انتقامي
تاني مامتك؟ دي في العيد قعدت تلات أيام وكلفتنا ٦ آلاف و ٤٠٠ جنيه ، وكمان عندها وش ترجع تاني في شم النسيم؟…
صوت عادل كان عالي لدرجة إن الجيران اللي فوقينا بطلوا يزحزحوا في العفش. أنا كنت في المطبخ، إيدي غرقانة صابون ومسجل صوت مامتِي لسه مفتوح على الموبايل.
يا نيرة، لو مش بضايقك، في إجازة شم النسيم كنت حابة أجيلك يومين. هجيبلك معايا شوية جبنة قديمة، وعسل، وفطير مشلتت من اللي بتحبيه.
مامتِي، كريمة، كانت بتتكلم وكأنها بتستأذن العالم كله عشان تشوف بنتها. كنت هرد أقولها تعالي يا ماما.
وفجأة، عادل رزع معلقة الغرف على رخامة المطبخ.
أوتيل ٥٠٠ جنيه. جلسات طبيعية لظهرها، ٧٠٠ جنيه. غويشة دهب، ٣ آلاف جنيه. لبس وجزم، ٢ الف جنيه. وظرف فيه ألف جنيه لما سافرت. المجموع ٦ آلاف و ٤٠٠ جنيه. أنا فاكرهم يا نيرة، مليم مليم.
هو كان فاكرهم فعلاً. كان فاكر كل مليم اتصرف على أمي.
غريبة إنه مش فاكر العشر آلاف جنيه اللي أداهم لأخته سامية الشهر اللي فات.
ولا المرات اللي أمه فوزية قعدت فيها عندنا أسبوعين، بتاكل وتأمر وتنتقد، وتخليني أنا اللي أغسل الملايات اللي بتبهدلها. حصري على صفحة روايات و اقتباسات.
أنا اسمي نيرة، عندي 33 سنة، ومتجوزة عادل بقالنا تلات سنين.
أو بالأحرى، كنت متجوزة الراجل اللي فاكر إنه اتجوز موظفة غلبانة بتاخد مرتبها، وأمها فلاحة لازم نبعدها عن الصالون عشان ما تبهدلوش.
عادل فاكر إن شغلي في شركة استيراد وتصدير صغيرة هو كل اللي أملكه. ما يعرفش إن الشركة دي واحدة من تلات شركات باسمي. بقلم_مني_السيد
ما يعرفش إن العمارة الإدارية اللي قدام المحكمة في وسط البلد، اللي كل ما نعدي من جنبها يقول يا ترى مين اللي بيعرف يأجر مكاتب هنا؟، إن دور كامل منها ملكي.
ما يعرفش إن أمي، اللي هو بيسميها
الست بتاعة البلد، كانت باعت أراضي في الوقت الصح ومولت مشروعي الأول لما هو كان لسه بيستلف سلفة على المرتب.
ما يعرفش حاجة…بس كان هيعرف قريب.
خرجت من المطبخ وأنا بنشف إيدي.
يا نيرة، قال وهو وشه أحمر، البيت ده مش بنك لأمك.
بصيتله ببرود البيت ده كمان مش استراحة لأمك، ومع ذلك فوزية هانم باتت هنا السنة اللي فاتت أكتر ما أنا ببت في بيتي.
ضيق عينيه أمي بتيجي تساعد.
تساعد مين؟
ما تغيريش الموضوع.
بغيره عشان أسلوبك ريحته وحشة.
عادل وقف أمي بتيجي تطبخ وتنفض وتساعد، أمك بتيجي وتصرف.
كريمة طبخت للبيت كله تلات أيام. وجابت سمنة بلدي وزبدة وخضار من الأرض. وكمان كوتلك القمصان.
وبعدين طلبت تشتري غويشة.
أنا اللي اشتريتهالها.
بفلوس مين؟
بفلوسي.
ضحك ضحكة قصيرة مليانة سخرية فلوسك؟ يا نيرة إنتِ بتقبضي سبعة آلاف جنيه في الشهر. وأنا بقبض عشرة. هتجيبي منين ستة آلاف جنيه لمصاريف أمك؟
بصيتله. هو ما كانش بيحسب الفلوس. كان بيوزن أمي. وشايف إن تمنها تقيل عليه.
الشهر اللي فات أختك خدت عشر آلاف جنيه عشان تفتح سنتر تجميل ومافتحش. أدهملها من غير ما تسألني.
ده قرض.
فلوس أمي كمان ممكن تبقى قرض، لو ده يريحك.
نيرة، ما تستظرفيش.
هترجعهم امتى سامية؟
وشه اتغير أختي دي لحمي ودمي.
وأمي تبقى إيه؟
خبط بإيده على الطرابيزة دي حاجة تانية. أمك جاية من بلدها مش فاهمة قيمة الفلوس، إنتِ بتدلعيا عشان حاسة بالذنب.
دي أمي.
بالظبط. دي أمك، يبقى تشيليها إنتِ.
قربت من الطرابيزة دايماً بعمل كدة.
لأ، إحنا اللي بنعمل. إحنا عيلة، والفلوس مشتركة.
مشتركة بس لما أنا اللي أصرف؟
ضحك تاني، بس المرة دي كان متوتر. إنتِ لسانك طول قوي اليومين دول. إيه اللي جالك؟
ما رديتش.
قرب مني في حاجة مخبياها؟
على الموبايل، الشاشة لسه منورة. رسالة مامتِي لسه موجودة لو مش بضايقك.
افتكرت كام مرة عادل قال لأمه انوري يا ست الكل، البيت بيتك.
ولأمي، كان عايز يحاسبها على إقامة في أوتيل.
عادل، قلت بهدوء، شم النسيم أمي هتيجي.
اتصدم إنتِ ما فهمتيش أنا قلت إيه؟
فهمت كويس.
طيب اسمعي الباقي لو أمك حطت رجلها هنا، تقعد في أوتيل وتدفع هي. ولو دخلت البيت، يبقى الجوازة دي انتهت.
كلمة الجوازة فضلت معلقة في الهوا. كأنها سكينة بيطلعها كل ما أعصاه.
شلت المريلة، طبقتها بهدوء وحطيتها على الكرسي.
تمام.
استغرب تمام إيه؟
تمام، يبقى تنتهي.
لأول مرة، عادل ما لقاش رد. وشه اتعوج إنتِ اتجننتي؟
ممكن.
بتهدديني؟
لأ، بقبل عرضك.
أخدت الموبايل ودخلت الأوضة. من ورايا صرخ والفلوس اللي بتصرفيها دي؟ بتيجي منين؟ عندك حساب مستخبي؟ مين بيصرف عليكي؟
وقفت على الباب يا عادل، ما تسألش أسئلة مش مستعد تتحمل صدمة إجابتها.
قفلت الباب، وسمعته بيخبط في العفش وبيمتم بشتائم.
الموبايل رن. أمي.
رديت نيرة؟ سمعت دوشة في الرسالة اللي فاتت. لو الموضوع مش مريح، مش هاجي، مش عايزة أعملك مشاكل.
حسيت بوجع في صدري يا ماما تعالي.
