بعت دهبي
بعـت دهـبي وسحـبت من تحويشـة عمـري عـشان فـرح أخـو جـوزي يطلـع أحـسن فـرح في البـلد… لكـن في لـيلة الـفرح حمـاتي وجـوزي حطـوني علـى ترابيـزة الـخدم قـدام طليقتـه وقـالوا: اعـملي اللـي عليكـي واسكتـي… ماكانـوش يعـرفوا إن المفاجـأة اللـي مخبـياها هتـوقف الفـرح كـله في ثـواني….
أنا اسمي نيـروز، ومتجوزة من كـريم بقالي ٥ سنين.
لما أخوه الصغير اتقدم لبنت ناس كويسين، الدنيا اتقلبت في البيت….حماتي كانت كل يوم تقول:
_ إحنا لازم نعمل فرح يليق باسم العيلة.
لكن الحقيقة إن الفلوس ما كانتش مكفية.
كريم فضل يلف ويدور ويشتكي من المصاريف، وأنا من حبي ليه وافقت أساعد… حصري على صفحة روايات و اقتباسات..
بعت جزء من دهبي، وسحبت من تحويشة كنت بجمعها من سنين، واديت الفلوس لكريم من غير ما أقول لحد.
كل مرة كان يقولي:
— والله عمرك ما هتشوفي مني غير كل خير.
وكنت أصدقه.
#حكايات_مني_السيد
قبل الفـرح بأسبـوع، حماتي بدأت تعاملني بطريقة غريبة.
كل ما أقترح حاجة تقول:
— سيبي الكبار يفهموا.
وكل ما أتكلم قدام الناس تقاطعني.
لكن كنت بعدّي.
لحد اليوم اللي رجعت فيه البيت بدري.
سمعت حماتي بتقول لكريم في الصالة:
— أهم حاجة يوم الفرح تعرفها مقامها.
ضحك وقال:
— متقلقيش يا أمي… دي عمرها ما ترد.
وسكت ثانية قبل ما يكمل:
— وطبعًا هنعزم مي.
مي كانت طليقته…الست اللي كان بيأكدلي إنه ندم إنه عرفها أصلًا…فضلت واقفة ورا الباب وقلبي بيدق…لكن قررت أراقب وأسكت… حصري على صفحة روايات و اقتباسات…
في ليلة الفرح، دخلت القاعة وأنا متوقعة أي حاجة…
إلا اللي شوفته.
مي كانت قاعدة جنب جوزي على الترابيزة الرئيسية.
والمكان اللي المفروض أقعد فيه؟
مش موجود أصلًا.
لما سألت حماتي، بصتلي من فوق لتحت وقالت:
— إنتِ اقعدي هناك.
وأشارت على ترابيزة صغيرة جنب باب المطبخ.
الصدمة الأكبر كانت لما كريم قال قدام الناس كلها:
— ما تكبريش الموضوع… إنتِ جاية تساعدي مش أكتر.
الضحك بدأ يعلى على الترابيزة الرئيسية.
وحسيت إن كل العيون عليا.
في اللحظة دي بالذات…
رن تليفوني…بصيت للشاشة…واتجمدت مكاني.
لأن المتصل كان شخص واحد فقط…الشخص اللي لو دخل القاعة في اللحظة دي، الفرح كله ممكن يتحول لكارثة خلال دقائق…رفعت عيني ناحية جوزي ، وابتسمت لأول مرة طول الليلة
الضحكة اللي طلعت من قلبي في اللحظة دي ما كانتش ضحكة فرح، كانت ضحكة واحدة استردت روحها بعد ما كانت بتسلمهالهم على طبق من فضة. كريم، اللي كان بيبصلي بتهكم ومستني يشوف وشي وهو بيتبهدل، اتفاجئ بابتسامتي. هو كان فاكرني بكسر نفسي وبحاول استوعب إهانتهم، ما كانش يعرف إن “نيروز” اللي كان فاكرها ضعيفة ومسالمة، شالت في قلبها جمر خمس سنين، والنهاردة هو اليوم اللي قررت فيه أطلعه في وشهم كلهم.
مسكت التليفون وطلعت ببطء شديد، وكأنني بمشي على سجادة حمراء مش بخرج من باب المطبخ المليان ببواقي الأكل والعمال اللي باصينلي بشفقة. خرجت في هدوء القاعة، والهوا البارد ضرب وشي، خدت نفس طويل ورجعت قفلت المكالمة عشان أفتح التسجيلات اللي كنت مجهزة بيها “المفاجأة”.
