جوزي رماني

الجزء الاول 👇🏼
جوزي رماني أنا وبنتي في الشارع في عز برد الشتا… وهو فاكر إني ماليش حتة أروحها… بس نسي حاجة واحدة بس… إن أبويا خلاه يمضي على ورق يوم كتب الكتاب، ورق عمره ما قراه.”
لما وصلت بيت أبويا…
كنت خلاص مش حاسة بإيديا من كتر البرد.
هدومي كانت مبلولة على الآخر…
وجزمتي غرقانة مية. حكايات منــال عـلـي
أما بنتي “مريم”…
فكانت مستخبية في حضني، جسمها كله متلج، وبتترعش وهي نايمة من التعب.
أكياس الزبالة السودة اللي حماتي حشت فيها هدومي وهدوم مريم…
كانت مرمية ورايا على السلم.
طلعت الدور بالعافية…
وخبطت خبطة واحدة بس.
وقبل ما إيدي تنزل…
لقيت الباب اتفتح.
أبويا كان واقف قدامي.
لا سألني: حكايات منــال عـلـي
“إيه اللي حصل؟”
ولا قال:
“إيه اللي جابك في الوقت ده؟”
ولا حتى استغرب من منظري.
كل اللي عمله…
إنه أخد مريم من حضني بالراحة.
ولفها في الجاكيت الصوف بتاعه…
ودخل بيها على الصالة.
قعدها جنب الدفاية… حصري على صفحه روايات واقتباسات
وقال وهو بيبصلي:
“خلينا ندفّي البنت الأول…
والباقي كله مقدور عليه.”
دي كانت طبيعته.
راجل هادي…
مش بتاع كلام كتير.
بس أول ما تقع في ضيقة…
تعرف إن ضهرك مسنود بجد.
الناس كلها كانت فاكرة إن أبويا مجرد راجل على المعاش…
يقعد قدام البيت يشرب الشاي…
ويخلي باله من الزرع بتاعه…
ومالوش دعوة بحد.
لكن الحقيقة…
إنهم ماكانوش يعرفوا عنه أي حاجة.
بعد ما مريم نامت…
جابلي كوباية شاي سخنة.
وحطها قدامي.
وقاللي بهدوء:
“احكيلي من الأول خالص.”
أول ما اتجوزنا…
أحمد كان كويس.
وبعدين واحدة واحدة…
بقى هو اللي ماسك كل القرشين.
كل ما أقوله عايزه أعرف المصروف بيروح فين…
يقولي:
“أنا الراجل… وسيبي الموضوع ده عليا.”
وبقى يرجع البيت متأخر.
والموبايل في إيده ٢٤ ساعة.
ولو سألته بتتكلم مع مين…
يقوم قالبها خناقة.
وليلة النهاردة…
فتح باب الشقة…
ودخل ومعاه واحدة ست.
واقف بكل برود…
وقاللي:
“من النهاردة دي هتعيش هنا.”
كأنه بيكلمني عن حاجة جابها معاه وهو راجع من السوبرماركت!
بصيتله…
وافتكرته بيهزر.
لكن حماتي دخلت على طول.
وبقت تلم في هدومي…
وهدوم مريم…
والبطاطين…
ولعبها…
وتحدفهم في أكياس سودة.
وأحمد؟
ولا اتحرك من مكانه.
واقف بيتفرج وخلاص.
قلتله وأنا حاسة بقهوة تموت:
“وبنتك؟
هتنام فين دلوقتي؟”
رد بكل جلودية:
“أنا أخدت قراري خلاص.”
ولا حتى أخدها في حضنه.
ولا خرج وراها.
ولا قال استنوا حتى.
فضل واقف…
لحد ما أمه زقتنا بره…
وقفلت الباب بالمفتاح.
وسابتني أنا وبنته…
في عز البرد ووسط الشارع.
لما خلصت كلام…
أبويا فضل ساكت شوية.
وبص على مريم…
وهي نايمة جنب الدفاية.
وبعدين بصلي وقال:
“قوليلي كلمة واحدة بس…
انتِ لسه عايزة تعيشي معاه؟”
بصيت في الأرض…
وهزيت راسي.
وقلت:
“لأ…
خلاص.”
قام من مكانه…
وطبطب على كتفي.
وقال بثقة:
“حلو.”. حكايات منــال عـلـي
” يبقى من بكرة…
هنرجعلك حقك…
وحق بنتك.”
وقتها…
ولأول مرة من ساعة ما اتطردت…
حسيت إن ضهري متغطي وإني مش لوحدي.
يتبع…
الجزء التاني…

تاني يوم الصبح…

صحيت على ريحة القهوة.

بقالي شهور… دي أول مرة أنام كام ساعة من غير ما أفزوع على خناقة… ولا صوت زعيق.

