ارمله اخويا
أرملة أخويا سابتلي بنتها الرضيعة يومين وقالت إنها هترجع بسرعة لكن لما فتحت الحقيبة اللي سابتها معاها، فهمت إنها ما كانتش ناوية ترجع أصلًا
بعد وفاة أخويا بسنة تقريبًا، كانت مراته لسه بتحاول تمسك نفسها بالعافية.
اسمها هبة.
وعندها بنت صغيرة اسمها ملك.
كانت وقتها عندها 8 شهور بس.
وأنا كنت دايمًا بحاول أساعدها على قد ما أقدر.
لأن أخويا الله يرحمه كان أغلى حد عندي.
وفي يوم بالليل، هبة خبطت باب شقتي وهي شايلة ملك.
وشها كان مرهق جدًا.
وعينيها باين فيهم السهر والعيط.
أول ما دخلت قالتلي
معلش يا أختي محتاجة منك خدمة.
قلتلها
طبعًا، خير؟
قالت
عندي مشوار مهم جدًا برة المحافظة. يومين بالكتير وهرجع آخد ملك.
بصيت للبنت الصغيرة وهي نايمة على كتف أمها.
وقلت من غير تفكير
سيبيها واطمني.
هبة حضنتني جامد بشكل غريب.
لدرجة إني استغربت.
وبعدين باست ملك من راسها أكتر من مرة.
كأنها بتودعها.
لكنّي ماخدتش بالي وقتها.
قبل ما تمشي، سابتلي شنطة أطفال كبيرة.
وقالت
كل حاجتها جوا.
وخدت بعضُها ومشيت.
في أول يوم، ماقلقتش.
وفي التاني استنيت اتصال منها.
مفيش.
في التالت، تليفونها بقى مقفول.
في الرابع، بدأت أخاف.
اتصلت بكل معارفها.
محدش يعرف عنها حاجة.
رحت الشقة بتاعتها.
لقيتها فاضية تقريبًا.
وكأن
حد نقل جزء كبير من العفش على عجل.
ساعتها قلبي بدأ يدق بقوة.
رجعت البيت وأنا شايلة ملك وبفكر.
وفجأة افتكرت الشنطة اللي سابتها.
كنت مستخدمة منها حاجات البنت بس.
لكن ما فتحتش الجيوب الجانبية أبدًا.
قربت الشنطة.
وفتحت أول جيب.
لقيت شوية هدوم صغيرة.
رضاعات.
وحفاظات.
عادي.
لكن في الجيب الداخلي المقفول بسوستة
لقيت ظرف بني كبير.
مكتوب عليه بخط إيدها
ما تفتحيش الظرف إلا لو عدّى أسبوع وأنا ما رجعتش.
إيدي اتجمدت.
بصيت على التاريخ.
كان بقاله أكتر من أسبوع فعلًا.
فتحت الظرف بسرعة.
وكان جواه رسالة.
وأوراق.
وصورة قديمة.
بدأت أقرأ.
لو بتقري الرسالة دي يا نهى، يبقى أنا غالبًا مش هرجع.
حسيت إن نفسي اتقطع.
وكملت قراءة وأنا بترعش.
أنا عارفة إنك هتزعلي مني لكن مافيش وقت أشرح كل حاجة. الناس اللي كانوا بيدوروا على جوزي قبل ما يموت رجعوا تاني.
وقفت عن القراءة.
وبصيت للصورة اللي كانت جوه الظرف.
الصورة كانت لأخويا
واقف جنب 3 رجال ماعرفهمش.
لكن الصدمة الحقيقية ما كانتش في الصورة.
الصدمة كانت في الورقة اللي وقعت من الظرف على الأرض.
الصدمة كانت في الورقة اللي وقعت من الظرف على الأرض.
لأنها ما كانتش ورقة عادية.
كانت شهادة ميلاد.
لكن مش شهادة ميلاد ملك.