— أيوة يا فلان.. اتفضل ادخل، القاعة في انتظارك، والعروسة وأهلها مستنيين يشوفوا “الضيف” اللي كان مفروض ما يحضرش.
رجعت القاعة تاني، بس المرة دي ما اتجهتش لترابيزة الخدم. مشيت بخطوات ثابتة ناحية الـ “دي جي”. بصيت للولد اللي واقف هناك بجرأة، وحطيت الفلاشة في ايده. كان باصصلي باستغراب، بس نظرة عينيا كانت كفيلة تخليه يعمل اللي قولتله عليه من غير نقاش.
حماتي كانت قاعدة بتوزع ابتساماتها المصطنعة على المعازيم، وكريم كان لسه بيتهامس مع “مي” اللي كانت لابسة أغلى ما عندها، وكأنها هي العروسة مش مرات أخوه. قعدت على أقرب كرسي في وسط القاعة، قدام الترابيزة الرئيسية مباشرة، وبدأت أراقبهم.
فجأة، الموسيقى الصاخبة وقفت. سكون تام خيم على القاعة. كريم بصله للـ “دي جي” بغضب، وبدأ يزعق: “فيه إيه؟ حصل إيه؟”.
قبل ما حد يرد، صوت تسجيلي بدأ يملأ القاعة كلها، صوت كريم، صوت واضح، صريح، ومافيهوش أي مجال للشك:
*”أنا مش عارف يا مي لسه بحبك ليه.. نيروز دي مجرد واجهة عشان أمي ترتاح، والفلوس اللي دفعتها في الفرح ده، أنا خديتها منها بالطريقة اللي تليق بواحدة زيك، تفتكري بعد ما يخلص الفرح ده هعمل فيها إيه؟ دي مجرد خدامة بفلوس.. هرميها في الشارع أول ما ألاقي الفرصة.”*
الصمت زاد، بس المرة دي صمت الصدمة. وش كريم اتقلب لونه للرمادي، وحماتي وقعت الشوكة من ايدها، وبصتلي والشرار بيطلع من عينيها. قمت وقفت، وكنت حاسة إني أطول ست في القاعة دي كلها. مشيت ناحيتهم ببطء، وكل خطوة كنت بحس فيها بنبض قلبي بيقوى.
وصلت لترابيزة الرئيسية، وقفت قدامهم كلهم، وبصيت لكريم اللي كان عرقان ومذهول:
— الفرح ده “أحسن فرح في البلد” زي ما طلبت يا كريم، بس مش زي ما كنت متخيل.
مي قامت وقفت وبصتلي بتحدي:
— إنتِ فاكرة إنك كده أخدتي حقك؟ ده مجرد تسجيل، الناس هتقول عليكِ إيه؟
ضحكت بصوت عالي، ضحكة خلت القاعة كلها تبص لنا:
— الناس هتقول عليا إيه؟ يا حبيبتي، أنا مش فارق معايا غير إن الكل يعرف حقيقة الراجل اللي قاعد جنبك ده. والفلوس اللي دفعتها؟ اعتبريها تمن خروجكم من حياتي، لأن اللي جاي أصعب بكتير.
حماتي حاولت تقاطعني بصوتها العالي المعتاد:
— إنتِ اتجننتي؟ إنتِ عارفة بتعملي إيه؟ ده طلاقك هيكون في إيدك قبل ما ليلتك تخلص!
بصيت لها بنظرة باردة:
— يا طنط، أنا ببيع دهبي عشان أشتري كرامتي، وأظن إني كسبت الصفقة النهاردة بامتياز. والطلاق؟ ده اللي أنا كنت مستنياه.
في اللحظة دي، دخل “الشخص” اللي كان على التليفون. دخل ومعاه اتنين محامين. كان الأستاذ كمال، محامي العيلة اللي كان بيدير أملاك والدي، والشخص اللي كريم كان بيخاف منه أكتر من أي حد. كريم لما شافه، اتجمد في مكانه، لأن الوجود بتاع الأستاذ كمال في فرح أخوه، ومعاه أوراق رسمية، ما كانش للتهنئة أبداً.
كريم وقف بضعف:
— أستاذ كمال؟ خير؟
الأستاذ كمال بصله ببرود وفتح شنطته:
— خير يا كريم بيه. نيروز هانم طلبت مني تجهيز كل أوراق التنازل عن كل القرارات المالية اللي خدتها باسمها، بالإضافة لطلب الطلاق للضرر، ومعايا تسجيلات تانية مش بس عن خيانتك، لكن عن عمليات النصب اللي عملتها على حسابها في شغلها الخاص.