بس عادل…
عادل مالهوش دعوة بمين يدخل بيتي.
يا بنتي ما تتخانقوش عشاني.
لأ يا ماما، أنا بتخانق عشان كرامتي.
سكتت، وبعدين اتنهدت هجيب معايا عسل نحل ومربى.
ابتسمت وعيني دمعت هاتي كل اللي تحبيه.
بعد ما قفلت، فتحت أبلكيشن البنك.
رصيد الحساب الشخصي 4 مليون جنيه.
محفظة الاستثمارات 15 مليون.
شركات، عقارات، وأرباح سنوية. كله قبل الجواز. كله متأمن ب انفصال الذمة المالية اللي عادل مضى عليها وهو مش فاهم، لأنه كان مقتنع إني على قد حالي.
فتحت ملف تاني، لستة المصاريف التلات سنين اللي فاتوا.
فوزية، أم عادل إقامة، دكاترة، هدايا، خروجات. المجموع 41 ألف جنيه.
سامية، أخته سلف وقروض وما رجعتش. المجموع 28 ألف جنيه.
كريمة، أمي 3 زيارات في تلات سنين. المجموع 8 آلاف جنيه.
بصيت للأرقام. عادل مش بيكره المصاريف، هو بيكره إنها تكون لأمي.
الصبح البيت كان تلج. قعد يشرب قهوته وما بصليش.
فكرتي في اللي قلته؟
أيوة.
طيب اتصلي بأمك وقوليلها ما تجيش.
لأ.
حط الفنجان بعنف نيرة.
ماما هتيجي.
قام وقف أي مليم هتصرفه، هتدفعيه من جيبك.
دايماً بيحصل كدة.
قصدك إيه؟
قصدي اللي سمعته.
أخدت شنطتي. وقف قدامي عند الباب إنتِ متغيرة، عندك فلوس مش مفهومة، وبتردي عليا. في راجل تاني؟
بصيتله بضعف، قمة الغرور في قميص مكوي يا عادل، وسع من طريقي.
لازم أعرف الحقيقة الأول.
أنا اتأخرت.
عشان شغلانة السكرتيرة الهبلة دي؟ بقولك إيه، اتعدلي.
قلت وسع.
خاف من نبرة صوتي، فوسع.
وهو بيشوفني بلبس جزمي، قال بكرة أمي جاية تقعد شهر، عشان أشوفك هتعرفي تعامليها زي ما بتعاملي أمك ولا لأ.
بصيتله ببرود شهر؟ تمام.
ما فهمش. وأنا خارجة، وصلني مسدج منه ما تفتكريش إني مش عارف حوار حسابك المستخبي. النهاردة بالليل هنصفي الحساب.
ما رديتش….وصلت قدام الشركة اللي هو فاكر إني بشتغل فيها، ما دخلتش….مشيت لحد الناصية، عربية مرسيدس رمادي مستنياني. عم سيد، سواقي من 6 سنين، نزل يفتحلي الباب.
صباح الخير يا فندم. الساعة 10 ونص اجتماع مجلس الإدارة، الساعة 2 الغدا مع المهندس طارق، الساعة 5 اجتماع مع المحامي، والساعة 8 عندنا مؤتمر في الفندق.
أجل اجتماع المحامي وخليه الساعة 2.
عشان موضوع شركة المقاولات يا فندم؟
لأ.
بقلم_مني_السيد
بصيت للشوارع من الشباك عشان إجراءات الخلع. وعايزة جرد كامل بكل الفلوس اللي خرجت من حساباتنا المشتركة آخر 3 سنين.
حاضر يا فندم.
الاجتماع خلص الظهر. الدنيا زي الفل. الأرباح زايدة، والمشاريع ماشية. أنا صاحبة القرار، ومحدش يقدر يفتح بقه.
مديرة مكتبي، مروة، مشيت ورايا في الطرقة يا نيرة، شكلك شكلك
لمحة نيوز
ناوية تبيعي شركة أو تطلقي جوزك.
بعمل ترتيبات.
وأخيراً؟
بصيتلها، مروة صاحبتي من الجامعة وهي الوحيدة اللي تعرف جنان عادل.
قالتلي عادل اتصل بالسكرتارية تحت، سألهم إذا فيه واحدة اسمها نيرة شغالة هنا، قالولوا لأ.
أنا هنا نيرة هانم.
عارفة، بس هو ميعرفش.
موبايل مروة رن، بصت فيه وشافتني بنظرة غريبة
هو تحت.
مين؟
جوزك، ومعه أمه فوزية، وأخته سامية، وواحدة جايبها معاه يقول دي مديرة المبنى. بيزعقوا تحت وبيقولوا إنك بتغسلي أموال وجاية تنصبي على الناس.
بصيت لإزاز الأسانسير، انعكاسي كان ثابت جداً.
مروة كملت وعادل دلوقتي بيطلب يقابل المدير العام عشان يشتكي مراته.
ابتسمت، وكنت عارفة إن اللعبة بدأت ووو……!!!!
بقلم_مني_السيد
نزلت الأسانسير وأنا حاسة ببرود غريب، كأن اللي بيحصل تحت ده في عالم موازي مش في حياتي. مروة كانت ورايا بتتمتم بقلق، وبتحاول تقنعني إننا نطلع من باب الخدمة أو نأمن الموقف، بس أنا كنت عايزة أشوف وش عادل وهو بيكتشف إنه كان بيحاول يهد مملكة هو نفسه ما يعرفش إنها ملك مراته.
فتحت باب الأسانسير في الدور الأرضي. ريحة بهو الشركة الفخم كانت خليط من البخور الغالي وريحة البرفانات الباهظة. عادل كان واقف في نص البهو، صوته عالي لدرجة إن الموظفين والعملاء كانوا واقفين يتفرجوا. كان ماسك إيد أمه فوزية زي العيل الصغير، وأخته سامية واقفة وراه بتبص للمكان بحقد وطمع، والست اللي جايبها معاه واللي باين عليها إنها موظفة مغلوبة على أمرها من إدارة العقار كانت بتحاول تهديه.
بقولك إيه، أنا مراتي هنا! نيرة Bellandi.. قصدي نيرة، الموظفة اللي بتشتغل سكرتيرة عندكم! كان بيزعق.
وقفت قدامه بهدوء. اتعدلت في لبسي، ورفعت راسي. لما شافني، وشه جاب ألوان. كان متخيل إن نيرة بتاعته هتترعش من الخوف أو هتتكسف من الفضيحة اللي عاملها.
أهلا يا عادل. نورت شركتي. قلت الجملة دي وأنا بوزع ابتسامة باردة على الوجوه المنصدمة اللي حواليا.
سكت لحظة، وبصلي من فوق لتحت، وكأنه بيدور على السكرتيرة اللي يعرفها. شركتك؟ إنتي بتقولي إيه يا مجنونة؟ إنتي سكرتيرة هنا! والمدير بتاعي قالي إن فيه واحدة بالاسم ده اشتغلت هنا من أسبوع!
