فيروز وزين
الجزء الأول
زين كان واقف عند الشباك، ضهره لوالدته، ماسك الموبايل في إيده ومش مركز في أي حاجة.
صوت أمه كسر الصمت، نبرته مش عادية، فيها عتاب تقيل:
ش
— هتفضل مخبي عليها لحد إمتى يا زين؟
لفّ ببطء وبصلها، حاول يبان هادي، بس عينه فضحته.
— مخبي إيه يا أمي؟
قربت منه خطوة، وعينيها مليانة غضب مكبوت:
— مخبي على فيروز إنها مراتك… وإنكوا مكتوب كتابكم من خمس سنين!
زفر بضيق، وحط الموبايل على الترابيزة:
— يا أمي قولتلك ألف مرة… فيروز لسه صغيرة.
ضحكت ضحكة قصيرة، مالهاش أي طعم:
— صغيرة؟ فيروز كبرت يا زين… وكبرت أوي كمان.
حط أيده علي شعره بعصبية:
— بس مش جاهزة تعرف الحقيقة دلوقتي.
رفعت حواجبها، وكأنها كانت مستنية الجملة دي:
— الحقيقة مش هتستنى اكتر من كده.
سكت، فقربت أكتر، صوتها بقى أوطى بس أخطر:
— فيروز متقدملها عريس يازين.. مراتك متقدملك عريس
زين اتسمر مكانه.
— إيه؟!
كملت وهي باصة في عينه مباشرة:
— وعايز ييجي يخطبها منك.
الهواء اتحبس في صدره، حس إن الأرض بتميل تحته.
— يخطبها… مني؟!
هزّت راسها:
— آه، لأنك ولي أمرها، ولأن محدش يعرف إنك جوزها غيري وغيرك.
قعد على الكرسي فجأة، إيده بترتعش:
— مستحيل… فيروز أكيد متعرفش حاجة، مستحيل توافق.
قالت بحزم:
— ما هي لو كانت تعرف انها مراتك ومكتوب كتابكم من خمس سنين ، مكنتش هتبقى في الموقف ده.
رفع عينه ليها، صوته مبحوح:
— وأنا أعمل إيه دلوقتي؟
قربت منه وحطت إيدها على كتفه:
— تعمل الصح يا زين… قبل ما تخسرها للأبد.. فيروز لازم تعرف انها مراتك وان عمك طلب منك تتجوزها قبل ما يموت وكتبتوا الكتاب من خمس سنين.
وفي اللحظة دي، صورة فيروز عدت قدامه…
ضحكتها، براءتها، وثقتها العمياء فيه.
وسؤال واحد كان بيدور في دماغه:
لو عرفت الحقيقة… هتسامحه؟
—
زين وقف فجأة، صوته طالع متحشرج:
— مين العريس ده؟
أمه ردّت بسرعة:
— زميلها في الجامعة… شاب كويس ، وعايزنا نحدد ميعاد عشان ييجي يخطبها.
اتعدل في وقفته، عينيه ولّعت:
— يخطبها؟! حلو الكلام ده
قالت وهي بتضغط على كل كلمة:
— آه يخطبها منك… على اعتبار إنك ابن عمها وولي أمرها.
الجملة نزلت عليه زي صفعة.
ملحقش يرد، لفّ وخرج من الأوضة بعصبية، الباب وراه خبط خَبطة دوّت في البيت كله.
وهو واقف على السلم صوته علا، غضب مكبوت:
— فيــــروز!
الصوت وصلها وهي في أوضتها، فتحت الباب بسرعة وخرجت تجري.
نزلت السلم على عجل، ووقفت في نصه، ماسكة في الدرابزين، نفسها متلاحق.
— نعم يا أبيه؟
زين وقف فجأة لما شافها.. كانت لابسه بيچامة هوت شورت وعليها رسومات كرتونيه.. جمالها كان ساحر لدرجة انها سحبت منه عقله قبل قلب!
فيروز… زي ما هي دايمًا، بسيطة، تلقائية، ضيها مالي المكان.
