شقيقي
جوزي لسه قايلي إنه بيحب أختي… وأنا مخبية تحليل حمل إيجابي في جيب الروب بتاعي…أحمد ما تعبش نفسه حتى إنه يقوم من مكانه.
كان قاعد على الكنبة في شقتنا في القاهرة، ماسك الريموت والتلفزيون شغال من غير صوت، وكأنه هيقول حاجة عادية جدًا، زي إن النور قطع أو فاتورة الميه زادت.
كنت واقفة عند باب المطبخ، وضاغطة على علبة صغيرة جوا شنطتي. تحليل الحمل لسه فيها، دافي من حرارة إيدي. خطين وردي واضحين.
بعد سنتين تقريبًا من العلاج والحقن والتحاليل والفواتير والدموع اللي كنت بخبيها عنه، أخيرًا بقيت حامل.
كنت متخيلة أقوله يوم عيد ميلاده.
اشتريت كارت صغير عليه دبدوب وكتبت فيه:”هتبقى أب.”
وخبيته في درج التسريحة، مستنية اللحظة اللي حياتنا ترجع فيها حلوة تاني.وفجأة موبايله رن.
نور…أختي الصغيرة.
اسمها ظهر على الشاشة وجنبه قلب أحمر.
أحمد ابتسم… الابتسامة اللي أي ست بتفهم معناها من أول نظرة.ولما حس إني شايفاه، قلب الموبايل على وشه.
وقال: بصي يا مريم… لازم نتكلم…
حسيت نفسي مش قادرة آخد نفسي.
— في إيه؟تنهد وبص من الشباك.
— مش قادر أكمل تمثيل أكتر من كده.
العلبة اللي في شنطتي فجأة بقت تقيلة كأنها حجر.
— تمثيل إيه يا أحمد؟
بصلي أخيرًا.ما كانش في عينه ذنب…كان في شفقة.
والشفقة كانت أوجع بكتير.
— نور فاهماني. معاها بحس إني نفسي. عندها طاقة وطموح… وبتعرف تهتم بنفسها.
ضحكت ضحكة مكسورة.
— أختي؟
— الموضوع ما كانش متخططله.
— أكيد طبعًا. محدش بيخطط يخون مراته مع أختها. حصل بالغلط يعني؟
شد فكه وقال: بلاش أسلوبك ده.
بصيت لنفسي…للوزن اللي زاد بسبب العلاج.
لإرهاقي…للهالات السودة تحت عيني.
أنا اللي كنت باخد حقن الهرمونات لوحدي في الحمام وهو يقول إنه تعبان ومش فاضي يجي معايا للدكتور.
وأختي كانت تيجي كل زيارة وتقولي: شكلك مرهقة أوي يا مريم.
بنفس الابتسامة المثالية اللي الكل بيحبها.
قلت بهدوء: قصدك إنها أرفع مني؟
ما ردش….وسكوته كان كفاية…كان ممكن أطلع تحليل الحمل وأحدفه في وشه.
وأقوله:مبروك… إنت سايب مراتك الحامل عشان أختها.
لكن موبايله رن تاني.
نور.بص للشاشة.ثانية واحدة بس.
لكن كانت كفاية تطفي آخر حاجة جوايا.
قلت: روحلها.
رفع عينه باستغراب.
— انا.. .
— اطلع برا.
— يا مريم .
— روح اطللي بعتت قلوب لجوز أختها.
قام أخيرًا…الغريب إنه ما قامش وهو بيكسرني…قام بس لما راحته اتعرضت للخطر.
قال: مريم…فتحت الباب.
وقلت:
— ورقتي توصلني مينفعش تجمع بين اختين يا مسلم.. ولا ايه؟
خرج بعد نص ساعة بشنطة ضهر صغيرة، وانا اصريت وصرخت انه يقتلني فرما عليا اليمين..وانتهت
لكن بالليل شفت ستوري لنور على إنستجرام…واقفة قدام مراية جيم جديد.لابسة لبس رياضي.
وأحمد هو اللي بيصورها.وكاتبة:
“أخيرًا اخترت سعادتي.”
جريت على الحمام ورجعت كل اللي في معدتي.
وقعدت على الأرض حاطة إيدي على بطني.
وهمست: لو سمحت… ما تسبنيش إنت كمان.
تاني يوم أحمد رجع ياخد باقي حاجته.
كان لابس أستيك شعر بتاع نور في إيده.
وريحته كلها من برفانها.ما سألنيش ليه وشي أصفر.
ولا ليه إيديا بتترعش…ولا شاف تحليل الحمل اللي مرمي في آخر سلة الزبالة..ولما مشي…كانت دي أقسى حاجة عملها…بعد تلات أسابيع…
وهم بينزلوا صورهم مع بعض وكاتبين:
“الحب ما بيتخباش.”
أنا فقدت البيبي لوحدي في حمام مستشفى…ما كلمتش حد.ما قلتش لأمي.ولا قلت لأحمد.
خرجت من المستشفى وأنا شخص تاني.
كأن الست اللي دخلت ماتت…
واللي خرجت كانت مجرد صمت.
يوم الاتنين اللي بعده، سقت عربيتي من غير هدف.
لحد ما وصلت لمنطقة شعبية قديمة.
وكان في جيم متبهدل وعلى بابه ورقة مكتوب عليها:
“مطلوب عاملة نظافة.. بدون خبرة.”
مسحت دموعي.نزلت من العربية…ودخلت.
