مروه
الجزء الأول
— لو بكره اختفيتي يا مروة، محدش هنا هيتحرك خطوة واحدة عشان يدور عليكي.
حماتي، الحجة كريمة، قالت الجملة دي بابتسامة هادية ورايقة، كأنها بتعزم عليا برغيف عيش سخن على الطبلية. كان فيه بتاع 26 بني آدم واقفين في حوش بيتها الواسع في بنها: قرايب، جيران، ستات من كبارات الحتة، عمي جابر، وحتى اتنين زمايل جوزي في الشغل. كلهم كانوا بياكلوا من اللحمة المشوية اللي أنا شرياها ومتبلاها ومجهزاها من الساعة 6 الصبح.
لثانية واحدة، دخان الفحم حسيت إنه وقف في الهوا ومتحركش.
كنت ماسكة في إيدي طبق فل، فيه صباع كفتة، وشوية ممبار، وبصل مشوي، ومعلقة سلطة طحينة كانت حامية لدرجة إنها حيرت صوابعي. بصيت لحماتي. وبعدين بصيت لطارق، جوزي، اللي كان قاعد جنبها.
هو سمعها. أكيد سمعها.
بس اكتفى بإنه ضحك بصوت واطي.
مش ضحكة عالية ورجولية.. لأ، دي الضحكة الجبانة اللي كان بيضحكها كل ما أمه تهيني وتكسر بخاطري، وهو عاوز يعمل نفسه مش واخد باله وإن الموضوع بسيط وميستاهلش.
الباقيين مشيوا وراه وضحكوا. طنط فوزية حطت إيدها على بوقها وهي بتداري ضحكتها. عمي جابر طلع منه تريقة بصوت تخين ورجعي. وبنت خالة طارق، نهى، قالت:
— يا حجة كريمة، إنتي عليكي كلام بيجيب من الآخر ومبتعرفيش تجاملي خالص!
الحجة كريمة رفعت كباية عصير الكركديه الساقع كأنها لسه قايلة حكمة من حكم الأنبياء:
— يا بنتي الأهل هما الأهل. الدم عمره ما يبقى مية. الباقي بقى.. بيروح وييجي.
أنا قطمت حتة الكفتة بالراحة. زوري كان حامي وبيحرقني، بس مكنش من الشطة.
— بكرة نشوف — قلتها بصوت هادي.
محدش عبرني ولا ركز معايا.
الكلام اتنقل بسرعة لـ عربية ابن خالتهم الجديدة، وجهاز بنت عمهم اللي بتتجوز. الحجة كريمة رجعت تاني تلم في المدح والثناء على الرز المعمر “بتاعها”، وصينية الرقاق “بتاعتها”، وسلطة الدقوس اللي عاملها “بإيدها”. كل ده كان بتاعي أنا. وصفتي أنا. وقتي ومجهودي أنا. وإيديا اللي ريحتها توم وبصل من النجمة.
على مدار 3 سنين كاملين، كنت أنا “المرآة الخفية” في عيلة الرفاعي. دخلت العيلة دي وأنا فاكرة إني لقيت السند والونس اللي غابوا عني من يوم ما أمي ماتت في مستشفى الدمرداش، وأبويا انطفى وراها بكام شهر من الحزن والقهر. مكنش عندي إخوات قريبين مني، ولا أعمام يسألوا عليا في المواسم والأعياد، ولا بيت دافي يستناني ويكون ليا فيه مطرح.
طارق ظهر في حياتي في معرض للحرف اليدوية في فسطاط مصر القديمة. اشترى مني نوتة جلد هاند ميد، وعزمني على درة مشوي، وقال لي إنه معجب بطريقتي وشغلي في التصميم. كنت شغالة مصممة جرافيك فريلانسر على باب الله، بعمل منيوهات للمطاعم الشعبية، لوجو لصالونات التجميل، كروت أفراح، وإعلانات للمحلات الصغيرة.
لما طلب إيدي، قلت لنفسي: “أخيرًا هيبقى عندي عيلة تلمني”.
يا لخيبتي وسذاجتي.
عزومة عيلة الرفاعي دي كانت فرض عين أول حد من كل شهر. في نظرهم، دي “لمة الحجة كريمة وطقسها المقدس”. أما في أرض الواقع، فالعزومة دي كانت متشالة بالكامل على كتافي أنا. بنزل سوق السيدة عائشة اشتري اللحمة والخضار، أعمل الصلصات، أنظف الطرابيزات، أعمل زينة، أتابع الجروب وأرد على الرسايل بتاعة “مين جاب إيه ومين نسي إيه”، وفي الآخر بعد ما الكل يكرع ويمشي، أقف أنا لوحدي أغسل جبال المواعين.