نزلت الصالة…

لقيت أبويا قاعد في مكانه المعتاد.

قدامه كباية الشاي…

وفي إيده ملف جلده بني قديم.

كان بيقلب في شوية ورق بهدوء، كأنه مستني اللحظة دي من سنين.

أول ما شافني…

قال:

“تعالي يا بنتي… اقعدي.”

قعدت قدامه…

وقلت وأنا باصة في الأرض:

“أنا مش عايزة منهم أي حاجة…

حسبي الله ونعم الوكيل فيهم.”

أبويا بصلي شوية…

وقال:

“يعني خلاص…

قفلتِ الصفحة؟”

هزيت راسي.

وقلت:

“حتى لو ندم…

أنا مستحيل أرجع.”

ابتسم ابتسامة خفيفة…

وقال:

“وده أحسن قرار خدتيه.”

وبعدين فتح الملف.

طلع منه شوية ورق قديم.

وحطهم قدامي.

قلت باستغراب:

“إيه الورق ده؟”

قال:

“فاكرة يوم كتب الكتاب؟”

قلت:

“أيوه.”

قال:

“فاكرة إني قعدت مع أحمد لوحدنا شوية قبل المأذون؟”

افتكرت.

وقلت:

“آه… بس افتكرتكم بتتكلموا في أي حاجة تخص الجواز.”

ضحك وقال:

“لأ…

كنت بخليه يمضي.”

استغربت.

“يمضي على إيه؟”

زق الورق ناحيتي…

وقال:

“اقري.”

مسكت أول ورقة.

وأول ما بدأت أقرا…

قلبي وقع.

كان فيه بند مكتوب بمنتهى الوضوح…

إن لو أحمد في أي وقت أهانك… أو طردك من بيتك… أو حاول يحرمك إنتِ أو بنتك من حقكم…

يبقى كل الاتفاق اللي بيني وبينه يعتبر لاغي.

رفعت عيني بسرعة.

وقلت:

“هو كان عارف اللي مضى عليه؟”

أبويا ضحك.

وقال:

“هو؟

ده مضى من غير حتى ما يقلب الورق.”

“كان مستعجل على الجواز…

وقاللي: يا عمي أنا واثق فيك.”

سكت شوية…

وبعدين قال وهو بيبتسم:

“وأنا سيبته يثق.”

فضلت باصة للورق…

ومش مستوعبة.

قلت:

“يعني… هو وقع نفسه بإيده؟”

قال:

“بالقلم اللي كان ماسكه.”

لسه هتكلم…

لقى تليفونه بيرن.

بص في الشاشة…

وقال وهو بيضحك:

“أهي وصلت.”

“مين؟”

“حماتك.”

رد.

وحط الموبايل على السماعة.

سمعنا صوتها وهي بتزعق:

“بقولك يا حاج محمود… بنتك قلبت البيت ومشيت.”

أبويا قال بمنتهى البرود:

“هي مشيت…

ولا ابنك هو اللي رماها في الشارع؟”

سكتت لحظة…

وقالت:

“يا راجل دي خناقة بين راجل ومراته.”

قال:

“آه…

وخناقة دي يخلي فيها حفيدتي تنام في الشارع؟”

قبل ما ترد…

سمعنا أحمد خطف منها الموبايل.

وقال بعصبية:

“قولها ترجع بدل ما أكبر الموضوع.”

أبويا رد بكل هدوء:

“يا ابني…

اللي كبر الموضوع…

مش ندى.”

“إنت.”

أحمد اتنرفز أكتر.

وقال:

“أنا هاخد البنت.”

أبويا سكت ثانيتين…

وبعدين قال كلمة واحدة…

“جرّب.”

والله العظيم…

بعد الكلمة دي…

أحمد ما نطقش.

أبويا كمل بنفس الهدوء:

“ومن هنا ورايح…

أي كلمة هتقولها…

هتقولها قدام محامي.”

وقفل السكة.

أنا كنت ببصله ومش فاهمة.

قال وهو بيقفل الملف:

“فيه ناس بتفتكر إن الطيبة معناها ضعف.”

“بس اللي ميعرفوش…

إن الهادي لما بيتكلم…

بيبقى مخلص كل حساباته.”

وفي نفس اللحظة…

موبايلي رن.

رقم غريب.

رديت.

لقيت واحد بيقول:

“مدام ندى؟”

قلت:

“أيوه.”

قال:

“أنا المحامي اللي كلفه والد حضرتك.”

“وحابب أقولك…

إن أول مفاجأة لأستاذ أحمد…

هتوصله النهارده.” حكايات منــال عـلـي

بصيت لأبويا…

لقيته شرب آخر رشفة من الشاي…

وقال وهو مبتسم: حصري على صفحه روايات واقتباسات

“وده… لسه أول الغيث.”