كان في وشها براءة تخلي أي حد ينسى غضبه… إلا هو.
بلع ريقه، وصوته نزل درجة واحدة بس لسه فيه حدة:
— تعالي… عايزك في موضوع مهم.
بصّتله باستغراب، نبرته خوّفتها:
— في إيه؟ حصل حاجة؟
عينه كانت ثابتة عليها، بس عقله في حتة تانية خالص.
إزاي هيقف قدامها؟
وإزاي يقولها إن في حد جاي يخطبها… وهي أصلًا مراته؟
—
فيروز نزلت باقي السلم خطوة خطوة، ووقفت قدامه.
زين كان واقف مكانه، عينه متعلقة بيها… نظرة مليانة حب قديم، عشق متخزن سنين، وخوف عليها أكتر ما هو غضب منها.
دي البنت الوحيدة اللي قلبه عرفها، حتى وهو مستخبي ورا لقب ابن عمها.
وقفت قصاده، وبصّتله بخوف حقيقي، صوتها كان واطي ومرتعش:
— هو… أنا عملت حاجة غلط يا أبيه؟
الكلمة وجعته.
حوّل نظره بسرعة، وبص على لبسها، وصوته طلع حاد أكتر مما كان ناوي:
— إيه اللي إنتي لبساه ده؟
اتلخبطت، وإيديها شدّت في بعض:
— ده… ده لبس النوم.
وسكتت ثانية وبعدين كملت بتوتر:
— أنا نزلت بسرعة قبل ما أغير، صوتك كان عالي وخوّفني.
تنهد ب نفس عميق، حاول يسيطر على انفعاله، لكن غيرته كانت سابقة عقله:
— اطلعي البسي حاجة تانية غير ده.
رفعت عينيها عليه في صمت.
كمل بلهجة حاسمة ما تقبلش نقاش:
— وتاني مرة، متخرجيش من أوضتك بالشكل ده.
لفّ وراح ناحية المكتب، وقبل ما يدخل قال من غير ما يبصلها:
— ولما تغيري… تعالي أوضة المكتب. أنا مستنيكي.
سابها واقفة مكانها، قلبها بيدق بسرعة، ومليون سؤال بيلف في دماغها.
ليه غضبان كده؟
وليه صوته كان مختلف؟
وإيه الموضوع المهم اللي مستنيها في المكتب؟
—
فيروز طلعت أوضتها وهي دماغها شغّال، قلبها مش مطمّن.
غيرت هدومها بهدوء، واختارت فستان بسيط، رقيق، لا ملفت ولا متكلّف… بس أول ما لبسته، كان كفاية يخليها مختلفة.
نزلت السلم بخطوات مترددة، وكل خطوة كانت بتقربها من توتر هي مش فاهماله.
زين كان مستنيها في أوضة المكتب.
واقف، ضهره للمكتب، أول ما شافها وقف للحظة…
عينه اتسمّرت عليها، قلبه خان صاحبه، ونسي كل الكلام اللي كان محضّره.
من غير أي مجهود منها، قدرت تخطفه أكتر.
بلع ريقه، وصوته طلع حاد وهو بيحاول يبان ثابت:
— اقعدي قدامي هنا.
فيروز قعدت على الكرسي اللي قصاد المكتب، حطت إيديها في حجرها، وباصّة له بترقّب.
هو قعد قصادها، عينه متشالتش من عليها، كأنه خايف يفوته أي تفصيلة، أي رد فعل.
سكت ثواني، وبعدين قال بنبرة محسوبة:
— في شاب… زميلك في الجامعة.
حاجبها اترفع باستغراب، بس ما اتكلمتش.
كمّل وهو مركز في وشها:
— الشاب ده عايز يتقدملك… وييجي يخطبك.
الهدوء اللي على وشها اتكسر فجأة.
اتلخبطت، عنيها وسعت، وصوتها طلع تلقائي:
— يخطبني انا؟!
كان مستني اللحظة دي، مركز في كل حركة، في رعشة صوتها، في نظرة عينيها.