قربت منه خطوة، وبصيت لفوزية اللي كانت بتبص للمكان بانبهار ممزوج بعدم تصديق. لا يا عادل. دي مش شركتك، ولا حتى دي الشركة اللي أنت فاكرني بشتغل فيها. ده الدور الإداري اللي يخص شركة Corradi للمقاولات والاستثمار. وأنا نيرة Corradi، صاحبة الشركة دي.. وصاحبة العمارة اللي إنت واقف فيها دلوقتي.
ساد صمت تام. الموظفين اللي كانوا بيسمعوا عرفوا مين هي الست اللي واقفة قدامهم، وبدأوا يرجعوا لأماكنهم باحترام. سامية أخت عادل اتجمدت في مكانها، وعينيها راحت على الذهب اللي لابسه، وكأنها بتحسب تمنه في دماغها.
عادل ضحك ضحكة مهزوزة، كانت أقرب للعيط. إنتي بتهزري صح؟ طيب قولي إنك بتهزري! إنتي نيرة اللي بنقسم اللقمة سوا؟ إنتي اللي كنتي بتعدي القرش عشان نجيب أكل؟ إنتي بتشتغليني بقالك تلات سنين؟
أنا ما اشتغلتكش يا عادل. إنت اللي كنت مخدوع في صورتي اللي رسمتها لنفسك. رسمتني موظفة بمرتب، عشان تفرض سيطرتك، وعشان تطلع عقدك في أمي اللي كانت بتصرف على حياتنا من فلوسها ومن مجهودها، وأنا كنت بتركك تعمل كده عشان أشوف آخرك. كنت عايزة أعرف.. هل الحب عندك مربوط ب الاستغلال؟ ولا كنت هتحبني لو كنت أنا اللي بطلب؟
فوزية نطقت أخيراً، بصوتها العالي المزعج يعني إيه الكلام ده يا واد؟ يعني العمارة دي بتاعتها؟ طيب ما كنا نبيعها ونوزع الفلوس يا عادل! مش إحنا عيلة واحدة؟
بصيت لفوزية بابتسامة صفراء. يا طنط فوزية، العيلة الواحدة بتبني، مش بتنهش في بعض. إنتي وأولادك قضيتوا التلات سنين اللي فاتوا بتعدوا الفلوس اللي بتتصرف على أمي، وتغمضوا عينكم عن النهب اللي عملتوه في جيبي. سامية خدت عشر آلاف عشان مشروع وهمي، وإنتي يا طنط كنتي بتطلبي مصروف جيب كل ما تيجي، وده غير اللي عادل كان بيديهولك من ورايا.
عادل كان وشه بيلون. أنا كنت بديلك عشان أريحك! عشان أشتري دماغي!
لا يا عادل، إنت كنت بتشتري عبيد مش زوجة. كنت عايزني أحس إني مديونة لك، عشان لما أفتح بوقي تذلني.
بصيت ل مروة اللي كانت واقفة بعيد، وشاورت لها. مروة جت ومعاها ملف تقيل. ده اللي كنت بتسأل عليه يا عادل. جرد بكل مليم خرج من حسابنا المشترك، وبكل المبالغ اللي اتحولت لأختك وأمك. المحامي جاهز، والورق ده هيتقدم في قضية رد أموال غير قانونية، بالإضافة لطلب الخلع اللي هتقدمه النهاردة.
عادل هجم عليا، بس الأمن اتدخل في لحظة. مسكوه بقوة. كان زي الوحش اللي اتقفص. إنتي طالق! طالق بالثلاثة يا نيرة! إنتي تطلقي حالا!
ضحكت بمرارة. يا حبيبي، إنت ما تملكش تطلقني، لأننا لما هنتطلق، إنت اللي هتخرج بشنطة هدومك، لأن البيت ده باسمي، والعربية باسمي، والشركة اللي إنت شغال فيها ك موظف أيوه، أنا عارفة إنك شغال في شركة توريدات تابعة لهولدينج بتاعي ممكن أخلي ال HR يرفدك النهاردة قبل بكرة.
سامية بدأت تصرخ وتعمل مشهد، بس الأمن كان أسرع. طردوا الناس دي بره المبنى. ومن اللحظة دي، ممنوع أي حد منهم يقرب من مكتبي أو بيتي.
بعد ما الأمن خرجهم، ساد هدوء رهيب في الشركة. قعدت على أقرب كرسي، حسيت إن طاقتي كلها خلصت. مروة جابتلي ميه.
عملتي اللي كان لازم يتعمل يا نيرة.
مش كفاية يا مروة. لسه فيه حاجات كتير لازم تتعمل.
دخلت مكتبي، وقعدت قدام اللابتوب. فتحت حساباتي. لقيت رسايل تهديد من عادل على الواتساب، ورسايل من أمه بتشتم وبتدعي عليا. عملت بلوك للكل من غير تفكير. الدنيا بره كانت بتغلي، بس أنا كنت حاسة براحة غريبة.
الساعة بقت 3، كان عندي ميعاد مع المحامي عشان أبدأ إجراءات التصفية. عادل ما بطلش يتصل، اتصل على التليفون الشخصي، وعلى تليفون الشركة، وعلى تليفون مروة. كان مرعوب. مش مرعوب عشان بيحبني، مرعوب عشان خسر الامتيازات. كان متعود إن فيه بنك ماشي على رجلين اسمه نيرة.
في وسط الدوشة دي، افتكرت أمي. كانت مستنية تليفوني عشان تطمن. اتصلت بيها.
أيوة يا بنتي، طمنيني.. عملتي إيه؟
ماما، أنا طلبت الطلاق.
سكتت أمي لحظة، وبعدين اتنهدت تنهيدة طويلة. الحمد لله. قلبي كان حاسس إن الراجل ده مش بتاعك يا نيرة. الراجل اللي يبص لفلوس مراته ويعد على حماته، ده راجل ما يتأمنش على عمر.
يا ماما، مش عشان الفلوس.. الموضوع أكبر من كده. الموضوع إني كنت عايشة مع غريب، غريب بيحتقر كل حاجة تخصني.
المهم دلوقتي إنتي كويسة؟
كويسة يا ماما. وعايزاكي تيجي تقعدي معايا في البيت الكبير، البيت اللي كان عادل بيخاف يدخلك فيه.
لا يا بنتي، البيت ده بتاعك، وأنا بيتي في البلد هو اللي يلمني. بس هاجيلك.. هاجيلك عشان أشيل راسك لفوق.
قفلت مع أمي، ولقيت المحامي شريف دخل مكتبي. كان راجل عجوز وقور، شفت فيه الأب اللي مكنش عندي.
يا نيرة، عادل بعتلي رسالة دلوقتي.. بيعرض تسوية.
تسوية إيه يا شريف؟
عايز نص كل أملاكك، مقابل إنه يطلق بهدوء وما يشهّرش بيكي.
ضحكت بصوت عالي. يُشهّر؟ هيُشهّر بإيه؟ إني ناجحة؟ إني ملكت
نفسي؟ قول له يا شريف، قدامك ساعة واحدة، يا إما يوافق على الطلاق ب الإبراء يعني يخرج من غير ولا مليم، يا إما هرفع قضية خيانة أمانة على كل قرش خده من الشركات بتاعتي باسمه.