شهادة ميلاد لطفلة تانية.
اسمها مريم.
واتولدت قبل ملك بسنة كاملة.
وقفت مكاني.
وبصيت للورقة أكتر من مرة.
أنا عمري ما سمعت إن هبة كان عندها بنت غير ملك.
ولا أخويا عمره جاب سيرة طفل تاني.
إيدي بدأت ترتعش.
ورجعت بسرعة للرسالة.
عارفة إنك اتصدمتي من شهادة الميلاد. لكن لازم تعرفي الحقيقة كلها.
بلعت ريقي بصعوبة.
وكملت.
قبل ما أخوكي يموت بست شهور، اكتشفت إنه كان مخبي عني جزء كبير من حياته.
قلبي بدأ يدق بعنف.
الصورة اللي معاكي فيها ناس كنت فاكرة إنهم أصحابه في الشغل. لكن الحقيقة إنهم كانوا شركاء في صفقة كبيرة.
وقفت لحظة.
وبعدين كملت.
صفقة خلت ناس خطر جدًا يجروا وراه.
الرسالة كانت طويلة.
وكل سطر فيها كان بيكشف كارثة أكبر من اللي قبلها.
هبة كتبت إن أخويا قبل وفاته بأشهر بدأ يبقى مرعوب.
يقفل الأبواب.
يغير أرقام تليفوناته.
ويتحرك من مكان لمكان.
وفي كل مرة كانت تسأله يقول
مجرد مشاكل شغل.
لكن الحقيقة ما كانتش كده.
قبل وفاته بأسبوعين
اعترف لها بكل حاجة.
وقال إنه دخل في مشروع مع ناس غلط.
وإن المشروع انتهى بخسارة ملايين.
وإن الناس دي مقتنعة إنه مخبي فلوس أو مستندات تخصهم.
مع إن أخويا نفسه كان مفلس وقتها تقريبًا.
كملت قراءة الرسالة.
بعد ما مات، افتكرت إن الموضوع انتهى.
لكن من شهرين بدأوا يظهروا تاني.
ناس بيسألوا عني.
وعن ملك.
وعن حاجات أنا نفسي ماعرفش عنها حاجة.
قلبي اتقبض.
وبصيت ناحية أوضة الأطفال.
ملك كانت نايمة بسلام.
وما تعرفش إن حياتها كلها ممكن تكون في خطر.
رجعت للرسالة.
أنا حاولت أهرب أكتر من مرة.
لكن كل مرة كانوا بيعرفوا مكاني.
ولما فهمت إنهم قربوا يوصلوا ليا، قررت أعمل الحاجة الوحيدة اللي ممكن تنقذ بنتي.
دموعي بدأت تنزل.
لأني فهمت.
فهمت ليه حضنت ملك بالشكل ده.
وفهمت ليه باستها عشر مرات قبل ما تمشي.
كانت مودعاها.
كملت.
أنا ما سبتش ملك علشان أتخلص منها.
أنا سبتها عند أكتر إنسانة بثق فيها.
لو حصلي حاجة، اعتبريها بنتك.
وقفت القراءة.
وما قدرتش أكمل.
حضنت الظرف.
وانفجرت في البكاء.
لكن لسه كان فيه ورقة تانية.
مطوية بعناية.
فتحتها.
وكان فيها عنوان.
واسم شخص.
تحتهم جملة واحدة.
الحقيقة كلها عند الراجل ده.
تاني يوم.
أخدت ملك.
وسافرت للعنوان.
كان بيت قديم في مدينة بعيدة.
خبطت الباب.
فتح راجل كبير في السن.
أول ما قلت اسم أخويا
وشه اتغير.
وقال
أخيرًا.
أنا اتصدمت.
وقلت
حضرتك تعرفه؟
الراجل دخلنا.
وقعدنا.
وبعدين قال
أنا كنت صاحبه.
وأعرف السبب الحقيقي لموته.
في اللحظة دي
اتجمدت.
