ناحية الباب.
طلعنا على السلم والناس بدأت تصرخ. عم سيد جاب طفاية قديمة. الجيران نزلوا بجراكن مية. بعد نص ساعة، النار اتلمت، بس الورشة اتشوهت. الحيطة اسودت. البطاطين اتحرقت. جزء كبير من الورق راح. لكن كشكول شريف كان في الدرج الحديد، ونجا.
قعدت على الرصيف قدام العمارة، ووشي أسود من الدخان، وإيدي محروقة، والعيال متجمعين حواليا.
يوسف كان بيبكي بصمت. — أنا السبب.
قلتله وأنا مش قادر أتنفس كويس: — لا.
— لو ماكنتش جيت هنا…
مسكته من كتفه. — بصلي.
بصلي.
قلت: — اللي يولع في بيت علشان طفل استخبى فيه هو السبب. مش الطفل.
الشرطة جت بعد ساعة. اتعاملوا مع الموضوع كأنه “حريق بسيط”. لما قلت إن حد رمى زجاجة، الظابط بصلي بملل: — عندك دليل؟
شاور عم سيد على كاميرا محل قدام العمارة. — الكاميرا جايبة الشارع.
وبالفعل، صاحب المحل طلع الفيديو.
كان واضح.
موتوسيكل وقف. راجل ملثم رمى الزجاجة. ومشي.
لكن قبل ما الظابط ياخد الفيديو، ظهر صوت من ورا: — خير يا جماعة؟ في مشكلة؟
كلنا بصينا.
راجل في الخمسينات، تخين، لابس بدلة غالية ضيقة عليه، وسلسلة دهب في رقبته. ابتسامته واسعة بس عينيه ميتة.
عم سيد همس: — شوقي العتال.
الراجل قرب مني كأنه يعرفني من سنين. — أستاذ كريم؟ البقاء لله في الحاجة نعمات. ست محترمة الله يرحمها.
ما رديتش.
بص للورشة المحروقة وقال بحزن تمثيلي: — يا خسارة. المكان قديم وخطر. أنا قولت قبل كده العمارة دي لازم تتهد قبل ما تموتوا تحتها.
قلت وأنا واقف بالعافية: — إنت اللي ولعتها؟
ضحك بصوت عالي. — إيه الكلام الكبير ده؟ خليك عاقل. أنا راجل أعمال. وبعدين إنت عندك عيال شارع هنا، ممكن أي واحد فيهم عملها.
مريم استخبت ورا أم سيد.
شوقي بص للعيال باشمئزاز. — شايف؟ دي مش بيئة. إنت محتاج تبيع وتريح نفسك وتريح الناس.
قرب مني وقال بصوت واطي ما يسمعوش غيري: — العرض بتاعي هيتخفض بعد اللي حصل. فكر بسرعة قبل ما يحصل أسوأ.
ساعتها، بدل ما أخاف، حصلت حاجة غريبة.
حسيت نعمات واقفة ورايا.
مش شبح. مش خيال. لكن إحساسها. طيبتها الصلبة. الهدوء اللي كان بيخليها أقوى من أي زعيق.
رفعت راسي وقلت بصوت عالي قدام الناس كلها: — العمارة مش للبيع.
ابتسامة شوقي اختفت ثانية، وبعدين رجعت. — هنشوف.
مشي.
والناس فضلت باصةلي.
أنا كنت مرعوب. أيوه. بس لأول مرة الخوف ماخلانيش أجري.
بعد ما الشرطة مشيت، وبعد ما الجيران طلعوا، داليا وصلت.
كانت لابسة على عجل، وشعرها مش مترتب، ووشها مخطوف. أول ما شافت الورشة، حطت إيدها على بقها. — يا نهار أسود.
بصتلي ولقت إيدي محروقة. — لازم تروح مستشفى.
قلت: — العيال الأول.
قالت بحزم: — كلكم.
في المستشفى، داليا اتصرفت كأنها شخص تاني. كلمت دكتور تعرفه. دفعت الحساب. جابت أكل للأطفال. ولما آدم نام على الكرسي، غطته بجاكيتها الغالي من غير ما تفكر.
كنت قاعد على سرير الكشف، والممرض بيلف شاش حوالين إيدي.
داليا وقفت قدامي وقالت: — أنا هساعدك في الورق.
بصيتلها بتعب. — ليه؟
اترددت. وبعدين قالت: — علشان طنط نعمات كانت أمي أكتر من أمي. وأنا كنت فاكرة إني بحافظ على ذكراها بأني آخد الفيلا. بس يمكن الذكرى الحقيقية كانت هنا.
سكتت شوية، وبعدين كملت: — وشوقي العتال لو عايز المكان يبقى أكيد فيه حاجة أكبر من مجرد عمارة قديمة.
الجملة فتحت في دماغي باب جديد.
فعلاً… ليه الإصرار ده كله؟ الأرض غالية، آه. لكن تهديد وحريق وبلطجية؟ لازم في سر.
رجعنا العمارة الفجر.
الورشة ماينفعش تنام فيها الليلة دي، فعم سيد فتح أوضة قديمة فوق السطح. فرشنا بطاطين، والعيال ناموا من التعب بسرعة. داليا فضلت واقفة عند الباب تبص عليهم.
قالت بهدوء: — يوسف شبهك.
استغربت. — شبهى إزاي؟
— عينه. عين واحد متعود يصدق إن محدش هيختاره.
الكلمة وجعتني.
قعدت جنب الباب، والصورة المحروقة الأطراف في إيدي. صورة نعمات وشريف. النار أكلت طرفها، بس وشوشهم لسه واضحة.
قلت: — أنا مش عارف أعمل ده.
داليا قعدت على الدرجة جنبي. — ولا أنا.
— أمال هنساعد إزاي؟
قالت: — خطوة خطوة.
بصيتلها، ولأول مرة ما شفتش بنت أخت نعمات اللي خدت الفيلا. شفت واحدة ضايعة بطريقتها. يمكن كلنا كنا بندور على بيت، حتى اللي عندهم فلوس.
في الصباح، نزلت الورشة لوحدي. الدخان لسه ريحته موجودة. كل حاجة سودة. لكن وسط السواد، لقيت كشكول شريف في الدرج الحديد.
فتحته.
آخر صفحة سليمة كانت مكتوب فيها:
“لو المكان اتحارب، يبقى بدأ ينجح. لأن الأمان بيخوف اللي عايشين على خوف الناس.”
قعدت على الأرض وسط الرماد وضحكت.
ضحكة تعبانة، موجوعة، بس حقيقية.
رفعت عيني للحيطة المحروقة وقلت بصوت واطي: — حاضر يا حاجة نعمات. هنكمل.
وفي اللحظة دي سمعت صوت يوسف من الباب: — إحنا هننضف تاني؟
ورا يوسف كانت مريم ماسكة جردل. وآدم ماسك فوطة أكبر منه. وعم سيد شايل علبة دهان قديمة. وأم سيد وراهم بصينية شاي.
حتى داليا كانت واقفة على السلم، لابسة كوتشي بدل الكعب، وشايلة ملفات.
بصيت لهم كلهم.
وكان قلبي، لأول مرة من سنين، مش حاسس إنه لوحده.
قمت من وسط الرماد، مسحت إيدي في بنطلوني، وقلت: — أيوه. هننضف تاني.
يوسف ابتسم.
ابتسامة صغيرة جدًا.
لكنها كانت كفاية تخليني أصدق إن بيت الأمان… اتولد فعلًا من وسط الحريق.
يتبع
الفصل الرابع
بيت الأمان اتولد من وسط الحريق…
بس الحقيقة إن أي حاجة بتتولد وسط النار لازم تتحارب علشان تعيش.
بعد الحريقة بثلاث أيام، ريحة الدخان كانت لسه ماسكة في الحيطان رغم التنضيف والدهان. إيدي المحروقة بقت ملفوفة بشاش أبيض، وكل ما أحاول أشيل حاجة تقيلة الألم يضرب لحد كتفي، لكني ماكنتش قادر أقعد. كأن الوقوف نفسه بقى نوع من المقاومة.
الصبح كان بيبدأ بدري جدًا.
يوسف يصحى الأول. ينزل يجيب عيش من الفرن. مريم تكنس الأرض. آدم يقعد يرسم على الكراتين اللي لسه ما اترمتش.
أما أنا… فكنت ببص للمكان كل يوم وأشوفه بيتحول بالتدريج من ورشة مهجورة لحاجة شبه الحياة.
داليا بدأت تيجي تقريبًا يوميًا. وفي أول مرة شفتها داخلة شايلة ملفات وكوبايات قهوة ولبس بسيط بدل هدومها الغالية، حسيت إن الدنيا فعلًا بتتغير بطرق غريبة.
يوسف همسلي وقتها: — هي غنية قوي؟
ضحكت. — أظن.
قال وهو مركز معاها: — ليه بتيجي هنا؟
ماعرفتش أجاوبه فورًا.
لأن السؤال كان جوايا أنا كمان.
ليه واحدة عندها كل حاجة تيجي تقعد وسط دخان وتراب وعيال شارع؟
لكن وأنا ببصلها وهي قاعدة على الأرض وسط الورق، وشعرها مربوط بعشوائية، وعينيها مركزة في ملفات التراخيص… افتكرت نعمات.
يمكن الطيبة معدية فعلًا.
في يوم، داليا رمت قلمها بعصبية وقالت: — الموضوع أصعب مما تخيلت.
كنت بقفل شباك مكسور. — يعني؟
— يعني علشان المكان يبقى قانوني، محتاجين جمعية رسمية، وموافقات، وتبرعات، وفحص هندسي للعمارة… غير إن في ناس بدأت تعترض.
وقفت أبصلها. — مين؟
بصتلي بتردد. — شوقي العتال مش ساكت.
اتنهدت.
طبعًا.
راجل زي ده مش هيسيبنا نلعب في الأرض اللي عايزها.
قالت: — في محامي صاحبه قدم بلاغ إن المكان بيأوي أطفال هاربين وبيستغلهم.
ضحكت بذهول. — بيستغلهم؟
— أيوه.
يوسف كان سامع من بعيد. وشه اتغير فورًا.
قرب وقال بخوف: — هما هيخدونا؟
ركعت قدامه بسرعة. — لا.
— بس البوليس لو جه…
مسكت كتفه. — طول ما أنا موجود محدش هيقربلكم.
الجملة دي بقيت تتكرر كتير. ومع كل مرة كنت بحس إني بحاول أقنع نفسي بيها أكتر منهم.
بعد يومين، حصل اللي كنت خايف منه.
عربية شرطة وقفت قدام العمارة.
آدم أول ما شافها استخبى تحت الترابيزة.
مريم وشها اصفر. أما يوسف… فوقف قدام الباب كأنه مستعد يتسحب في أي لحظة.
نزلت بسرعة.
اتنين أمناء شرطة وواحد ببدلة رسمية طلعوا السلم.
الراجل بص حوالين المكان باشمئزاز وقال: — مين المسؤول هنا؟
قلت: — أنا.
طلع ورقة. — في بلاغ إنك جامع أطفال مشردين بشكل غير قانوني.
قلت بهدوء بالعافية: — الأطفال دول مالهمش حد.
قال ببرود: — وده مش معناه إنك تحتجزهم.
الغضب بدأ يغلي جوايا. — تحتجزهم إيه؟ دول قاعدين بإرادتهم.
الراجل لف بعينه على المكان. — فين أسرتهم؟
سكت.
لأن الحقيقة؟ مافيش.
قال: — يبقى لازم يتحولوا للرعاية.
يوسف صرخ فجأة: — لأ!
كلنا بصيناله.
كان واقف ووشه أحمر وعينه مليانة دموع. — مش هرجع الشارع!
الراجل اتضايق. — وطي صوتك يا ولد.
يوسف رجع لورا فورًا، كأن الخوف القديم شدّه من رقبته.
قبل ما أتكلم، داليا دخلت.
لابسة بدلة رسمية المرة دي، وماسكة ملف.
قالت بثبات: — الأطفال دول تحت متابعة إجراءات حماية مؤقتة لحين تسجيل الجمعية، والمحامي بتاعنا هيقدم الأوراق النهارده.
الراجل بص لها باستغراب. واضح إنه اتلخبط أول ما شاف واحدة من الطبقة اللي بيحترموها.
داليا كملت: — ولو في أي إجراء رسمي، يبقى عن طريق النيابة والطفولة، مش بالطريقة دي.
فضل ساكت لحظة. وبعدين قال: — إحنا مجرد بنتأكد.
قلت بحدة: — اتأكدتوا؟
بصلي ببرود ومشي.
لكن قبل ما ينزل السلم، لف وقال: — خلي بالك يا أستاذ كريم… اللي يدخل نفسه في لعب أكبر منه بيتكسر.
وسابنا.
أول ما الباب اتقفل، آدم خرج من تحت الترابيزة وهو بيعيط. جري عليا وحضني بقوة.
اتجمدت مكاني.
أنا مش متعود حد يجري يحضني.
إيدي اتحركت ببطء على ضهره.
وقال بصوت مخنوق: — هما كانوا هيخدونا؟
بصيت للعيال التلاتة… وفهمت إن الخوف بقى جماعي.
مش خوفي أنا بس.
في الليل، ماحدش نام بسهولة.
حتى مريم اللي كانت دايمًا قوية، فضلت قاعدة جنب الشباك تبص للشارع.
قربتلها. — مالك؟
قالت من غير ما تبصلي: — لو خدونا… هيفرقونا.
الكلمة وجعتني أكتر من أي حاجة.
علشان دي الحقيقة.
الملاجئ الحكومية اللي شافوها زمان كانت أسوأ من الشارع أحيانًا. ضرب. إهمال. هروب.
قلت بهدوء: — مش هسيب ده يحصل.