قلبه كان بيدق بعنف، بس ملامحه ثابتة بالعافية.
— آه… وعايز يحدد ميعاد قريب.
وسكت لحظة، وبعدين سألها بهدوء ظاهري:
— إيه رأيك؟
فيروز سكتت، بصّت في الأرض، وبعدين رجعت بصّتله، وكأنها بتدور على أمان في عينيه.
— أنا…
وسكتت تاني، مش عارفة تكمل.
زين مال بجسمه شوية للأمام، صوته واطي بس حاد:
— خدي وقتك، بس قولي…
وكان جواه سؤال واحد بيصرخ:
يا ترى هتفرح؟
ولا اسم زين في حياتها لسه ليه مكان؟
—
فيروز بصّتله ببراءة خالصة، كأنها بتدور على طوق نجاة، وقالت بصوت واطي:
— وانت… إيه رأيك يا أبيه؟
زين شدّ نفسه، وبصّ لها بعمق، عايز يشوف قلبها قبل ما يسمع كلامها:
— أنا اللي عايز أعرف رأيك إنتِ.
وشّها احمرّ، وطأت راسها، وصوتها طلع خجول:
— اللي تشوفه يا أبيه… أنا موافقة عليه.
الجملة نزلت عليه تقيلة.
تقيلة أوي.
قامت من مكانها بسرعة، كأنها هربانة من نظراته، وعدّت من جنبه وهي موطية راسها، وخرجت من أوضة المكتب من غير ما تبص وراها.
زين فضل مكانه، مش قادر يتحرك.
عقله كان رافض يستوعب، بس قلبه فهم الحقيقة المرة.
سكوتها…
كسوفها…
وكلمة موافقة اللي قالتها من غير اعتراض…
كل ده كان معناه حاجة واحدة:
فيروز قبلت.
قبلت بفكرة إن حد غيره يدخل حياتها.
قبلت وهي فاكرة إنه مجرد أبن عمها الكبير…
مش جوزها…
ولا الرجل اللي حبها من قبل ما هي تفهم معنى الحب.
سند بإيده على المكتب، نفسُه تقيل، وصوته خرج هامس:
— لأ… كده كتير.
وكان عارف إن اللحظة اللي كان بيهرب منها بقاله خمس سنين…
جت.
—
فيروز طلعت السلم وهي بتضحك بخجل، قلبها خفيف ومتلخبط في نفس الوقت.
دخلت أوضة مرات عمها، أم زين، من غير ما تخبط، زي عادتها.
كانت قاعدة على السرير، باين عليها إنها مستنية.
رفعت عينيها عليها بابتسامة فضول:
— قالك إيه يا فيروز؟
فيروز قعدت جنبها، وغطّت وشها بإيديها وهي بتضحك:
— ولا حاجة…
وشالت إيديها وكملت بكسوف:
— لسه… لسه معترفش.
أم زين رفعت حواجبها:
— معترفش بإيه؟
فيروز بصّت في الأرض، صوتها واطي:
— إنه… جوزي.
وبعدين قالت بسرعة:
— اتكلم بس في موضوع العريس.
ضحكة أم زين طلعت هادية، مليانة خبث لطيف:
— ما هو كان لازم كده.
فيروز رفعت عينيها باستغراب:
— لازم إزاي؟
قربت منها، ومسحت على شعرها بحنان:
— كان لازم يتحط قدام الأمر الواقع… عشان يعترف بحبه ليكي، ويعلن إنك مراته قدام نفسه قبل أي حد.
فيروز عنيها لمعت، قلبها دق بسرعة:
— يعني… هو بيحبني؟
ضحكت أم زين أكتر:
— ده عاش عمره كله بيحبك.
فيروز حسّت بالفرحة تملأ قلبها، ابتسامتها وسعت، ووشها نور.
— أنا كمان بحبه… من زمان.