والحجة كريمة كانت بتقعد على كرسيها البلاستيك الأخضر في صدر الحوش، تستقبل الشكر والمدح وتقول بصوت كله ورع مزيف:
— هنعمل إيه بس يا ولاد، الواحد بيعفر بكل صحته عشان يفضل لادم الشمل ومجمع العيلة.
وطارق عمره ما فكر يصلح الكلمة لحد.
ولا حتى كان بينطق لما أخته عبير كانت بتلقبني بـ “الشغالة اللي لابسة دبوس دهب”. ولا لما عمي جابر كان بيستخف دمه ويقول إني نفع في المطبخ أكتر ما نفع كزوجة. ولا لما الحجة كريمة نفسها قالت لي في ليلة عيد:
— متسرحيش بخيالك يا مروة. إنتي هنا مهما حصل هتفضلي ضيفة.
يوم الأحد ده، لما الكل ضحك على فكرة إني لو غبت محدش هيحس بيا، فيه حاجة جوايا ماتت.. بس في نفس الوقت، فيه حاجة تانية صحت وقررت إنها مش هتاخد إذن من حد تاني.
بالليل، طارق نام على الكنبة والتلفزيون شغال وجنبه كنز بيرة دافي.
أنا طلعت الشنطة الكبيرة من الدولاب.
لميت هدوم تكفيني أسبوع، اللاب توب بتاعي، أوراقي الرسمية، صورة أمي وأبويا الله يرحمهم في القناطر الخيرية، كشكول وصفات الأكل بتاع أمي، وفيزا البنك اللي فيها قرشين كنت شايلاهم من ورا طارق وميعرفش عنهم حاجة.
قلعت دبلتي وحطيتها على رخامة المطبخ.
مكتبتش جوابات ولا عتاب.
الساعة 2:17 الفجر، دورت عربيتي وطلعت بيها من غير ما أيد النور العالي لحد ما وصلت للطريق الدائري.
ومع كل كيلو ببعده عن بنها وهي بتختفي ورايا في المراية، كنت بكرر بصوت همس:
— بكرة نشوف يا ولاد الرفاعي.
اللي مكنش حد فيهم يتخيله، هو إن غيابي ده هو اللي هيهد الطرابيزة اللي قعدوا يتريقوا عليا فوقيها.
الجزء الثاني
وصلت الإسكندرية مع طلعت النهار، عيني كانت ناشفة من الدموع وإيديا مرعوبة على الدريكسيون. مكنتش مختارة البلد دي بالصدفة. بقالي شهور بدور على شقق إيجار صغيرة في وسط البلد، قريبة من المطابع، الكافيهات، والمحلات اللي ممكن تحتاج شغل تصميم. كنت محوشة 182 ألف جنيه، بجمعهم الـ 500 فوق الـ 500، وبشيل كل قرش في البنك وكأني بعمل عملة هربانة منها.
بس مكنتش عملة ولا عيب.
دي كانت تذكرتي للحرية.
أجرت أوضة وصالة فوق مطبعة قديمة في منطقة المنشية. المكان كان مليان ريحة حبر، ورق مندي، وريحة قهوة غامقة متسخنة كذا مرة. صاحبة البيت، الست أمينة، ست مطلقة عندها بتاع 58 سنة، لابسة نظارة قراءة مدلدلة بسلسلة على صدرها، وشخصيتها حازمة زي عساكر الجيش. بصتلي وأنا نازلة من التاكسي وشايلة شنطة الهدوم وحاضنة اللاب توب في صدري:
— إنتي الساكنة الجديدة؟
— أيوه يا طنط.
— بلاش طنط دي والنبي، بتحسسني بـ أيام الوفاة والآخرة. الشاي ورا في المطبخ، صبي لنفسك واشربي.
بس كدة. مألتنيش أنا هربانة من إيه ولا مين ورايا. مصعبتش عليها. ادتني كباية الشاي وسابتني لـ حالي وسكاتي.
أول شهر اشتغلت زي المكنة، كأن الخوف بيجري ورايا بكرباج. نزلت لفيت على محلات الحواوشي، الكافيهات، ورش النجارة، المخابز، والفنادق الصغيرة اللي في محطة الرمل. كنت بطلب أسعار رخيصة أوي، تحت الأرض، بس كل جنيه كان بيدخل جيبي كنت بحس بطعمه.. مكنش فيه حد بياكل تعبي. مكنش فيه حد يقول ده “تسالي وبنضيع وقت”.