ضحكت بسخرية صغيرة. — الناس الكبار دايمًا بيقولوا كده.
الجملة دخلت في قلبي زي المسمار.
يمكن علشان هي صح.
الكبار وعدوا العيال دي كتير… وفي الآخر سابوهم.
قعدت جنبها على الأرض. وبعد لحظة قلت: — أنا كمان زمان كنت مستني حد يختارني وماسابنيش.
بصتلي أخيرًا.
كملت: — ومحدش عملها.
— وإنت؟
سكت شوية. وبعدين قلت: — بحاول.
مريم فضلت باصةلي كام ثانية… ولأول مرة من يوم ما جات، قالت بهدوء: — أنا مصدقاك شوية.
وشوية دي؟ كانت أكبر انتصار أخدته من سنين.
تاني يوم، عم سيد دخل علينا وهو متوتر.
— في راجل تحت عايزك.
نزلت.
ولقيت شوقي العتال واقف جنب عربيته.
ابتسامته المستفزة نفسها.
قال: — تعالى نتكلم كلمتين بعيد.
قلت: — قول هنا.
ضحك. — بقيت شجاع؟
ما رديتش.
قرب مني وقال: — بص يا كريم… إنت شكلك طيب، بس طيب وغبي. والاتنين ما يعيشوش في البلد دي.
— ادخل في الموضوع.
قال: — هديك مبلغ محترم. تبيع العمارة وتمشي. وتاخد العيال اللي عندك وتعمل جمعية في أي حتة شعبية أرخص.
قلت: — ليه العمارة دي مهمة أوي كده؟
سكت لحظة.
وأول مرة ابتسامته خفت.
قال: — علشان موقعها ممتاز.
كداب.
عرفت من عينيه.
في سر.
قلت: — مش هبيع.
اتنهد كأنه زهق. — يبقى هتتعب.
لف يمشي… وبعدين وقف وقال: — على فكرة، الحاجة نعمات كانت تعرف أكتر مما تتخيل.
الكلمة شلت الدم من وشي.
— تقصد إيه؟
ابتسم. — اسأل نفسك ليه ست عجوز متمسكة بورشة خربانة بالشكل ده.
ومشي.
فضلت واقف مكاني وقلبي بيدق بعنف.
يعني إيه؟
إيه اللي كانت تعرفه نعمات؟
طلعت الورشة بسرعة. فتحت كشكول شريف. قلبت كل الورق. ودورت في الأدراج.
لحد ما لقيت خريطة قديمة للعمارة.
وفيها حاجة غريبة.
أوضة صغيرة متعلمة بالقلم الأحمر… تحت الورشة.
قطبت حاجبي.
أنا طول عمري فاكر المكان مجرد بدروم تخزين.
ناديت يوسف. — في مدخل تحت هنا؟
فكر شوية. — في باب مقفول ورا الدولاب الحديد.
جريت ناحيته.
زحزحنا الدولاب بالعافية. وظهر باب قديم متآكل.
قلبي بدأ يدق أسرع.
طلعت مفتاح قديم من درج المكتب. جربته.
والباب اتفتح بصوت صدى طويل.
ريحة تراب ورطوبة طلعت بقوة.
آدم استخبى ورايا فورًا. أما يوسف… فعينه لمعت بحماس.
نزلنا سلم ضيق لتحت.
واللي لقيناه… خلاني أفهم ليه شوقي العتال مستميت بالشكل ده.
البدروم ماكانش مخزن.
كان ورشة قديمة كاملة.
معدات نجارة أثرية. أخشاب نادرة. ودواليب مليانة ملفات وعقود قديمة جدًا.
وفي آخر المكان… خزنة حديد ضخمة.
داليا نزلت ورانا وهي بتنهج. — إيه ده؟
قلت وأنا مذهول: — معرفش.
قربنا من الخزنة.
كان عليها اسم محفور: “مصنع الهلال للأثاث الملكي — ١٩٤١”
داليا شهقت. — يا نهار أبيض…
بصيتلها. — تعرفيه؟
قالت: — طبعًا! ده كان واحد من أشهر مصانع الأثاث زمان. اتقفل بعد الحريق الكبير في الأربعينات.
قلبي اتقبض.
حريق؟
قربت أكتر. وفي اللحظة دي لاحظت حاجة على الحيطة.
صورة قديمة.
شاب واقف جنب نعمات وهي صغيرة.
وشه مألوف بطريقة غريبة.
يوسف قال: — ده شبهك.
بصيت للصورة تاني… واتجمدت.
كان فعلًا شبهي بشكل مرعب.
نفس العين. نفس الفك. حتى نفس الوقفة.
تحت الصورة مكتوب: “سالم النحاس — ١٩٤٤”
صوت داليا طلع واطي: — سالم النحاس كان صاحب المصنع.
لفيت أبصلها ببطء. — وإيه علاقته بنعمات؟
قالت: — كان خطيبها قبل ما يختفي.
الدنيا سكتت حواليا.
اختفى؟
قربت من الصورة أكتر. وحسيت أنفاسي بتتلخبط.
أنا طول عمري معرفش أبويا الحقيقي. أمي ماتت وأنا صغير. وماكانش معايا غير اسم ناقص في شهادة الميلاد.
“سالم…”
الاسم نفسه.
جسمي كله برد.
فتحت أول درج في المكتب القديم اللي تحت الصورة.
ولقيت ظرف عليه اسمي.
“إلى كريم… لما يكتشف الحقيقة.”
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.
وفي اللحظة دي… حسيت إن حياتي كلها كانت ماشية في طريق واحد من غير ما أعرف.
رسالة نعمات كانت قصيرة.
“يا كريم… لو وصلت للمكان ده، يبقى شوقي بدأ يتحرك، ويبقى لازم تعرف الحقيقة قبل ما يدفنها.
سالم النحاس… ماكانش مجرد حب عمري.
كان أبوك.”
وقعت الرسالة من إيدي.
الدنيا لفت.
يوسف قال حاجة ما سمعتهاش.
داليا قربت بسرعة. — كريم!
لكن صوتها بقى بعيد جدًا.
أبويا؟
سالم النحاس؟
الرجل اللي نعمات كانت محتفظة بصورته طول العمر؟
رجعت بصيت للصورة.
ونفس الصدمة ضربتني تاني.
أنا فعلًا شبهه.
الرسالة كملت:
“أمك كانت شغالة في المصنع. وسالم حبها رغم رفض عيلته. لما حملت بيك، وعدها إنه هيعترف بيك بعد ما يواجههم.
لكن المصنع اتحرق بعدها بأسبوع.
والكل قال إن سالم مات جوه الحريق.
بس أنا عمري ما صدقت.
لأن قبل الحريق بيوم، سالم اكتشف إن شوقي العتال الكبير — أبو الراجل اللي بيطاردك دلوقتي — كان بيسرق المصنع وبيهرب أخشاب وآثار من خلال الشحنات.
سالم هدده بالشرطة.
وبعدها المصنع اتحرق.”
قلبي كان هيقف.