وما كنتش أعرف إن اللحظة دي…
هتكون بداية أكبر تغيير في حياتي كلها.
الفصل الأول
الجيم كان صغير.
أصغر بكتير من الجيمات اللي كانت نور بتنزل صورها فيها.
ريحة الحديد والعرق مالية المكان.
ومروحة قديمة بتلف في السقف بصوت مزعج.
مريم وقفت عند الباب مترددة.
حاسة إنها غريبة عن المكان.
وغريبة حتى عن نفسها.
من أسبوع بس كانت زوجة.
كانت بتحاول تبقى أم.
وكان عندها بيت.
دلوقتي…
ولا حاجة من ده موجود.
الرجل اللي وراء المكتب رفع رأسه.
كان في أواخر الثلاثينات.
طويل.
عريض الكتفين.
ولابس تيشيرت أسود بسيط.
قال:
“حضرتك جاية لوظيفة النظافة؟”
هزت رأسها.
“أيوة.”
بص لها لحظة.
واضح إنه مستغرب.
ملابسها.
عربيتها اللي واقفة برا.
وطريقتها في الكلام.
كل حاجة كانت بتقول إنها مش محتاجة الوظيفة دي.
لكن ما سألش.
قال فقط:
“تقدري تبدأي بكرة؟”
مريم ردت فورًا:
“أبدأ النهارده.”
بعد ساعة…
كانت ماسكة ممسحة وتمسح الأرض.
أول مرة في حياتها تعمل شغل زي ده.
إيديها وجعتها.
وضهرها وجعها.
لكن لأول مرة من أسابيع…
ما كانتش بتفكر في أحمد.
ولا نور.
كانت مركزة بس إنها تكمل اليوم.
في آخر الشيفت…
الرجل صاحب الجيم قرب منها.
وحط ظرف صغير على المكتب.
“ده حساب النهارده.”
بصت للمبلغ.
كان بسيط جدًا.
لكنها مسكته كأنه كنز.
لأنها كسبته بنفسها.
بعيد عن أي حد.
قال الرجل:
“أنا اسمي كريم.”
هزت رأسها.
“مريم.”
ابتسم ابتسامة خفيفة.
“واضح إنك مش متعودة على الشغل ده.”
أجابت:
“واضح أوي؟”
ضحك لأول مرة.
“شوية.”
لما رجعت البيت…
فتحت إنستجرام بالصدفة.
وشافت صورة جديدة.
نور وأحمد.
على البحر.
واضحين جدًا.
وسعداء جدًا.
لكن الغريب…
إنها ما بكتش.
قفلت التطبيق.
ورمت الموبايل بعيد.
ثم نامت.
لأول مرة من شهور…
من غير دموع.
بعد أسبوعين…
بدأت تعرف الناس في الجيم.
عم محمود عامل البوفيه.
سعاد اللي بتيجي تتمرن كل يوم الساعة ٦.
والولد الصغير آدم اللي بيبيع عصير قدام الباب.
وبدأت تضحك تاني.
ببطء.
كأن روحها بترجع جزء جزء.
لكن في مساء هادئ…
دخلت فتاة أنيقة جدًا إلى الجيم.
نظارة شمس كبيرة.
وشنطة ماركة معروفة.
وأول ما شافت مريم…
اتجمدت.
أما مريم…
فشعرت بقلبها يقع في قدميها.
لأن الواقفة أمامها كانت…
نور.
نور اللي اختفت من حياتها بعد اللي حصل.
نور اللي سرقت جوزها.
نور اللي ما سألتش عليها مرة واحدة.
نزعت نور النظارة ببطء.
وقالت:
“مريم… لازم نتكلم.”
لكن مريم كانت شايفة حاجة أغرب.
أغرب من وجود نور نفسه.
لأن تحت المكياج…
كان واضح جدًا إن نور كانت بتبكي.
ولأيام طويلة.
يتبع… 🔥
الفصل الثاني
الجيم كله سكت.
حتى الموسيقى اللي كانت شغالة في الخلفية حسّت مريم إنها اختفت.
كانت واقفة قدام نور.
بعد أسابيع من الغضب.
والخذلان.
والوجع.
بعد أسابيع من الصور والستوريهات والقلوب الحمراء.
نور بلعت ريقها.
وقالت بصوت واطي:
“ممكن نتكلم خمس دقايق؟”
مريم ضحكت بمرارة.
“دلوقتي افتكرتي إن ليكي أخت؟”
خفضت نور عينيها.
والمرة دي فعلًا شكلها كان مكسور.
لكن مريم لم تعد تعرف إذا كان ده حقيقي أم تمثيل.
خرجوا برا الجيم.
وقفوا في شارع جانبي هادي.
أول من تكلمت كانت نور.
“أنا غلطت.”
مريم ردت فورًا:
“دي أقل جملة ممكن تتقال.”
“عارفة.”
“وبعدين؟”
رفعت نور رأسها.
وعيناها حمرا.
“أنا وأحمد انفصلنا.”
تجمدت مريم.
لكنها لم تشعر بأي انتصار.
ولا فرحة.
ولا شماتة.
فقط فراغ.
قالت ببرود:
“مبروك.”
نور بدأت تبكي.
“إنتِ مش فاهمة.”
“فهميني.”
تنهدت.
ثم قالت:
“أحمد مش الشخص اللي كنت فاكراه.”
ضحكت مريم.
ضحكة قصيرة.
“أخيرًا وصلتي للجزء ده.”
لكن نور هزت رأسها.
“لا… في حاجة أخطر.”