شريف ابتسم. إنتي اتغيرتي أوي يا نيرة.
الظروف هي اللي بتغير يا شريف، والناس اللي بنجوزهم هما اللي بيحددوا إحنا هنبقى طيبين قد إيه.
قضيت بقية اليوم في اجتماعات، كنت بحاول أهرب من التفكير في عادل، بس ذكريات تلات سنين كانت بتطاردني. تلات سنين ضاعوا في محاولة إرضاء راجل، كان كل همه إزاي يصغرني.
لما خرجت من الشركة الساعة 8 بالليل، لقيت عادل واقف قدام الباب في الشارع. كان شكله متبهدل، قميصه مكسر، وشعره مش متسرح. أول ما شافني، جري عليا.
نيرة! استني! أنا كنت عبيط.. أنا كنت بغير منك، افهمي!
بصيتله بجمود. الغيرة يا عادل بتبني، مش بتهد. إنت هديت كل حاجة فينا عشان ترضي غرورك.
أنا بحبك! والله العظيم بحبك!
ضحكت بتهكم. الحب مش كلمة، الحب مواقف. والموقف الوحيد اللي عملته لما عرفت إن عندي فلوس، إنك جريت عشان تسرقها أو تسيطر عليها.
حاول يمسك إيدي، بس أنا سحبتها بقوة. اوعى تلمسني. المحامي بكرة هيبعتلك أوراق الطلاق. قدامك حل واحد تمضي، وتمشي من حياتي للأبد. لو فكرت تضايقني، أو تضايق أمي، أو حتى تقرب من مكتب الشركة.. الشرطة هي اللي هتتعامل معاك.
ركبت العربية، وعم سيد بدأ يتحرك. بصيت في المرايا، شفته واقف في نص الشارع، بيصرخ باسمي، بس صوته كان بيضيع في زحمة القاهرة.
رجعت البيت. البيت اللي كان دايماً خانقني بريحة العفش اللي اختارها، وبطريقة توزيع العفش اللي فرضها. أول ما دخلت، قعدت على الكنبة. كان صمت البيت جميل، صمت فيه حرية.
مسكت الموبايل، لقيت رسالة من مجهول. فتحتها.. كانت صورة لعادل وهو بيقابل حد في كافيه، وكان معاه أوراق.. أوراق تخص شركتي!
قلبي دق بسرعة. كان بيحاول يلعب لعبة تانية؟
اتصلت بمروة فوراً. مروة، عادل بيحاول يوصل لأوراق سرية تخص ال Holding. شوفي مين اللي بيتعامل معاه.
نيرة.. ده باين إنه بيتعامل مع حد في المنافسين بتوعنا!
عارفة مين؟
المهندس فريد.
فريد.. أكبر منافس ليا في السوق! يعني عادل مش بس كان بيستغلني، ده كان بيحاول يبيعني للمنافسين عشان يضمن مستقبله بعد ما يطلقني؟
هنا بس، عرفت إن المعركة لسه ما خلصتش. عادل مش بس راجل شرقي مريض، عادل طلع ثعبان.
قمت وقفت، وبصيت لنفسي في المرايا الكبيرة. يا نيرة.. إنتي ما خسرتيش جوز، إنتي كسبتي عدو.. ولازم تكسريه.
كنت عارفة إن بكره الصبح، لازم أبدأ حرب حقيقية. مش بس عشان أطلق، بس عشان أحمي اللي بنيته طول عمري من عادل وأمثاله.
فتحت ملفات الشركة، وبدأت أراجع كل التعاملات اللي تمت باسمه في الشركة التابعة. لقيت ثغرات، لقيت تحويلات مشبوهة، لقيت إنه كان بيسرقني فعلاً!
ساعة ورا ساعة، والليل بيعدي، وأنا كنت بجمع في سلاحي. التلات سنين اللي ضاعوا، هيتعوضوا في يوم واحد.
الفجر أذن، وأنا لسه صاحية، والبيت بدأ ينور بنور الشمس. فتحت الشباك، وشمت ريحة القاهرة الصبح. المرة دي، الريحة كانت ريحة بداية جديدة.
تليفوني رن تاني.. كان رقم غريب. رديت.
أيوة؟
أنا المهندس فريد يا نيرة.. سمعت إن فيه مشاكل في بيتك؟
ابتسمت. يا أهلاً يا فريد. المشاكل دي مكانها البيت، مش السوق. خير؟
لا، بس كنت عايز أقولك إن عادل جالي، وكان معاه أوراق تخص شركتك.. بس أنا حبيت أبلغك، عشان إحنا منافسين مش أعداء، ولأن اللي عمله ده خيانة أمانة.
سكت لحظة. ليه بتقولي كده يا فريد؟
عشان أنا عارف مين هي نيرة Corradi، وعارف إن اللي يقرب من شغلها.. بيحرق نفسه.
قفلت التليفون، وأنا باصة لبعيد. عادل مش بس خسرني، ده خسر حتى الناس اللي كان فاكر إنه بيتحالف معاهم.
الصبح كان بدأ، والنهارده، اليوم اللي هنهي فيه كل شيء. لبست بدلة الشغل بتاعتي، اللي لونها أسود، زي الحداد على حياة ضاعت في الفاضي، وزي القوة اللي هبدأ بيها حياتي الجديدة.
نزلت من البيت، وكان عم سيد مستني. على فين يا فندم؟
على المحكمة يا عم سيد.. النهارده يوم الحساب.
في طريقي للمحكمة، كان الموبايل ما بيبطلش رن. رسائل، مكالمات، تهديدات، رجاء.. كل أنواع المشاعر اللي ممكن تطلع من راجل خايف. بس أنا كنت خلاص، نيرة القديمة ماتت، والنهارده، نيرة Corradi هي اللي هتتكلم.
لما وصلت المحكمة، شفت عادل واقف عند الباب، ومعاه أمه وأخته. أول ما شافوني، جريوا عليا كأنهم عصابة.
يا نيرة! بلاش الفضيحة! خلينا نلم الموضوع!
وقفت قدامهم، وطلعت ورقة من شنطتي. دي الورقة اللي هتخلص كل حاجة. إما تمضوا دلوقتي، وتخرجوا من حياتي وتختفوا.. يا إما الورق اللي معايا ده هيدخلكم السجن بتهمة اختلاس وتزوير في أوراق رسمية تخص شركتي.
وش عادل اتمسح. أمه بصتله برعب. أخته بدأت ترتعش.
إنتي بتعملي فينا كده ليه يا نيرة؟ ده إحنا عيلتك!
العيلة اللي بتسرق وتخون يا طنط فوزية.. ما تتسماش عيلة. العيلة هي اللي بتسند، مش اللي بتستنى الفرصة عشان تنهش في لحمك.
عادل مد إيده ببطء، وأخد الورقة. كان بيقرأها وهو بيترعش. إنتي.. إنتي عايزاني أتنازل عن كل حاجة؟ حتى شقتي؟
الشقة دي أنا اللي دافعة تمنها يا عادل. وكل قرش فيها دفعته من جيبي.
