ضرتي
جوزى بيرفض يدينى اجيب طلبات البيت بيجبها هو وبيقولى عشان اضمن انك ماتخنصريش من ورايا وكان بيرفض حتى إنه ياخدنى معاه اجيب الطلبات والغريب ان الطلبات بتكفى الشهر بالظبط ولما بيسافر بيسيبلى مصروف بيت يا دوب يكفى على ما يجيى
كنت فاكره إنه بيوفر عشان يبنى مستقبل الاولاد
لكن اللى اكتشفته قبل كده كان الكارثه
فى يوم جه جوزى بعد السفر وكان مرهق وتعبان وظخل ينام ضعب عليه وقتها اخدت تليفونه عشان اعمله على وضع الصامت لكن وصلت رساله من اسم عليه رموز
فتحت لفت نظرى مين اللى جوزى ممكن يكون مسجله رموز مش اسم فتحت الرساله من فوق وقريت
ـ بقولك يا روحى انا جبتلك طلبات البيت زى ما متعوده كل شهر والشهر ده كان فى عروض حلوه وجبتلهم شويه الطلبات بتاعت كل شهر تعالى عشان تاخدها وتديهالهم عشان الهانم ماتصدعش دماغك طلبات وانا حسبتهالك بالملى زى كل شهر تعالى خد الطلبات وقولها إنك مسافر واعمل حسابك عشان هنسافر فعلاً ويك اند الشهر ده انا اشتريتلى لبس جديد للخروجه وجبتلك انت كمان معايا واكيد هتلاقى رساله جاتلك بالفلوس اللى سحبتها وحاطه علامه قلب فى الاخر
يعنى بعد كل ده متجوز عليه ومخلى ضرتى تتحكم انا اكل ايه ومكلش ايه انا والعيال
البيه بيخاف يدينى فلوس زياده عشان ميأثرش على طلبات التانيه فى حاجة ويخرجها ويفسحها
دخلت على الشات وفضلت اجيب القديم عشان اعرف ليه مخبى جوازه ومش قايلى وليه هى قبلت بالامر ده
لقيت رساله قديمه كانت زعلانه وهو بيراضيها وبيقولها
ـ ” هتفرق ايه اقولها ولا لأ كل صحابى وزمايلى عرفين انك انتى بس اللى مراتى لو انا طلقتها مين هياخد باله من الولاد ومن امى انتى تفتكرى لو عاندت معايا وسابتلى العيال وقتها هعمل ايه هتبقى انتى المسئوله عن العيال وعن امى هتتحملى مسئوليه زى دى ؟ انا بريحك وبخليكى هانم والفلوس اللى بصرفها عليها دى ملاليم ويا ستى من بكره هديكى انتى الفيزا والحاجة اللى هتشتريها للبيت انا هخدها أوصلهالها وانتى اللى هتقولى المل يعمل ايه
ردى عليه بقى وماتزعليش نفسك انتى اللى فى القلب
شوفت الرساله دى وغصب عنى دموعى بقت تنزل شلال مش قادره اسيطر عليها قفلت التليفون وحطيته مكانه وعملت الرساله غير مرئيه
ولبست ونزلت الشارع وسبت الولاد عشان مايشوفنيش منها وقعدت فى مكان هادى وفضلت اعيط لحد ما اخدت القرار
مسحت دموعي بكف إيدي وأنا حاسة بنار بتاكل في صدري.. نار قهر وحسرة على عمري اللي ضاع مع بني آدم كنت فاكراه سند، طلع أبعد ما يكون عن السند. وقفت في نص الشارع ومشيت تانى والناس بتمر من جنبي ولا حد حاسس بالزلزال اللي جوايا. القرار مكنش سهل، بس مكنش فيه مفر.. لازم أرجع البيت، أرجع وأنا واقفة على رجلي، مش المكسورة اللي نزلت تجري وتعيط.
فتحت باب الشقة بشويش عشان الولاد ما يحسوش بحاجة، دخلت لقيتهم نايمين زي الملايكة.. اتنهدت ودخلت الأوضة، كان لسه نايم ومفيش على وشه أي علامة ندم أو قلق، نايم ومرتاح البال! قعدت على الكرسي قصاده ومسكت تليفوني، وبدأت أكتب “القرار” اللي خدته في الشارع.
مواجهته دلوقتي وهو تعبان ومظلوم في نظره ونظر أهله مش هتجيب حق.. البيه خايف أسيب له العيال وأمه عشان “الهانم الثانية” مش هتشيل المسؤولية؟ تمام، أنا مش هسيب عيالي، بس مش هبقى الست المغفلة اللي بتخدم ببلاش وهو بيفسح غيري بفلوسنا.
أول خطوة عملتها، صورت كل الرسائل اللي على تليفونه بتليفوني، دقيقة بدقيقة، كلمة بكلمة.. عشان لما ييجي وقت الحساب، ما يبقاش فيه مجال للإنكار أو لقلب الترابيزة عليا ويقول إني متبلية عليه أو مجنونة.
تاني يوم الصبح، صحي البيه من النوم وهو بيتمطع وبيتثاءب، وبصلي بنظرة كلها برود وقال الكلمتين اللي بيثبت بيهم حوار كل شهر: “صباح الخير يا هانم.. أنا هقوم ألبس وأنزل أخلص كام مشوار في الشغل، وبالمرة هعدي على الراجل اللي بيجيبلي طلبات البيت بالجملة عشان أجيب كرتونة الشهر وأنا جاي.. مش عايز أسمع صوتك طول الشهر تقوليلي هاتي واشتري، مفهوم؟”
بصيت له في عينه بثبات، وكنت شايفة في عينيه الكدب والنذالة وهو بيمهد لنفسه عشان يروح يقابلها وياخد منها الحاجة، وابتسمت ابتسامة باردة هزته من جواه، وقلت له:
ـ “تروح وتيجي بالسلامة يا أبو العيال.. بس ما تتأخرش، أصل الكرتونة الشهر ده فيها عروض حلوة قوي والطلبات فيها محسوبة بالملي.. مش كدة برضه؟”
ملامحه اتغيرت فجأة، والدم هرب من وشه، وبصلي وهو مبرق وعينيه رايحة جاي مش فاهم أنا قاصدة إيه بالكلمتين دول، وهل دي مجرد صدفة ولا أنا عرفت حاجة! وقبل ما ينطق أو يستوعب، سبته ودخلت المطبخ وأنا بكمل خطتي في هدوء..
نزل وهو بيبص لي بنظرات كلها شك وحيرة، كأنه بيحاول يقرا اللي جوة دماغي، بس أنا قفلت وشي تماماً ورجعت لبرودي. أول ما قفل الباب وراه، سحبت نفس طويل وبدأت أجهز نفسي للمعركة الكبيرة اللي هتبدأ أول ما يرجع.
فاتت ساعتين، والساعتين دول كانوا بنسبالي كأنهم سنة. كنت قاعدة في الصالة وعيني على الباب، والولاد بيلعبوا جنبي ومش دريانين بالبركان اللي هيتشق في البيت.
سمعت صوت مفتاحه في الباب، قلبي دق بسرعة بس جمدت نفسي. دخل وهو شايل الكراتين والشنط، وكان باين على وشه الإرهاق، بس المرة دي الإرهاق مكنش من السفر.. ده كان من التفكير والخوف من الكلمتين اللي رميتهم له الصبح.
حط الكراتين في الصالة ومسح عرقه، وبصلي وبدأ يتكلم بنبرة صوت عالية مهزوزة، بيحاول يسترد بيها هيبته المتحكمة:
ـ “آدي طلبات الشهر اهي يا ستي، والراجل كتر خيره جابلي أحسن حاجة وعامل حساب كل كبيرة وصغيرة عشان ما تفتحيش بقك طول الشهر وتقولي ناقصنا كذا وكذا.. خدي شيليهم بقا.”
قمت من مكاني في منتهى البرود والهدوء، وقفت قدام الكراتين، وبصيت للحاجة بنظرة فاحصة كلها قرف، وبعدين ربعت إيدي وبصيت له في عينه وقلت له بنبرة مستفزة:
ـ “لا.. رجع الحاجة دي مكان ما جبتها يا أبو العيال، أنا مش هتعامل بالكرتونة دي.”
برق عينيه وبصلي بذهول وعصبية:
ـ “يعني إيه مش هتعاملي بيها؟ أنتِ اتهبلتي يا ست أنتِ؟! بقولك طلبات البيت كله هنا!”
ضحكت بتهكم وقلت له:
ـ “جرى إيه يا أبو الولاد؟ مالك عصبي كدة ليه؟ أنا حرة، الحاجات اللي جوة الكرتونة دي كلها موجودة عندي في المطبخ ومفيش مكان ليها، ومستحيل استخدمها الشهر ده.. شيل كراتينك دي وانزل للى جبتها منه ، وخليهم يغيروها.. أنا عايزة مكانها لحمة مفرومة زيادة، وفراخ بانية، واكياس زباله ،وهات عيارات للعيال ضرورى وشوكولاتة وعصاير للولاد.. انزل غيرها وهاتلي اللي بقولك عليه ده كاش بالورقة والقلم، وإلا قسماً بالله ما هلمس لقمة في البيت ده طول الشهر ولا هعمل لقمة تانية! او تسيبهم وتدينى ٥٠٠٠ الاف جنيه زياده على اللى بتديهونى اجيب الباقى … ومن هنا ورايح كل شهر تقولى عايزه ايه زانا اقولك هاتلى كذا كذا انما ماتجبش بمزاجك حاجه مش عايزاها
وقف مكانه مذهول، الكلمتين نزلوا عليه زي الصاعقة.. هو عارف كويس إن اللي جابت الحاجة هي مراته التانية، وإن حركة زي دي هتعمل خناقة وكارثة هناك وهتكشفه، وفي نفس الوقت نظرة عيني والثقة اللي بتكلم بيها رعبته وخليته مش عارف يلم الموضوع ازاي! وعارف إنه مش هيعرف يغير الحاجه دى فقرر انه يسيبها ويدينى فلوس الشهر وال ٥٠٠٠ الزياده اللى طلبتهم منه بس دى يادوووووب كانت البداية
وقف مكانه يبلع ريقه وعينيه رايحة جاي بيني وبين الكراتين، ملامحه كانت بتنطق بالخوف، بس حاول يلم الليلة ويمثل البرود، وزق الكراتين برجليه على جنب وهو بيقول بصوت مهزوز:
ـ “جرى إيه يا ولية أنتِ؟ هو لعب عيال؟ أنا مش فاضي للكلام ده دلوقتي خالص، أنا يدوب أغير هدومي وألحق الشغل.. وأعملي حسابك أنا عندي سفرية تبع الشغل ومسافر بالليل، ومش راجع غير بعد الويك اند!”
بصيت له وابتسمت ابتسامة صفرا وسعت لغايت عينيا وقلت له:
ـ “تسافر وترجع بالسلامة يا حبيبي.. تروح وتيجي بالسلامة.”
استغرب جداً من هدوئي وموافقتي السريعة، ودخل جرى يغير هدومه ولم الشنطة ونزل وهو بيفتكر إنه كدة هرب بجلده وهيخلع يروح يقضي الويك اند اللي الهانم رتبت له عليه في الرسالة بفلوسنا.
أول ما قفل الباب، تحولت ابتسامتي لشرار.. مسكت تليفوني وبدأت “الخطة”؛ خطة التدبيس على مياه بيضه!
فاتت ساعتين وبدأت أتحرك.. اتصلت بيه، رد ونبرة صوته مستعجلة:
ـ “أيوة يا أم العيال، أنا في الطريق للسفر أهو، في حاجة؟”
قلت له بنبرة دلع وهدوء عمري ما عملتها معاه:
ـ “أيوة يا شادى، افتكرت إن الطماطم والبطاطس والبتنجان خلصوا تماماً من البيت، والولاد نفسهم في محشي، انزل في أي سوق على الطريق وهاتلي أقفاص خضار وفواكه مشكلة من الغالية اللي بتحبها، واشحنها لي مع أي سواق ميكروباص يوصلها لحد باب البيت.. عشان ما يصحش تسافر والبيت فاضي.”
زعق وقال: “خضار إيه دلوقتي وأنا مسافر على الصحراوي!”
قلت له ببرود: “اتصرف يا حبيبي.. وإلا قسماً بالله هقفل البيت وأخد عيالك واوديهم لامك واروح اقعد عند اهلى طول فترة سفرك، وأنت عارف بابا لما بقعد عنده مابيمشنيش بالساهل
خاف من التهديد لأنه مش عايز شوشرة ولا عايز حد يعرف إنه ساب البيت، وفعلاً اتصرف وباعت الخضار والفاكهة مع سواق ودفع فيهم الشيء الفلاني.
معداش ساعة، قمت مكلمة حماتي وأخته في التليفون وعزمتهم على تاني يوم مجيه من السفر . وبعد ما أكدت معاهم، رجعت اتصلت بيه تاني:
ـ “أيوة يا حبيبي.. أنا كلمت ماما وأختك وعزمتهم بعد بكره تكون جيت من السفر، وطبعاً ما يصحش عزمومتهم تفوت من غير بط ونيفا.. كلم الجزار والفرارجي اللي بتتعامل معاهم وخليهم يبعتوا لي الطلبات دليفري على البيت وحاسبهم أنت فودافون كاش من عندك.. ومتقلقش أنا هقوم بالواجب كله مع ماما.”
البيه كان هيتشل، صوته كان طالع مخنوق وهو بيقولي: “عزومة إيه واكل إيه! أنتِ جايبة الفلوس دي كلها منين؟!”
رديت عليه بكل برود: “من جيبك يا حبيبي.. مالك؟ مش دول أهلك برضه ولازم نكرمهم في غيابك عشان يدعولك؟ يلا حاسبهم بسرعة عشان الحاجة تجهز.
وطول الليل واليوم اللي بعده، كنت كل كام ساعة أفتكر حاجة وأكلمه: “الولاد عايزين دليفري عشا”، “البت بنتك تليفونها انكسر وعايزة تتصل بيك هاتلها تليفون جديد عشان الدروس الكهربا هتقطع اشحن الكارت بـ 500 جنيه”.. فضل طول الويك اند الفيزا في إيده عمالة تسحب رسايل فلوس، وكل ما الهانم تيجى تطلب منه يخرجها أو يشتري لها حاجة، يلاقي الفيزا قربت تخلص، والفلوس اللي سحبها كلها رايحة لبيتي وعيالي وأمه، وهو قاعد معاها على نار مش عارف يستمتع بالخروجة، ولا عارف يفتح بقه معايا بكلمة عشان خايف أهد المعبد على دماغه
ومر الويك إند عليه كأنه كابوس، والفيزا بتاعته مبطلتش صريخ من رسايل السحب اللي بتجيله ورا بعض. جه يوم الأحد، يوم مجيّه من السفر ويوم العزومة الموعودة.
من النجمة كنت صاحية، مخلية البيت زي القشطة، وريحة البط والنيفا والمحاشي مالية العمارة. حماتي وأخته شرفوا، وقعدت معاهم بقمة الذوق والأدب، وحماتي عمالة تدعيلي وتدعي لابنها البار اللي مكرمها ومغرقها في خيره.
على الساعة 4 العصر، سمعت صوت مفتاح الباب.. دخل البيه ووشه أصفر ومخطوف، وعينيه مدبلة من قلة النوم والضغط العالي اللي عاشه طول الويك إند مع الهانم الثانية اللي أكيد نكدت عليه بسبب الفلوس اللي طارت. أول ما دخل وشاف أمه وأخته، حاول يرسم الابتسامة بالعافية:
ـ “أهلاً يا أمي.. منورة يا غالية، أهلاً يا فادية.”
قمت أنا بقمة الترحيب والدلع:
ـ “حمد الله على السلامة يا شادي يا حبيبي، نورت بيتك.. ادخل غير هدومك على ما أحط الأكل، بس صحيح.. فين علبتين الحلو المكسرات الشرقي اللي قلت لك تجيبهم من المحل الكبير وأنت جاي؟ ما يصحش ماما وأختك يبقوا منورينا والتحلية تفوتنا!”
بصلي ونفسه مكتوم، حسيت إنه كان عايز يمسك في زوري، بس طبعاً قدام أمه وأخته مش هيقدر ينطق بكلمة.. كتم غيظه وطلع محفظته وطلع منها فلوس واداها لابنه وقال بصوت مخنوق:
ـ “انزل يا حبيبي هات علبتين حلو مشكل من المحل اللي تحت.”
اتغدينا، والكل كان بيمدح في الأكل وفي كرم البيه. قعدنا نشرب الشاي، وهنا جه وقت اللمسة الأخيرة اللي هتقسم ضهره. بصيت لحماتي وقلت لها بنبرة حنية:
ـ “بقولك إيه يا ماما.. شادي بقاله فترة شغال ومضغوط، والولاد كمان تعبوا في المذاكرة وطالع عينهم، وأنا شايفة إننا كلنا محتاجين نفصل.. إيه رأيك يا ماما نطلع كلنا مصيف عائلي الأسبوع الجاي؟”
حماتي عنيها لمعت وقالت: “يا ريت يا بنتي.. بس المصايف بقت غالية قوي اليومين دول.”
رديت عليها علطول وأنا باصة لشادي وببتسم ابتسامة النصر:
ـ “غالية إيه بس يا ماما؟ كله يهون عشان راحتك وراحة الولاد، وشادي مبيستخسرش فينا حاجة واشتغل وعمل حساب الخطوة دي.. أنا حجزت لنا في أحسن فندق في الساحل، غرفتين صف أول على البحر، واحدة لماما وفادية، وواحدة ليا أنا وشادي والولاد.. شامل كل حاجة، والفيزا بتاعة البيه جاهزة لأي مصاريف هناك!”
أخته سقفوا من الفرحة وحماتي قامت حضنته وهي بتقول: “ربنا يخليك لينا يا ابني ويوسع رزقك، طول عمرك أصيل وصاحب واجب!”
شادي كان قاعد على الكرسي مبرق، ركبه سابت والدم هرب من وشه تماماً.. بقى باصص لي وهو حاسس إن السجادة بتتسحب من تحت رجليه، ومش قادر يرفض ولا يفتح بقه بكلمة عشان صورت الصدر الحنين والأبن البار اللي رسمها قدام أمه ما تتهدش، وفي نفس الوقت عارف إن الحركة دي معناها إفلاس تام للخطط التانية اللي كان مرتبها مع الهانم!
كل اللي فات ده.. بالتدبيسات بالعزومات بالمصيف وبكل القرشين اللي سحلتهم منه طول الويك إند.. كوم، واللي حصل بعد ما حماتي وأخته مشوا وجينا نحضر للفرشة الكبيرة، كوم تاني خالص!
أول ما قفلنا الباب وراهم، الابتسامة المرسومة على وش البيه اختفت تماماً، واتحولت لملامح غضب مرعبة.. عروق رقبتها برزت، وعينيه بقت تطق شرار، ولف لي وهو بيجز على سنانه وبيهمس بصوت فحيح الأفاعي عشان الولاد ما يسمعوش:
ـ “أنتِ إيه اللي هببتيه ده؟ أنتِ اتجننتي رسمي يا أماني؟! مصيف إيه وفندق إيه في الساحل اللي حجزتيه ودبستيني فيه قدام أمه؟ أنتِ فاكرة نفسك متجوزة مليونير؟! ومنين جالك الدلع والطلبات والتحكمات دي كلها من ساعة ما رجعت من السفر؟!”
وقفت قدامه بمنتهى البرود، سانده ضهري على الحيطة ومربعه إيديا، وبصيت له من فوق لتحت بابتسامة هادية ومستفزة جداً، وقلت له بنبرة كلها برود وثقة:
ـ “جرى إيه يا شادي؟ مالك اتغيرت كدة أول ما أهلك مشيوا؟ مش أنت الراجل الكريم اللي لسه أمه بتدعي له؟ وبعدين الساحل مش خسارة فينا.. وإلا أنت بقى مستخسر الفسح والخروج في الهانم وعيالك؟”
بصلي وهو مبرق وعينيه رايحة جاي، كلمة “الهانم” اللي رمتها له بطرف لساني خلت ركبه تسيب.. ملامحه اتهزت وبدأ يبلع ريقه وهو بيحاول يقرأ عينيا، هل أنا أقصد الكلمة كشتيمة عادية ولا أنا كاشفة حاجة؟ الشك والعبث طاروا في عينيه وبدأ يتلعثم:
ـ “مـ.. مستخسر إيه؟ أنا بقولك ميزانية وضغط مصاريف! أنتِ من إمتى أصلاً بتتكلمي بالأسلوب ده ولا بتطلبي الطلبات دي كلها؟ أنتِ فيكِ إيه اتغير؟”
قربت منه خطوة واحدة، وبصيت في عينيه مباشرة بنظرة غامضة خلت جسمه يقشعر، وقلت له بصوت واطي وراسي:
ـ “اللي اتغير إني فقت يا شادي.. فقت وعرفت مقامي وقيمتي كويس، وعرفت إن اللي بيوفر بزيادة بيجي على حساب نفسه وعياله وفي الآخر الفلوس بتروح في حتت تانية ما بتدومش.. فقلت أمتع نفسي وعيالي بفلوس جوزي.. مش ده حقي برضه ولا أنا غلطانة؟”
حاول يزعق ويسترد تحكمه القديم: “حقك لما أكون موافق! أنا مش هدفع مليم في حجز الساحل ده وسامعة ولا لأ؟”
ضحكت بصوت ناعم ومستفز وقلت له وأنا بدخل أوضتي بكل ثقة:
ـ “هتدفع يا أبو العيال.. هتدفع ورجلك فوق رقبتك، عشان أنت مش هتقدر تكسر كلمة أمك اللي فرحت بالمصيف، وطبعاً برستيجك قدامها وقدام أختك يسوى ملايين.. تصبح على خير يا حبيبي، جهز لبسك الجديد بقى عشان المصيف!”
قفت الباب في وشه وسبته واأقف في الصالة يضرب أخماس في أسداس.. الشك بياكل في عقله، والفيزا بتاعته بتنزف، والخوف من التغير المفاجئ ده مخليه مش عارف ينام ولا عارف حتى يكلم الست التانية يشتكيلها!
كان لازم انتف ريشه قبل الخطوه التالته اللى هتقش كل حاجه
مرت الأيام اللي قبل السفر وشادي عايش في شبه غيبوبة، الشك بياكل في عقله أكل. كان بيبص لي وأنا بتحرك في الشقة زي القطة العميا اللي مش عارفة الضرب جاي لها منين، يحاول يفتح معايا كلام أو يفهمني، أرد عليه بابتسامة غامضة وبرود يخليه يشد في شعره. وطبعاً “الهانم” هناك كانت متبهدلة معاه؛ مفيش فسح، مفيش فلوس، والنكد شغال لأن الويك إند بتاعهم باظ والفيزا اتصفت على بيتي وعياله وأمه.
لكن كل ده كان في كفة، والتحضير للضربة القاضية كان في كفة تانية خالص. شادي كان فاكر إن أقصى طموحي هو أسبوع في الساحل وشوية طلبات ودلع، وميعرفش إن المصيف ده مكنش أكتر من “ستار” وتنويم مغناطيسي عشان أعرف أتحرك من وراه في هدوء ومن غير ما يشك في خطوتي الجاية.
قبل السفر بيومين، نزلت الصبح بدري بعد ما نزل شغله والولاد كانوا عند أختي. رحت أول حاجة على السجل المدني، وبمنتهى الثبات والهدوء وقفت في الطابور وطلعت “قيد عائلي” باسمه.. كنت عايزة المستند الرسمي اللي يثبت جوازه الثاني باليوم والتاريخ والاسم الثلاثي للست اللي بتتحكم في لقمة عيالي، عشان يبقى معايا الدليل القانوني المدمغ اللي مفيش فيه مفر.
أول ما استلمت الورق وبصيت في اسم ضرتي المكتوب في السطور، حسيت بنغزة في قلبي، بس النغزة دي اتحولت في ثانية لقوة وجبروت عمري ما حسيت بيهم قبل كدة.
أخدت القيد العائلي وصور الرسائل اللي طبعتها في مكتب كمبيوتر بره، ورحت علطول على مكتب محامي كبير كنت سائلة عليه كويس. قعدت معاه وحطيت المستندات كلها قدامه على المكتب، وقلت له بنبرة صوت مفيش فيها رعشة واحدة:
ـ “أنا عايزة أرفع قضية طلاق للضرر.. جواز من غير علمي، وإضرار مادي ونفسي بيا وبعيالي، ومعايا كل الأدلة.”
المحامي بص في الورق وابتسم بثقة وقال لي: “قضيتك كسبانة يا مدام أماني، القيد العائلي لوحده مع إثبات عدم علمك وتضرررِك كفيل ينهي الموضوع لصالحك، ده غير مصاريف الولاد ونفقتك.. إحنا هنبدأ الإجراءات فوراً.”
وقعت التوكيل للمحامي، وخرجت من المكتب وأنا حاسة إني طايرة فوق الأرض.. النفس اللي كنت بطلعه بوجع وقهر بقيت أطلعه براحة ونصر.
رجعت البيت قبل ما ييجي، حطيت كارت الحجز الفندقي بتاع الساحل على ترابيزة الصالة عشان يشوفه أول ما يدخل، وشلت عَقْد المحامي وإيصال القضية والقيد العائلي في أأمن مكان في الدولاب وسط هدومي..
لما جه بالليل ووشه شايل الهم، بص لكارت الحجز وقال بقلة حيلة: “يعني خلاص، السفر بعد بكرة؟”
بصيت له وأنا برتب هدوم الولاد في الشنطة بكل برود وقلت له:
ـ “آه يا حبيبي بعد بكرة.. جهز نفسك عشان السفرية دي هتبقى أهم وأغرب سفرية في حياتك كلها.. سفرية مش هتنساها العمر كله!”
طبعاً البيه كان فاكرني بتكلم عن جمال الفندق والبحر، وميعرفش إنها هتبقى سفرية نهاية “البيه المتحكم” وبداية عصر جديد ملوش فيه أي كلمة!
دخلنا أوضتنا، وأول ما قفلنا الباب والولاد جروا على البلكونة وفرحتهم مالية المكان، لف لي شادي وهو شايل الشنط وحطهم على الأرض بنفخة ضيق، وقعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه وقال بصوت واطي ومكتوم:
ـ “ارتحتي يا أماني؟ اديكي جيتي الساحل، ودبستيني في الألوفات، وفضيتي الفيزا بتاعتي.. قوليلي بقا، إيه آخرة الدلع والطلبات والأسلوب الجديد ده؟ ناوية على إيه تاني بعد المصيف؟”
بصيت له وأنا بطلع الهدوم من الشنطة بكل هدوء وببتسم ابتسامة صافية ورايقة جداً، وقلت له بنبرة كلها برود:
ـ “ناوية على كل خير يا أبو العيال.. جرى إيه يا شادي؟ اتمتع بالبحر والفيو الجميل، ده الفندق غالي ومكلفك الشيء الفلاني، خسارة تضيع الويك إند في النكد والتفكير.. اخرج اقعُد مع ماما وفادية وبسطهم، مش أنت ابنهم البار برضه؟”
بصلي بنظرة حائرة تماماً، الشك بياكله ومش قادر يوصل لأي نتيجة، هل أنا كاشفة حاجة وبلعب بيه؟ ولا أنا مجرد ست طمعت في قرشين وحبت تتفسح وتغيظه؟ هدوئي وابتسامتي رعبوه أكتر من أي زعيق.