أخرجت من شنطتها ظرفًا بنيًا صغيرًا.
ومدته لها.
مريم لم تأخذه.
“إيه ده؟”
نور قالت:
“افتحيه.”
بعد تردد…
فتحته.
وفي الداخل كانت صور.
وصور كثيرة.
وفواتير.
وأوراق بنكية.
ورسائل مطبوعة.
بدأت مريم تتصفحها.
ثم شحب وجهها.
كان في تحويلات مالية باسمها هي.
قروض.
ديون.
بطاقات ائتمان.
مبالغ ضخمة.
كلها مأخوذة باسم مريم.
لكنها لم توقع على أي شيء منها.
رفعت رأسها بصدمة.
“إيه ده؟”
نور قالت:
“أحمد.”
سكتت مريم.
ونور أكملت:
“بعد ما سابك بدأ يعمل نفس اللي كان بيعمله من زمان قدامي.”
“يعني إيه؟”
“كان بيستغل حساباتك.”
“مستحيل.”
“مش مستحيل.”
ثم أخرجت ورقة أخرى.
“دي نسخة من توكيل قديم.”
أخذتها مريم.
وقرأتها.
وبدأ قلبها يدق بعنف.
لأن التوقيع المكتوب في آخر الورقة…
يشبه توقيعها فعلًا.
لكنها لم توقع عليه أبدًا.
فهمت فجأة.
لماذا كانت البنوك تتصل أحيانًا.
لماذا كان أحمد دائمًا يطلب منها التوقيع على أوراق بسرعة.
لماذا كان يقول:
“دي مجرد إجراءات.”
جلست على الرصيف.
لأن ساقيها لم تعودا تحملانها.
نور همست:
“أنا كنت غبية.”
ثم أضافت:
“كنت فاكرة إنه اختارني.”
رفعت رأسها.
“بس الحقيقة إنه كان بيدور على أي حد يحقق مصلحته.”
وفي تلك اللحظة…
خرج كريم من الجيم.
كان قد لاحظ أن الحديث طال.
اقترب بهدوء.
وقال:
“كل حاجة تمام؟”
نور نظرت إليه.
ثم إلى مريم.
وقالت فجأة:
“هو ده صاحب الجيم؟”
أومأت مريم.
فقالت نور:
“خلي بالك عليها.”
استغرب الاثنان.
لكن قبل أن يسألا…
أكملت نور:
“لأن أحمد مش ناوي يسيبها في حالها.”
مريم عقدت حاجبيها.
“يعني إيه؟”
نور ترددت.
ثم قالت:
“لأنه عرف.”
“عرف إيه؟”
وساد صمت ثقيل.
قبل أن تهمس نور:
“إنك كنتِ حامل.”
توقف الزمن للحظة.
حتى الهواء اختفى.
مريم شعرت أن قلبها انقبض بعنف.
“إنتِ عرفتي منين؟”
نور أغمضت عينيها.
وقالت:
“لأني لقيت التحليل قبل ما أسيب الشقة.”
دموع مريم نزلت فورًا.
رغم أنها قاومتها شهورًا.
أما نور فبكت هي الأخرى.
وقالت:
“ولما قلتله…”
رفعت مريم رأسها بسرعة.
“قلتيله؟”
نور هزت رأسها ببطء.
“أيوة.”
“وقال إيه؟”
هنا فقط…
ظهر الاشمئزاز على وجه نور.
وقالت:
“قال الحمد لله إنه ما اتولدش.”
ساد الصمت.
صمت طويل.
مرعب.
أما مريم…
فشعرت أن آخر شيء كان يربطها بأحمد…
قد مات للأبد.
يتبع… 🔥
الفصل الثالث
مريم لم تنم تلك الليلة.
ظلت مستيقظة على طرف السرير.
تنظر للسقف.
وتعيد جملة واحدة في رأسها.
“الحمد لله إنه ما اتولدش.”
كل مرة تتذكرها…
كانت تشعر وكأن سكينًا يُغرس في صدرها من جديد.
لم تكن تتألم فقط على الطفل الذي فقدته.
كانت تتألم لأنها أحبت رجلًا استطاع أن يقول هذه الجملة.
في الصباح…
ذهبت إلى الجيم كعادتها.
ارتدت ملابس العمل.
ربطت شعرها.
وأمسكت الممسحة.
كأنها تحاول أن تمسك بأي شيء طبيعي وسط الفوضى.
كريم لاحظ شحوب وجهها.
لكنه لم يسأل.
فقط وضع كوب شاي أمامها.
وقال:
“اشربي.”
نظرت إليه باستغراب.
“أنا ما طلبتش.”
ابتسم.
“عارف.”
ثم عاد إلى عمله.
ولأول مرة منذ شهور…
شعرت مريم أن هناك أشخاصًا يمكن أن يكونوا لطفاء دون مقابل.
قرب الظهر…
فُتح باب الجيم.
ودخل أحمد.
تجمدت مريم مكانها.
حتى كريم رفع رأسه.
أحمد كان مختلفًا.
ذقنه غير مرتبة.
وعيناه متعبتان.
وكأنه لم ينم منذ أيام.
لكن ذلك لم يحرك شيئًا داخلها.
لا حب.
لا حنين.
ولا حتى غضب.
فقط برود.
اقترب منها.
وقال:
“مريم… محتاج أتكلم معاكي.”
ردت دون أن تنظر إليه:
“مفيش كلام بينا.”
“خمس دقايق بس.”
“لا.”
بدأ بعض الموجودين يلتفتون نحوهما.