بص لي بعيون مكسورة، بس ما كانش فيها ندم، كان فيها غل. غل الراجل اللي خسر كل شيء قدام الست اللي كان بيستهين بيها.
مضى الورقة، ورمها في وشي. روحي.. الطلاق وقع خلاص. بس افتكري يا نيرة، إنك دمرتي حياتي.
لا يا عادل.. أنا اللي بنيت حياتي من جديد. إنت اللي دمرت حياتك لما فكرت إن المرأة مجرد تابع.
مشيوا، وسابوني واقفة قدام باب المحكمة. حسيت إني خفيفة، خفيفة لدرجة إني ممكن أطير. طلعت التليفون، وكلمت مروة.
مروة.. خلاص. أنا حرة.
ألف مبروك يا نيرة! احتفل؟
لا.. لسه بدري على الاحتفال. دلوقتي، لازم نركز في الشركة. عندنا مشروع جديد، ومحتاجة كل تركيزي.
مشيت في شوارع وسط البلد، وشفت الناس اللي رايحة جاية، اللي بيشتغل، واللي بيحلم، واللي شايل همه. حسيت إن الدنيا أكبر بكتير من بيت وعشرة عادل.
النهارده، نيرة Corradi مش بس ست مطلقة، النهارده نيرة Corradi هي سيدة أعمال قررت إنها ما تسمحش لأي حد، مهما كان مين، إنه يقلل من قيمتها.
رجعت المكتب، وقعدت على الكرسي بتاعي. بصيت لبره، للمدينة اللي بتتنفس تحت شباكي. وطلعت نوتة صغيرة، كتبت فيها يوم واحد.. هو كل اللي احتجته عشان أسترد نفسي.
بس، لسه فيه حاجة تانية.. فريد. ليه فريد بلغني؟ هل هو فعلاً محترم؟ ولا ده جزء من لعبة تانية؟
مروة! ناديت مروة.
دخلت مروة بسرعة. نعم يا فندم؟
عايزة ملف المهندس فريد.. كل حاجة عنه.. وعايزة أعرف إيه مصلحته في اللي عمله ده.
حاضر يا فندم.
بدأت أفكر في اللي جاي. حياتي بقت زي الشطرنج، والنهارده.. أنا اللي بدأت العب بالوزير.
اليوم اللي كان المفروض يبقى نهاية، بقى بداية لكل حاجة كنت بخاف منها. عرفت إن القوة مش في الفلوس، القوة في القرار. والقرار اللي أخدته النهارده، هو أصعب وأهم قرار في حياتي.
قعدت أتفرج على شروق
الشمس من شباك مكتبي.. الشمس اللي بتشرق على القاهرة، وبتبشرني بيوم جديد، مش بس لشركتي، ده لنفسي.
نيرة.. كلمت نفسي في المرايا تاني.. إنتي بطلة القصة دي، ومحدش هيقدر يكتب نهايتك غيرك.
مسكت القلم، وبدأت أخطط للمشروع الجديد. مشروع هيخلي اسم Corradi يتحفر في السوق، مش بس كشركة، كعلامة قوة.
تليفوني رن مرة تانية.. رقم سري. رديت.
أيوة؟
أهلاً يا نيرة.. أنا فريد. عندي عرض.. عرض يخلينا مش بس منافسين.. يخلينا شركاء.
سكت.. وبصيت للورقة اللي قدامي. شركاء؟ ليه يا فريد؟
لأن اللي يقدر يعمل اللي عملتيه في 24 ساعة.. هو الشخص الوحيد اللي ينفع أشتغل معاه.
ابتسمت.. ابتسامة نصر. خلينا نشوف يا فريد.. خلينا نشوف.
قفلت التليفون.. وبدأت اللعبة الكبيرة. اللعبة اللي فيها مفيش مكان للضعف، ومفيش مكان ل عادل وأشباهه.
اليوم، أنا مش بس نيرة Corradi، أنا المستقبل.
…يتبع
عدت أسابيع قليلة على يوم المحكمة، والجو في الشركة كان مشحون بطاقة غريبة. نيرة Corradi ما بقتش مجرد اسم على يافطة، بقت الوحش اللي الكل بيعمله ألف حساب في السوق. عادل اختفى تماماً من حياتي، سمعت إنه سافر طنطا عند أهله، بيحاول يلم شتات نفسه، أو ربما بيحاول ينسج مؤامرة تانية في خياله المريض. لكن بالنسبة لي، كان صفحة واتحرقت، والرماد بتاعها طار مع الهوا.
قعدت في مكتبي، بقلب في ورق الشراكة اللي بعته فريد. فريد مش سهل، والكل عارف إن اللي يدخل معاه في شراكة يا يخرج بمليارات يا يخرج مفلس. بس أنا ما كنتش خايفة. أنا في الفترة اللي فاتت اتعلمت إن الخوف هو اللي بيخلينا نغلط، وأنا قررت ما أغلطش تاني.
دخلت مروة المكتب، وشها كان عليه علامات قلق مش مألوفة. نيرة، فيه حاجة لازم تعرفيها. شركة المقاولات الدولية التابعة لل Holding، فيه عجز في الحسابات ظهر امبارح، والمحاسب القانوني بيقول إن فيه تحويلات تمت لحسابات خارجية قبل ما عادل يخرج من الشركة بيومين.
رميت الورق اللي في إيدي وقمت وقفت. تحويلات؟ يعني سرقنا وهو خارج؟ ده مش بس خيانة أمانة، ده سرقة موصوفة!
المشكلة مش في الفلوس يا نيرة، المشكلة إن الحسابات دي مرتبطة بأسماء شركات وهمية، والشركة دي تابعة لمين؟ تابعة ل سامية أخت
عادل!
ضحكت بسخرية. الست سامية فكرت إنها لما تاخد قرشين هتغنيني؟ دي حفرت قبرها بإيديها. اتصلي بالمحامي شريف فوراً، وقوليله يجهز بلاغ للنيابة، وعايزة قرار بمنع سامية من السفر، ومصادرة كل أملاكها اللي جابتها من فلوسي.
مروة هزت راسها وخرجت بسرعة. قعدت تاني، حسيت إن المعركة لسه ما خلصتش. عادل وساميته وأمه فوزية، كانوا زي الفيروس، مهما حاولت تخلص منهم، بيفضلوا يرموا سمومهم. بس أنا المرة دي كنت مجهزة المصل.
في نفس اليوم، كان عندي ميعاد غدا مع فريد في مطعم في الزمالك، مطعم هادي بيطل على النيل، مكان بيعرفوا فيه صفقات الملايين. فريد كان مستني، لابس بدلة سوداء بتبين إنه راجل بيفهم في التفاصيل، وعينيه كان فيها ذكاء حاد.
نيرة، كنت متوقع إنك هتيجي بمشاكلك الشخصية، بس اللي سمعته إنك جيتي بصفقة كبيرة. قال فريد وهو بيصب لي مياه معدنية.
مشاكلي الشخصية خلصت يا فريد من ساعة ما مضيت أوراق الطلاق. أنا جاية النهاردة نتكلم بيزنس، بجد.
ابتسم بتركيز. أنا جاهز. إيه اللي في دماغك؟
عايزة أستحوذ على شركة الإنشاءات الهندسية اللي إنت بتديرها. عارف إنك بتعاني من مشاكل في التمويل بسبب توريدات الصلب الأخيرة.
اتسعت عينه بدهشة، وبعدين ضحك بصوت خافت. إنتي قريتي السوق كويس يا نيرة. بس استحواذ؟ ده حجمه أكبر من ميزانية شركتك الحالية.
طلعت تابلت وفتحت ملفات التقييم. مش ميزانيتي الحالية يا فريد. أنا بكلمك عن تسييل أصول الهولدينج بتاعي. أنا قررت أغير استراتيجيتي. عايزة أبني إمبراطورية، مش مجرد شركة مقاولات صغيرة. وإنت محتاج سيولة، وأنا محتاجة خبرة وكوادر. شراكة مش بس استحواذ، شراكة نيرةفريد هتسيطر على سوق المقاولات في مصر في أقل من سنتين.
فريد سكت فترة طويلة، بيبص للنيل بتمعن. إنتي مش بس ذكية يا نيرة، إنتي جريئة. مخاطرة زي دي ممكن تضيعك لو السوق وقع.
السوق ما بيقعش للي عارف بيعمل إيه، بيقع للي بيخاف ياخد القرار. أنا أخدت أصعب قرار في حياتي لما طلقت جوزي اللي كان بيسرقني، تفتكر هخاف من صفقة بيزنس؟
فريد مد إيده، وقال بصوت واثق موافق. بس ليا شروط.
أنا كمان ليا شروط، وشروطي بتبدأ ب الاستقلالية التامة في إدارة الصفقات.
اتفقنا على الخطوط العريضة، حسيت إن الدنيا بدأت تبتسم لي. بس في وسط الحماس ده، الموبايل رن.. كان رقم فوزية.
استغربت.. فوزية بتكلمني؟ رديت ببرود أيوة يا طنط؟
صوتها كان واطي، ومش واثق، ومخنوق بالعياط. نيرة.. سامية.. سامية في المستشفى.
سكت قلبي لحظة. مستشفى؟ ليه؟
حاولت.. حاولت تنهي حياتها.. والشرطة جات خدت عادل بتهمة الاختلاس اللي إنتي قدمتيها. . البيت اتقلب جحيم يا نيرة!
ما حستش بأي شفقة. ده نتيجة أفعالهم يا طنط. أنا ما رحتش لبيتهم وقولتلهم اسرقوني. هما اللي اختاروا طريقهم.
إنتي قلبك اتحجر! إنتي مش كنتي البنت الغلبانة اللي بتساعدنا؟
البنت الغلبانة دي كانت بتعمل كده عشان كانت فاكرة إن فيه عيلة. دلوقتي عرفت إن فيه تجار استغلوها. سامية مش ضحية، سامية مجرمة. وعادل مش ضحية، عادل حرامي. سلام يا طنط.
قفلت السكة. فريد بص لي بفضول. مشاكل تانية؟
مشاكل من الماضي. انتهت خلاص.
رجعت للشركة، لقيت مروة مستنياني وشها أصفر. نيرة، فيه صحفي اتصل، بيقول إنه معاه مستندات بتهدد سمعة الشركة، وبيقول إن فيه بلاغ اتعمل ضدك بتهمة غسيل أموال!
وقفت مكاني. غسيل أموال؟ ده السيناريو اللي كان عادل بيهدد بيه! هو كان بيخطط لكل ده من قبل ما أطلقه؟
فين المستندات دي يا مروة؟
بيقول إنها صور من تحويلات بنكية.. صور ملفقة.
بدأت أفهم اللعبة. عادل، وهو جوه الشركة، كان بيجهز كل ده. كان بيعمل تحويلات بأسماء شركات وهمية، وكان بيمضيها باسمي تزوير، عشان لو حصل أي حاجة، أنا اللي أروح في داهية.
مروة، اتصلي بالمحامي فوراً. لازم نوصل ل المخزن الرقمي للشركة. كل العمليات اللي تمت في الفترة الأخيرة، لازم تتراجع، ونثبت إن التوقيعات دي مش توقيعاتي، وإن ال IP address بتاع التحويلات كان من
لمحة نيوز
جهاز عادل الشخصي!
كانت حرب.. حرب شرسة. عادل ما كانش عايز بس يطلقني، كان عايز يدمرني. عايز يخليني أدخل السجن، وياخد هو كل حاجة.
قضيت الليل كله في المكتب، ومعايا شريف المحامي، وفريق من خبراء ال IT. اكتشفنا إن عادل فعلاً كان بيستخدم برامج خفية عشان يغير توقيعي الرقمي، وكان بيحول فلوس لشركات تابعة لأخته.
يا نيرة، ده تزوير واضح. بس لازم نثبت إن الجهاز ده كان معاه هو، مش معاكي.
الجهاز ده كان في مكتبه يا شريف. أنا عمري ما دخلت مكتبي من مكتبه!
بدأت أتذكر كل تفصيلة. فاكرة لما كان بيطلب مني أسيب الموبايل أو اللاب توب في البيت لما نخرج؟ فاكرة لما كان بيطلب مني أريح وأسيب له هو التوقيعات على بعض الورق بحجة إنه بيساعدني؟ ده كان فخ.. فخ محكم!
بصيت لشريف شريف، لو دخلت السجن، الشركة هتقع؟
لو دخلتي، الشركة هتتحط تحت الحراسة القضائية، وده معناه إن فريد أو أي منافس تاني هياخدها في ثانية. هو ده اللي هو عايزه.
مسكت القلم، وبدأت أكتب كل حاجة. كل تفصيلة، كل عملية، كل ضغطة كانت بتتم.
عادل فاكر إنه اذكى مني. بس هو نسي حاجة واحدة.
إيه هي؟
إني أنا اللي علمت الفنيين بتوع الشركة إزاي يعملوا System الحماية ده. وعارفة إن فيه Log file بيفضل متخزن على السيرفر الرئيسي للشركة، مش على الجهاز الشخصي!
شريف عينه لمعت. يعني فيه نسخة؟
في نسخة احتياطية مش متشافة! مروة، هاتي لي ال Backup بتاع شهر أكتوبر.
بعد ساعتين من التوتر، والكل بيراقب الشاشات.. ظهر الملف. كانت كل العمليات، بالدقيقة والثانية، طالعة من جهاز عادل، ومعاها تسجيل صوتي من كاميرات المكتب اللي كان هو فاكر إنه طفاها، بس هي كانت شغالة بنظام ال Motion Sensor!
لقيت الفيديو.. عادل كان قاعد على المكتب، بيضحك مع سامية في التليفون، وبيقولها خلاص يا سامية، نيرة هتروح في داهية، والشركة هتبقى لينا في خلال أسبوع!
دموعي نزلت.. مش عشان كنت بحبه، بس عشان الصدمة من غدره. تلات سنين؟ تلات سنين كنت نايمة جنب عدو؟
معاكي السلاح يا نيرة. دلوقتي، هما اللي رايحين في داهية.