بدأت الهمسات تعلى في القاعة، وأهل العروسة قاموا وقفوا، والكل بدأ يهمس بكلمة “نصاب”. كريم حاول يقرب مني ويهمس:
— نيروز، اسمعيني.. خلينا نهدي الأمور ونطلع بره، مش قدام الناس دي كلها.
بصيت في عينه لأول مرة من غير خوف، من غير حب، من غير أي مشاعر غير الشفقة:
— ليه يا كريم؟ ما إنت اللي قولت “اعملي اللي عليكِ واسكتي”.. أهو أنا عملت اللي عليا، ودلوقتي دوري إني أسمع.
حماتي بدأت تصرخ وتلم الناس، بس المحامين كانوا واقفين سد منيع. العروسة وأهلها بدأوا ينسحبوا من القاعة بعد ما فهموا إن العيلة دي ما هماش اللي كانوا بيظهروه.
أنا وقفت في نص القاعة، وسط الفوضى، وسط نظرات الناس اللي كانت ما بين مصدوم ومستنكر ومؤيد. مسكت الميكروفون اللي كان واقع على الأرض، وبصيت لكل الحاضرين:
— شكرًا لكل اللي حضر، الفرح ده كان تجربة تعلمت فيها إن أغلى حاجة ممكن الواحد يضحي بيها هي “نفسه” عشان حد ما يستاهلش. كريم.. أنا مش محتاجة أقول حاجة تانية، الناس هنا شافت وسمعت، والورق اللي معاك دلوقتي هو اللي هيحدد بقية حياتك.
سيبت الميكروفون وكنت خلاص همشي، بس وقفت لحظة لما سمعت صوت كريم وراه بيزعق وبيحاول يمسك فيا. حسيت بإيد الأستاذ كمال بتسحبني لورا وبتقولي: “سيبيه، هو ما بقاش يملك أي حاجة دلوقتي، حتى البيت اللي قاعدين فيه ده بقى مرهون باسم نيروز هانم بحكم التوكيلات اللي هي سحبتها من شهرين”.
ابتسمت ابتسامة خفيفة. أيوه، أنا كنت محضرة كل حاجة. من قبل ما الفرح ده يحصل بأسابيع، كنت عارفة إن كريم بيخطط لحاجة، وعارفة إنه بيستغلني. التوكيلات اللي كنت مدياله إياها للبيزنس، سحبتها بهدوء من غير ما يحس.
خرجت من القاعة، والجو بره كان مختلف. الهوا كان أنقى، والسما كانت أوسع. ركبت عربيتي، وبصيت للمراية. شفت نيروز اللي سابت كل حاجة وراها، بس رجعت لنفسها.
القاعة ورايا كانت بتشتعل بالخناقات، كريم بيحاول يبرر، حماتي بتلطم، ومي واقفة مصدومة. قولت في سري: “مش ده اللي كنتوا عايزينه؟ فرح يفضل في ذاكرة البلد كلها؟ أهي الذاكرة دي هتفضل محفورة باسم نيروز اللي ما حدش قدر يكسرها”.
بدأت أدور العربية، وكنت عارفة إن اللي جاي مش هيكون سهل، بس على الأقل، أنا حرة. مشيت وأنا مش بتبص ورايا، كنت بس بتبص للطريق اللي قدامي، طريق جديد، من غير كريم، من غير دهب، ومن غير تضحيات مالهاش لازمة.
بس وأنا ماشية، تليفوني رن تاني… رقم غريب. رديت، ولقيت صوت مألوف، صوت كان واحشني، صوت جدي اللي كان دايمًا بيقولي “ما تخليش حد يطفّي نورك يا نيروز”.
— نيروز؟ أنا عرفت اللي حصل.. إنتِ فين؟
رديت بصوت ثابت:
— أنا في طريق الحرية يا جدي… طريق كنت لازم أمشي فيه من زمان.
قفلنا، وأنا حسيت إن كل هموم الدنيا نزلت من على كتافي. كنت ماشية في الشوارع اللي كانت شاهدة على كل لحظة ضعف عشتها مع كريم، بس النهاردة، الشوارع دي كانت بتشهد على ولادتي من جديد.
عديت على بيتي القديم، البيت اللي كنت بجمع فيه القرش على القرش عشان “بيتنا”. نزلت من العربية، وطلعت الشقة. دخلت لقيت كل حاجة لسه في مكانها، بس الحيطان كانت بتنطق بذكريات وجع. بدأت ألم حاجتي الشخصية، حاجتي اللي فعلاً تخصني، بعيد عن أي حاجة اشتركنا فيها.
لقيت “صندوق الذكريات” اللي كان فيه صورنا، ووعودنا، والهدايا اللي جابها لي في أيامنا الأولى. خدته زي ما هو، ورميته في الزبالة من غير ما أفتح غطاه. مش محتاجة أفتكر، كفاية اللي أنا فيه دلوقتي.
وأنا بنزل، لقيت جيراني واقفين قدام العمارة، بيسألوني بفضول عن اللي حصل في الفرح، عن الفضيحة اللي وصلت لكل الناس في دقايق. ما رديتش عليهم، بس اكتفيت بابتسامة غامضة، ومشيت.
وصلت لمحطة القطر، كنت عايزة أبعد، عايزة مكان ما حدش يعرفني فيه. مكان أبدأ فيه من جديد، من غير قصص، ومن غير دراما، ومن غير “حكايات نيروز”.
في القطر، قعدت جنب الشباك، وبدأت أراقب البيوت وهي بتبعد، والمباني وهي بتصغر. حسيت براحة عمرها ما جتلي في سنين زواجي الخمسة. كريم دلوقتي في القاعة، بيواجه عواقب أفعاله، ومي بتدور على طريق للهرب، وحماتي بتواجه غضب الناس اللي كانت بتتباهى قدامهم.
أنا كنت برا كل ده، كنت في عالم تاني، عالم أنا اللي بكتب فصوله، وأنا اللي بقرر نهايته.
طلعت مفكرتي، وبدأت أكتب الصفحة الأولى من حكايتي الجديدة. كتبت: “الفصل الأول: يوم التحرر”. وكنت عارفة إن اللي جاي لسه فيه كتير، بس اللي متأكدة منه، إن “نيروز” القديمة ماتت في القاعة دي، واللي موجودة دلوقتي، هي واحدة تانية خالص، واحدة اتعلمت إن أغلى درس في الحياة هو إنك تحب نفسك أكتر ما تحب أي حد تاني.
القطر بدأ يتحرك، وأنا غمضت عيني، وحلمت بكرة، بكره بعيد عن الإهانات، وعن العيلة دي، وعن كل حاجة ربطتني بيهم. كان صوت عجل القطر على القضبان زي نبضات قلبي، نبضات قوية، واثقة، ومستعدة لكل اللي جاي.
وفجأة، لمحت خيال في المرايا، خيال واحدة وقفت قدامي، وقالتلي: “إنتِ شجاعة”. ابتسمت لنفسي، وقلت: “مش بس شجاعة… أنا حرة”.
كريم ما كانش بس خايف من الفضيحة وسط الناس، كان مرعوب من “الورق” اللي في إيد الأستاذ كمال. الشكوك اللي كانت بتطاردني طول السنين اللي فاتت اتحولت ليقين في اللحظة اللي شوفت فيها نظرة الانكسار في عين حماتي وهي بتشوف الناس بتبدأ تلم شنطها وتمشي من الفرح اللي اتصرف عليه تحويشة عمري.
الهدوء اللي كان في القاعة اتحول لهرج ومرج.. أصوات زعيق، كراسي بتتحرك، وناس بتهمس بكلمات “نصّاب” و”مستغل” وهي بتبص لكريم. أنا وقفت في نص القاعة، مش عايزة أتحرك، عايزة أشبع من المشهد ده. كريم جه ناحيتي، وشه أحمر زي الجمرة، مسك إيدي جامد وقالي بصوت واطي ومخنوق:
— إنتِ عملتي إيه يا مجنونة؟ إنتِ دمرتي اسمي واسم العيلة في ليلة زي دي؟ إنتِ عارفة أنا ممكن أعمل فيكي إيه؟
بصيت لإيده اللي ماسكة إيدي، وشديتها منه ببرود وقوة أنا نفسي استغربتها:
— دمرت اسمك؟ لا يا كريم، أنا بس شلت القناع اللي كنت مستخبي وراه. الاسم اللي بتقول عليه ده هو اللي بنيته على وجعي وسكوتي وتضحياتي. أما اللي ممكن تعمله فيا، فخليني أقولك إنك ما بقاش في إيدك أي “كارت” تلعب بيه، لا التهديد ولا القوة ولا حتى العيلة اللي كنت بتستقوي بيها.
حماتي جريت عليا وهي بتصيح، شعرها منكوش ووشها مليان غضب:
— يا كدابة! يا بنت الـ… إنتِ فاكرة إنك هتخرجي منها كده؟ دي فلوسنا، وده فرح ابني، وإنتِ مجرد ست ملهاش لزمة في البيت ده!
ضحكت، والضحكة دي كانت كفيلة تخليها تسكت للحظة، لأني لأول مرة كنت ببصلها من فوق، مش لأنني متكبرة، لكن لأنني عرفت حجمها الحقيقي:
— ست ملهاش لزمة؟ طب كنتِ بتاخدي دهبي ليه يا حماتي؟ وكنتِ بتخليني أشتغل ليل نهار عشان توفري مصاريف لبسك ودهبك اللي بتتباهي بيه قدام الناس ليه؟ الحقيقة إنكم كلكم عالة على “الخدمة” اللي كنتوا بتذلوني بيها، والنهاردة، الخدمة دي هي اللي بتطردكم من حياتي.
الأستاذ كمال تدخل في اللحظة دي، وبدأ يوزع نسخ من الأوراق على كل اللي في الترابيزة الرئيسية. الورق ده كان فيه تفاصيل “التوكيلات” اللي كريم كان بيستخدمها لصالحه، وعقود البيع اللي كان بيحاول ينقل بيها أصول باسمه. الناس بدأت تقرأ وتهمس، والجو كان تقيل ومكفهر. مي، طليقته، كانت بتبص للموقف بذهول، ولما شافت إن السفينة بتغرق، حاولت تنسحب بهدوء، بس أنا ناديت عليها بصوت مسموع:
— على فين يا مي؟ لسه الحفلة ما خلصتش.. مش إنتِ اللي كنتِ بتخططي مع كريم إزاي تطلعي “نيروز” من البيت وتستولي على كل حاجة؟ اتفضلي اسمعي باقي القصة، يمكن تتعلمي درس يفيدك في حياتك الجاية.
مي اتجمدت في مكانها، ووشها اصفر. كريم حاول يهجم على الأستاذ كمال، بس رجالة الأمن اللي كانوا في القاعة منعوه. الوضع كان مأساوي، بس بالنسبة ليا، كان قمة العدل.
خرجت من القاعة وأنا حاسة بتقل بيتشال من على كتافي. الهواء بره كان مختلف، هواء حرية، هواء نضيف بعيد عن ريحة النفاق والغل. ركبت عربيتي، وجدي كان لسه على التليفون، سمع كل حاجة، كان صوته بيتهدج من التأثر:
— يا بنتي، أنا كنت عارف إن فيكي عرق أصيل، بس ما كنتش متخيل إنك هتوصلي للشجاعة دي. تعاليلي، البيت بيتك، والكل هنا مستنيكي.
وصلت بيت جدي، البيت اللي اتربيت فيه على العزة والكرامة. دخلت، ولأول مرة من 5 سنين، حسيت إنني “نيروز” تاني. مش “مرات كريم”، ولا “بنت الست فلانة”، ولا “الخدمة” اللي بيذلوها. قعدت مع جدي، حكيتله كل حاجة، عن الوجع، عن الخذلان، وعن اللحظة اللي قررت فيها أكون قوية.
جدي مسك إيدي وقالي:
— الذهب بيروح ويجي، بس الكرامة هي اللي بتبقى. اللي حصل النهاردة مش نهاية، ده بداية لحياة جديدة هتكوني إنتِ فيها البطلة، مش حد تاني.
قضيت الليلة دي في تفكير عميق. كريم بعتلي مئات الرسائل، مكالمات لا حصر لها، اعتذارات، تهديدات، استعطاف.. بس كنت بحس إن كل ده مجرد ضوضاء. مسحت كل الرسائل من غير ما أقرأها. أنا مش محتاجة أسمع أعذار، أنا محتاجة أعيش في سلام.
في الصبح، صحيت وأنا حاسة بنور جديد بيدخل قلبي. بدأت أرتب لحياتي. الأستاذ كمال اتصل وقالي إن كريم في أزمة قانونية كبيرة بسبب التلاعب اللي كان بيعمله، وإن البيت اللي كنا عايشين فيه بقى رسمي باسمي، زي ما طلبت.
ما كنتش مهتمة بالبيت، كنت مهتمة بس إني أقطع كل خيط بيربطني بيهم. قررت أبيع كل حاجة، وأبدأ استثمار جديد في مشروع كنت بحلم بيه طول عمري، مشروع لتمكين الستات اللي بيعانوا من نفس اللي عانيته، مشروع يخليهم أقوى، وما يسمحوش لأي حد إنه يكسرهم.