وفي نفس الوقت، في بنها، عيلة الرفاعي بدأت تحس بالشرخ.
اللي كانت بتنقل لي الأخبار أول بأول هي هبة، جارتنا الطيبة اللي مكنتش بتشارك في قلة الأدب دي وعمري ما فكرت أعمل لها بلوك.
أول مسمار في نعشهم كان وقوع الموقع الإلكتروني بتاع ورشة الميكانيكا بتاعة طارق. أنا اللي كنت مصمماه ومظبطاه وبجدد السيرفر بتاعه. هو مكنش يعرف حتى الباسورد ولا الإيميل البديل اللي مربوط بيه. الزباين بدأت تقل وحجز المواعيد واقف تمامًا. زبون تقيل سحب عربيته وداها ورشة تانية عشان محدش رد على رسايله لمدة أسبوع.
وبعدين جت عزومة أول شهر أغسطس.
الحجة كريمة صممت تعمل كل حاجة بنفسها عشان تثبت إنها مش محتاجاني.
شوطت اللحمة، والممبار نزل ني والرز جواه حصى، جابت عيش بايت وساقع، وعملت صينية رقاق حادقة لدرجة إن عمي جابر — اللي بياكل الزلط — زق الطبق من قدامه وقام.
متحضرش العزومة غير 11 فرد بس من الـ 26.
عبير أخت طارق جابت معاها علبة سلطة جاهزة من السوبر ماركت، فالحجة كريمة هزأتها وشتمتها بقلة القيمة قدام الناس. خناقتهم وصلت لـ لعلعة في المطبخ. طارق حاول يهدي أمه، فصرخت في وشه وقالت له إن كل الخراب ده بسبب السنيورة مراته اللي “عاملة فيها ضحية وماشية ورا دلع الستات”.
بعد 3 أسابيع، طارق ساب الشقة ورجع عاش مع أمه في بيتها لأنه مكنش قادر يدفع قسط الشقة لوحده بعد ما وقفت دفع نصيبي في القسط. سنين وأنا شايلة حسابات ورشته، بدفع فواتير المياه والكهرباء، بظبط الدفاتر وبفكرهم بمواعيد الضرائب.
”الضيفة” طلعت هي العمدان اللي شايلا البيت كله على كتافها.
في يوم وأنا قاعدة بصمم منيو لكافيه في جليم، جالي تليفون من رقم غريب.
— مروة.. أنا عبير.
جسمي كله سقع في مكاني.
— عاوزة إيه يا عبير؟
— بصي يا بنتي، إحنا عارفين إنك زعلتي وأخدتي على خاطرك، بس خلاص بقى المسرحية دي طولت. أمي تعبانة وراققدة، وطارق مابينامش والبيت حاله واقف والعيلة اتشتت.
— والمطلوب؟
— ارجعي بقى وبطلي قمص، أو على الأقل كلمي طارق تظبطوا الأمور.
— هي مامتك اعتذرت؟
الخط سكت لثواني.
— جرى إيه يا مروة! دي كانت كلمة بتهزر بيها معاكي وسط اللمة وكلنا ضحكنا.. إنتي حبكتيها أوي وزودتيها بصراحة.
قفلت السكة في وشها.
بعدها بدأت الرسايل تنهال عليا من أرقام تانية.
”إنتي بتخربي بيت جوزك وبتدمريه.”
”فاكرة نفسك بقيتي حاجة لمجرد إنك بتعرفي تفتحي كمبيوتر؟”
”أمي بتقول عليكي عمرك ما طمر فيكي عيش وملح وطلعتي قليلة الأصل.”
أخدت لكل الرسايل دي “سكرين شوت” وحطيتها في فايل على اللاب توب وسميته: “زبالة لا تستحق الرد”.
بعد 4 شهور، فندق سياحي صغير “بوتيك” في منطقة جليم كلموني عشان أعملهم الهوية البصرية كاملة. لوجو، المنيوهات، اللوحات الإرشادية، ويب سايت، وكروت الغرف. دفعوا لي 85 ألف جنيه. لما صاحبة الفندق، المدام فريدة، شافت التصاميم بتاعتي، سكتت خالص ولمست الورق بإيدها وقالت لي:
— يا بنتي، ده بالظبط اللي كنت بتمناه ومش عارفة أشرحه للمكاتب الكبيرة. إنتي كنتي مستخبية فين كل ده؟
ضحكت من قلبي.