الصبح، وقفت قدام القسم، ومعايا المحامي وال USB اللي فيها كل الحقيقة. عادل كان هناك، بيحاول يعمل دور الضحية قدام الضباط، بس لما شافني، وشه اتخطف.
نيرة؟ إنتي بتعملي إيه هنا؟
بصيتله ببرود، وقدمت ال USB للضابط المسؤول. جاية أقدم الأدلة اللي بتثبت مين اللي اختلس، ومين اللي زور، ومين اللي خطط لتدمير شركة بمليارات.
عادل حاول يهجم عليا، بس العساكر مسكوه. إنتي كدابة! إنتي اللي عملتي كل ده!
الكلام قدام النيابة يا عادل. والنيابة مش بتصدق غير بالدليل الرقمي.
خرجت من القسم، حسيت بالهوا في صدري لأول مرة من سنين. كان يوم صيفي شمس، بس شمس حقيقية، مش شمس مزيفة زي اللي كنت عايشاها.
مروة كانت مستنياني بالعربية. عملتيها يا نيرة. عادل هيتحبس.
مش بس هيتحبس يا مروة. عادل هيعرف إن نيرة اللي كان فاكرها سكرتيرة، هي اللي هتكون السبب في إنهاء مستقبله كله.
ركبت العربية، وشفت عادل من بعيد، وهو بيتدخل للزنزانة. ما حسيتش بالانتصار، حسيت ب العدل.
على فين يا فندم؟
على الشركة يا عم سيد. عندنا شغل كتير.. وشراكة جديدة لازم تخلص.
الطريق للشركة كان طويل، بس كان فيه كل اللي بتمناه. الحرية.
وأنا ماشية في طرقة الشركة، الموظفين كلهم بيبصولي باحترام. ما بقيتش مجرد صاحبة عمل، بقيت نموذج للست اللي وقفت قصاد الظلم، وكسرت القيود.
دخلت المكتب، وفتحت اللابتوب. لقيت رسالة من فريد وصلني خبر اللي حصل. إنتي مش بس شريكة، إنتي قوة لا يستهان بيها. جاهزة نبدأ الشراكة بكره؟
كتبت رد واحد أنا جاهزة من امبارح.
قفلت اللابتوب، وبصيت من الشباك على القاهرة. المدينة اللي شافت خيانته، وشافت قهرى، وشافت صمودى. القاهرة دلوقتي كانت ملكي.
بس في لحظة، افتكرت أمي. اتصلت بيها فوراً.
أيوة يا ماما، طمنيني.. إنتي كويسة؟
يا بنتي، أنا اللي بسأل عليكي. الدنيا مسمعة إن جوزك اتدبس في قضايا كبيرة.
أيوة يا ماما.. العدل أخد مجراه.
الحمد لله يا نيرة. المهم إنتي، خلي بالك من نفسك. اللي عمل فيكي كده ممكن يعمل أكتر لما يخرج.
مش هيخرج يا ماما.. ومش هيشوف ضوء الشمس غير من ورا القضبان.
قفلت مع أمي، وحسيت براحة تانية. البيت، الشغل، الأهل.. كل حاجة بقت في مكانها الصح.
الليل بدأ يهبط على المدينة، والأنوار بدأت تنور. القاهرة كانت بتتنفس، وأنا كنت بتنفس معاها. التحدي اللي جاي كان كبير، بس كنت مستعدة له.
بصيت ل الدرع اللي حطاه على مكتبي، درع صغير مكتوب عليه النجاح هو أفضل انتقام.
ابتسمت.. وانتقامي كان النجاح، وكان الحرية.
…يتبع
مرت سنة كاملة على يوم القبض على عادل. سنة كانت كفيلة إنها تغير ملامح حياتي تماماً. الشركة بقت إمبراطورية حقيقية، والشراكة مع فريد أثبتت إنها كانت أنجح قرار خدته في حياتي، مش بس على مستوى البيزنس، لكن كمان على مستوى تغيير جلد نيرة Corradi. مابقيتش نيرة اللي بتخاف من خيالها، ولا اللي بتستنى رضا راجل عشان تحس بقيمتها.
عادل اتحكم عليه بالسجن 7 سنين، وسامية وأمها فوزية دخلوا دوامة قضايا وطلعت عليهم أحكام تعويضات خلتهم يبيعوا كل حاجة، حتى البيت اللي كان بيتعزوا فيه. بقوا بيعيشوا في شقة إيجار قديم، بيدوروا على أي شغلانة تسترهم. كنت بسمع أخبارهم من
بعيد، مش تشفّي، بس عشان أطمن إن الموجة اللي حاولت تغرقني، غرقت أصحابها هما.
في صباح يوم شتوي هادي، كنت واقفة في مكتبي اللي بيطل على النيل، بفكر في الخطوة اللي جاية. الشراكة مع فريد وصلت لمرحلة الاستحواذ الكلي على كذا مشروع ضخم في العاصمة الإدارية. مروة دخلت المكتب وهي بتبتسم، ملامحها كانت بتقولي إن فيه حاجة جديدة.
نيرة، فيه واحد مستنيكي بره.. بيقول إنه من طرف عادل.
اتحجرت في مكاني. عادل؟ بعد سنة؟ عادل جوه السجن يا مروة، مين ده؟
محامي.. بيقول إنها رسالة أخيرة قبل ما يتقرر مصيره النهائي في استئناف بكرة.
أخدت نفس عميق، وقلت دخليه.
دخل راجل في الخمسينات، لبسه بسيط بس نظيف، ملامحه توحي بالهدوء. قعد قدامي وطلع ظرف أصفر. مدام نيرة، أنا محامي عادل، أو المحامي اللي كان بيمثله في قضية التزوير. عادل طلب مني أوصلك الرسالة دي شخصياً.
فتحت الظرف. كان فيه ورقة واحدة، بخط إيد عادل اللي كنت بعرفه كويس. الخط كان مرتعش، بعيد كل البعد عن ثقة عادل اللي كنت أعرفه.
نيرة، عارف إنك مش هتقرأي الرسالة دي بحب، وعارف إنك كرهتيني.. وعندك حق. السجن علمني إن اللي بنيته في تلات سنين، هديته في يوم. مش جاي أترجاكي تسحبي القضية، لأني عارف إنك أقوى من كده بكتير. أنا بس جاي أقولك إني عرفت الحقيقة.. عرفت إنك مش بس ست ناجحة، إنتي كنتِ أمان أنا ما عرفتش أصونه. سامحينا.. سامحينا لأننا كنا طماعين، وكنت أنا أعمى.
رميت الورقة على المكتب. المحامي بص لي بصمت. عايز إيه يا أستاذ؟
عادل بيطلب منكِ إنك تحضري الجلسة بكرة. بيقول إنه لو شافك، هينطق بالحقيقة الكاملة اللي لسه ما قلتهاش، الحقيقة اللي ممكن تورط ناس تانية ورا ال Holding بتاعك.
ضيقت عيني. ناس تانية؟ مين؟
فريد.. الشريك بتاعك.