لأننا طول عمرنا فاكرين إن أخويا مات في حادث عربية.
قال الراجل بهدوء
ماكانش حادث.
نفسي اتقطع.
وقلت
إيه؟
قال
العربية اتعبث بيها.
الصمت نزل على المكان.
وأكمل
وأخوكي كان عارف إنه مهدد.
بس كان رافض يسيب البلد.
أنا ما قدرتش أستوعب.
كل حياتنا كانت مبنية على إنه حادث.
لمحة نيوز
والراجل دلوقتي بيقول حاجة تانية.
ثم قام.
وطلع صندوق صغير.
وحطه قدامي.
وقال
ده اللي كانوا بيدوروا عليه.
فتحت الصندوق.
لقيت فلاشة صغيرة.
بس.
استغربت.
قلت
دي؟
هز رأسه.
وقال
عليها كل حاجة.
رجعت البيت.
وشغلت الفلاشة.
ولقيت ملفات.
مستندات.
وتسجيلات.
وفيديو مسجل من أخويا بنفسه.
كان قاعد قدام الكاميرا.
وشكله مرهق جدًا.
أول ما شفته
دموعي نزلت.
قال
لو بتشوفي الفيديو ده يا نهى
يبقى غالبًا أنا مش موجود.
قلبي اتكسر.
وكمل
أنا غلطت.
ودخلت ناس وحشة حياتي.
لكن أقسم بالله ما سرقتش حد.
ولا خدت حق حد.
ثم سكت لحظة.
وأضاف
لو حصلي حاجة، أهم حاجة تحموا هبة وملك.
في اللحظة دي
سمعت صوت حاجة وقعت في الصالة.
خرجت بسرعة.
لقيت باب الشقة مفتوح.
مع إني متأكدة إني قفلته.
قلبي بدأ يدق بعنف.
ونظرت حوالي.
مافيش حد.
لكن على الأرض
كان فيه ظرف أبيض.
ماكانش موجود قبل كده.
أخدته بإيدي المرتعشة.
وفتحته.
وكان جواه ورقة واحدة مكتوب فيها
بقالنا سنة بندور على الفلاشة.
دلوقتي عرفنا إنها عندك.
في اللحظة دي
عرفت إن الكابوس اللي هبة كانت بتحاول
تهرب منه
وصل عند باب بيتي أنا كمان.
لكن المرة دي
ما كنتش ناوية أهرب.
علشان ملك.
وعلشان أخويا.
وعلشان الحقيقة اللي لازم تظهر للنور.
وبعد شهور من البلاغات والتحقيقات
والتعاون مع الشرطة
تم القبض على العصابة كلها.
واتكشفت الحقيقة.
واتثبت إن أخويا كان ضحية.
مش مجرم.
ولا نصاب.
ولا خائن.
أما هبة
فبعد حوالي سنة كاملة.
وفي يوم كنت تقريبًا فقدت الأمل فيه
رن جرس الباب.
فتحت.
واتجمدت.
هبة كانت واقفة.
ضعيفة.
مرهقة.
لكن عايشة.
أول ما شافت ملك
وقعت على ركبها.
وبكت.
أما ملك
فبصتلها باستغراب.
لأنها ما كانتش فاكراها.
وده كان أصعب عقاب ممكن أم تتحمله.
لكن هبة ما استسلمتش.
ورجعت تبني علاقتها ببنتها يوم ورا يوم.
وأنا كنت جنبهم.
لأننا كلنا خسرنا كتير.
لكن في النهاية
رجعت الأم لبنتها.
واتغسل اسم أخويا من أي شبهة.
واكتشفت إن الحقيبة اللي سابتها هبة يومها
ما كانتش حقيبة أطفال.
كانت رسالة استغاثة.
وأمانة.
وثقة كبيرة جدًا حطتها في إيدي.
وأكبر دليل إنها ما كانتش ناوية تختفي للأبد
كانت إنها طول الوقت كانت بتحارب علشان ترجع.