أم زين بصّت لها بحنان ممزوج بحزن قديم:
— وإنتِ عارفة كل حاجة، صح؟
هزّت راسها بهدوء:
— عارفة…
وسكتت لحظة وبعدين قالت:
— عارفة إني مرات زين من خمس سنين… وإنكم خبّيتوا عليّ عشان كنت صغيرة.
أم زين شدّتها لحضنها:
— استحملي عليه شوية كمان… هو قلبه أبيض بس خايف.
فيروز ابتسمت وهي في حضنها، وهمست بثقة:
— مش خايفة…
أنا مستنياه.
وبرّه الأوضة،
زين كان واقف لوحده،
مش عارف إن الحقيقة اللي كان خايف يقولها…
فيروز عرفاها من زمان، ومستنية بس هو اللي يعترف.
—
زين ماعرفش ينام طول الليل.
تقلب في سريره، قام، قعد، رجع نام… ولا نوم.
صورة فيروز، كلامها، موافقتها الساكتة، فكرة إن في حد غيره ممكن يبقى في حياتها… كل ده كان مولّع دماغه.
ومع أول خيط نور، قرر.
لازم يقولها.
حتى لو خسرها… ماينفعش يفضل مستخبي أكتر من كده.
تحت، وهو واقف بيشرب قهوته، نده على واحدة من الخدم:
— لما فيروز تصحى، قولي لها إني مستنيها تحت… هوصلها الجامعة.
الكلمة وصلت لفيروز، قلبها طار من الفرح.
ابتسمت لوحدها وهي بتستعد، اختارت فستانها بعناية، بسيط وجميل، ناعم زي روحها.
نزلت السلم وهي حاسة إنها خفيفة… زي القمر.
زين أول ما شافها وقف.
اتخطف.
كالعادة… بل أكتر من العادة.
حس بإحساس غريب، إحساس راجل شايف مراته بس لسه مش قادر يقول.
فتح لها باب العربية، ركبوا، وساق وهو ساكت.
الصمت كان تقيل.
فيروز بصّتله من جنبها:
— إنت كويس يا أبيه؟ شكلك تعبان.
هز راسه بسرعة:
— آه… مفيش حاجة.
بس الحقيقة كانت غير كده.
جواه حرب.
جزء منه عايز يقف بالعربية ويقولها دلوقتي:
إنتِ مراتي… من خمس سنين.
وجزء تاني مرعوب.
مرعوب تخاف.
مرعوب ترفضه كزوج.
خصوصًا إنه أكبر منها بعشر سنين، ودايمًا حاسس إن السن ده حائط واقف بينهم.
بصّ عليها وهي بتضحك على حاجة في الموبايل، وابتسامتها سحبت منه نفسه.
قال في سره:
— أقولها… ولا أستنى؟
العربية كانت ماشية، والجامعة قربت.
واللحظة اللي كان بيهرب منها…
كانت أقرب مما يتخيل.
—
العربية وقفت قدام بوابة الجامعة.
فيروز كانت حاسة باللخبطة اللي جواه طول الطريق، صمته، نفسُه التقيل، نظراته اللي بتسرح فيها ويرجع يسحبها بسرعة.
كانت مستنية الكلمة… الاعتراف… أي حاجة.
بصّت جنبها وقالت بهدوء:
— احنا وصلنا قدام الجامعة… شكراً يا أبيه.
مدّت إيدها على باب العربية، بس قبل ما تفتحه حسّت بإيده ماسكة إيدها.
قلبها دق بعنف.
— استني يا فيروز.
لفّت وشها له، عنيها متعلّقة بعنيه، مستنية.
اللحظة اللي حلمت بيها.
زين كان متلخبط.
الكلام واقف في زوره.
حاسس إن أي كلمة هتطلع ممكن تغيّر كل حاجة… يا إمّا للأبد، يا إمّا ضده.
فتح بقه، قفله.
شد إيدها أكتر شوية… وبعدين سابها فجأة وقال بصوت مهزوز:
— خلاص… انزلي.
وسكت لحظة وكمل:
— ولما نرجع البيت نتكلم.
فيروز ابتسمت من جواها، قلبها كان بيضحك.