وانا بجهز شنطي عشان أمشي وأسيب البلد دي، لقيت كريم واقف قدام باب بيت جدي. كان شكله مبهدل، عيونه غايرة، ولبسه مكركب. لما شافني، بدأ يعيط، دموع التماسيح اللي كان بيستخدمها كل ما يغلط.
— نيروز، ارجعي، أنا من غيرك ولا حاجة. أنا كنت غبي، كنت مخدوع بكلام أمي ومي.. ارجعي وهعملك اللي إنتِ عايزاه.
بصيتله بإشفاق، نفس الإشفاق اللي كنت بشوفه في عيون الناس في قاعة الفرح، بس المرة دي كان حقيقي:
— يا كريم، الوجع اللي جوه قلبي مش محتاج “اعتذار”، محتاج “وقت”. والوقت ده أنا قررت أبدأ أعيشه لنفسي، مش ليك. الطريق اللي مشيناه سوا انتهى، وكل واحد فينا بقى له طريق تاني.
حاول يقرب، بس جدي طلع ووقف جنبي، وكان صوته زي الرعد:
— العب غيرها يا بني.. نيروز النهاردة مش نيروز اللي عرفتها. هي دلوقتي أقوى، وأوعى، ومستحيل ترجع لوراء. اخرج من حياتنا، وكفاية اللي عملته لحد كده.
كريم بصلي نظرة أخيرة، نظرة كانت خليط من الندم والكسر، ومشي بخطوات تقيلة، وكأنه شايل فوق كتافه كل خطايا السنين اللي فاتت. أنا فضلت واقفة بتابع خياله وهو بيبعد، وأنا حاسة براحة عمري ما عرفتها.
دخلت البيت، لميت باقي حاجتي، وطلعت للمطار. كان فيه رحلة لبلد بعيدة، بلد أبدأ فيها من الصفر، بلد ما فيهاش “حمات” بتذل، ولا “جوز” بيخون، ولا “ناس” بتبصلي بنظرة شفقة.
وأنا في الطيارة، بصيت للشباك. الغيوم كانت بيضاء ونقية، زي قلبي دلوقتي. فتحت مذكراتي، وبدأت أكتب الفصل قبل الأخير من قصتي. كتبت: “مش لازم نكون ضحايا عشان نكون أبطال. أحياناً، البطولة الحقيقية هي إنك تعرف إمتى تنسحب، وإمتى تبدأ من جديد.”
كانت الرحلة طويلة، بس كل دقيقة فيها كانت بتغسل روحي. كنت بفكر في “نيروز” اللي كانت بتخاف من ظلها، والنهاردة، هي واحدة بتواجه العالم كله وهي مرفوعة الرأس. كنت بفكر في كل ست بتمر بنفس الظروف، وبقولها في سري: “إنتِ تقدري، إنتِ أقوى مما تتخيلي، وما تسمحيش لأي حد إنه يخليكي تشكي في قيمتك.”
وصلت البلد الجديدة، والجو كان مختلف، الناس كانت مختلفة، بس أنا كنت حاسة إني في بيتي. بدأت أتعرف على ناس جديدة، وبدأت أعيش حياة بسيطة، هادية، ومليانة طموح.
كل يوم كنت بصحى فيه وأنا حاسة بالحرية، كنت بشكر ربنا إنه وقف جنبي في الليلة دي، الليلة اللي اتغير فيها كل شيء. الليلة اللي عرفت فيها إني مش بس “نيروز”، أنا واحدة قادرة تكون أي حاجة، قادرة تبني، قادرة تنجح، وقادرة تختار نفسها فوق أي شيء.
وأنا بختم كتابة الفصل ده، لقيت نفسي بابتسم. الابتسامة دي مش كانت ضحكة فرح زي اللي ضحكتها في قاعة الفرح، دي كانت ضحكة رضا، رضا عن كل قرار خدته، رضا عن كل وجع تحملته، ورضا عن “نيروز” اللي أنا عليها دلوقتي.
اللي جاي لسه مجهول، بس المجهول ده ما بقاش يخوفني. بالعكس، بقى يغريني. بقى كأنه لوحة بيضاء، وأنا اللي بمسك القلم عشان أرسم فيها أجمل حكاياتي. حكايات مش عن “الفرح” اللي كان، ولا عن “الوجع” اللي فات، حكايات عن “الحياة” اللي لسه بتبدأ، وعن “نيروز” اللي عمرها ما هتسمح لأي حد إنه يطفي نورها تاني.
نظرت للسما، وحسيت إن كل نجمة بتلمع هناك هي وعد ليا بكرة أفضل. غمضت عيني، وتخيلت نفسي في مكان جديد، وسط ناس جديدة، بيقدروا قيمتي وبيحبوني لذاتي، مش عشان أنا “مرات” حد، ولا عشان “أساعد” حد.
مرت سنة كاملة على الليلة اللي غيرت مجرى حياتي، السنة اللي بدأت بدموع ذل في قاعة فرح، وانتهت بضحكة حرة في بلد تانية خالص. قاعدة دلوقتي في البلكونة بتاعة بيتي الجديد، قدامي فنجان قهوة وشمس الغروب بتلون السما بألوان هادية، نفس الألوان اللي كنت بتمناها لحياتي.
المسافة بيني وبين حياتي القديمة ما كانتش بس آلاف الكيلومترات، كانت سنين ضوئية من الوعي والسكينة. في الفترة دي، مشروع “تمكين” اللي حلمت بيه بدأ يكبر، وبدأ يلم حواليا ستات كتير عانوا من نفس خذلاني. ما كنتش مجرد مديرة مشروع، كنت “نيروز” اللي بتسمع، بتسند، وبتعلمهم إن قيمتهم مش مستمدة من أي حد، ولا من أي مسمى اجتماعي.
جالي جواب من الأستاذ كمال من أسبوع، بيقولي فيه إن كريم قضى فترة في السجن بسبب قضايا النصب اللي تورط فيها، وإن حماتي بقت تعيش لوحدها، بعد ما كل اللي كانت بتتباهى قدامهم هجروها. قريت الجواب وقفلته، ما حسيتش لا بشماتة ولا بوجع، حسيت بسلام غريب. كأن كل اللي حصل ده كان “درس” في مدرسة الحياة، درس كان قاسي، بس كان لازم أخده عشان أعرف قيمتي الحقيقية.
قمت دخلت البيت، وبدأت أرتب مكتبي. المرة دي، وأنا بشتغل، كنت بحس إن كل كلمة بكتبها بتطلع من قلب عاش وجرب، مش من خيال. لقيت صورة قديمة ليا في الصندوق اللي كنت ناوية أرميه، صورة لعروسة صغيرة بتبص للكاميرا بضحكة بريئة، ما كانتش عارفة إن الدنيا هتخبي لها “حكايات” كتير. مسحت الصورة بحنية، وقلت لنفسي: “يا نيروز، كان لازم تعدي بكل ده عشان تكوني اللي إنتِ عليه دلوقتي.”
تليفوني رن، كان جدي. صوته كان دافي زي عادته:
— يا نيروز، البلد وحشتك؟
ابتسمت:
— البلد دايماً وحشاني يا جدي، بس البلد اللي في قلبي، مش اللي شفت فيها الوجع. أنا بقيت في مكان تاني، مكان بيحترم نيروز اللي بجد.
جدي ضحك:
— أهم حاجة تكوني مرتاحة يا بنتي. المهم، في ناس كتير هنا بتسأل عليكي، ومنهم ناس بدأت تطلب منك نصايح في حياتهم بعد ما شافوا اللي عملتيه.
— أنا دايماً موجودة يا جدي، مش بس للناس اللي كانت بتعرفني، لكن لكل واحدة حاسة إنها مكسورة ومحتاجة إيد تتمد لها.
قفلنا التليفون، وبدأت أراجع تفاصيل “كتابي” اللي قررت أنشره. الكتاب ده بيحكي قصتي من غير تجميل، من غير خجل، بيحكي عن الوجع اللي ورا “الدهب”، وعن الكرامة اللي ما تتباعش. كان عنوانه “خارج السرب”، عشان فعلاً، أنا قررت أخرج من السرب اللي كان بيحاول يحدد هويتي ويحجمني.
في المساء، نزلت أتمشى في الشوارع الهادية. المكان هنا مختلف، الناس هنا بتمشي بابتسامات حقيقية، ما فيش نظرات استعلاء، ولا تمثيل. وأنا ماشية، قابلت واحدة من الستات اللي بيحضروا ورش العمل بتوعي. جريت عليا وحضنتني:
— يا نيروز، بفضلك أنا خدت قرار إني أنفصل عن جوزي اللي كان بيذلني، والنهاردة أنا وأولادي بنبدأ حياة جديدة.
حسيت بدموع في عيني. الوجع اللي عشته ما راحش هدر، كان ثمن لإنقاذ حياة تانية. الـ 1500 كلمة دول مش مجرد نهاية لقصة، دول بداية لألف قصة تانية، قصص ستات قرروا يقولوا “لا” لكل ما يقلل من شأنهم.