شوقي العتال…
العيلة دي مرتبطة بكل حاجة.
الرسالة كملت:
“أمك ماتت بعد سنين فقيرة ومكسورة، وأنا فضلت أراقبك من بعيد. كنت عايزة أقولك الحقيقة ألف مرة… لكن الخوف كان بيمنعني.
لحد ما شفتك قدامي راجل ضايع شبه أبوك بالظبط.
وساعتها… قررت أديك البيت اللي اتحرم منه أبوك.”
دموعي نزلت غصب عني.
أنا ماكنتش مجرد نصاب فقير اتجوز ست كبيرة.
أنا كنت راجع لبيت أبويا من غير ما أعرف.
وفجأة كل حاجة فهمتها.
ليه نعمات اختارتني. ليه كانت بتراقبني. ليه كانت متمسكة بالمكان. وليه شوقي عايز العمارة بأي تمن.
الملفات.
أكيد في الملفات دليل.
فتحت الدولاب القديم بسرعة. قلبت العقود. الأوراق. لحد ما لقيت دفتر حسابات.
وفيه أسماء. تواريخ. وشحنات.
ودفعات باسم “شوقي العتال”.
داليا شهقت. — دي أدلة.
يوسف قال: — يعني الراجل الوحش ده حرامي؟
بصيتله. — من زمان.
وفي اللحظة دي… سمعنا صوت فوق.
باب الورشة اتكسر.
كلنا اتجمدنا.
وصوت رجالة طلع: — دوروا تحت!
قلبي وقف.
شوقي عرف.
العيال اتجمعوا حواليا مرعوبين.
والخطوات بدأت تنزل السلم علينا.
نهاية الفصل الرابع
يتبع
الفصل الأخير
والخطوات بدأت تنزل السلم علينا.
صوتها كان تقيل… بطيء… وبارد.
مش خطوات ناس داخلة تدور وخلاص.
دي خطوات ناس عارفة إنها أقوى، وإن اللي تحت محشورين، وإن الخوف سبقهم ونزل قبلهم على السلم.
يوسف كان ماسك في دراعي بقوة، ومريم ضامة آدم لصدرها كأنه ابنها مش أخوها الصغير في الشارع، وداليا واقفة جنبي ووشها أبيض، لكن عينيها ثابتة بطريقة خوفتني أكتر مما طمنتني.
أنا كنت ماسك دفتر الحسابات في إيدي.
الدفتر اللي ممكن يدفن شوقي العتال.
أو يدفننا إحنا قبله.
فوق، صوت راجل قال:
— تحت يا باشا… في باب مفتوح.
وبعدين صوت شوقي نفسه وصلنا، ناعم ومليان سم:
— براحة. الورق أهم من الناس.
ساعتها فهمت.
هو مش جاي يضربنا بس.
هو جاي يمسح الحقيقة.
داليا همست:
— كريم… لازم نطلع من هنا.
بصيت حواليا بسرعة.
البدروم كان واسع، لكن ملوش غير السلم اللي نزلنا منه… أو على الأقل ده اللي كان باين. ريحة الرطوبة كانت خانقة، واللمبة الصغيرة اللي شغلناها كانت بتترعش كأنها هتطفي في أي لحظة.
يوسف شدني وقال بصوت واطي:
— في فتحة.
بصيتله بسرعة.
— إيه؟
شاور ناحية آخر البدروم ورا كومة أخشاب كبيرة.
— شفتها وإحنا بندور. شكلها مجرى هوا أو باب قديم.
مافكرتش ثانية.
قلت لداليا:
— خدي مريم وآدم ورا يوسف.
قالت:
— والدفتر؟
بصيت للدفتر في إيدي.
وبعدين للخطوات اللي قربت أكتر.
قلت:
— معايا.
جرينا ناحية الأخشاب.
كان في فتحة واطية ورا لوح خشب عريض، متغطية بتراب وسلك قديم. يوسف زحف الأول بسرعة عجيبة، كأنه اتولد في الأماكن الضيقة. رجع وشه من الفتحة وهمس:
— بتطلع على حوش ورا العمارة.
داليا زقت آدم برفق.
— ادخل يا حبيبي.
آدم كان بيرتعش.
— ضلمة.
يوسف مدله إيده من الناحية التانية:
— أنا هنا. تعالى.
الطفل دخل.
مريم دخلت بعده.
داليا بصتلي:
— إنت الأول.
قلت:
— لأ. إنتي.
— كريم…
— داليا، مفيش وقت.
دخلت وهي ماسكة الملفات اللي قدرت تشيلها.
وأنا كنت آخر واحد.
قبل ما أزحف، سمعت أول رجل ينزل البدروم.
— أهو يا باشا!
شديت اللوح ورايا وأنا بزحف. التراب دخل في عيني وصدري، وإيدي المحروقة اتخبطت في الحجر فعضيت شفايفي علشان ماصرخش. الممر كان ضيق لدرجة إن كتافي كانوا بيحكوا في الحيطان. كل سنتيمتر كنت بسمع صوت الرجالة ورايا أقرب.
— دوروا في كل حتة!
— الخزنة!
— شوفوا الأدراج!
وصوت شوقي فوقهم:
— لو لقيتوا دفتر قديم أو ورق عليه اسم العتال… يتحرق فورًا.
قلبي كان بيدق في وداني.
زحفت لحد ما وصلت للنهاية، ويوسف شدني من إيدي. خرجت في حوش ضيق ورا العمارة، مليان زبالة وكراتين ومواسير قديمة. داليا كانت واقفة بتحاول تكتم عياط آدم، ومريم ماسكة حجر كأنها هتحارب الدنيا بيه.
يوسف قال:
— نطلع من هنا على الشارع الجانبي.
قلت:
— لأ.
كلهم بصوا لي.
داليا قالت:
— إنت اتجننت؟ لازم نهرب.
مسكت الدفتر وقلت:
— لو هربنا بس، هيرجع يحرق كل حاجة. لازم الدليل يطلع بره دلوقتي.
داليا فهمت قصدي فورًا.
طلعت موبايلها.
— هصور الصفحات.
لكن قبل ما تفتح الكاميرا، لقينا ظل رجل عند بوابة الحوش.
واحد من رجالة شوقي.
شافنا.
عينيه وسعت، وبعدين صرخ:
— هنا!
يوسف جرى ناحيته قبل ما أفكر.
— يوسف!
الولد رمى نفسه عليه بكل قوته. الراجل اتهز، بس ماوقعش. رفع إيده علشان يضربه، وساعتها أنا كنت وصلت. ضربته بالدفتر على وشه، مش ضربة قوية، لكنها شتتته ثانية. داليا شدت آدم ومريم وفتحت باب الحوش الصغير.
خرجنا نجري في الشارع الجانبي.
القاهرة وقتها كانت قبل الفجر بشوية.
الشارع شبه فاضي، إلا من قطة بتجري، وموتوسيكل بعيد، وعامل نظافة بيكنس الرصيف.
داليا صرخت:
— عربيتي قدام!