مستخبية.. الكلمة دي جت في الجون فعلاً.
بالمبلغ ده، أجرت محل صغير على قد حالي. دهنت الحوائط باللون البيج الدافي، وحطيت طرابيزة خشب كبيرة جنب الشباك، وعملت يافطة نحاس شيك وعلقتها برا:
”ستوديو نوح للتصميم الإبداعي”.
”نوح” ده كان اسم عيلة أمي الله يرحمها.
يوم ما الست أمينة ساعدتني أعلق اليافطة، فتحنا إزازة شربات ورد وصبينالنا في كبايات بلاستيك.
— الاسم ليه هيبة يا بنتي — قالتها وهي بتطبطب على كتفي.
— كان لازم يرجع له هيبته يا أمينة — ردت عليها وأنا باصة لليافطة.
كنت فاكرة إن الصعب كله عدا خلاص.
لحد ما هبة جارتنا كلمتني وقالت لي إن الحجة كريمة شافت صفحة الاستوديو الجديدة بتاعتي على الفيسبوك.
ودخلت كتبت كومنت من حسابها الشخصي:
”دي الست اللي هربت وسابت بيتها وجوزها وجاية دلوقتي تعمل فيها سيدة أعمال ناجحة وتقدم نصايح للناس. يا ريت الزباين اللي بيتعاملوا معاها يعرفوا حقيقتها ووساختها الأول”.
الكومنت ده جمع 73 لايك وتفاعل في أقل من ساعة.
بس اللي الحجة كريمة مكنتش تعرفه، إن فيه حد كان قاعد معاها على نفس الطرابيزة ومشارك في الضحك، هو اللي هيطلع ويقول الحقيقة كاملة للناس.
الجزء الثالث
أول واحدة نطقت كانت طنط فوزية.
مش معايا أنا.. مع هبة جارتنا.
قابلتها وهي خارجة من صلاة العصر في مسجد سيدي أحمد البدوي، وقالت لها وعينها مليانة كسوف وندم:
— أنا كنت قاعدة وشايفة وعامعة اليوم اللي كريمة قالت فيه الكلمة دي لمروة. أنا ضحكت معاهم ومكنش ينفع أضحك أبدًا على كسر خاطر الغلبانة دي.
هبة بعتت لي فويس بكل اللي حصل العصر ده.
مبكتش وأنا بسمعه. مكنتش في الحتة الضعيفة اللي تخلي أي كلمة من ريحة عيلة الرفاعي تكسرني. بس حسيت براحة غريبة، كأن فيه نور اتقاد فجأة في أوضة ضلمة كنت بقنع الناس إن فيها كراسي وهما يقولوا لي إنتي مجنونة ومفيش حاجة.
بعدها الست إحسان بتاعة الجمعية الخيرية بدأت تتكلم. وبعدها رامي ابن خال طارق. حتى عمي جابر، بطريقته الدبش، قال وسط قعدة رجالة:
— الحق يتقال، البنت كانت شايلة البيت شيل ومحدش كان بيقدرها. بلاش نكدب على نفسنا بقى.
الحجة كريمة حاولت بكل الطرق تدافع عن كبريائها وتثبت كلامها.
كانت بتقول للناس إني جالي جنان مفاجئ، وإني هربت من طارق من غير سبب، وإني ست مش طبيعية ومش وش نعمة ولا عرفت أتعود على “الأصول واللمة”.
بس بنها بلد صغيرة والناس فيها بتفتكر ومبتنساش بسهولة.
الناس كانت فاكرة ومسجلة مين اللي كانت بتيجي من الفجر شايلة الأكياس والشنط على دراعاتها. مين اللي بتسقي وتغدي. مين اللي بتلم. مين اللي بترد على جروبات الواتساب لما حد يسأل عن حاجة. مين اللي عملت كروت ورشة طارق، وكروت سبوع ولاد أخته، ودفتر عزاء خاله، وحتى البانر الكبير بتاع جمعية المسجد اللي الحجة كريمة راحت قدمته باسمها وكأنها صاحبة الفكرة.
الحقيقة مقبتش فجأة.
دي رشت زي المياه في الحيطة بالراحة وببطء.
الأول، الستات بتوع الجمعية مبقوش يشركوها في تنظيم المعارض الخيرية. الجارات مبقوش يفوتوا عليها يشربوا القهوة بتاعة الضهر. وبعدين لمة أول الشهر اتلغت “عشان مفيش وقت”. الكل كان عارف إن الحكاية مش وقت.. الحكاية إن مروة مش موجودة.