رجعت البيت، وقعدت قدام المرايا. بصيت لنفسي، شفت واحدة ست قوية، ملامحها مرسومة بالخبرة والذكاء، وعيونها بتلمع ببريق الأمل. ما بقتش نيروز الضعيفة، بقيت نيروز اللي بتبني عالمها الخاص.
فتحت مذكراتي، وبدأت أكتب الصفحة الأخيرة. كتبت: “الحياة مش فرح، ولا دبلة، ولا كلام ناس. الحياة هي اللحظة اللي بتعرف فيها مين إنت، وليه إنت موجود. أنا لقيت نفسي في طريق كان مليان بالأشواك، بس في الآخر، وصلت لأرض مليانة ورد. مش ندمانة على أي شيء، لأن كل لحظة خذلان كانت بتدفعني خطوة ناحية حريتي.”
كنت بسمع أصوات المدينة وهي بتهدى، وبحس بسلام داخلي لا يوصف. أيوه، أنا اللي اتكسرت، وأنا اللي اتهانت، وأنا اللي بعت دهبها عشان تشتري “فرح”.. بس أنا كمان اللي اتعلمت، أنا اللي قمت، وأنا اللي بقيت بطلة قصتي.
طلعت على السطوح، وبصيت للنجوم. كل نجمة كانت بتفكرني بوعد قطعته لنفسي: “عمري ما هسمح لحد إنه يطفّي نورك يا نيروز.”
فتحت إيميلي، لقيت رسائل كتير، أغلبها من بنات بيسألوني: “ازاي نكون زيك؟” بدأت أرد عليهم واحدة واحدة. كل رد كان جزء من “نيروز” الجديدة، نيروز اللي بتشارك تجربتها عشان تنور طريق لغيرها.
الليل دخل، والهدوء زاد، وأنا حاسة إني في أجمل حتة في الدنيا، مش لأن المكان حلو، لكن لأنني “أنا” حلوة، ومتقبلة، وقوية.
خدت نفس عميق، وابتسمت للسما. القصة دي، اللي بدأت بدمعة، انتهت بانتصار. انتصار على الخوف، على الذل، وعلى كل حاجة كانت عايزة تكسرني.
وأنا بكتب آخر جملة في المذكرة، حسيت بإيد بتلمس كتفي، كانت “نفسي”، كأنها بتقولي: “شكراً إنك ما استسلمتيش.”
كتبت: “النهاية.. أو بالأحرى، البداية الحقيقية.”
قفلت المذكرة، وحطيتها في درج المكتب. المكان كان هادي، والشموع اللي ولعتها كانت بتنور أوضتي بضوء خافت، ضوء كان بيعكس الهدوء اللي في قلبي.
مشيت ناحية الشباك، وبصيت للطريق. طريق طويل، ممتد، مليان بفرص جديدة وأحلام لسه ما اتحققتش. ما بقاش عندي خوف من اللي جاي، لأنني بقيت عارفة إن القوة اللي جوايا أكبر من أي تحدي ممكن يواجهني.
نمت في الليلة دي، ولأول مرة من سنين، بنوم هادي، من غير كوابيس عن الفرح، ولا أصوات بتعاتبني. نمت وأنا حاسة بسلام، سلام إنسانة عارفة إنها عملت اللي عليها، وعرفت إن الحياة مش باللي بناخده، لكن باللي بنقدمه، وبالشخص اللي بنكون عليه في الآخر.
والصبح، لما الشمس طلعت، بدأت يوم جديد.. يوم كان فيه كتير من الشغل، وكتير من الناس اللي محتاجة مساعدة، وكتير من الأحلام اللي كنت مستنية أحققها.
أنا نيروز، وقصتي مش بس حكاية، دي مسيرة. مسيرة واحدة قررت تعيش، وتحب، وتنجح، والأهم من ده كله، إنها تكون “حرة”.
لو سألتوني دلوقتي: “نيروز، لو رجع بيكي الزمن، هتبيعي دهبك تاني عشان الفرح؟” هرد عليكم بابتسامة واثقة: “لا.. مش عشان الفرح، بس عشان اللحظة اللي اكتشفت فيها قوتي، اه، كنت همر بكل ده، عشان في الآخر ألاقي نفسي.”
القصة انتهت هنا، بس الحكاية لسه مكملة.. حكاية كل ست بتبدأ تقرأها دلوقتي، حكاية نيروز، اللي علمتنا إن حتى من قلب الكارثة، ممكن نصنع أجمل بداية.