تجمدت في مكاني. فريد؟ فريد اللي كان بيمد لي إيد العون؟ اللي أنقذ شركتي؟
فريد عمل إيه؟
فريد ما كانش عايز يساعدك يا نيرة. فريد كان بيخطط من الأول إنه يشتري ديون شركتك عن طريق عادل، عشان لما توقعي، ياخد كل حاجة. عادل لما اكتشف إن فريد بيستغله هو كمان، قرر إنه يواجهك.
حسيت ببرودة في أطرافي. اللعبة مابقتش أنا وعادل، اللعبة بقت أنا وفريد.
اخرج بره مكتبي. قلتها بصوت هادي ومخيف.
الراجل قام ومشي. قعدت على مكتبي، وفتحت ملفات فريد. بدأت أراجع كل التعاملات، كل العقود اللي أمضيتها معاه. اكتشفت إن فيه ثغرات قانونية، ثغرات معموله بدقة عشان لو في يوم من الأيام الشراكة اتفضت، فريد هو اللي ياخد الشركة الأم.
كان بيلعب بيا؟ كنت فاكرة إني أنا اللي بطلة اللعبة، طلع في مخرج تاني بيحرك الخيوط من ورا الكواليس.
الساعة كانت 5 العصر. قررت أعمل حاجة محدش يتوقعها. قمت لبست جاكيت البدلة بتاعي، ونزلت. رحت للمكان الوحيد اللي ممكن ألاقي فيه فريد.. مكتبه الرئيسي في وسط البلد.
دخلت من غير ميعاد، السكرتيرة حاولت تمنعني، بس أنا زقتها ودخلت مكتبه. فريد كان قاعد بيشرب قهوة، وكأنه كان مستني اللحظة دي.
نيرة! نورتيني.. إيه المفاجأة دي؟
رميت ملفات الشراكة على المكتب. لعبتك حلوة يا فريد. بس أنت نسيت إني مش نيرة اللي كانت بتدير شركة استيراد وتصدير صغيرة. أنا نيرة Corradi.
ضحك فريد ببرود، وقام وقف. ومين قالك إني مش عارف؟ أنا كنت براهن على ذكائك. كنت عارف إنك هتوصلي للحقيقة، بس كنت فاكر إنك هتيجي تطلبي اتفاق مش هتيجي تهدديني.
التهديد ده مش ليا، ده ليك. أنا مجهزة كل حاجة للنيابة. كل العقود، كل التحويلات.
يا نيرة.. النيابة في جيب مين؟ إنتي فاكرة إن السوق ده بيشتغل بالأخلاق؟ السوق ده بيشتغل ب القوة. وأنا الأقوى.
قربت منه، وبصيت في عينيه. القوة مش إنك تسرق. القوة إنك تكون عارف اللعبة، وتقلب الطرابيزة على اللي بيلعبها. أنا ماجيتش عشان أهددك، أنا جيت عشان أقولك إن بكرة، في المحكمة، عادل هيشهد، وأنا هقدم الأدلة اللي هتخليك جنب عادل في نفس الزنزانة.
وشه اتغير لأول مرة. إنتي اتجننتي؟ هتخربي شركتك بإيدك؟
الشركة اللي فيها سوس زي فريد، لازم تتقطع منها السوسة عشان تعيش. أنا مستعدة أبدأ من الصفر، بدل ما أعيش مع شريك بيخونني.
سيبته وخرجت. قلبي كان بيدق زي الطبول. أنا عارفة إن اللي عملته ده جنون، بس هو ده الطريق الوحيد.
يوم الجلسة، قاعة المحكمة كانت مليانة. الصحافة، المحامين، والكل بيتكلم عن المواجهة الكبرى. عادل دخل القاعة، كان شكله كبر سنين. بص لي، ولأول مرة شفت في عينه حزن حقيقي.
لما القاضي نده على اسمه، عادل وقف. عايز أقول الحقيقة.
فريد كان قاعد في الصفوف الأولى، عيونه بتشر، زي الثعلب اللي مستني فريسته.
فريد.. هو اللي حرضني أسرق ملفات نيرة. وهو اللي أداني برامج التزوير.
صرخ فريد من مكانه ده كداب! ده مجرم بيحاول يقلل حكمه!
القاضي خبط بالمطرقة. سكون!
أنا وقفت، وطلعت ال USB التانية. سيادة القاضي، معايا تسجيلات ومستندات بتثبت إن فريد مش بس محرض، ده المخطط الأساسي.
القاعة قلبت هرج ومرج. فريد حاول يخرج، بس الأمن كان محاصره. كان بيتحول من شريك ل متهم في لمح البصر.
خلصت الجلسة بقرار المحكمة بحبس فريد احتياطياً على ذمة التحقيق. طلعت من المحكمة، وكان فيه حشد من الصحفيين. الكاميرات في وشي، الميكروفونات في كل مكان.
مدام نيرة، إيه شعورك
بعد ما كشفتِ شريكك؟
بصيت للكاميرات، وبصيت للسما. القاهرة كانت بتتنفس شمس وبداية جديدة.
مشاعري إن الحق، مهما تأخر، بيرجع لأصحابه. أنا مش بس كشفت شريك، أنا كشفت وهم كنت عايشة فيه. القوة مش في مين اللي معاك، القوة في مين اللي أنت عليه.
رجعت البيت.. البيت اللي اشتريته بفلوسي، اللي فرشته بذوقي، اللي مافيهوش ريحة خيانة ولا كذب. قعدت في الصالون، مسكت موبايلي، لقيت مكالمة فايتة من أمي.
أيوة يا ماما.
بنتي.. سمعت الأخبار. إنتي كويسة؟
أنا كويسة جداً يا ماما. أخيراً.. أنا حرة.
قفلت مع أمي، وفتحت اللابتوب. بدأت أكتب بيان رسمي للشركة. شركة Corradi تعلن عن إعادة هيكلة شاملة، وبداية لمرحلة جديدة من الاستقلال التام.
بصيت لنفسي في المرايا. نيرة اللي كانت بتخاف، بقت نيرة اللي بتهز الأسواق. نيرة اللي كانت بتدور على الحب في راجل، لقيت الحب في نفسها، وفي قدرتها على المواجهة.
مش عارفة إيه اللي جاي، مش عارفة بكرة مخبي إيه، بس اللي عارفاه إن نيرة Corradi خلاص، ما بقاش حد يقدر يكسرها.
فتحت إزازة مياه، وشربت نخب النجاح.. نجاحي أنا، بفلوسي أنا، وقراري أنا.
القاهرة بالليل كانت منورة، زي مستقبلي اللي بدأ أخيراً يوضح. خدت نفس طويل، وأخدت قرار..
هسافر. هسافر أسبوعين بعيد عن كل ده. هروح مكان مفيش فيه لا عادل، ولا فريد، ولا شركة، ولا قضايا. مكان فيه نيرة بس.
قفلت كل حاجة، وطلعت الشنطة.
المشوار لسه طويل، بس لأول مرة.. الطريق طالعني أنا.
نيرة Corradi.. بدأت قصتها الحقيقية دلوقتي بس.
…يتبع