لكن الحقيقة
ما كانتش خلصت.
بعد رجوع هبة بثلاث شهور تقريبًا، بدأت الحياة ترجع لطبيعتها.
أو على الأقل ده اللي كنا فاكرينه.
هبة استأجرت شقة قريبة من شقتي.
وكانت بتحاول تعوض كل لحظة ضاعت بينها وبين ملك.
في الأول ملك كانت متعلقة بيا أكتر.
وده كان طبيعي.
أنا اللي كنت بصحى لها بالليل.
وأغير لها.
وأطعمها.
وأوديها الدكتور.
لكن هبة عمرها ما زعلت.
ولا ضغطت عليها.
كانت تصبر.
وتقرب منها بهدوء.
كل يوم خطوة.
لحد ما بدأت ملك أول مرة تقول لها
ماما.
يومها هبة فضلت تعيط ساعة كاملة.
أما أنا
فكنت فرحانة وحزينة في نفس الوقت.
فرحانة علشان رجعت لأمها.
وحزينة علشان عرفت إنها خلاص مش محتاجاني بنفس الدرجة.
لكن ده كان الصح.
في يوم من الأيام
كنا قاعدين بنتغدى كلنا.
أنا وهبة وملك.
وفجأة هبة سألتني
الفلاشة فين دلوقتي؟
استغربت.
وقلت
في خزنة البنك.
هبة هزت رأسها.
لكن ملامحها اتغيرت.
سألتها
في إيه؟
سكتت شوية.
ثم قالت
في حاجة ما قلتهاش ليكي.
قلبي اتقبض.
قلت
إيه هي؟
هبة بصت ناحية ملك الأول.
وبعدين واطت صوتها.
وقالت
لما كنت هربانة
سمعتهم بيتكلموا عن حاجة اسمها الملف الأسود.
أنا عقدت حاجبي.
ملف إيه؟
قالت
ماعرفش.
لكن كانوا مقتنعين إن أخوكي مخبيه.
وكانوا مستعدين يقتلوا أي حد علشان يوصلوا له.
أنا افتكرت كل اللي حصل.
وقلت
بس الشرطة خدت كل حاجة.
هبة هزت رأسها.
وقالت
أنا كنت فاكرة كده برضه.
ثم مدت إيدها في شنطتها.
وأخرجت مفتاح صغير جدًا.
معدني.
قديم.
وقالت
لقيته في هدوم جوزي القديمة.
اتجمدت.
المفتاح ما كانش أكبر من عقلة الإصبع.
لكن واضح إنه مهم.
قلت
ده بتاع إيه؟
هبة ردت
ماعرفش.
لكن مكتوب عليه رقم.
أخدت المفتاح.
ولقيت محفور عليه
317
بس.
لا اسم.
ولا عنوان.
ولا أي حاجة.
في الليلة دي
ماقدرتش أنام.
فضلت أفكر.
وأراجع كل حاجة أخويا كان سايبها.
لحد ما افتكرت حاجة.
قبل وفاته بسنة
كان مستأجر خزنة خاصة في شركة حفظ ممتلكات.
وقتها قال إنه بيحفظ أوراق مهمة للشغل.
لكن بعد موته
محدش سأل عليها.
تاني يوم
أنا وهبة رحنا الشركة.
ولما شافوا المفتاح
الموظف رفع عينه باستغراب.
وقال
الخزنة دي لسه موجودة.
أنا وهبة بصينا لبعض.
وقلبي كان هيقف.
الموظف رجع بعد دقائق.
ومعه صندوق حديد صغير.
عليه الرقم 317.
حطيته قدامي.
وإيدي كانت بتترعش.
فتحت المفتاح.
ودرت القفل.
والصندوق اتفتح.
أنا كنت متوقعة فلوس.
أو دهب.
أو مستندات.
لكن اللي لقيناه كان أغرب بكتير.