قالت ببراءة وهي بتهز راسها:
— حاضر يا أبيه… زي ما تحب.
نزلت من العربية وقفلت الباب بهدوء.
زين فضل متابعها بعينيه، حاسس إن الفرصة بتفلت منه واحدة واحدة.
وفي اللحظة دي…
شاب قرب منها أول ما شافها، ابتسامة واضحة على وشه، وقال بحماس:
— هااي يا فيروز!
فيروز وقفت وبصّت له، ابتسمت ابتسامة عادية:
— هااي.
زين شاف المشهد من جوه العربية.
إيده اتشدّت على الدركسيون، صدره ولع.
وعرف…
إن التأجيل ده ممكن يكلّفه كتير أوي.
—
زين نزل من العربية بسرعة، الباب اتقفل وراه بخبطة قوية.
قرب منهم بخطوات سريعة، صوته عالي ومشدود:
— مين ده؟!
فيروز اتفزعت، قلبها وقع في رجلها، وبصّتله بخوف:
— دا… دا زميلي يا أبيه.
الشاب اتلخبط، بصّ لزين بنظرة احترام وخوف في نفس الوقت وقال بسرعة:
— أنا آسف يا عمو… دي فيروز زي أختي.
الكلمة ضربت زين في صدره.
وقف ثانية مش مستوعب، وبعدين بصّ للشاب بصدمة:
— عمو؟!
عقله كان بيعيد الكلمة.
عمو؟!
معقول بقى شكله كبير للدرجة دي؟
شاب من سنها يشوفه كده؟
المسافة اللي حاول يقنع نفسه إنها مش موجودة… ظهرت فجأة قدامه.
لفّ وبصّ لفيروز، عنيه تايهة، وجع مكتوم باين فيها:
— ادخلي الجامعة…
وسكت لحظة وبعدين كمل بحدّة:
— وملكيش دعوة بحد تاني.
فيروز حاولت تتكلم:
— زين…
بس هو كان خلاص لفّ ضهره.
سابها واقفة، تايهة ومجروحة، ومشي بسرعة ناحية عربيته.
ركب، دور الموتور، ومشي من غير ما يبص وراه.
العربية كانت بتجري، وهو جواه أفكار بتخبط في دماغه.
غيرة… خوف… إحساس إنه ممكن يخسرها.
وجع راجل حب بصدق، بس خاف يعترف في الوقت الغلط.
شدّ الدركسيون، وصوته طلع واطي في العربية الفاضية:
— أنا ضيّعت الفرصة بإيدي.
وفي الجامعة،
فيروز كانت واقفة مكانها، باصة ورا العربية وهي بتبعد،
وقلبها بيسأل سؤال واحد:
هو ليه لما قرب… بعدها أكتر؟
—
زين وصل الشركة وهو مش في وعيه.
دخل مكتبه، رمى المفاتيح على المكتب بعصبية، وفضل واقف شوية كأنه مش قادر يقعد.
إيهاب دخل وراه، صديقه المقرّب، اللي حافظه أكتر ما حافظ نفسه:
— مالك يا عم؟ شكلك جاي من حرب.
زين لفّ له، وصوته مليان ضغط:
— أنا فعلًا في حرب… حرب مع نفسي.
وقعد، وحكى له كل حاجة.
عن فيروز، عن كتب الكتاب اللي مستخبي، عن العريس، عن الموقف قدام الجامعة…
ولما وصل لكلمة:
— قالّي يا عمو…
إيهاب ما قدرش يمسك نفسه، ضحك بصوت عالي:
— ياااه 😂 عمو؟!
والله صعبة دي!
زين ضرب المكتب بإيده:
— إنت بتضحك على إيه؟!
إيهاب وقف ضحكته بسرعة:
— خلاص خلاص… حقك عليّ.
قعد قصاده، وصوته بقى جدي:
— بص يا زين… إنت مش محتاج تخاف من سنك لان عشر سنين بينك وبينها مش كتير يعني ، ولا من أي حاجة.