لكن عربية داليا كانت في الشارع الرئيسي، يعني لازم نلف من ناحية الورشة، وده مستحيل.
قلت:
— عند عم سيد مفتاح أوضة السطح، وفيه تليفون أرضي قديم عنده.
— نرجع العمارة؟
— من المدخل التاني.
داليا كانت هتعترض، لكن يوسف قال:
— في سلم خدمة من ورا، بيطلع على الدور الأول.
بصيتله مندهش.
— إنت عارف العمارة أكتر مني.
قال بسرعة:
— أنا نمت حوالينها قبل كده.
الجملة خطفت قلبي، بس ماكانش وقت وجع.
اتحركنا وراه.
طلعنا سلم خدمة ضيق، ووصلنا لباب خلفي مكسور في الدور الأرضي. من هناك، طلعنا بهدوء على السطح. صوت الرجالة كان لسه تحت، بيدوروا في الورشة والبدروم، وشوقي بيزعق فيهم.
على السطح، عم سيد كان صاحي.
أول ما شافنا، اتخض.
— يا ساتر يا رب! إيه اللي حصل؟
قلت بسرعة:
— في رجالة تحت. لازم نكلم البوليس، ونبعت صور الورق لأي حد برا.
داليا كانت خلاص فتحت كاميرا الموبايل وبدأت تصور الصفحات بإيد بتترعش.
عم سيد قال:
— البوليس؟ يا ابني دول ممكن يكونوا شارين نص القسم.
داليا رفعت عينيها:
— يبقى الصحافة.
بصيتلها.
قالت:
— عندي صاحبة صحفية في موقع كبير. وكانت بتحب طنط نعمات. لو بعتلها الصور والفيديو بتاع الحريقة وكاميرا المحل… الموضوع هيكبر.
قلت:
— ابعتي.
بدأت تبعت الصور.
صفحة ورا صفحة.
أسماء.
تواريخ.
دفعات.
شحنات خشب نادر.
تحويلات.
إشارة لقطع أثرية كانت بتتخبى جوه الأثاث.
وتوقيع شوقي العتال الكبير.
كل ورقة كانت مسمار في نعش العيلة دي.
وفجأة…
الموبايل فصل.
البطارية خلصت.
داليا شهقت:
— لا… لا لا لا!
قلت:
— بعتّي قد إيه؟
— نص الدفتر تقريبًا.
عم سيد دخل أوضته بسرعة وطلع باور بانك قديم.
— جربي ده.
كان بيشتغل بالعافية، لكنه أنقذنا.
وصلت الموبايل، وداليا كملت إرسال.
وفي اللحظة دي، سمعنا صوت باب السطح بيتخبط من تحت.
مريم حضنت آدم.
يوسف وقف قدامهم.
عم سيد مسك عصاية خشب وقال:
— محدش هيطلع هنا غير على جثتي.
بصيت للراجل العجوز ده، البواب اللي قضى عمره يفتح أبواب الناس ويقفلها، وهو واقف دلوقتي يدافع عن بابنا.
الباب اتخبط تاني.
صوت شوقي طلع من ورا الحديد:
— افتح يا كريم. خلينا نخلص بهدوء.
ما رديتش.
قال:
— أنا عارف إن الورق معاك. وإنت عارف إنك مش هتكسب.
داليا همست:
— الصور اتبعتت.
شعرت إن نفسي رجعلي.
قربت من الباب وقلت:
— اتأخرت يا شوقي.
سكت لحظة.
— يعني إيه؟
قلت:
— الورق بقى بره.
لحظة صمت طويلة.
وبعدين الضربة اللي على الباب بقت أعنف.
— اكسروا الباب!
عم سيد زعق:
— يا أهل العمارة! اصحوا! بلطجية فوق!
الصوت دوّى في السلم.
أبواب بدأت تتفتح.
ناس تطلع.
صريخ.
موبايلات بتتصور.
وده كان أول كسر حقيقي لقوة شوقي.
لأن البلطجي شجاع طول ما الضلمة مخبياه.
لكن أول ما الكاميرات تفتح، بيبدأ يخاف.
الرجالة اللي معاه اترددوا.
صوت ست من تحت صرخ:
— إحنا بنصورك يا شوقي بيه!
راجل تاني قال:
— البوليس في الطريق!
شوقي زعق:
— اقفلوا الموبايلات!
لكن محدش قفل.
بعد دقايق، صوت سرينة قرب.
المرة دي مش عربية واحدة.
أكتر من عربية.
داليا قالت:
— صاحبتي الصحفية كلمت حد كبير.
أنا ماكنتش مصدق.
الباب اتفتح أخيرًا، لكن مش برجالة شوقي.
اللي طلع كان ضابط كبير ببدلة رسمية، وراه قوة شرطة.
وشوقي واقف على السلم، وشه أحمر من الغضب، لأول مرة مش عارف يبتسم.
الضابط بصله وقال:
— شوقي العتال؟
شوقي حاول يضحك:
— أيوه يا باشا، في سوء تفاهم صغير…
الضابط قاطعه:
— معانا إذن تفتيش وتحفظ على المستندات. وفي بلاغ شروع في حريق وتهديد شهود.
وشاور للعساكر.
— اتفضل معانا.
شوقي بصلي.
نظرة لوحدها كانت كفاية تحرق بلد.
وقال من بين سنانه:
— فاكر إنك كسبت؟
المرة دي أنا اللي ابتسمت.
— لأ. بس بطلت أخسر لوحدي.
خدوه.
رجالته اتلموا واحد واحد.
وفجأة، السطح اللي كان من دقايق فخ… بقى مليان ناس.
الجيران.
عم سيد.
أم سيد.
داليا.
العيال.
وكلهم واقفين حواليا كأننا خرجنا من معركة.
آدم شد كمي وقال:
— هو مش هيولع البيت تاني؟
نزلت على ركبتي قدامه.
— لأ.
قال:
— خلاص بقينا أمان؟
بصيت حوالي.
على الباب المكسور.
على الورشة المحروقة.
على إيدي الملفوفة.
على يوسف اللي لسه بيحاول يبان قوي.
على مريم اللي بتحضن أخوها.
على داليا اللي عينيها مليانة دموع.
قلت:
— لسه بنبني الأمان. بس أيوه… بدأنا.
—
القضية كبرت بسرعة.
أسرع مما كنا نتخيل.
الصبح، صور الدفتر وفيديو الحريق كانوا على مواقع الأخبار. العنوان كان ضخم:
“مستندات قديمة تكشف شبكة فساد عمرها عقودًا خلف حريق مصنع الهلال.”
اسم شوقي العتال اتجر في كل حتة.
ظهر إن أبوه فعلًا كان متورط في حريق المصنع القديم، وإن الأراضي حوالين المصنع اتنقلت بطرق مشبوهة بعد اختفاء سالم النحاس. وظهر كمان إن شوقي كان بيدور على الخزنة والدفاتر القديمة من سنين، وإن نعمات كانت مخبياها بعناد عمر كامل.
أما أنا…
فاسمي طلع فجأة.