دفتر أسود.
وصور.
ورسائل.
وفوقهم ظرف مكتوب عليه
لنهى وهبة.
أنا شهقت.
لأن أخويا كان كاتب اسمينا.
فتحت الظرف بسرعة.
وكان أول سطر فيه
لو وصلتم للرسالة دي يبقى أنا فشلت أحميكم لوحدي.
الدموع نزلت من عيني فورًا.
هبة كانت بتبكي هي كمان.
وكملنا قراءة.
أخويا كان كاتب كل حاجة.
كل الأسماء.
كل الصفقات.
كل الناس اللي شاركوا في اللي حصل.
وأهم من كده
كان كاتب اعتذار.
اعتذار طويل لهبة.
وقال فيه
أنا جرّيتكم ورايا في حرب ماكانش ليكم ذنب فيها.
ولو رجع بيا الزمن
كنت اخترتكم أنتم بدل أي فلوس.
سكتنا دقائق طويلة.
ثم فتحت الدفتر الأسود.
وهنا كانت المفاجأة الأخيرة.
لأن الدفتر ما كانش مجرد مذكرات.
كان توثيق كامل لفساد ناس كبار جدًا.
أسماء.
وحسابات.
وتوقيعات.
وأدلة.
فهمت وقتها ليه كانوا بيدوروا عليه بكل الجنون ده.
وفهمت ليه أخويا دفع حياته تمن.
لكن المرة دي
ماكانش فيه خوف.
لأن الأدلة دي راحت للجهات المختصة.
وبعد شهور طويلة
اتفتحت قضايا جديدة.
وظهرت حقائق ماحدش كان يتوقعها.
أما أنا وهبة
فقررنا نقفل الصفحة أخيرًا.
مش علشان ننسى.
لكن علشان نعيش.
وفي يوم عيد ميلاد ملك الخامس
كانت بتجري في الجنينة وتضحك.
وفجأة وقفت بيني وبين أمها.
ومسكت إيدينا إحنا الاتنين.
وقالت
أنا عندي مامتين.
ضحكنا.
وقالت هبة
إزاي يعني؟
ملك ردت بكل براءة
ماما اللي ولدتني.
وبعدين شارت ناحيتي.
وقالت
وماما اللي حمتني.
في اللحظة دي
بصيت لهبة.
ولقيتها بتبكي.
وأنا كمان.
لأننا عرفنا إن كل الوجع اللي فات
ما راحش هدر.
وإن الأمانة اللي سابها أخويا يوم ما رحل
وصلت لأهلها في الآخر.
لكن بعد عيد ميلاد ملك بأيام
حصلت حاجة صغيرة جدًا.
هي اللي قفلت الحكاية كلها.
كنت قاعدة في أوضة أخويا القديمة.
الأوضة اللي من يوم وفاته وإحنا تقريبًا ما غيرناش فيها حاجة.
صورته لسه على المكتب.
وساعته لسه في الدرج.
وكتاباته القديمة متكومة على الرفوف.
كنت برتب شوية حاجات قديمة قبل ما نقفل الشقة ونبيعها.
وفجأة لقيت ظرف صغير مستخبي جوه كتاب.
الظرف كان أصفر من الزمن.
ومكتوب عليه بخط أخويا
يفتح بعد ما ملك تكبر.
قلبي دق بقوة.
ناديت هبة.
وجت بسرعة.
وقعدنا جنب بعض.
وفتحنا الظرف.
كان جواه جواب واحد.
بس.
لكن أول ما شفت الخط
دموعي نزلت.
لأنها كانت آخر كلمات أخويا.
بدأت أقرأ بصوت عالي.
إلى هبة ونهى وإلى ملك لو كانت كبيرة بما يكفي تسمع الكلام ده.
لو وصل ليكم الجواب، يبقى ربنا كتب إني ما أكملش معاكم المشوار.
هبة بدأت تبكي.