إنت محتاج بس تبقى صادق في الموقف ده وتعترف لها
زين زفر بضيق:
— يعني أعمل إيه؟ أروح أقولها فجأة أنا جوزك؟
إيهاب هز راسه:
— لأ.
وبعدين ابتسم ابتسامة واثقة:
— اعزمها على العشا.
زين بصّ له باستغراب:
— عشا؟
— آه، في مكان هادي، رومانسي.
تكلموا بهدوء، حسسها بالأمان…
وبعدين اعترف لها.
سكت شوية وكمل:
— إنت لو سبتها تدخل جوا الجامعة كل يوم وتخرج من حياتك براحتها،
هتلاقي نفسك فعلًا بقيت عمو.
الكلمة وجعت، بس صحّت زين.
سند ضهره على الكرسي، عينه سرحت:
— لو رفضتني؟
إيهاب رد بثقة:
— على الأقل هترفضك وإنت راجل صريح،
مش حد مستخبي.
زين سكت، وبعدين قال بهدوء حاسم:
— خلاص…
النهارده.
إيهاب ابتسم:
— كده الكلام.
وزين لأول مرة من بدري…
حس إن القرار اتاخد،
وإن الليلة دي يا إمّا تنقذه…
يا إمّا تكسره.
—
زين عزم فيروز على العشا، وأول ما قالها حسّ بفرحتها من نبرة صوتها.
قلبها دق قبل ما ترد، وقالت بسرعة وهي بتحاول تبان هادية:
— طبعًا… أحب أجي.
لبست وراحت معاه، وهي جواها أمل كبير…
يمكن الليلة دي يقول.
المكان كان هادي، إضاءة دافية، موسيقى خفيفة.
قعدوا قصاد بعض، فيروز مبتسمة، وزين تايه.
الكلام واقف عنده، كل مرة يفتح بقه يرجع يقفله.
حاول يبدأ من حتة آمنة، ابتسم وقال:
— قوليلي… إيه مواصفات فتى أحلامك؟
فيروز ضحكت بخجل:
— كده فجأة؟
— دردشة بس… يعني.
فكرت شوية وبعدين بدأت تتكلم، من غير ما تبص له:
— يكون طيب…
مسؤول…
يخاف عليّ…
وأحس معاه إني متطمنة.
زين كان سامع، بس مش رابط.
هز راسه وهو بيبتسم:
— حلو. كمّلي.
رفعت عينيها وبصّت له بنظرة دافية:
— يكون ذكي، وناجح،
وشخصيته قوية بس قلبه حنين.
كل كلمة كانت فيه…
بس هو كان غرقان في خوفه.
ضحك بخفة وسأل:
— طب والسن؟
تحبي يكون عمره كام سنة؟
فيروز سكتت ثانية، وبصّت له مباشرة.
عنياها كانت مليانة حب وصدق:
— يكون أكبر مني…
زين اتشد، بس ما قاطعهاش.
كمّلت بهدوء:
— عشان أحس إن هو الأمان…
والسند.
الكلمة الأخيرة دخلت قلبه من غير استئذان.
الأمان.
السند.
سكت، وبصّ لها نظرة طويلة، كأن لأول مرة يفهم.
وهي من جواها كانت بتقول:
إنت… إنت بالذات.
والليل لسه طويل…
والاعتراف قرب،
بس الخوف لسه واقف بينهم خطوة واحدة.
—
الكلام اتقطع فجأة.
بنت جميلة لابسة فستان أحمر لافت قربت من الترابيزة، من غير تردد، وانحنت وطبعِت بوسة سريعة على خد زين وهي بتتكلم بدلع واضح:
— هاي زين… وحشتني.
فيروز اتجمدت مكانها.
قبل ما تستوعب اللي حصل، كانت الصدمة باينة على وش زين نفسه.
رفع عينه للبنت وقال بذهول:
— هاي… يا هايدي.
هايدي قعدت جنبه من غير ما تستأذن، قربت قوي، وقالت وهي بتضحك:
— مصدقتش عيوني لما شوفتك هنا…
وحشتني أوي.