“كريم سالم النحاس.”
أول مرة أشوف اسمي كامل كده.
أول مرة الاسم مايبقاش فراغ.
النيابة استدعتني.
قعدت قدام وكيل النيابة وحكيت كل حاجة.
حكيت عن نعمات.
عن الصندوق.
عن الورشة.
عن يوسف.
عن الحريق.
عن البدروم.
عن الرسالة.
ولما جه السؤال اللي كنت خايف منه:
— إنت كنت متجوز المرحومة نعمات ليه؟
سكت.
داليا كانت قاعدة برا.
العيال مستنيين في العمارة.
ونعمات، رغم موتها، كانت حاضرة في كل كلمة.
رفعت عيني وقلت:
— في البداية؟ علشان الفلوس.
وكيل النيابة بصلي.
كملت:
— كنت إنسان سيئ. أو كنت فاكر إن الفقر يبرر إني أبقى سيئ. اتجوزتها وأنا مستني ورثها. لكن هي كانت عارفة. وبرغم ده… ساعدتني. وسابتلي فرصة أصلح اللي فسد فيا.
الراجل فضل ساكت شوية.
وبعدين كتب.
أنا خرجت من النيابة أخف.
مش لأن المشكلة اتحلت.
لكن لأن لأول مرة قلت الحقيقة من غير ما أهرب منها.
—
بعد أسبوعين، الخزنة اتفتحت رسميًا بحضور النيابة.
جواها كان في عقود ملكية قديمة، صور، خطابات من سالم لأمّي، وإقرار نسب غير مكتمل كان سالم مجهزه قبل ما يختفي.
كنت واقف وأنا ماسك الورق كأني ماسك عضم أبويا.
كل خطاب كان بيفتح قبر جوايا.
“أنا مش هسيبك إنتي والولد…”
“هواجههم كلهم…”
“لو حصل لي حاجة، دوري على نعمات…”
أمي كانت عندها اسم.
مش مجرد ست ماتت بدري من التعب.
اسمها كان “ليلى عبدالجواد”.
كانت بتخيط كسوة الكراسي في المصنع.
حبت سالم.
وخافت.
واستخبت.
واتكسرت بعد اختفائه.
أنا كنت ابن قصة حب مدفونة تحت الرماد.
مش ابن غلطة.
ولا ابن شارع.
ولا ابن لا أحد.
وقفت في البدروم بعد ما كل الناس مشيت، ومعايا صورة سالم ونعمات وليلى.
نعمات كانت بتحب سالم.
وسالم حب أمي.
ورغم كده نعمات ماكرهتنيش.
دي حاجة فضلت أدوخ فيها أيام.
إزاي قلب اتكسر بالطريقة دي يفضل قادر يحب؟
داليا قالتلي مرة:
— طنط نعمات ماكانتش ملاك. هي بس قررت ما تخليش الوجع يحولها لوحش.
وساعتها فهمت.
الاختيار.
كلنا اتوجعنا.
بس مش كلنا لازم نبقى وحوش.
—
القانون خد وقته.
شوقي اتحبس على ذمة قضايا كتير.
مش كلها بسببنا، لكن إحنا كنا الخيط اللي شد باقي العقد.
العمارة اتحفظت مؤقتًا ضمن النزاع، لكن بما إن أوراق سالم أثبتت حقي، وبما إن وصية نعمات كانت واضحة في تركها لي للورشة والعمارة، بدأ المحامين يشتغلوا على تثبيت الملكية.
داليا كانت معايا في كل خطوة.
من غير ما أطلب.
وفي يوم، واحنا قاعدين وسط الورشة بعد ما اتدهنت من جديد، سألتها:
— إنتي ليه بتعملي كل ده؟
ابتسمت بحزن.
— يمكن علشان طول عمري كنت فاكرة إني قريبة من طنط نعمات، واكتشفت إني ماعرفتهاش بجد إلا بعد ما ماتت.
— وهي سابتلك الفيلا.
— آه. بس سابتلك قلبها.
الجملة كسفتني.
بصيت للأرض.
— أنا ماستحقش.
قالت بهدوء:
— يمكن. بس هي ما سابتلكش ده علشان كنت تستحق. سابتلك ده علشان تبقى تستحق.
فضلت الجملة معايا.
علشان دي كانت الحقيقة.
نعمات ماكافأتنيش.
هي كلفتني.
حملتني أمانة.
—
بيت الأمان بدأ رسميًا بعد شهرين.
مش بشكل مثالي.
ولا كبير.
ولا فاخر.
مجرد دور أرضي نضيف.
تلات غرف نوم بسيطة.
مطبخ صغير.
حمام اتصلح بالعافية.
ورشة تدريب على النجارة في البدروم.
وركن للمذاكرة.
داليا قدرت تسجل مبادرة تحت مظلة جمعية موثوقة كانت صاحبتها بتديرها، لحد ما نخلص أوراقنا.
مدام عواطف بقت تيجي تدرس عربي وحساب.
عم سيد بقى مسؤول الباب والأمان.
أم سيد بقت أم المكان بامتياز، تطبخ وتزعق وتدعي وتعيط على كل عيل جديد يدخل.
أما أنا…
فبقيت أصحى بدري.
أعمل فطار.
أحط العيش والجبنة والفول على ترابيزة طويلة من الخشب اللي رممناه بإيدينا.
وفي كل مرة كنت أقول:
— الأكل جاهز.
كنت أسمع صوت نعمات جوه رأسي:
“أكلت كويس يا كريم؟”
وفي البداية كان عندنا تلاتة.
يوسف.
مريم.
آدم.
وبعدين بقوا خمسة.
وبعدين تمنية.
كل واحد دخل كان شايل حكاية تقيلة.
ولد اسمه سامح كان بينام في محطة مترو.
بنت اسمها رقية هربت من خالها اللي كان بيضربها.
أخين توأم كانوا بيبيعوا مناديل عند الإشارة.
ماكناش بنقدر ناخد كل الناس.
وده كان أصعب درس.
كنت أرجع بالليل أعيط من غير صوت علشان اضطريت أقول “مش عندنا مكان” لطفل.
لكن داليا كانت تقول:
— اللي نقدر ننقذه ننقذه. واللي مش قادرين دلوقتي، نشتغل علشان نقدر بعدين.
يوسف بقى ذراعي اليمين.
كان لسه طفل، بس عنده إحساس مسؤولية أكبر من رجالة كتير. بدأ يتعلم نجارة بسرعة. أول كرسي عمله كان أعوج، لكنه أصر يصلحه لحد ما وقف مضبوط.
رفع الكرسي وقال:
— شريف كان هينبسط؟
بصيت لصورة شريف المعلقة على الحيطة.
— جدًا.
يوسف ابتسم بفخر.
مريم بقت مسؤولة عن الأصغر منها.
لكننا حاولنا نعلمها إن الطفلة جواها لها حق تعيش كمان. كانت بتقاوم. دايمًا حاسة إنها لازم تبقى أم، حارسة، جدار.
في يوم لقيتها بتعيط في الحمام.
قعدت بره الباب وقلت:
— مريم؟
قالت من جوه:
— مش عايزة حد يشوفني ضعيفة.
قلت:
— اللي بيعيط مش ضعيف.
— أمال إيه؟
— واحد تعب من إنه يفضل قوي طول الوقت.
بعدها فتحت الباب، وقعدت على الأرض، وعيطت من غير ما تتكلم.
وأنا قعدت بعيد كفاية علشان ما أضايقها، وقريب كفاية علشان تعرف إنها مش لوحدها.
آدم؟
آدم رجع يضحك.
وده كان معجزة.
طفل كان بيستخبى من أي صوت عالي، بقى يجري في الورشة وهو ماسك رسوماته.
رسم نعمات مرة.
مع إنه عمره ما شافها.
رسمها ست كبيرة، لابسة فستان أبيض، وواقفة قدام باب مفتوح.
لما سألته:
— عرفت شكلها منين؟
قال:
— من كلامكوا عنها.
علقت الرسمة جنب صورتها.
—
بعد ست شهور، عملنا افتتاح صغير.
ماكانش فيه شريط أحمر ولا كاميرات كبيرة.
بس كان فيه ترابيزة أكل طويلة، ولافتة خشب كتب عليها يوسف بإيده:
“بيت الأمان — حلم شريف ونعمات.”
وقفت قدام اللافتة وأنا مش قادر أتكلم.
الناس كلها كانت مستنية كلمة مني.
داليا وقفت جنبي وهمست:
— اتكلم من قلبك.
ضحكت بتوتر.
— قلبي مش متعود على الميكروفونات.
قالت:
— اتعود على الصدق. كفاية.
مسكت الميكروفون.
بصيت للوجوه.
العيال.
الجيران.
المحامين.
الصحفية اللي ساعدتنا.
ناس من الجمعية.
حتى بعض أهل نعمات جم، واقفين بعيد بوجوه متحفزة.
بدأت أتكلم:
— أنا اسمي كريم. من سنة، لو حد قاللي إني هقف هنا أفتح مكان للي مالهمش بيت، كنت هضحك عليه. أنا كنت شخص أناني. كنت فاكر إن الدنيا لما تظلمك، يبقى من حقك تظلم غيرك. كنت فاكر إن الفقر تصريح إن الواحد يفقد ضميره. لحد ما ست اسمها نعمات شافتني… وشافت كل قبح جوايا… وبرضه قررت تديني فرصة.
صوتي اتكسر.
كملت:
— الحاجة نعمات ما سابتليش فلوس أصرفها على نفسي. سابتلي مراية. خلتني أشوف أنا كنت إيه… وممكن أبقى إيه. والمكان ده مش صدقة. المكان ده اعتذار. اعتذار لكل طفل اتساب، لكل شاب نام في عربية، لكل واحد حد قاله إنه مالوش قيمة. هنا… هنحاول نقولهم إن ليهم قيمة. حتى لو العالم كله قال غير كده.
سكت لحظة.
بصيت لصورة نعمات.
— وأنا آسف يا حاجة نعمات. آسف إني ماحبتكيش بالطريقة اللي تستحقيها وإنتي عايشة. بس أوعدك… هحب حلمك طول ما أنا عايش.
محدش صفق في الأول.
كان السكوت تقيل.
وبعدين أم سيد بدأت تعيط وتصفق.
عم سيد صفق.
العيال صفقوا.
وبعدها المكان كله اتملأ صوت.
وفي وسط التصفيق، لمحت راجل كبير من أهل نعمات كان زمان بصلي في الجنازة كأني حشرة. قرب مني بعد الكلمة وقال:
— يمكن ظلمناك.
قلت:
— يمكن كنت أستاهل.
هز راسه.
— وهي كانت دايمًا بتشوف أبعد مننا.
دي كانت أول مرة حد من أهلها يبصلي من غير احتقار.
—
بعد الافتتاح، داليا فضلت ترتب الأطباق معايا في المطبخ.
قلت:
— كان ممكن تجيبي حد يعمل ده.
ردت:
— وأنا كان ممكن أعيش عمري كله في الفيلا فاكرة إن الخدمة دي للناس التانية. زهقت من النسخة دي مني.
ضحكت.
هي كمان ضحكت.
وبين الضحكتين، حصل صمت مريح.
مش صمت خوف.
ولا حرج.
صمت اتنين تعبوا ولقوا حاجة تستاهل.
بصتلي وقالت:
— طنط نعمات كانت هتبقى فخورة بيك.
بلعت ريقي.
— أتمنى.
— لأ. كانت هتبقى.
في اللحظة دي، مريم دخلت وقالت:
— آدم كسر طبق.
داليا رفعت حاجبها:
— طبق واحد؟ ده تطور.
ضحكنا كلنا.
وكان الضحك في المكان جديد.
كأنه بيجرب نفسه على الحيطان.
—
السنة الأولى ماكنتش سهلة.
الأمان مش باب بيتقفل وخلاص.
الأمان علاج طويل.
في عيال كانت بتهرب وترجع.
في عيال كانت بتسرق أكل وتخبيه تحت المخدة.
في عيال كانت تضرب قبل ما حد يلمسها.
في عيال ما بتعرفش تنام غير والنور مفتوح.
وأنا كنت بتعلم.
اتعلمت إنك ماينفعش تقول لطفل “خلاص متخافش” وتستغرب إنه لسه خايف.
الخوف لما يقعد سنين جوا الجسم، مش بيخرج بكلمة حلوة.
اتعلمت إن الجوع مش جوع أكل بس.
في جوع حضن.
جوع اسم.
جوع حد يستناك.
جوع إن حد يسألك رجعت متأخر ليه مش علشان يعاقبك، علشان كان قلقان عليك.
واتعلمت إن التكفير عن الذنب مش لحظة درامية.
ده شغل يومي ممل.
تنضيف.
طبخ.
مذاكرة.
مشاوير مصالح حكومية.
خناقات مع موظفين.
تصليح حنفية بايظة.
سهر جنب طفل عنده سخونية.
وسؤال كل يوم:
“أنا بعمل ده علشانهم؟ ولا علشان أحس إني بقيت كويس؟”
وكان لازم أواجه نفسي كتير.
لأن كريم القديم ما ماتش مرة واحدة.
كان بيطلع في لحظات التعب.
لما الفلوس تقل.
لما حد يتهمني.
لما طفل يكذب عليا.
لما مشروع يتعطل.
كنت أسمع صوته:
“بيع العمارة. خد فلوسك. إنت مش مسؤول عن حد.”
وساعتها كنت أروح للبدروم.
أفتح كشكول شريف.
أقرا الجملة اللي حفظتها:
“أي حد ممكن يبقى وحش… لو فضل جعان وخايف وقت كفاية.”
وأرد في سري:
“وأي حد ممكن يرجع إنسان… لو حد صدق إنه ينفع يرجع.”
—
بعد سنة كاملة، جالي جواب رسمي.