وفي الوقت ده، أنا كنت غرقانة في الشغل.
مدام فريدة صاحبة الفندق رشحتني لـ إدارة قصور الثقافة في الإسكندرية. كانوا محتاجين تصميم هوية بصرية كاملة لمهرجان الخريف الثقافي: دعوات، تذاكر، لافتات، مطبوعات، وتصميم المسرح نفسه. المناقصة دي كانت كبيرة جداً عليا.. 140 ألف جنيه.
يوم ما مدير المهرجان، الأستاذ عادل الشافعي، كلمني وقال لي إن اللجنة استقرت على الشغل بتاعي، أنا قعدت على بلاط الاستوديو من الفرحة ومش قادرة أقف على رجلي.
— تصميمك خطفنا يا مروة. فيه قوة وشموخ، وفي نفس الوقت دافي ومريح للعين.
القوة والدفء.
الحاجتين اللي عيلة الرفاعي فهموني لسنين إنهم مستحيل يجتمعوا في ست واحدة.
اشتغلت أسابيع ورا بعض من غير نوم. كنت بظبط الألوان مستوحاة من رمل الإسكندرية، زرقان البحر، الخشب القديم بتاع البيوت الكلاسيكية، ونور الشمس وهي بتغرق في المية وقت الغروب. أمينة كانت بتسهر معايا تراجع المطبوعات والتجارب. كنا بناكل سندوتشات كبدة فوق كراتين الورق وصوابعنا متعاصة حبر أزرق وأسود.
في ليلة وإحنا خلاص بنفنش الشغل، بصت لي وقالت:
— ندمانة يا مروة؟
— على إني مشيت؟
— لأ.. على إنك مخرّجتيش بركان الغضب ده من بدري؟
بصيت لـ اسمي المكتوب على بروفة كارت الدعوة: “مروة نوح — المدير الفني”.
— لأ — قلت لها بيقين — الأول كنت بموت عشان يصدقوني ويثقوا فيا. دلوقتي أنا مش محتاجة إثبات من حد.
قبل المهرجان بأسبوعين، طارق ظهر في الاستوديو بتاعي.
جرس الباب رن الساعة 5 المغرب. كنت ملقحة على المكتب براجع استيكرات براند قهوة، رفعت عيني ولقيت راجل هزلان، وشه شاحب، دقنه نابتة ومبهدلة، وقميصه مكرمش وكأنه نايم بيه.
أخدت ثانية كاملة عشان أستوعب إنه هو.
— مروة.
مقلتلوش اتفضل ادخل.
— طارق.
وقف جنب الباب، يبص على الاستوديو، الحيطان، اليافطة النحاس اللي برا، النماذج المطبوعة اللي متعلقة. متهيألي دي كانت أول مرة يفهم ويستوعب إني مش بس “عشت” من غيره.. أنا كبرت وازدهرت كمان.
— أنا قلبت الدنيا عليكي — قالها بصوت مكسور.
— واديك لقيتني.
— أمي تعبت أوي يا مروة وجالها جلطة خفيفة.
ابتسمت ابتسامة باهتة:
— الكلمة دي صغيرة أوي وقليلة على 3 سنين عذاب عيشتهم معاكم.
بص في الأرض:
— أنا عارف.. وأنا كمان كنت وحش وغلطان. كان لازم أقف في وشهم وأدافع عنك.
— فعلاً.
— مكنتش بعرف أعمل ده.
— لأ.. إنت مكنتش عاوز تدفع تمن راحتك وكرامتي.
الكلمة نزلت عليه زي السكي*نة. شفت الكسرة في عينه بوضوح.
— كنت بخاف منها — همس وهو باصص للأرض — من صغري وأنا بخاف منها. من يوم ما أبويا سابنا وهي زرعت جوانا إن بقائنا ولقمتنا واقفة على إننا منزعلهاش. اتعودت أخرس وأبوس إيدها حتى لو غلطانة.
— وأنا اللي دفعت تمن خرسك وخوفك ده.
مردش عليا.
طلع من جيبه ظرف كبير فيه ورق الطلاق، وكان ممضي منه.
— مش هحاربك في حاجة يا مروة. الشقة بعناها بخسارة عشان نسد الديون. والورشة.. هبيعها هي كمان خلاص.
حسيت بشوية زعل، بس مكنش حنين للماضي. ممكن تزعل على حال حد بس مستحيل تفكر ترجع له خطوة واحدة.
— بتمنى تلاقي حياة تقدر تتكلم فيها وتعبر عن نفسك يا طارق.
هز راسه وعينه مدمعة:
— مفيش أي أمل إننا..؟
— لأ.
الكلمة طلعت حاسمة وقاطعة. مفيهاش غل ومفيهاش رعشة خوف.
طارق قفل بوقه، شال الظرف في جيبه:
— سامحيني يا مروة.
— مع السلامة يا طارق.
لما مشى، الجرس رن رنة رقيقة ورا هدوء خروجه. فضلت باصة للباب ثواني، وبعدين رجعت لمكتبي وشغلي. كان ورايا تسليمات وتعديلات لازم تخلص.
الجزء الرابع
يوم المهرجان جه مع مطر خفيف وجميل من بتوع إسكندرية.
لبست في الاستوديو. فستان كحلي سمبل، جزمة بكعب مريح، وحلق فضة قديم كان بتاع أمي الله يرحمها. أمينة دخلت عليا وهي شايلة بوكيه ورد أبيض صغير:
— عشان تدخلي القاعة وإنتي سيدة قرارك وصاحبة حكايتك.
الحفلة كانت في قاعة أثرية فخمة في وسط البلد. السقف عالي جداً، نجف إضاءته دافية، حيطان حجرية قديمة، وحوالي 180 شخص من فنانين، رجال أعمال، صحفيين، ومسؤولين في وزارة الثقافة. شغلي كان ماليا المكان: على المدخل الرئيسي، في الكتيبات، على الشاشات الكبيرة، وفي تزيين الطاولات.
إني أشوف اسمي مطبوع في كل حتة بالشكل ده خلاني أحس بمزيج غريب من الفخر والهيبة.
الساعة 8، الأستاذ عادل الشافعي طلع على المسرح ومسك المايك:
— المهرجان السنة دي لابس توب جديد، توب بيعبر عن هويتنا وتاريخنا وبيبص للمستقبل بعين واثقة. الهوية دي صممتها فنانة شابة جت إسكندرية من أقل من سنة، وبقت في وقت قصير جزء لا يتجزأ من عيلتنا الإبداعية هنا. رحبوا معايا بالمصممة المبدعة: مروة نوح.
القاعة كلها رجت بالصقفة الحارة.
مشيت في الممر لحد المسرح وإيديا سقعانة من التوتر.
مكنتش مجهزة خطبة طويلة وعصماء. كانت كلمتين فيهم الخلاصة والحقيقة وبس.
— من فترة مش بعيدة، فيه حد قال لي قدام طرابيزة مليانة ناس وقرايب، إني لو اختفيت بكره محدش هيتعب نفسه ويدور عليا. لـ أيام طويلة كنت فاكرة إن الجملة دي هدتني وكسرتني لـ مية حتة. بس الحقيقة إن الجملة دي كانت طوق النجاة بتاعي. أنا فعلاً اختفيت.. بس اختفيت من المكان اللي مكنوش شايفيني فيه، وظهرت في المكان اللي قدرت أشوف فيه نفسي بجد. شكرًا للإسكندرية اللي فكرتني إن الواحد مش محتاج صلة دم عشان يلاقي سند وعيلة.. ساعات كل اللي بنحتاجه هو “الاحترام”.
التصفيق زاد والناس بدأت تقف تصفق بحرارة.
أمينة صوتت من ورا وهي بتضحك:
— عاش يا مروة! يا بطلة!
ضحكت ودموعي نزلت غصب عني من الفرحة.
وفي اللحظة دي.. شفتها.
الحجة كريمة كانت واقفة في آخر القاعة، جنب الباب الرئيسي.
كانت لابسة عبايتها الكريب البيج بتاعة المناسبات، لامة شنطتها الجلد تحت باطها ومشبكة صوابعها بعنف، حاطة روج أحمر ووشها مكنش فيه أي شجاعة.. كان مزيج مرعب من الغل والحقد مع الخوف.
وطارق واقف وراها، وشه أصفر زي الليمونة.
عرفت بعدين إنها شافت بوست المهرجان وصورتي على الفيسبوك، وأجبرت طارق يسوق بيها من بنها للإسكندرية في المطر. قالت له مش هسمح لـ “الناكرة للجميل” دي تلم قفشات وصقفيات وهي هربانة ومخربة بيتك.
بدأت تمشي في وسط القاعة وتشق الناس كأنها لسه في حوش بيتها والكل لازم يوسع لها هيبة وقيمة.
بس محدش وسع لها ولا عبرها.
هنا دي مكنتش الحجة كريمة الرفاعي، كبيرة العيلة والآمرة الناهية.
هنا كانت مجرد ست مجهولة، عيونها بتطق شرار وغضب.
وصلت عندي وهي بتنهج جنب طرابيزة عالية كنت واقفة عندها مع مدام فريدة اللي بتبارك لي.
— شفتي نفسك خلاص؟ — قالتها بصوت عالي خلى كذا حد من اللي واقفين يلفوا يبصوا علينا — بقيتي مهمة يعني دلوقتي والناس بتصقف لك؟
مدام فريدة برقت ورفعت حاجبها باستنكار.
— أهلاً يا حجة كريمة — ردت عليها بمنتهى الثبات والهدوء.
— متكلمينيش بالبرود ده كأنك متعرجفيش أنا مين! إنتي هربتي وسيبتي بيتك وخربتي حياة ابني!
— أنا مشيت من بيت كنت بتهان فيه ليل ونهار يا حجة.
— كدابة! — صرخت بصوت عالي — إحنا اللي عملنا لك قيمة ولميناكي وعملنا لك عيلة!
صوت المزيكا الهادية في القاعة اتوطى، والكلام حوالينا بدأ يهدى والعيون كلها اتوجهت لينا.
الأستاذ عادل الشافعي بدأ يقرب بالراحة وبملامح جدية.
— إنتي قلتي لي قدام 26 بني آدم إن لو اختفيت محدش هيتحرك خطوة يدور عليا — واجهتها بعين قوية — قلتيها والكل بيضحك ويتريق.
— كنا بنهزر!
— وكان هزار برضه لما عبير قالت عليا شغالة بـ دبوس دهب؟ وكان هزار لما عمي جابر قال إني نفع للمطبخ بس مش للبيت؟ وكان هزار لما قلتي لي في ليلة العيد إني هفضل ضيفة مهما حصل؟ غريبة أوي إن كل هزاركم مكنش بيسيب فيا غير جروح بتنزف دم!
كريمة ضغطت على شنطتها بقوة وصوتها بدأ يترعش:
— إنتي ست قليلة الأصل والوجب.. أنا اللي لميت العيلة دي وفضلت شايلاها سنين.
— لأ يا كريمة.. إنتي مكنتيش لامة العيلة.. إنتي كنتي مخوفاهم ومسيطرة عليهم بالرعب والذل.
السكوت في القاعة بقى تقيل ومحسوس.
طارق غمض عينه بكسرة وندم.
الحجة كريمة رفعت صباعها في وشي وبكل غل قالت:
— إنتي مكنتيش تسوي حاجة قبل ما تدخلي بيت ابني وتتجوزيه!
حسيت إن الكلمة دي طالعة عشان تفتح جرح قديم وتهدني.. بس الجرح ده خلاص اتقفل واتبنى فوقيه جدار خرساني.
— قبل ابنك أنا كنت شغالة وبصرف على نفسي. كنت دافنة أبويا وأمي لوحدي وشايلة همومي وواقفة على رجلي. المشكلة عندكم إنكم خلطتوا بين حبي لـ طارق ورغبتي في الونس، وبين المذلة والفرض.
الهمهمات زادت في القاعة والكل بدأ يبص لها بقرف.
الحجة كريمة لفت برأسها تبص حواليها ولأول مرة استوعبت إنها مش في حوش بيتها.. الكل بيبص لها على إنها ست غريبة جاية تصرخ وتعمل شوشرة في حفلة رسمية ومحترمة وتهين فنانة مكرمة.
الأستاذ عادل اتكلم بلهجة حاسمة وناشفة:
— يا فندم، دي حفلة خاصة ومغلقة.. لو سمحتي اتفضلي اخرجي برا من غير شوشرة.
— مش هتحرك من هنا غير لما تعترف بـ قلة أصلها وتعرف الناس حقيقتها!
— معترفة يا حجة — قلتها وأنا باصة في عينها مباشرة.
الحجة برقت ومبقتش عارفة تقول إيه.
— أنا مشيت فعلاً. بطلت أطبخ وأتعب لـ ناس بيتريقوا عليا ويهينوني. بطلت أدفع فواتير والتزامات لـ ناس مبيقولوش حتى كلمة شكر. بطلت أشيل طرابيزة ماليش عليها مطرح ولا كرسي باسمي.. ولو رجع بيا الزمن هعمل كدة تاني وتالت وعاشر.
فيه حد ورا بدأ يصفق بقوة.
مأخدتش بالي مين.. جايز أمينة، وجايز مدام فريدة. بس القاعة كلها في ثواني شاركت في التصفيق الحاد والتشجيع.
الحجة كريمة وقفت في مكانها مذهولة، وشها أحمر وعينها مبرقة بالخيبة والكسرة.
قربت منها خطوة واحدة، وبصوت هادي وواطي مسمعتهوش غير هي وطارق:
— إنتي قلتي محدش هيفتقدني ولا هيحس بغيابي.. بس اديكي اهه، سقتي من بنها لحد إسكندرية في المطر والبرد عشان تدوري عليا وتحاولي تهديني. واضح إن غيابي عمل صوت عالي أوي ووجعكم.
بوقها اترعش ومقيتش عارفة تنطق بحرف.
طارق مسك دراعها بالراحة وصوته مكسور:
— يلا بينا يا أمي.. كفاية كدة أرجوكي.
المرة دي مستقوتش عليه ولا زعقت.. مشيت معاه وهي جارة أذيال الخيبة، وسط تصفيق الناس اللي مكنش تريقة عليها، على قد ما كان ترحيب بيا وببدايتي الجديدة وقفل الباب القديم للأسد.
رجعت لـ وسط الناس. أمينة أخدتني بالحضن، مدام فريدة طبطبت على إيدي، والأستاذ عادل سألني لو كنت كويسة.
بصيت لـ اسمي المكتوب على الكروت والنشرات، للورد الأبيض اللي في إيدي، لـ وشوش الناس اللي واقفة تحترمني لشخصي وشغلي وتجاحي، مش لـ قدرتي على الاستحمال والتهزيق.
— أنا تمام — قلتها بابتسامة حقيقية — دلوقتي أنا تمام فعلاً.
بعد شهرين بالتمام، الطلاق خلص رسمي وبشكل نهائي.
وقعت على القسيمة باسمي: “مروة نوح”.
هبة جارتنا حكت لي إن الحجة كريمة بطلت تعمل عزومات خالص. الشواية الكبيرة اللي في الحوش اتغطت بمشمع أزرق مركون في الركنة ومحدش بيقرب لها. عبير سابت البيت وراحت أجرت مع صاحبتها في شقة تانية ودخلت كورس تجميل. عمي جابر بقى يروح مشاوير الدكاترة لوحده عشان محدش بقى طايق قعدته وتريقته السخيفة. وطارق باع الورشة واشتغل مهندس صيانة في توكيل عربيات كبير في أكتوبر.
مفرحتش في خرابهم ولا شمت.
العدل ساعات مبيجيش بـ طبل وزغاريط.. ساعات بييجي في صورة هدوء وسلام نفسي. إنك تنام بالليل وإنت مش خايف من بكرة. إنك تفتح باب بيتك وتلاقي اسمك إنت اللي مكتوب عليه بكل فخر.
في يوم سبت دافي، عملت أول عزومة ليا على روف العمارة اللي ساكنة فيها فوق شقة أمينة. عزمت أمينة، مدام فريدة، اتنين من زبايني اللي بقوا أصحابي، وبنت جارتنا اللي بتعمل شموع هاند ميد. شوفت لهم لحمة، ممبار، بصل مشوي، وعملت الرز المعمر بتاع أمي الله يرحمها.
لما واحدة من البنات قالت:
— تسلم إيدك يا مروة، الرز ده ملوش حل وطعمه يجنن.
محدش رد بالنيابة عني ويسب الإنجاز لنفسه.
محدش سرق وصفتي وتعب شقايا.
ومحدش تريق على مكاني على الطرابيزة.
أخدت صباع كفتة وغمسته بالطحينة، وقطمته بالراحة وأنا باصة للبحر البعيد الواسع اللي ملوش آخر.
نفس الأكل.
بس طرابيزة تانية.
نفس الست.
بس حياة تانية خالص.
أوقات، اللي بيحاولوا يعملوا نفسهم مش شايفينك ويحسسوك إنك خفي، هما أول ناس بيتعموا لما بتقرر تمشي وتسيبهم لضلمتهم. وأوقات الاختفاء مش بيكون هروب ولا ضعف.. الاختفاء بيكون هو البداية الحقيقية عشان تبطل تخدم في طرابيزة عمرهم ما كانوا ناويين يفرشوا لك عليها كرسي.