شعر أحمد بالإحراج.
فخفض صوته.
“أنا غلطت.”
ضحكت مريم.
لكنها لم تكن ضحكة سعيدة.
“دي تاني مرة أسمع الجملة دي الأسبوع ده.”
أحمد تنهد.
“أنا سيبت نور.”
“وأنا المفروض أعمل إيه بالمعلومة دي؟”
سكت.
لأنه لم يجد إجابة.
في الحقيقة…
أحمد كان يتوقع شيئًا آخر.
كان يتوقع أن تبكي.
أو تصرخ.
أو حتى تفرح.
لكنها كانت واقفة أمامه كأنها شخص جديد.
شخص لا يعرفه.
قال أخيرًا:
“وحشتيني.”
رفعت مريم رأسها ببطء.
ونظرت إليه لأول مرة.
ثم قالت:
“لا.”
ارتبك.
“لا إيه؟”
“أنا اللي وحشتك.”
سكت.
فأكملت:
“وحشك حد كان بيستحملك.”
“وحشك حد كان بيصلح وراك.”
“وحشك حد كان بيصدق أعذارك.”
اقترب خطوة.
لكن كريم ظهر فجأة بجانبها.
وقال بهدوء:
“لو السيدة قالت مش عايزة تتكلم… يبقى تمشي.”
نظر أحمد إلى كريم.
ثم إلى مريم.
وقال بحدة:
“وأنت مالك؟”
كريم رد ببساطة:
“مكان شغلي.”
كاد الموقف يتحول لمشكلة.
لكن مريم رفعت يدها.
وقالت:
“سيبه.”
ثم التفتت إلى أحمد.
وأضافت:
“امشي.”
ولأول مرة…
لم يحاول أن يجادل.
خرج.
لكن قبل أن يصل للباب…
استدار وقال:
“هترجعي.”
هزت مريم رأسها.
“لا.”
“أكيد.”
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
لكنها كانت أقوى من ألف صرخة.
وقالت:
“أنا خسرت طفل.”
“وخسرت جواز.”
“وخسرت أخت.”
ثم نظرت إليه مباشرة.
“بس أكبر مكسب في حياتي… إني خسرتك.”
خرج أحمد.
وصفق باب الجيم خلفه.
لكن بعد دقائق فقط…
رن هاتف مريم.
رقم مجهول.
ردت بتردد.
فجاءها صوت امرأة رسمية:
“الأستاذة مريم؟”
“أيوة.”
“مع حضرتك من البنك.”
شعرت بانقباض في قلبها.
“خير؟”
لكن الإجابة جعلتها تتجمد.
“في تحويل مالي كبير جدًا دخل حساب حضرتك النهارده.”
ارتبكت.
“تحويل من مين؟”
نظرت الموظفة إلى البيانات.
ثم قالت:
“من شخص اسمه…”
وتوقفت ثانية.
“…أحمد السيوفي.”
اتسعت عينا مريم.
المبلغ كان ضخمًا.
ضخمًا بشكل غير منطقي.
لكن السؤال الذي أخافها أكثر من الرقم نفسه كان:
لماذا أرسل أحمد كل أمواله فجأة؟
يتبع… 🔥
الفصل الرابع
مريم ظلت ممسكة بالهاتف لثوانٍ طويلة.
تظن أنها سمعت خطأ.
“حضرتك متأكدة من الاسم؟”
ردت الموظفة:
“أيوة يا فندم. التحويل تم النهارده الصبح.”
“والمبلغ؟”
لما سمعته…
جلست على أقرب كرسي.
لأن الرقم كان أكبر من أي مبلغ امتلكته في حياتها.
أغلقت المكالمة.
وظلت تنظر للشاشة.
كريم لاحظ تغير لون وجهها.
اقترب وسأل:
“في حاجة؟”
هزت رأسها ببطء.
“مش فاهمة.”
وحكت له ما حدث.
فقطع كلامها بسؤال واحد:
“هو شخص زي أحمد ممكن يعمل كده من غير سبب؟”
سكتت.
لأن الإجابة كانت واضحة.
لا.
بعد أقل من ساعة…
وصل السبب بنفسه.
لكن ليس أحمد.
بل رجلان ببدلتين رسميتين.
سألا عنها بالاسم.
ثم أبرز أحدهما بطاقة تعريف.
وقال:
“إحنا من النيابة.”
شعرت مريم ببرودة تسري في أطرافها.
داخل مكتب صغير في الجيم…
بدأت الأسئلة.
عن أحمد.
وعن حساباته.
وعن شركاته.
وعن أشخاص كانت تسمع أسماءهم لأول مرة.
ثم قال أحد المحققين:
“الأستاذ أحمد متهم في قضية احتيال مالي كبيرة.”
رفعت رأسها بصدمة.
“إيه؟”
“وفي شبهات غسل أموال وتزوير.”
شعرت أن الدنيا تدور حولها.
وفجأة تذكرت الأوراق التي أحضرتها نور.
والديون.
والتوقيعات المزورة.
وكل شيء بدأ يركب فوق بعضه.
قبل أن يغادر المحققون…
قال أحدهم:
“لو حاول يتواصل معاكي… بلغينا.”
ثم ترك بطاقة على المكتب.
ورحل.
في المساء…
جلست مريم وحدها في شقتها.
أول مرة ترجع إليها منذ أيام.
كانت ساكتة بشكل مخيف.
كأنها فقدت القدرة على إصدار الأصوات.
ثم فجأة…
رن جرس الباب.
تجمدت.
الساعة كانت تقترب من منتصف الليل.
من يزور أحدًا في هذا الوقت؟
اقتربت بحذر.
ونظرت من العين السحرية.
ثم شهقت.
أحمد.
كان واقفًا وحده.
مبللًا من المطر.
وعيناه حمراوان.
شكل رجل هارب.
ورجل خائف.
لم تفتح.
لكنها قالت من خلف الباب:
“امشي.”
جاءها صوته متعبًا:
“دقيقتين بس.”
“لا.”
“مريم… أرجوكي.”
لأول مرة في حياتها تسمعه يتوسل.
سكتت للحظة.
ثم فتحت الباب مسافة صغيرة.
ليس حبًا فيه.
بل فضولًا.
دخل.
وجلس.
وبدا أصغر بعشر سنوات.
وأضعف بعشرين.
قال:
“أنا عملت حاجات غلط.”
ردت ببرود:
“عارفة.”
“وأستاهل كل اللي حصلي.”
“عارفة.”
رفع رأسه.
وفي عينيه دموع حقيقية هذه المرة.
“بس في حاجة لازم تعرفيها.”
صمت.
ثم قال الجملة التي قلبت كل شيء:
“أنا ما خنتكيش مع نور.”
تجمدت مريم.
“إيه؟”
تنفس بصعوبة.
“أنا كذبت.”
“ليه؟”
أغلق عينيه.
وقال:
“لأني كنت غرقان في مصيبة.”
وبدأ يحكي.
عن ديون.
وعن شركاء خطيرين.
وعن تهديدات.
وعن أموال اختفت.
وعن أشخاص كانوا يضغطون عليه.
ثم قال:
“كنت فاكر لو خليتك تكرهيني… هتبعدي عني.”
ضحكت مريم بمرارة.
“فروحت قلتلي إنك بتحب أختي؟”
هز رأسه.
“أيوة.”
“والصور؟”
“متفبركة.”
“والقلب الأحمر؟”
“كنت متفق معاها.”
مريم لم تعرف ماذا تصدق.
لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا.
أحمد يبدو خائفًا بحق.
ثم أخرج ظرفًا صغيرًا من جيبه.
ووضعه أمامها.
وقال:
“لو حصلي حاجة… افتحيه.”
وفي اللحظة نفسها…
دوى صوت فرامل حادة خارج العمارة.
تبعها صوت أبواب سيارات تُفتح.
ثم خطوات سريعة على السلم.
اتسعت عينا أحمد.
وقف فجأة.
وشحب وجهه.
وهمس:
“لقوني.”
ثم نظر إلى مريم.
ولأول مرة منذ زمن طويل…
بدت عليه ملامح الرعب الحقيقي.
وقال:
“مريم… لو سألوا عليا…”
لكن قبل أن يكمل…
اهتز الباب بعنف.
دق! دق! دق!
وجاء صوت رجل من الخارج:
“افتح الباب فورًا!”
لكن الغريب…
أن الصوت لم يكن صوت شرطة.
ولا نيابة.
ولا أي جهة رسمية.
كان صوت شخص يعرف أحمد جيدًا…
وجاء ليأخذه.
يتبع… 🔥
الفصل الخامس
دق! دق! دق!
الطرقات على الباب زادت قوة.
حتى إن إطار الباب نفسه اهتز.
مريم وقفت مكانها.
وقلبها يدق بعنف.
أما أحمد…
فكان شاحبًا بشكل لم تره عليه من قبل.
همس:
“ما تفتحيش.”
لكن الرجل في الخارج صرخ:
“عارفين إنك جوه يا أحمد!”
ثوانٍ مرت.
ثم جاء صوت ارتطام قوي.
كأن أحدهم يحاول كسر الباب.
التفت أحمد حوله بسرعة.
وكأنه يبحث عن مخرج.
لكن الشقة في الدور السادس.
ولا توجد وسيلة للهرب.
مريم نظرت إليه.
ولأول مرة منذ شهور…
لم تر الخائن.
ولا الزوج السابق.
رأت إنسانًا مذعورًا.
وفجأة…
مد يده وأعطاها الظرف.
وقال:
“خبّيه.”
“فيه إيه؟”
“لو عرفوا إنه معاكي… هتدخلي في مصيبة.”
قبل أن تسأله أكثر…
انكسر قفل الباب.
ودخل ثلاثة رجال.
لم يكونوا بلطجية.
ولا مجرمين بالشكل الذي تتخيله الأفلام.
كانوا يرتدون بدلات أنيقة.
لكن عيونهم كانت باردة بشكل مخيف.
أكبرهم سنًا نظر إلى أحمد.
ثم ابتسم.
“تعبتنا أوي.”
أحمد تراجع خطوة.
“أنا دفعت اللي عليا.”
الرجل هز رأسه.
“جزء صغير.”
مريم تدخلت:
“مين حضرتكم؟”
التفت إليها الرجل.
وبدا وكأنه نسي وجودها أصلًا.
ثم قال:
“مالكيش دعوة بالموضوع.”
لكن قبل أن يقتربوا من أحمد…
دوى صوت جديد من الخارج.
صوت سيارات.
كثيرة.
ثم أصوات رجال.
ثم صراخ.
تبادل القادمون النظرات.
وبدأ القلق يظهر عليهم.
أحدهم فتح النافذة ونظر للخارج.
ثم شتم بصوت منخفض.
“لا…”
الرجل الأكبر سأله:
“في إيه؟”
رد:
“شرطة.”