يتبع…
الجزء الثالث والاخير
تاني يوم…

من أول الصبح…

أحمد كان بيخبط على باب بيت أبويا.

خبط…

وخبط…

لحد ما الجيران خرجوا يبصوا.

أبويا فتح الباب بمنتهى الهدوء.

أحمد دخل وهو متعصب.

أول ما شافني قال:

“يلا… لمي هدومك وتعالي.”

بصيتله…

ولا رديت.

قال بعصبية:

“إيه؟ ساكتة ليه؟”

أبويا قال:

“اقعد الأول.”

أحمد رد بحدة:

“أنا مش جاي أشرب شاي.”

قال أبويا:

“وأنا مش قايلك هتشرب.”

وحط الملف الجلد قدامه.

وقال:

“افتح.”

أحمد فتحه وهو متضايق.

بدأ يقلب في الورق…

وفجأة وشه اتغير.

رجع يقرا أول صفحة…

وبعدين التانية…

وبعدين بص لأبويا وقال:

“إيه ده؟”

قال أبويا بهدوء:

“الورق اللي مضيت عليه يوم كتب الكتاب.”

أحمد حاول يضحك.

وقال:

“أنا مش فاكر الكلام ده.”

رد أبويا:

“إنك مش فاكر… دي مشكلتك.”

وقبل ما أحمد يتكلم…

دخل المحامي.

سلم على الكل…

وقعد.

وقال:

“أستاذ أحمد… حضرتك أخلّيت بكل البنود اللي وافقت عليها بإرادتك.”

“وطردك لمراتك وبنتك من البيت… وشهادة الجيران… والرسائل اللي باعتها… كلها موجودة.”

أحمد ابتدى يتوتر.

وقال:

“دي مراتي… ودي مشاكل عائلية.”

المحامي ابتسم.

وقال:

“لما تتحول لحقوق… ما بتبقاش مجرد مشاكل عائلية.”

في اللحظة دي…

رن موبايل أحمد.

كانت أمه.

رد عليها بسرعة.

سمعناها بتقول:

“المحضر وصل البيت.”

أحمد وشه اصفر.

قال:

“محضر إيه؟”

قالت وهي بتعيط:

“المحامي بعت إنذار… وبيقول لازم ترجع كل حقوق ندى… وإلا هنقابل بعض في المحكمة.”

قفل المكالمة…

وبقى باصص في الأرض.

لأول مرة…

شفته مش لاقي كلام يقوله.

بعد شوية…

قال بصوت واطي:

“ندى… أنا غلطت.”

ابتسمت.

وقلت:

“لما كنت واقفة أنا وبنتك في الشارع…

كنت فين الكلمة دي؟”

سكت.

قال:

“اديني فرصة.”

قلت:

“أنا ادّيتك فرص كتير.”

“كل مرة كنت أقول يمكن يتغير.”

“لكن اللي يدخل واحدة على مراته…

ويطرد بنته في عز البرد…

ما يستحقش فرصة جديدة.”

حماتي حاولت تتكلم.

وقالت:

“يا بنتي… علشان خاطر مريم.”

بصيتلها…

وقلت:

“لما رميتوا هدوم مريم في شكاير سودا…

افتكرتوها ساعتها؟”

ما عرفتش ترد.

أبويا قام من مكانه…

وقال:

“الموضوع خلص.”

“كل واحد هياخد حقه بالقانون.”

خرج أحمد من البيت…

وهو أول مرة يحس إن الفلوس…

ولا الصوت العالي…

ولا أمه…

قدروا ينقذوه من اللي عمله.

بعد شهور…

كنت أنا ومريم في شقة صغيرة.

مش كبيرة…

بس كانت مليانة راحة.

رجعت أشتغل…

ورجعت أضحك.

وبقيت كل يوم وأنا راجعة من الشغل…

مريم تجري تفتحلي الباب وهي بتقول:

“ماما وصلت.”

وأبويا…

كان كل جمعة ييجي يتغدى معانا.

وفي مرة وأنا بحضر الشاي…

بصلي وقال:

“فاكرة يوم ما جيتي هنا وإنتِ مكسورة؟”

ابتسمت.

وقلت:

“أفتكره إزاي؟”

ربت على إيدي…

وقال:

“أهو…

اللي كانوا فاكرين إنهم رموكي في الشارع…

مكانوش يعرفوا إنك كنتِ راجعة لبيت يحميكي.”

ابتسمت وأنا باصة لمريم وهي بتلعب…

وساعتها فهمت…

إن أكبر انتصار في الدنيا…

مش إنك تكسر اللي ظلمك.

أكبر انتصار…

إنك تقوم من بعد كسرتك…

وتعيش حياة هادية…

من غير خوف…

ولا إهانة…

ولا حد يحسسك يوم إنك مالكيش قيمة.

تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *