حامل في الشهر الثامن
وهي حامل في الشهر الثامن، جوزها دخل زوجته التانية على سبوع ابنهم… لكن أول ما الساعة دقت 2:00 الضهر، البيت كله اتحاصر.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
“لو الست دي فضلت في البيت… أنا وابني هنمشي.”
قالتها سلمى بصوت عالي قدام كل المعازيم.
الصالة كلها سكتت.
والمزيكا وقفت.
وكل اللي كانوا موجودين بصوا ناحية مريم.
البيت كان متزين لاستقبال المولود. بالونات زرقا، ورد أبيض، وصواني حلويات وهدايا مالية المكان.
مريم كانت حامل في الشهر الثامن، وحاطة إيديها على بطنها بتحمي ابنها.
الطفل ده كان رزق من ربنا بعد سنين علاج، ومحاولات حمل كتير ما كملتش.
لكن في عز الاحتفال…
دخل جوزها أحمد وهو ماسك إيد سلمى.
كان متجوزها في السر من شهور، من غير ما مريم تعرف.
وقف قدام الناس وقال بمنتهى البرود:
“سلمى ليها حق تكون موجودة.”
بصتله مريم بعدم استيعاب وقالت:
“حق إيه؟ دي مناسبة علشان ابننا.”
ابتسمت سلمى وقالت وهي تبص لبطن مريم:
“المستقبل اتغير… ولا إنتِ لسه مش فاهمة؟”
المعازيم اتبادلوا النظرات.
محدش كان مصدق اللي بيحصل.
مريم فضلت ساكتة.
ست سنين جواز، كانت واقفة جنب أحمد في كل أزمة. باعت دهبها علشان يساعد في تجارته، وسابت شغلها بعد ما أقنعها إن بيتها وأولادها أهم.
كانت فاكرة إنها شريكة عمره.
لكنها اكتشفت إنها كانت مجرد وسيلة.
أحمد قال بصوت حاد:
“البيت ده بيتي… وأنا اللي أحدد مين يدخل ومين يخرج.”
ردت مريم بهدوء:
“البيت ده اتبنى من تعبنا إحنا الاتنين.”
اتعصب أحمد.
وقرب منها، وزقها بعنف.
رجعت لورا وخبطت في ترابيزة الهدايا، والعلب وقعت على الأرض.
المعازيم صرخوا.
مريم بسرعة حطت إيديها على بطنها، وهي بتحاول تطمن على حركة الجنين.
لكن أحمد قال ببرود:
“إنتِ اللي وصلتي الأمور لكده.”
وفي اللحظة دي…
حماته قالت قدام الناس:
“كان لازم تعرف إن الراجل له حق يتجوز، وإنتِ المفروض ترضي بقضاء ربنا.”
أما سلمى فابتسمت وقالت:
“اللي ربنا كاتبه هيكون.”
مريم بصت في ساعة الحائط.
كانت بتشير إلى…
1:59 ظهرًا.
ورغم وجعها…
ابتسمت.
لأن محدش في البيت كان يعرف إنها بقالها أكتر من سنة بتجمع مستندات تثبت إن أحمد كان بيهرب فلوس شركته، وبيزور عقود، وبيسجل ممتلكاته بأسماء ناس تانية علشان يهرب من الضرائب والديون.
كانت ساكتة طول الفترة دي…
مش ضعف.
لكن لأنها كانت مستنية اللحظة المناسبة.
رفعت عينيها ناحيته وقالت بهدوء:
“كان المفروض تعرف الأول… إن الظلم عمره ما بيدوم.”
وأول ما الساعة دقت…
2:00 بالظبط.
اتسمع صوت سيارات واقفة قدام الفيلا.
وبعد ثواني…
البوابة اتفتحت، ودخلت سيارات الشرطة والنيابة، ومعاهم لجنة من الجهات المختصة.
وساعتها…
اختفت ابتسامة أحمد لأول مرة.
يتبع…
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
الفصل الثاني
أول عربية وقفت قدام الفيلا…
الكل افتكر إنها عربية حد من المعازيم اتأخر.
لكن لما نزل منها ضابط، وراه أفراد، وبعدهم عربية تانية، وبعدها عربية تالتة…
الصالة كلها اتجمدت.
الضحك اختفى.
والمزيكا اتقفلت خالص.
الضابط دخل بخطوات ثابتة وقال:
“الأستاذ أحمد عبد الهادي موجود؟”
أحمد حاول يتمالك نفسه.
ابتسم ابتسامة مصطنعة وقال:
“أنا أحمد… خير يا فندم؟”
طلع الضابط ورقة مختومة.
وقال بهدوء:
“معانا إذن من النيابة بتفتيش الفيلا، والتحفظ على مستندات وأجهزة إلكترونية تخص قض\ية تهرب ضريبي، وغسل أموال، وتزوير محررات.”
الهمسات بدأت تعلى.
أحمد بص لمريم بسرعة.
ولأول مرة…
الخوف ظهر في عينيه.
قال بانفعال:
“أكيد في غلط.”
لكن الضابط رد:
“لو فيه غلط… التحقيق هيبين.”
وفجأة…
دخل موظفو اللجنة.
كل واحد ماسك ملفات.
وابتدوا يفتحوا المكاتب والأدراج.
أحمد حاول يقرب.
لكن أحد الضباط وقفه.
“لو سمحت… محدش يتحرك.”
سلمى اتوترت.
مسكت دراع أحمد وهمست:
“إيه اللي بيحصل؟”
أحمد لأول مرة…
ماعرفش يرد.
أما مريم…
فضلت قاعدة مكانها.
حاطة إيدها على بطنها.
وكأنها كانت مستنية المشهد ده من سنين.
أحد أفراد اللجنة دخل مكتب أحمد.
بعد أقل من خمس دقايق…
خرج شايل جهاز لابتوب.
وبعدين هاردات.
وبعدين ملفات مكتوب عليها أسماء شركات مختلفة.
أحد المحققين فتح ملف.
وقلب الصفحات بسرعة.
وبص للضابط.
وقال:
“كل العقود اللي بلغونا عنها موجودة.”
وشاور على أحمد.
“وفيه توقيعات محتاجة فحص.”
وشه أحمد اصفر.
أما أمه…
فقالت بانفعال:
“إنتوا داخلين بيت الناس بالطريقة دي؟”
رد الضابط باحترام:
“إحنا داخلين بأمر من النيابة.”
ثم أخرج نسخة من الإذن.
ووضعها أمامها.
فسكتت.
واحد من المعازيم همس للي جنبه:
“يعني الست كانت عارفة؟”
الثاني قال:
“واضح إنها كانت مستنية اللحظة.”
أما سلمى…
فبدأت ترجع خطوة وراء التانية.
وبصت لمريم.
وقالت بعصبية:
“إنتِ اللي عملتي كده؟”
مريم رفعت رأسها.
وقالت بهدوء:
“أنا ماعملتش غير إني بلغت عن جرائم كنت شاهداها.”
سلمى صرخت:
“بلغتي عن جوزك؟”
مريم ردت:
“بلغت عن مجرم.”
الكلمة نزلت على أحمد كأنها صفعة.
أحمد انفجر.
“إنتِ خربتي بيتي!”
مريم ابتسمت ابتسامة حزينة.
وقالت:
“بيتك؟”
“البيت اللي بعنا دهبي علشانه؟”
“البيت اللي كنت بدفع أقساطه من مرتبي قبل ما تجبرني أسيب شغلي؟”
“البيت اللي جبت فيه مراتك التانية وأنا حامل؟”
سكتت لحظة.
ثم قالت:
“ده مش بيت.”
“ده مكان مات فيه كل احترام بينا.”
أحد المحققين خرج من المكتب وهو ماسك خزنة صغيرة.
وقال:
“لقينا دي مخفية ورا الدولاب.”
فتحها.
كان فيها شيكات.
ودفاتر.
وفلاشات.
وكميات كبيرة من النقد.
المحقق قال:
“دي كلها هتتحرز.”
أحمد جرى ناحيتها.
لكن العسكري مسكه.
“لو سمحت.”
وفجأة…
رن تليفون أحد الضباط.
رد.
ثم قال:
“تمام يا فندم.”
قفل المكالمة.
وبص لأحمد.
“فيه أمر جديد.”
“هنتحفظ على عربيات الشركة كمان.”
أحمد حس إن الأرض بتتهز تحته.
دي كانت آخر حاجة متوقعها.
سلمى بدأت تبكي.
وقالت:
“أنا مالي؟”
المحقق بص في كشف الأسماء.
وقال:
“حضرتك اسمك موجود ضمن التحقيق.”
وشها شحب.
“أنا؟”
“ليه؟”
فتح الملف.
وقال:
“فيه شقة وسيارة وحسابات باسم حضرتك.”
“ومشتبه إنها أموال متحصلة من جرائم مالية.”
سلمى شهقت.
وبصت لأحمد.
“إنت قلتلي دي هدايا!”
أحمد سكت.
أول مرة…
ما لقى أي كذبة يقولها.
البيت كله بقى في حالة صدمة.
المعازيم بدأوا يمشوا واحدة واحدة.
محدش كان قادر يكمل الاحتفال.
البالونات كانت لسه معلقة.
لكن الفرحة ماتت.
وفجأة…
مريم حست بألم شديد.
إيدها راحت على بطنها.
وشها اتغير.
حاولت تقوم…
لكن مقدرتش.
قالت بصوت ضعيف:
“آه…”
كل الموجودين بصوا عليها.
والألم زاد.
ونقط مية نزلت على الأرض.
إحدى السيدات صرخت:
“شكل المية نزلت!”
الضابط لف بسرعة.
وقال:
“هاتوا إسعاف فورًا!”
أحمد حاول يجري عليها.
لكن مريم رفعت إيدها.
وقالت بصعوبة:
“ما… تلم
الفصل الثالث
باب غرفة الطوارئ اتقفل.
ومريم اختفت وراه.
أما أحمد…
فكان واقف في ممر المستشفى، وإيده مقيدة بالأصفاد.
ضابط الشرطة وقف جنبه وقال:
“بناءً على طلب النيابة… هتفضل تحت الحراسة لحد ما يخلص تقرير الحالة.”
أحمد لأول مرة حس بالعجز.
لا قادر يدخل يطمن على ابنه…
ولا قادر يدافع عن نفسه.
أما أمه…
فكانت بتجري في الممر وهي بتصرخ:
“دي مرات ابني… لازم أشوفها!”
لكن الممرضة وقفتها.
“ممنوع.”
سلمى كانت قاعدة على كرسي بعيد.
وشها أصفر.
وكل شوية تبص للموبايل.
اتصلت بالمحاسب.
قفل.
اتصلت بالمحامي.
رد بصوت مرتبك:
“أنا آسف يا مدام… النيابة بتحقق مع كل الناس اللي أسماؤهم في الملف.”
إيديها بدأت ترتعش.
همست:
“أحمد… قلتلي كل حاجة قانونية.”
بصلها أحمد بغضب.
وقال:
“اسكتي.”
صرخت فيه:
“اسكت إيه؟!
إنت ضحكت عليا!
قولتلي مراتك هتتطلق قريب…
وقولتلي كل الفلوس دي من شغلك!”
المعازيم اللي كانوا لسه موجودين في المستشفى سمعوا الكلام.
وبدأت الهمسات تزيد.
واحدة قالت:
“يبقى كانت مغفلة زيه.”
والتانية ردت:
“الاتنين ظلموا الست.”
بعد ساعة…
خرج الدكتور.
كلهم جريوا عليه.
قال بهدوء:
“مين زوج المريضة؟”
أحمد حاول يتحرك.
لكن الضابط منعه.
الدكتور استغرب.
فالضابط قال:
“اتفضل قول اللي عندك.”
الدكتور تنهد.
وقال:
“حصل انفصال جزئي في المشيمة بسبب الصدمة اللي اتعرضتلها.”
الصمت نزل على المكان.
وأضاف:
“اضطرينا ندخلها العمليات فورًا.”
أم أحمد شهقت.
وقالت:
“والولد؟”
الدكتور رد:
“لسه بنحاول نحافظ على الأم والجنين.”
أحمد حس إن رجليه مش شايلاه.
افتكر لحظة زقها.
افتكر صوت الترابيزة وهي وقعت.
وافتكر إنها كانت بتحمي بطنها بإيديها.
لأول مرة…
ندم.
لكن كان ندم متأخر.
في نفس الوقت…
النيابة كانت بتفتش الشركة.
دخلوا المخزن الرئيسي.
وبعد أقل من نص ساعة…
الموظفين كلهم اتصدموا.
صناديق مليانة فواتير مزورة.
ودفاتر حسابات مختلفة عن اللي متقدم للدولة.
وملفات عليها اسم أحمد.
ورجل كبير في السن، كان مدير الحسابات السابق، قال للمحقق:
“أنا استقلت من سنة…
لأنه كان بيجبرنا نزور الأرقام.”
المحقق سأله:
“معاك دليل؟”
ابتسم الرجل.
وقال:
“عشان اليوم ده…
كنت محتفظ بكل النسخ.”
وسلمه فلاشة صغيرة.
المحقق فتحها.
كانت مليانة تسجيلات صوتية.
وفي أول تسجيل…
ظهر صوت أحمد بوضوح.
“غيروا التاريخ…
واكتبوا إن البضاعة خرجت قبل نهاية السنة.”
المحقق بصل لزميله.
وقال:
“الق\ضية أكبر مما كنا متوقعين.”
رجعوا المستشفى.
وأثناء انتظارهم…
دخل رجل في الستين من عمره.
بدلة بسيطة.
وشعره كله أبيض.
أول ما مريم كانت محتاجة توقيع على بعض الإجراءات…
قال للممرضة:
“أنا والدها.”
أحمد رفع راسه بسرعة.
كان الحاج يوسف.
والد مريم.
الراجل اللي أحمد منعه يدخل بيته من سنتين، بعد خلاف على الفلوس.
الحاج يوسف مضى الأوراق.
وبعدين لف ناحية أحمد.
وقف قدامه.
وقال بهدوء شديد:
“فاكر يوم ما قلتلي بنتي ملهاش غيرك؟”
أحمد سكت.
قال:
“كنت فاكر إن الراجل بيبان وقت القوة.”
اقترب منه خطوة.
“لكن الراجل الحقيقي…
بيبان وقت الأمانة.”
ثم بص في عينيه.
وقال:
“إنت خنت بنتي…
وخنت ابنك…
وخنت نفسك.”
ومشى.
ولا مرة رفع صوته.
لكن كلماته كانت أقوى من أي صرخة.
بعد ثلاث ساعات…
باب العمليات اتفتح.
خرج الدكتور.
كل الموجودين وقفوا.
قال:
“الحمد لله…
قدرنا نسيطر على النزيف.”
الجميع تنفس.
لكن الدكتور أكمل:
“تمت ولادة الطفل قبل ميعاده.”
أم أحمد قالت بسرعة:
“هو كويس؟”
الدكتور رد:
“الطفل في حضانة الأطفال المبتسرين…
وحالته مستقرة حاليًا…
لكن هيحتاج رعاية.”
أحمد غمض عينيه.
دموعه نزلت لأول مرة.
لكن الدكتور أكمل كلامه:
“أما الأم…
فلما فاقت من البنج…
قالت جملة واحدة.”
الكل بص للدكتور.
قال:
“قالت…
(بلغوا المحامي يبدأ إجراءات الطلاق… وأنا مش هرجعله أبدًا).”
سكت الجميع.
أما أحمد…
فانحنى رأسه.
وأدرك أن الق\ضية، والسجن، وخسارة أمواله…
كلها أهون من الحقيقة التي واجهته الآن…
أن زوجته وابنه اختارا أن يكملا حياتهما بعيدًا عنه.
يتبع
الفصل الرابع
مر أسبوع…
ثم اتنين…
وأحمد ما زال محبوسًا على ذمة التحقيق.
كل يوم كان بيسأل العسكري نفس السؤال:
“في أخبار عن ابني؟”
والعسكري كان يرد بنفس الجملة:
“إحنا مالناش دعوة.”
أما مريم…
فكانت لسه في المستشفى.
جسمها كان ضعيف.
لكن قلبها…
بقى أقوى من أي وقت فات.
دخل عليها أبوها وهو شايل علبة صغيرة.
ابتسم وقال:
“تحبي تشوفيه؟”
دموعها نزلت قبل ما ترد.
بعد لحظات…
الممرضة دخلت بالحضانة المتنقلة.
كان الطفل صغير جدًا.
موصل بأجهزة وأنبوبة أكسجين رفيعة.
لكن أول ما مريم مدت صباعها…
الطفل مسكه بإيده الصغيرة.
وانفجرت في البكاء.
قالت وهي بتضحك وسط دموعها:
“الحمد لله…
الحمد لله إنه عايش.”
أبوها مسح دموعه بعيدًا عنها.
وقال:
“ربنا عوض صبرك يا بنتي.”
في نفس اليوم…
النيابة استدعت عشرات الموظفين.
كل واحد بدأ يحكي.
واحد قال:
“كان بيكتب فواتير وهمية.”
الثاني قال:
“كان ينقل الفلوس على حسابات بأسماء قرايبه.”
الثالث قال:
“مراته التانية كانت بتمضي على أوراق من غير ما تفهم.”
سلمى لما سمعت الكلام…
عرفت إنها وقعت في الفخ.
طلبت تقابل وكيل النيابة.
دخلت وهي بترتعش.
وقالت:
“أنا مستعدة أقول كل حاجة.”
المحقق رفع عينه.
“كل حاجة؟”
هزت رأسها.
“أيوه.”
“أنا عندي رسائل…
وتسجيلات…
وأماكن أخفى فيها مستندات.”
المحقق سألها:
“ليه دلوقتي؟”
دموعها نزلت.
وقالت:
“لأنه ضحك عليا…
زي ما ضحك عليها.”
بعد ساعات…
خرجت قوة من الشرطة مع سلمى.
وقفت قدام شاليه صغير على البحر.
أحمد كان دايمًا يقول إنه للاستجمام.
لكن الحقيقة…
كان مخزنًا لكل الأوراق اللي ممكن تدينه.
فتحوا خزنة سرية.
لقوا عقودًا.
ودفاتر شيكات.
وأختام شركات.
وفلاشات.
المحقق ابتسم.
وقال:
“دي نهاية الق\ضية.”
أما أحمد…
فلما عرف إن سلمى اعترفت…
جن جنونه.
ضرب بإيده على باب الزنزانة.
وصرخ:
“خاينة!”
العسكري رد ببرود:
“الخيانة بدأت منك.”
فسكت.
لأنه لأول مرة…
ما عرفش يرد.
بعد شهرين…
مريم خرجت من المستشفى.
وابنها خرج بعدها بأسبوع.
كان وزنه زاد.
وبقى يرضع طبيعي.
أول ما دخلت بيت أبوها…
كان مستنيها استقبال بسيط.
مفيش بالونات.
ولا زينة.
لكن فيه دفا.
أبوها شال الطفل.
وقال:
“النهارده…
البيت اتولد من جديد.”
ابتسمت مريم.
لأول مرة…
ابتسامتها كانت طالعة من قلبها.
في المقابل…
بدأت جلسات المحاكمة.
القاعة كانت مليانة.
صحفيين.
وموظفين.
ودائنين.
وكل واحد مستني يسمع الحكم.
دخل أحمد…
لابس بدلة الحبس البيضاء.
ملامحه اتغيرت.
وشعره بدأ يشيب.
أول ما شاف مريم…
خفض عينه.
ما قدرش يبصلها.
القاضي بدأ يسمع الشهود.
ومع كل شاهد…
كانت دائرة أحمد بتضيق أكتر.
لكن المفاجأة حصلت…
لما المحامي قال:
“سيادة القاضي…
لدينا شاهد أخير.”
القاضي سأله:
“مين؟”
رد المحامي:
“شخص كان شريكًا في كل حاجة…
ثم اختفى قبل سنوات.”
باب القاعة اتفتح ببطء…
ودخل رجل في منتصف الخمسينات.
أول ما أحمد شافه…
وشه فقد لونه بالكامل.
وطلع منه همس مرتعش:
“مستحيل…
إنت لسه عايش؟”
وتحولت أنظار القاعة كلها إلى الرجل الغامض…
الذي بدا أنه يحمل السر الأكبر في الق\ضية.
الفصل الخامس
الصالة كلها سكتت.
حتى الصحفيين…
بطلوا يكتبوا.
الرجل دخل بخطوات هادية.
شعره كله بقى أبيض.
لكن ملامحه…
كانت معروفة لأحمد.
همس أحمد وهو بيترعش:
“عماد…”
الرجل وقف قدام منصة الشهود.
وقال:
“اسمي عماد السيوفي.”
“الشريك المؤسس لشركة أحمد عبد الهادي.”
همهمة كبيرة انتشرت في القاعة.
القاضي سأله:
“حضرتك كنت فين طول السنين دي؟”
تنهد عماد.
وقال:
“كنت خارج مصر.”
“خرجت بعد ما أحمد زور توقيعي في كذا عقد…”
“ولما اعترضت…”
“هددني بقضايا ملفقة.”
أحمد صرخ:
“كذاب!”
القاضي ضرب بالمطرقة.
“التزم الهدوء.”
عماد فتح حقيبة جلد قديمة.
وأخرج ملفًا سميكًا.
وقال:
“دي النسخ الأصلية.”
“ودي العقود قبل التزوير.”
ثم أخرج جهاز تسجيل صغير.
وقال:
“وده تسجيل من خمس سنين.”
شغل التسجيل.
وفجأة…
امتلأت القاعة بصوت أحمد.
“امضوا مكان عماد… هو مش هيرجع.”
“ولو رجع… هنعرف نسكته.”
صوت أحمد كان واضحًا جدًا.
القاعة كلها اتجمدت.
أحمد نزل برأسه.
أما محاميه…
فقفل الملف اللي قدامه.
وعرف إن القض\ية انتهت.
بعد انتهاء الجلسة…
خرجت مريم من المحكمة.
كانت شايلة ابنها.
وأبوها ماشي جنبها.
صحفية جريت عليها.
وقالت:
“يا مدام مريم…”
“تحبي تقولي كلمة بعد اللي حصل؟”
مريم وقفت.
بصت لابنها.
وقالت:
“في ناس فاكرة إن القوة إنك تنتقم.”
“لكن القوة الحقيقية…”
“إنك تقدر تبدأ من جديد…”
“من غير كراهية.”
ثم كملت طريقها.
بعد أسبوع…
صدر الحكم.
حبس أحمد لسنوات طويلة.
مع تغريمه مبالغ كبيرة.
ومصادرة جزء كبير من ممتلكاته.
كما ألزمت المحكمة برد حقوق الشركاء والدائنين.
أما سلمى…
فبعد تعاونها مع التحقيق، أخذت المحكمة تعاونها في الاعتبار في حدود ما يسمح به القانون، مع استمرار مساءلتها عن أي دور ثبت أنها شاركت فيه.
بعد ستة أشهر…
كانت مريم قاعدة في شرفة بيت أبوها.
ابنها بينام في حضنها.
رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت أم أحمد.
كانت أكبر في العمر.
وأضعف.
وعينيها مليانة دموع.
أول ما شافت مريم…
قالت:
“أنا جاية أعتذر.”
مريم سكتت.
الحماة كملت:
“أنا ظلمتك.”
“ولما ابني غلط…”
“وقفت معاه.”
“فاكرة إني بحميه.”
“لكن الحقيقة…”
“أنا دمرته.”
دموعها نزلت.
وقالت:
“لو الزمن رجع…”
“كنت أول واحدة أقف في صفك.”
مريم قربتلها كرسي.
وقالت بهدوء:
“اتفضلي.”
قعدت الست.
وبصت لحفيدها لأول مرة.
كانت إيديها بترتعش.
قالت:
“ممكن أشيله؟”
مريم بصت للطفل.
ثم بصت للحماة.
وبعد لحظة صمت…
ناولتها الطفل.
أم أحمد حضنته.
وانهارت في البكاء.
وقالت:
“سامحيني.”
ردت مريم بهدوء:
“المسامحة شيء…
والرجوع للماضي شيء تاني.”
“أنا سامحت…
لكن حياتي خلاص بقت في طريق تاني.”
هزت الحماة رأسها.
وعرفت إن القرار انتهى.
بعد سنة…
افتتحت مريم مشروعًا صغيرًا باسم ابنها.
رجعت تشتغل.
واعتمدت على نفسها.
وكان كل نجاح جديد…
يذكرها أنها لم تنهض لأن أحدًا أنقذها…
بل لأنها قررت ألا تستسلم.
وفي مساء هادئ…
وقفت أمام صورة قديمة من يوم زفافها.
نظرت إليها للحظات…
ثم أغلقت الألبوم.
وابتسمت وهي تنظر إلى ابنها الذي بدأ يخطو أولى خطواته.
وقالت بصوت منخفض:
“مش كل نهاية وجع…”
“بعض النهايات…”
“هي بداية الحياة اللي كنا نستحقها من الأول.”
الفصل الأخير – بعد خمس سنوات
خمس سنين…
عدوا أسرع مما مريم كانت تتخيل.
البيت اللي خرجت منه يومها وهي مكسورة…
بقى مجرد ذكرى.
أما البيت الصغير اللي اشترته بعد سنين من الشغل…
فبقى مليان ضحك.
ابنها “يوسف” كان عنده خمس سنين.
ولد ذكي…
بيجري في كل مكان.
وفي كل مرة يقع…
يقوم وهو بيضحك.
وكان دايمًا يقول:
“أنا راجل يا ماما.”
فتضحك مريم…
وتحضنه.
وتقول:
“وأحسن راجل كمان.”
في صباح يوم الجمعة…
كانت بتحضر فطار بسيط.
رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت راجل واقف ببدلة سوداء.
قال باحترام:
“حضرتك مدام مريم؟”
هزت رأسها.
ناولها ظرفًا مختومًا.
وقال:
“دي وصية.”
استغربت.
“وصية مين؟”
قال:
“الأستاذ أحمد عبد الهادي.”
وقبل ما تسأله…
كان مشي.
فضلت ماسكة الظرف دقيقة كاملة.
قلبها دق بسرعة.
بعد كل السنين دي…
إيه اللي ممكن يكون كتبه؟
فتحت الظرف.
كان فيه جواب مكتوب بخط أحمد.
“مريم…
يمكن تكوني أول مرة تقري كلام مني من غير كذب.
أنا عارف إني ما استحقش حتى إنك تفتحي الجواب.
لكن لو وصل لإيدك…
يبقى ربنا اداني آخر فرصة أقول الحقيقة.
أنا خسرت كل حاجة.
الفلوس…
والشركة…
والناس…
وقبلهم…
خسرتك إنتِ.
في السجن…
كل يوم كنت بفتكر اليوم اللي زقيتك فيه.
ولحد النهارده…
صوت الترابيزة وهي وقعت بيصحيني من النوم.
مكنتش فاهم…
إن الراجل مش اللي بيكسب الدنيا.
الراجل…
هو اللي يحافظ على بيته.
أنا فشلت.
ولو فيه حاجة بطلبها…
فهي إن يوسف…
ما يكرهنيش.
احكيله الحقيقة…
لكن متزرعيش جواه الكره.
لأن الكره…
هو اللي ضيعني.
سامحيني لو تقدري.
أحمد.”
مريم قفلت الجواب.
ما بكتش.
ولا حتى ابتسمت.
بصت للشباك.
وقالت لنفسها:
“ربنا هو اللي يحاسب.”
وبهدوء…
حطت الخطاب في درج قديم.
وقفلته.
بعد كام يوم…
راحت مع يوسف تزور قبر أبوها.
الولد كان ماسك وردة بيضا.
وقال:
“جدو كان بيحبني؟”
ابتسمت.
وقالت:
“أكتر واحد.”
حط الولد الوردة.
وقرأ الفاتحة بطريقته البسيطة.
وبعدين بص لمريم.
وقال:
“ماما…”
“إحنا سعداء دلوقتي… صح؟”
ركعت قدامه.
ومسكت وشه بين إيديها.
وقالت:
“أيوه يا حبيبي.”
“مش علشان حياتنا بقت سهلة…”
“لكن علشان بقينا نعرف نعيشها من غير خوف.”
وفي نفس اللحظة…
كان صوت أذان المغرب بيرفع في المكان.
مريم رفعت عينيها للسما.
وهمست:
“الحمد لله.”
الحمد لله…
إن الظلم مهما طال…
له نهاية.
وإن الصبر…
عمره ما بيرجع صاحبه خالي اليدين.
وإن أقوى انتصار…
مش لما تشوف اللي ظلمك بيتعاقب.
لكن…
لما تلاقي نفسك بعد السنين…
عشت…
واتعافيت…
وبقى قلبك أخف من الوجع.
أمسكت يد يوسف.
وسارا معًا في طريق طويل تغمره أشعة الشمس الأخيرة…
بينما كانت بداية جديدة أخرى تُكتب لهما…
بعيدًا عن الخوف…
وقريبًا من السلام.
تمت بحمد الله.
تمت.