في لحظة واحدة…
تحول المشهد كله إلى فوضى.
استغل أحمد اللحظة.
وأمسك ذراع مريم.
وقال بسرعة:
“اسمعيني كويس.”
“أنا غلطت في حقك.”
“كتير.”
“وأستاهل إنك تكرهيني.”
كانت عيناه ثابتتين عليها.
بشكل غريب.
وكأنه يعرف أن هذه آخر مرة يراها.
ثم قال:
“بس الحاجة الوحيدة اللي ما كذبتش فيها أبدًا…”
وسكت.
“إني كنت بحبك.”
شعرت مريم أن الكلمات تضربها كحجر.
ليس لأنها سامحته.
ولا لأنها صدقته.
بل لأن الوقت تأخر جدًا.
ثم فجأة…
دفعها برفق نحو الممر.
وقال:
“اجري.”
وفي اللحظة نفسها…
فتح باب الشقة بعنف.
ودخلت الشرطة.
واختلطت الأوامر بالصراخ.
وبينما الجميع منشغل…
اختفى الرجل الذي كان يقود المجموعة.
وكأنه تبخر.
أما أحمد…
فتم القبض عليه.
آخر شيء رأته قبل أن يأخذوه…
أنه كان ينظر إليها.
لا إلى الشرطة.
ولا إلى القيود.
إليها هي فقط.
وفي تلك الليلة…
جلست مريم وحدها.
وأمامها الظرف.
ترددت طويلًا.
ثم فتحته.
وفي الداخل…
لم يكن هناك مال.
ولا مستندات شركات.
ولا اعترافات.
كان هناك مفتاح صغير.
ومعه ورقة.
مكتوب عليها بخط أحمد:
“لو بتقري الرسالة دي… يبقى أنا غالبًا خسرت كل حاجة.”
“المفتاح ده لخزنة رقم 317.”
“فيها الحقيقة اللي ما عرفتش أقولها.”
“والسبب الحقيقي اللي خلاني أقرب من نور.”
شعرت مريم بأنفاسها تتسارع.
ثم قرأت آخر سطر.
فتجمد الدم في عروقها.
لأن أحمد كتب:
“نور كانت الهدف… مش الحبيبة.”
سقطت الورقة من يدها.
في نفس اللحظة…
رن هاتفها.
رقم مجهول.
ردت بتوتر.
وجاءها صوت امرأة.
صوت تعرفه جيدًا.
نور.
لكنها لم تكن تبكي.
ولم تكن خائفة.
بل قالت جملة واحدة فقط:
“مريم… متروحيش للخزنة.”
سكتت ثانية.
ثم همست:
“لأنهم قتلوا أول واحد حاول يفتحها.”
يتبع… 🔥
نفسها.
الفصل السادس
مريم ظلت ممسكة بالهاتف.
ثوانٍ.
ثم دقيقة كاملة.
لا هي قادرة تقفل.
ولا قادرة تتكلم.
أخيرًا قالت:
“إنتِ بتقولي إيه؟”
جاءها صوت نور متوترًا لأول مرة منذ سنوات.
“اسمعيني كويس.”
“ليه؟”
“عشان الوقت قليل.”
مريم ضحكت بمرارة.
“غريبة.”
“إيه؟”
“أول مرة أشوفك خايفة.”
سكتت نور.
ثم قالت:
“لأني فعلًا خايفة.”
كان في صوت حركة حوالين نور.
كأنها ماشية بسرعة.
أو هاربة من مكان ما.
ثم قالت:
“أحمد ما كانش ملاك.”
“عارفة.”
“بس مش هو أخطر شخص في القصة.”
مريم شعرت بقشعريرة.
“قصدي إيه؟”
لكن نور لم تجب مباشرة.
بل سألت:
“فاكرة شركة الاستثمار اللي أحمد اشتغل فيها من أربع سنين؟”
“أيوة.”
“كل المصيبة بدأت هناك.”
قبل أن تسأل أكثر…
انقطع الخط.
مريم ظلت تنظر للهاتف.
ثم إلى المفتاح.
ثم إلى الورقة.
كان أمامها خياران.
تنسى الموضوع كله.
أو تعرف الحقيقة.
وبعد كل اللي خسرته…
لم يعد عندها شيء تخاف عليه.
في صباح اليوم التالي…
وقفت أمام البنك.
المبنى ضخم.
وهادئ.
وراقٍ بشكل مبالغ فيه.
دخلت.
وسألت عن الخزنة رقم 317.
بعد دقائق…
كانت موظفة البنك تقودها إلى غرفة خاصة.
أخرجت المفتاح.
ودخل.
صوت “تك”.
ثم انفتح الباب المعدني.
سحبت الصندوق للخارج.
وكانت تتوقع أوراقًا.
أو أموالًا.
أو ملفات.
لكن ما وجدته جعلها تتجمد.
كان هناك هاتف محمول قديم.
وصورة.
وصندوق صغير آخر.
أمسكت الصورة أولًا.
ثم شعرت بأن الأرض تميد بها.
لأن الصورة كانت تجمع:
أحمد.
ونور.
ورجلًا ثالثًا.
الرجل الثالث كان يضع ذراعه حول كتفيهما.
ويبتسم للكاميرا.
ومريم تعرفه.
جيدًا.
لأنه كان زوج خالتها.
الرجل الذي اعتبرته جزءًا من العائلة طول عمرها.
الرجل الذي كان الجميع ينادونه:
العم سامح.
لكن لماذا هو هنا؟
ولماذا الصورة موجودة في خزنة سرية؟
فتحت الهاتف القديم.
لحسن الحظ كان مشحونًا.
وبعد ثوانٍ…
ظهرت ملفات فيديو.
الكثير منها.
وأقدمها كان منذ ثلاث سنوات.
ضغطت تشغيل.
فظهر أحمد.
يجلس أمام الكاميرا.
وقال:
“لو حد غيري بيتفرج على الفيديو ده… يبقى الأمور خرجت عن السيطرة.”
قلب مريم بدأ يدق أسرع.
“أنا اسمي أحمد السيوفي.”
“ولو وصلتوا للفيديو ده…”
“يبقى غالبًا يا إما أنا ميت…”
“يا إما في السجن.”
شعرت ببرودة تسري في جسدها.
ثم أكمل:
“في حاجة لازم تعرفوها.”
“نور ما كانتش عشيقتي.”
أغمضت مريم عينيها.
ثم فتحتها من جديد.
كأنها تريد التأكد أنها لم تتخيل ما سمعت.
لكن أحمد أكمل:
“نور كانت بتساعدني.”
سكت.
ثم قال الجملة التي قلبت كل شيء:
“إحنا كنا بنحاول نثبت إن سامح منصور بيسرق ملايين الجنيهات من شبكة استثمار غير قانونية.”
شهقت مريم.
العم سامح؟
مستحيل.
الرجل الهادئ.
المحترم.
المحبوب من الجميع.
لكن الفيديو لم ينته.
“أول مرة اكتشفت الموضوع كانت بالصدفة.”
“وبعدها بدأت أجمع أدلة.”
“ولما حسوا بيا…”
“بدأوا يهددوني.”
ظهرت على الشاشة صور حسابات.
وتحويلات مالية.
وأسماء كثيرة.
ثم ظهرت صورة أخرى.
صورة لمريم نفسها.
شعرت بالخوف فورًا.
وقال أحمد في الفيديو:
“لما عرفوا إني مش هسكت…”
“قرروا يستخدموا مريم.”
الدم تجمد في عروقها.
“كل الديون اللي اتعملت باسمها…”
“كانت وسيلة ضغط عليا.”
ثم انحنى أحمد نحو الكاميرا.
وقال بصوت منخفض:
“لو بتشوفي الفيديو ده يا مريم…”
“فأنا آسف.”
“آسف على كل حاجة.”
دموعها بدأت تنزل دون إرادة.
ثم ظهر شيء غريب.
أحمد نظر حوله.
وكأنه خائف من أحد.
ثم قال:
“في حاجة ما قلتهاش لحد.”
“حتى نور.”
وسكت.
ثم أكمل:
“أنا عرفت إنك حامل قبل ما أمشي.”
ارتعشت يداها.
“شفت التحليل.”
“وخبيت إني شفته.”
“لأني كنت فاكر إن إبعادك عني هيحميكي.”
مريم أغلقت عينيها بقوة.
كل الذكريات عادت دفعة واحدة.
وجعها.
وخسارتها.
ووحدتها.
لكن أحمد أكمل:
“وأكتر حاجة هتفضل ندمان عليها طول عمري…”
“إني ما كنتش جنبك.”
انتهى الفيديو.
وبقيت مريم جالسة وحدها.
تتنفس بصعوبة.
ولا تعرف ماذا تصدق.
هل كان يكذب؟
هل كان يقول الحقيقة؟
هل كان يحاول فقط تبرير أخطائه؟
أم أنه بالفعل كان يحاول حمايتها بطريقة غبية ومدمرة؟
لكن قبل أن تجد إجابة…
فتحت الصندوق الصغير.
وفي داخله…
كانت فلاش ميموري.
ومعها ورقة واحدة.
مكتوب عليها:
“الدليل الكامل.”
“لو حصل لي حاجة… سلميه للنيابة.”
لكن أسفل الجملة…
كان هناك سطر آخر.
سطر واحد فقط.
جعل قلبها يتوقف.
لأنه كان مكتوبًا بخط مختلف.
ليس خط أحمد.
بل خط شخص آخر.
وجاء فيه:
“متثقيش في نور.”
تجمدت.
ثم أعادت قراءة الجملة مرة.
ومرتين.
وثلاثًا.
وفي اللحظة نفسها…
وصلتها رسالة على هاتفها.
من نور.
فتحتها بسرعة.
وكانت صورة.
فقط صورة.
لكنها كانت كافية.
لأن الصورة أظهرت نور…
جالسة داخل سيارة سوداء.
وبجوارها مباشرة…
العم سامح.
والرسالة تحت الصورة تقول:
“أنا عارفة إنك فتحتي الخزنة.”
“دلوقتي لازم تختاري…”
“تصدقي أحمد؟”
“ولا تصدقي عينيكي؟”
يتبع… 🔥
الفصل السابع
الصورة ظلت على شاشة هاتف مريم.
نور.
والعم سامح.
في سيارة واحدة.
ينظران للأمام.
وكأنهما يعرفان أن هذه الصورة ستصل إليها.
وكأنها رسالة مقصودة.
وليست صدفة.
مريم أعادت النظر إلى الورقة.
ثم إلى الفلاشة.
ثم إلى الصورة.
ثم همست لنفسها:
“أنا مبقتش عارفة أصدق مين.”
كان أسهل شيء في العالم أن تصدق ما تراه.
نور بجوار سامح.
إذًا نور تكذب.
القصة انتهت.
لكن المشكلة…
أن أحمد كان قد توقع هذا المشهد مسبقًا.
وترك تحذيرًا واضحًا:
“متثقيش في نور.”
خرجت من البنك.
وركبت عربيتها.
لكنها لم تدر المحرك.
جلست فقط.
تفكر.
لأكثر من ساعة.
حتى رن هاتفها.
رقم غريب.
ردت بحذر.
فجاءها صوت مألوف.
صوت كريم.
“إنتِ فين؟”
استغربت.
“عرفت رقمي منين؟”
ضحك بخفة.
“سؤال مهم فعلًا في الظروف دي.”
لأول مرة منذ أيام…
ابتسمت رغمًا عنها.
لكن صوته عاد جادًا.
“في راجل بيسأل عليكي.”
اختفت الابتسامة.
“مين؟”
“معرفش.”
“شكله عامل إزاي؟”
“محترم زيادة عن اللزوم.”
“دي مش إجابة.”
تنهد كريم.
“حاسس إنه مش جاي يشترك في الجيم.”
شعرت مريم بالقلق.
ثم قالت:
“لو رجع تاني كلمني.”
وأغلقت الخط.
لكنها لم تلاحظ السيارة الرمادية التي بدأت تتحرك خلفها منذ خروجها من البنك.
ولا الرجل الجالس بداخلها.
الذي كان يتحدث في الهاتف.
ويقول:
“أيوة يا باشا.”
“معاها الفلاشة.”
في الطرف الآخر جاءه الرد:
“متضيعهاش.”
في المساء…
كانت مريم في شقتها.
تحاول فتح محتويات الفلاشة.
لكنها كانت محمية بكلمة مرور.
حاولت اسم أحمد.
فشل.
اسم نور.
فشل.
تاريخ زواجهما.
فشل.
ثم فجأة…
تذكرت شيئًا.
يوم زفافها.
يومها كان أحمد دائمًا يردد جملة غريبة.
“في حاجات عمرها ما بتتنسى.”
وكان يقولها وهو يضحك.
كتبت تاريخ أول يوم تقابلا فيه.
وضغطت Enter.
وانفتحت الفلاشة.
توقفت أنفاسها.
عشرات الملفات.
عقود.
تحويلات.
صور.
تسجيلات.
وأسماء كبيرة.
أكبر مما تخيلت.
رجال أعمال.
شخصيات عامة.
وأصحاب شركات معروفة.
لكن الملف الأهم كان بعنوان واحد:
“الرأس.”
فتحته.
فظهرت صورة.
ولم يكن صاحبها العم سامح.
بل رجل آخر.
رجل تعرفه.
لكنها لم تره منذ سنوات.
شهقت.
“لا…”
لأن الصورة كانت لخالها.
طارق.
الأخ الأكبر لأمها.
الرجل الذي يعيش في الخارج منذ أكثر من عشر سنوات.
الرجل الذي كانت العائلة كلها تعتبره ناجحًا ومحترمًا.
لكن الوثائق أمامها كانت تقول شيئًا مختلفًا تمامًا.
كان هو الممول الحقيقي.
والشخص الذي يقف فوق الجميع.
حتى فوق سامح نفسه.
في اللحظة ذاتها…
رن هاتفها.
هذه المرة كانت نور.
ردت فورًا.
قبل أن تتكلم نور قالت مريم:
“طارق.”
ساد صمت.
صمت طويل.
ثم جاءها صوت نور:
“إذن وصلتي للحقيقة.”
شعرت مريم بقشعريرة.
“إنتِ كنتِ عارفة.”
“أيوة.”
“ومخبية؟”
“كنت بحاول أثبت.”
“ومين يثبتك؟”
صوت نور انكسر لأول مرة.
“محدش.”
ثم أضافت:
“عشان كده دخلت اللعبة.”
وبدأت تحكي.
منذ ثلاث سنوات…
اكتشفت بالصدفة أن سامح يعمل لصالح طارق.
وأن الأموال التي تمر عبر الشركات الوهمية أكبر من أن يتخيلها أحد.
حاولت إبلاغ أحمد.
فوجدت أنه اكتشف الأمر قبلها.
ومن هنا بدأ كل شيء.
الأدلة.
المراقبة.
والخطر.
ثم قالت الجملة التي جعلت مريم تتجمد.
“الصور اللي شوفتيها…”
“أنا اللي نشرتها.”
“ليه؟”
“عشان لو راقبونا يصدقوا إننا مع بعض.”
“ومش يشكوا إننا بنجمع أدلة.”
أغمضت مريم عينيها.
لأن جزءًا منها أراد أن يصدق.
لكن جزءًا آخر كان مرهقًا جدًا من الخداع.
قالت:
“أنا مش عارفة أصدقك.”
ردت نور بهدوء:
“وأنا لو مكانك مش هصدقني.”
ثم أضافت:
“بس في حاجة واحدة أكيدة.”
“إيه؟”
جاءها الرد سريعًا:
“هما عرفوا إن الفلاشة عندك.”
وفي اللحظة نفسها…
انطفأت أنوار الشقة كلها.
غرقت في الظلام.
وسمعت صوتًا خافتًا خلف باب المنزل.
صوت مفتاح.
يدور ببطء.
كأن شخصًا يفتح الباب من الخارج.
رغم أنها لم تعطِ مفتاح الشقة لأحد.
ثم جاءها همس نور المرتعب عبر الهاتف:
“مريم…”
“اهربي.”
يتبع… 🔥🔥