فيروز قلبها اتقبض.
المنظر قدامها كان تقيل عليها، أقيل من إنها تستحمله.
قامت فجأة، الكرسي عمل صوت خفيف، وقالت بعصبية وهي بتحاول تسيطر على صوتها:
— أنا… هروح الحمام يا أبيه.
ومشيت بسرعة.
زين عينه فضلت معلّقة بيها لحد ما اختفت وسط الناس، قلبه وقع، وإحساس بالذنب ضربه مرة واحدة.
لفّ على هايدي، صوته نزل لكنه كان مليان غضب:
— إيه اللي إنتي عملتيه ده؟
إزاي تقربي مني كده وتعملي حركة زي دي في مكان عام؟
هايدي ضحكت، ولا كأنها شايفة غضبه، وقربت أكتر:
— عشان إنت عارف إني بحبك من زمان يا زين.
ميلت راسها شوية وبصّت ناحية الحمام، وبعدين رجعت تبص له باستخفاف:
— وبصراحة…
انت إيه اللي عاجبك في البنت الصغيرة دي؟
الكلمة جزّت في قلبه.
شدّ نفسه، وملامحه اتغيرت تمامًا، وصوته طلع حاسم لأول مرة:
— خدي بالك من كلامك.
دي حد يخصني…
وأكتر مما تتخيلي.
وفي نفس اللحظة،
فيروز كانت واقفة جوه الحمام، ماسكة طرف الحوض،
عينها مدمعة،
وقلبها بيسأل سؤال واحد موجوع:
هو ده اللي كان خايف يعترف بيه؟
—
فيروز خرجت من الحمّام وهي متماسكة بالعافية.
أول ما دخلت الصالة، لقت زين قاعد لوحده… الكرسي اللي كانت قاعدة عليه هايدي فاضي.
واضح إنها مشيت.
قربت منه، صوتها كان متحكم فيه بس الغضب باين:
— يلا نروح يا أبيه… أنا تعبانة.
زين رفع عينه وبصلها، لاحظ الضيق في وشها، الاحمرار الخفيف في عنيها…
بس ما اتكلمش.
ولا حاول يفسّر، ولا يوضح، ولا حتى يدافع.
قام بهدوء، دفع الكرسي، ومشي جنبها من غير كلمة.
خرجوا، ركبوا العربية،
والصمت كان تقيل…
تقيل لدرجة إنه كان بيوجع.
الطريق عدى ببطء.
لا هو اتكلم، ولا هي سألت.
كل واحد فيهم غرقان في أفكاره.
قدّام البيت، فيروز نزلت بسرعة.
— تصبح على خير.
طلعت أوضتها من غير ما تبص وراها.
زين فضل واقف شوية، متابع ضيقها بعينيه،
ساكت…
وسكوته كان غلط، بس هو ما كانش شايف غير خوفه.
—
يوم جديد بدأ.
زين صحى بدري، نزل، لقى فيروز قاعدة مع مامته، جاهزة تروح الجامعة.
أول ما شافته، وقفت.
ملامحها ثابتة، هادية زيادة عن اللزوم.
بصّت له وقالت بكل ثبات:
— أنا موافقة على العريس اللي متقدم لي يا أبيه.
وسكتت ثانية وبعدين كملت:
— ياريت تحدد له ميعاد عشان ييجي هو وأهله يخطبوني.
الكلام طلع منها سريع، كأنه محضّر.
ومستنتش رد.
لفّت ومشيت بسرعة،
خايفة تشوف رد فعله…
أو يمكن خايفة تضعف.
زين وقف مكانه.
الكلمة لفّت في ودنه: موافقة.
حس بحاجة اتكسرت جواه.
أمه بصّت له بهدوء مستفز:
— هتعمل إيه يا زين؟
انفجر.
— يعني الهانم موافقة على العريس وعايزة تتجوز؟
ضحك ضحكة قصيرة مالهاش طعم:
— وماله… تتجوز.
أمه عقدت حواجبها:
— تقصد إيه؟
بس هو ما ردّش.
لفّ، خد مفاتيحه، وخرج وهو متعصب،
الباب اتقفل وراه بقوة.
وأمه فضلت واقفة،
عارفة إن النار ولعت،
وإن الصمت اللي زين اختاره…
وصلهم للحظة دي.
—
الليل كان تقيل، والبيت ساكت على غير العادة.
الساعة عدّت، وزين لسه مرجعش… وده مش طبعه.
فيروز كانت في أوضتها، قاعدة على السرير، قلبها مقبوض.
قامت ووقفت في البلكونة، بتبص عالشارع كل شوية.
وفجأة…
عربيته ظهرت قدّام البيت.
وقفت مكانها، عنيها متسمّرة عليه وهو بينزل.
مش طبيعي.
مش زين اللي تعرفه.
دخل البيت، وفيروز خرجت من أوضتها ووقفت عند الباب تستناه.
قلبها بيدق بسرعة.
زين طلع السلم، خطواته تقيلة، جسمه مش متزن…
ريحة الشرب سبقته.
أول مرة تشوفه كده.
وقفت قدامه بخضة، وصوتها طلع رقيق وخايف:
— أبيه زين… إنت كويس؟
وقف، بصّ لها بنظرة غريبة، عينين مليانين وجع وتيه.
كانت لابسة لبس نوم بسيط وعليه روب خفيف، وشها قلقان بس جميل زي عادته.
قرب خطوة، صوته واطي:
— لسه صاحيه ليه لحد دلوقتي؟
ردّت بتوتر صادق:
— كنت قلقانة عليك.
اتمايل، كاد يقع، ففيروز قربت بسرعة وسندته:
— خلي بالك.
زين بصّ لها، النظرة اتكسرت، وصوته خرج صريح لأول مرة من غير خوف:
— أنا بحبك أوي يا فيروز.
قلبها نط.
الاعتراف اللي استنته سنين…
جاي في أسوأ وقت، وأصعب صورة.
ابتسمت بخجل، زين مال عليها وقبلها برقه من رقبتها وصوتها طلع واطي:
— زين…
لكن فجأة حسّت إن اللحظة غلط.
مش هو.
مش في وعيه.
مش ده اللي كانت مستنياه منه.
حطّت إيديها على صدره ووقّفته بهدوء حاسم:
— لأ… استنى.
وبصّت في عينه بثبات:
— إنت مش كويس دلوقتي.. خليني اوصلك اوضتك.
الكلمة صحّته شوية.
وقف، خد نفس تقيل، وبصّ حواليه كأنه بدأ يفهم.
فيروز سندته عشان توصله اوضته
زين قعد على السرير وشد فيروز معاه
فيروز اتكسفت منه وحاولت تبعد
زين ضمها ليه وقالها: انتي مراتي يا فيروز.. ومن حقي انا وبس.
وبدأ زين يقبلها وفيروز كانت بتحاول تبعد عنه بس مقدرتش تقاوم واستسلمت له واكتمل زواجهم.
بعد وقت فيروز كانت مصدومة من اللي حصل وانها استسلمت ل زين بالسهولة دي.
زين حط ايديه خدها وقالها بأبتسامة: مبروك يا حبيبتي.. بقيتي مراتي رسمي.
فيروز استغربت لأنها اكتشفت ان زين مكنش سكران وكان واعي لكل اللي حصل بينهم.
وقف زين يلبس هدومه وهو بيقول: كده مينفعش حد يجي يخطبك من جوزك صح.
فيروز بصت له بصدمة وسألته: ابيه زين انت مكنتش سكران صح؟
زين بغضب قالها: هو في بنوته شاطرة زيك كده تقول لجوزها يا ابيه! وبعدين من امتى وانا بشرب يا فيروز!.
فيروز بدهشة: وليه عملت كده ؟
تابعوا الجزء التاني والأخير من رواية فيروز وزين هينزل حصري علي صفحات الكاتبة ملك إبراهيم