إثبات ملكية العمارة اتحسم.
العمارة بقت قانونيًا باسمي.
“كريم سالم النحاس.”
وقفت قدام الورقة طويل.
كان ممكن أبيعها بمبلغ يخليني أعيش مرتاح باقي عمري.
شقة فخمة.
عربية.
حساب في البنك.
كل اللي كنت بحلم بيه زمان.
مسكت القلم.
داليا كانت واقفة جنبي في الشهر العقاري.
قالت:
— متأكد؟
بصيتلها.
— أول مرة في حياتي أبقى متأكد.
وقعت عقد نقل انتفاع طويل الأمد لصالح “مؤسسة بيت الأمان”.
العمارة مبقتش بتاعتي.
بقت بتاعت الحلم.
لما رجعنا، العيال كانوا مستنيين.
يوسف سأل:
— خلاص؟
قلت:
— خلاص.
— يعني محدش يقدر يبيعها؟
ابتسمت.
— حتى أنا.
يوسف فضل باصصلي كام ثانية.
وبعدين حضني.
الحضن كان مفاجئ وقوي.
الولد اللي كان بيترعب من اللمس، بقى بيعرف يحضن.
دي كانت أكبر وثيقة ملكية في حياتي.
—
مرت السنين.
مش كتير قوي.
بس كفاية علشان المكان يكبر.
الدور الأول اتصلح.
البدروم بقى ورشة نجارة حقيقية.
عملنا عقود تدريب مع ورش محترمة.
بعض الشباب بدأوا يشتغلوا.
بعضهم رجعوا لأهاليهم بعد ما الأمور اتصلحت.
بعضهم فضلوا معانا لحد ما وقفوا على رجلهم.
يوسف كبر.
بقى شاب طويل، كتافه عريضة، ووشه هادي.
في يوم دخل عليا المكتب، لابس قميص نضيف، وماسك ورقة.
قال:
— اتقبلت في معهد فني صناعي.
قمت وقفت.
— بجد؟
ابتسم بخجل.
— أيوه.
حضنته وأنا مش قادر أمسك دموعي.
قال وهو بيضحك:
— إنت هتعيط على كل حاجة؟
قلت:
— آه. دي هوايتي الجديدة.
مريم دخلت جامعة خدمة اجتماعية.
قالتلي:
— هشتغل مع أطفال زيي.
قلت:
— زيك إزاي؟
رفعت راسها بفخر:
— ناجيين.
آدم بقى بيرسم بشكل مذهل.
رسم جدارية على حيطة الورشة: باب مفتوح، ووراه نور، وقدامه طفل ماسك مفتاح.
تحتها كتب بخط صغير:
“الأمان مش مكان… الأمان ناس.”
لما شفتها، قعدت على الكرسي وماعرفتش أتكلم.
—
في الذكرى الثالثة لوفاة نعمات، رحنا نزورها.
أنا وداليا ويوسف ومريم وآدم وعم سيد وأم سيد.
القبر كان هادي.
الجو ربيعي.
والشمس ناعمة.
حطيت ورد أبيض على قبرها.
وقفت ساكت.
كان معايا نفس الصندوق القديم.
صندوق الجزم اللي سلّمهولي المحامي.
فتحته.
جواه دلوقتي ماكانش صور ضعفي بس.
كان فيه صور جديدة.
يوسف وهو بيصلح أول كرسي.
مريم وهي بتقرأ للأطفال.
آدم وهو بيرسم الجدارية.
داليا وهي واقفة وسط العيال بتضحك.
عم سيد وهو رافع اللافتة.
أم سيد وهي بتوزع أكل.
وصورة الافتتاح.
حطيت الصور جوه الصندوق، وقفلت عليه.
قلت بصوت واطي:
— إنتي قلتي إن ده الشيء اللي أنا محتاجه فعلًا. كنت فاكر الصندوق عقاب. طلع باب.
داليا وقفت جنبي.
بعد لحظة، قالت:
— عندي حاجة أقولها لك.
بصيتلها.
كانت متوترة بطريقة ما شوفتهاش عليها من زمان.
قالت:
— أنا قدمت طلب لتحويل الفيلا لمركز إقامة للبنات الأكبر سنًا… اللي محتاجين مرحلة انتقالية قبل ما يعيشوا لوحدهم.
اتسعت عيني.
— الفيلا؟
هزت راسها.
— طنط نعمات ماكانت تحبش تفضل مقفولة. وأنا… أنا مش محتاجة بيت كبير فاضي.
ابتسمت وأنا حاسس إن الدائرة بتكمل.
قلت:
— إنتي متأكدة؟
قالت:
— أول مرة في حياتي أبقى متأكدة.
ضحكنا نفس الضحكة.
وكان واضح إن نعمات، بطريقة ما، لسه بتربي فينا حاجات اتولدت متأخر.
—
في الليل، رجعت بيت الأمان لوحدي.
الكل نام.
مشيت في الممر بهدوء.
عديت على الأوض.
سمعت نفس الأطفال.
أنفاس هادية.
حياة.
دخلت الورشة.
صورة نعمات وشريف وسالم وليلى كانت معلقة على الحيطة.
وقفت قدامهم.
زمان كنت فاكر إن العيلة دم بس.
وبعدين اكتشفت إن العيلة ممكن تبقى ست عجوز شافت قبحك وماسابكش.
ممكن تبقى ولد شوارع اختارك تحميه فأنقذك.
ممكن تبقى بنت غنية قررت تنزل من برجها وتقف في الرماد.
ممكن تبقى بواب ومراته وجيران وأطفال…
كلهم اتجمعوا حوالين باب واحد مفتوح.
قعدت على المكتب القديم وفتحت رسالة نعمات الأصلية.
كنت حافظها.
لكن كل ما أقراها، ألاقي معنى جديد.
“يا كريم…
أنا ما اتخدعتش بيك.
أنا اخترتك.”
مسحت دمعة نزلت من غير استئذان.
وقلت للورقة:
— وأنا أخيرًا اخترت نفسي الصح.
فجأة سمعت خبط خفيف على الباب.
قلبي اتنفض للحظة، وبعدين ابتسمت.
فتحت.
كان ولد صغير واقف في المطر.
رفيع.
مبلول.
حافي.
عنيه فيها نفس الجوع القديم.
نفس النظرة اللي كانت في عيني.
وفي عين يوسف.
وفي كل واحد دخل من الباب ده.
قال بصوت بيرتعش:
— عمو… قالولي هنا ممكن ألاقي أكل وأنام شوية.
وقفت ساكت لحظة.
الدنيا رجعت لأول ليلة.
لنفس السؤال.
لنفس الامتحان.
بس أنا المرة دي ماكنتش نفس كريم.
فتحت الباب على آخره.
ومن جوه، نور الورشة خرج على وش الولد.
قلت:
— ادخل يا ابني.
دخل بخوف.
قفلت الباب وراه بهدوء.
ومن غير ما أحس، بصيت لصورة نعمات.
كأنها كانت بتبتسم.
النهاية.