أما أنا فحاولت أكمل.
أول حاجة عايز أقولها إني آسف.
آسف إني دخلتكم في مشاكل أنتم مالكمش ذنب فيها.
وآسف على كل ليلة خوف عشتيها يا هبة.
وآسف يا نهى لو يوم خليتك تشيلي همي بدل ما أشيل همك.
وقفت لحظة.
لأن الدموع كانت مغرقة الورقة.
ثم أكملت.
أما ملك
فلو بتسمعي الكلام ده يومًا ما
أحب أقولك إن أبوكي كان بيحبك قبل ما يشوفك.
هبة شهقت وبكت أكتر.
وأنا بالكاد كنت قادرة أكمل القراءة.
كنت بقعد بالساعات أتخيل أول مرة هتشدي صباعي.
وأول مرة هتقولي بابا.
وأول يوم مدرسة.
وأول مرة أزعق لك فيها وترجعي تصالحيني.
لكن ربنا كتب حاجة تانية.
الصمت ملأ الأوضة.
حتى صوتنا اختفى.
كمل الجواب
بس لو أنا مش موجود
متزعليش.
لأن الإنسان مش بطول السنين اللي عاشها.
الإنسان بالناس اللي حبهم.
وأنتِ أكتر حد حبيته في الدنيا.
وقتها ما قدرتش أكمل.
هبة أخدت الجواب مني.
وكملت وهي بتبكي.
وأخيرًا
يا نهى.
أنا عارفك.
عارف إنك لو حصل لي حاجة هتبقي السند.
وعارف إنك عمرك ما هتخلي ملك تحتاج حد.
ولو ده حصل فعلًا
يبقى أنا مشيت وأنا مطمن.
أول ما خلصنا القراءة
سكتنا.
دقايق طويلة.
ولا واحدة فينا عارفة تتكلم.
ثم هبة مسحت دموعها.
وقالت
كان عارف.
أنا هززت رأسي.
وقالت
كان عارف إنك هتعملي كده.
ابتسمت وسط دموعي.
وقلت
وكان عارف إنك هترجعي.
بعد سنة.
كبرت ملك شوية.
وبقت تفهم أكتر.
وفي يوم سألتنا السؤال اللي كنا خايفين منه.
قالت
هو بابا كان عامل إزاي؟
أنا وهبة بصينا لبعض.
وبعدين قعدنا جنبها.
وقضينا ساعات نحكي.
عن ضحكته.
وعن طيبته.
وعن جنونه أحيانًا.
وعن حبه ليها قبل ما تتولد.
ولأول مرة
ملك ضحكت وهي تسمع عنه.
بدل ما تبكي.
وفي نهاية اليوم
أخدت صورة أخويا.
وحضنتها.
وقالت
أنا بحبك يا بابا.
يمكن هو ما سمعهاش.
أو يمكن سمعها بطريقة إحنا مانعرفهاش.
لكن في اللحظة دي
حسيت إن كل حاجة أخيرًا أخدت مكانها الصحيح.
هبة رجعت لبنتها.
واسم أخويا اتنظف من أي اتهام.
والخوف اللي عشنا فيه سنين انتهى.
أما ملك
فكبرت وهي عارفة الحقيقة.
وعارفة إن أبوها ما سابهاش بإرادته.
وإن في ناس حاربت علشان تحميها.
وفي يوم وهي عندها عشر سنين
كتبت في موضوع تعبير بالمدرسة
العيلة مش بس الناس اللي بتولدك.
العيلة هي الناس اللي تفضل جنبك مهما حصل.
ولما قريت الجملة
بكيت.
لأنها لخصت كل اللي عشناه.
وأدركت إن الحقيبة اللي هبة سابتها على باب بيتي من سنين
ما كانتش نهاية حكاية.
كانت بداية عيلة جديدة.
عيلة اتبنت بالخوف.
واتثبتت بالصبر.
واكتملت بالحب
تمت