فاتت أيام المصيف وأنا عايشة هانم؛ بنزل البحر مع الولاد، بضحك مع حماتي وأخته، وأخليه يدفع في المطاعم والكافيهات وهو ساكت ومستسلم تماماً عشان يداري على شكله قدام أهله، وطبعاً تليفونه كان شغال رن من الرموز والقلوب وهو بيكنسل بخوف وبيفكر فى كدبه
كنت ببص له وهو بيدفع الحساب في كل مكان وبقول في بالي: “ادفع يا شادي.. املا لي عيون عيالك وأهلك بالخير، عشان لما الضربة الكبيرة تنزل عليك في القاهرة، ما يبقاش ليك عين تشتكي ولا تلاقي حد من أهلك يقف في صفك!”
خلص المصيف ورجعنا الشقة في القاهرة.. نزلنا الشنط وحماتي وأخته روحوا وهم طايرين بيا ويدعوا لي وله. دخل شادي الشقة وهو حاسس إن الكابوس المادي خلص وأخيراً هيرجع لحياته الطبيعية ويلمس تليفونه براحته ويصالح الست التانية.
رمى مفاتيحه على الترابيزة ودخل الحمام ياخد دش.. في اللحظة دي، طلعت أنا الملف الشفاف اللي فيه القيد العائلي وعقد المحامي وإيصال قضية الطلاق للضرر، وحطيتهم في نص الصالة على الترابيزة جنب المفاتيح بتاعته.. وقعدت على الكرسي حاطة رجل على رجل، ومستنية البيه يخرج عشان يشوف “القرار الحاسم” اللي هيشقلب حياته العمر كله
خرج شادي من الحمام وهو بينشف شعره بالفوطة، وكان باين عليه الارتياح إنه أخيراً رجع لملعبه وبيته بعد أيام الشد العصبي في الساحل. مشي ناحية ترابيزة الصالة عشان ياخد مفاتيحه وتليفونه، بس عينه وقعت على الملف الشفاف اللي حطاه في نص الترابيزة.
حط الفوطة على كتفه ومد إيده واستغرب، فتح الملف وبدأ يقرا.. وفي ثانية واحدة، الملامح المسترخية دي اختفت تماماً. وشه اتشد، وعينيه بقت تروح وتيجي على الورق بذهول؛ قيد عائلي باسمه وباسم مراته الثانية، توكيل للمحامي، وإيصال رسمي برفع دعوى طلاق للضرر!
لف لي وهو ماسك الورق في إيده وإيديه بترتعش من الغضب والصدمة، وزعق بصوت هز الحيطة:
ـ “إيه القرف ده؟ أنتِ من ورايا بتعملي قيد عائلي وبترفعي قضية طلاق للضرر؟! بقى أسبوع الساحل والتدبيس والعزومات كان تمثيل عشان تلعبي اللعبة دي من ورايا يا أماني؟!”
فضلت قاعدة مكاني في منتهى الثبات، حاطة رجل على رجل، وبصيت له ببرود قاتل وقلت له:
ـ “اللعبة دي لعبتك أنت من زمان يا شادي.. أنا يدوب اتعلمت منك وبدأت ألعبها صح.”
رمى الورق على الترابيزة بغل، وجز على سنانه وقرر في اللحظة دي يتخلى عن كل أقنعته ويمشي بمبدأ الهجوم، قرب مني وقال بنبرة كلها قسوة وجحود:
ـ “تمام.. كويس إنك عرفتي وريحيتني من السيرك اللي كنتِ عاملاه! أهو ورقك ده بليه واشربي ميته.. أنا فعلاً متجوز، ومتجوز الست اللي اختارها قلبي.. أنا بطلت أحبك يا أماني، ومبقتش شايفك غير أم لعيالي وخدامة لأمي وبس! والست اللي أنتِ زعلانة إنها بتجيب الطلبات، دي الست اللي في القلب.. والوضع ده هو اللي عندي، ليكِ هنا مصروف بيتك وعيالك بالملي زى ما كنت بعمل، وتعيشي وترضي بالأمر الواقع وتربي عيالك.. وإلا الباب يفوت جمل، وأعلى ما في خيلك اركبيه أنتِ ومحاميكِ!”
الكلام كان زي السكاكين، بس نزل على قلب مابقاش بيحس بنذالته خلاص. قمت من مكاني بكل شموخ، وبصيت في عينيه بنظرة ثقة رعبته وقلت له:
ـ “أنا فعلاً هركب أعلى ما في خيلي يا شادي.. بس مش هخرج من الباب لوحدي.”
مشيت ناحية أوضة الولاد، ندهت عليهم وجمعتهم، وأخدت شنطتي الصغيرة اللي كنت مجهزاها من الصبح، ووقفت عند باب الشقة ولفيت له وهو باصص لي بذهول مش فاهم أنا بعمل إيه.
قلت له بصوت قوي وقاطع:
ـ “أنا ماشية يا أبو العيال.. وسايبالك الولاد أهم مع شنطهم، ربيهم أنت والست اللي في القلب وأمك الغالية! وريني بقى الهانم بتاعتك هتشيل مسؤولية ولاد وعجوزة ازاي وهي اللي مش طايقة تسمع كلمة “طلبات”؟ وريني هتعرف تخرجها وتفسحها بالفيزا المصفية ازاي والمسؤولية كلها بقت فوق كتافك؟”
برق عينيه واتخض وحاول يقف في طريقي: “أنتِ اتجننتي؟! هتسيبِ عيالك وتمشي؟!”
زقيته من طريقي وفتحت باب الشقة وقلت له والنار في عيني:
ـ “هسيبهم عندك أمانة لحد ما المحكمة تحكم لي.. أنا مش هقعد في بيت مع راجل بايعني، ومش هروح عند أهلي بعبء عيال تذلني بيهم.. أنا ماشية لوحدي، وأسبوعين بالظبط وقضية الطلاق للضرر دي تخلص، وهترد لي شقتي دي غصب عن عينك لأنها هتبقى من حقي كحاضنة، ويومها هترجعني أنا وعيالي هنا وأنت مطرود بره.. ويومها بقى، ورجلك فوق رقبتك، هتدفع النفقة، والمؤخر، والمتعة، ومصاريف المدارس واللبس، وكل مليم خنصرته مني ومن عيالي طول السنين اللي فاتت.. اشبع بقى بالست اللي في القلب يا شادي، وشيل المسؤولية لحد ما أرجع آخد مكاني وأرميك بره!”
سبته واقف في نص الصالة والولاد بيعيطوا ، وقفلت الباب ورايا ونزلت السلم وأنا حاسة بانتصار عمري ما عشته قبل كدة.. المعركة بدأت، وأنا اللي هنهيها بشروطي!
نزلت السلم وجسمي كله بيرتعش، مش من الخوف ولا من الضعف.. ده كان زلزال القوة اللي محبوس جوايا بقاله سنين وانفجر أخيراً. ركبت أول تاكسي قابلني ورحت على بيت أهلي. أمي أول ما شافتني داخلة لوحدي ومن غير الولاد اتخضت، وجريت عليا: “خير يا أماني؟ فين الولاد؟ وفي إيه اللي جرالك؟”
رميت نفسي في حضنها ونزلت دموعي.. بس المرة دي مكانتش دموع حسرة، دي كانت دموع غسيل لكل الوجع والقهر. حكيت لها وحكيت لبابا وأخويا على كل حاجة من طققطق لسلام عليكم، ووريتهم صور شات الخيانة وقضية الطلاق للضرر اللي رفعتها.
أخويا وقف ودمه بيفلي وقال: “والله ما هنسيبه، والبيت ده هيرجعلك ورجليه فوق رقبته”. بابا حط إيده على كتفي وقال بتفهم: “جدعة يا بنتي.. الست اللي ترضى بالمهانة دي متستاهلش تعيش هانم، والعيال عياله يتربوا في حِجره لحد ما القانون يديكِ حقك وشقتك كاملة”.
في الناحية التانية.. التليفون مكنش بيبطل رن! شادي فضل يتصل بيا وبأهلي زي المجنون، ومحدش فينا بيرد عليه تماماً.. سبناه ياكل في نفسه.
عدى أول يومين، والسيناريو اللي خططت له بالمسطرة بدأ يتنفذ بحذافيره. شادي اللي مكنش بيشيل كوباية من مكانها، لقى نفسه فجأة دبس في مسؤولية “أب وأم” لفلذات أكباده؛ صحيان بدري، تحضير فطار، غسيل، ومذاكرة دروس! وطبعاً “الهانم اللي في القلب” أول ما عرفت إن أماني سابت البيت والعيال بقوا في رقبة شادي، اتجننت! الست مكانتش متجوزاه عشان تقعد تأكل وتغسل لعيال ضرتها، دي كانت متجوزاه عشان الويك إند واللبس الجديد والخروجات اللي بالفيزا.
في اليوم الثالث، جالي اتصال من رقم غريب، فتحت ولقيت صوت شادي طالع مخنوق، منهار، وصوته فيه نبرة ذل عمري ما سمعتها منه:
ـ “أماني.. أرجوكِ اسمعيني، البيت بيخرب، والولاد مبيبطلوش عياط وعايزينك.. والست اللي كنتِ فاكراها في القلب، أول ما شافت عيالك قفلت تليفونها وقالت لي دي مش مسؤوليتي! أنا مستعد لأي حاجة.. مستعد أطلقها ومستعد أكتب لك الشقة باسمك، بس ارجعي لبيتك وعيالك!”
أخدت نفس طويل، وضحكت بصوت عالي سمّعه كسرت رقبته، وقلت له بكل جبروت:
ـ “تطلقها أو متطلقهاش.. ده مابقاش يخصني يا شادي، والبيعة اللي بعتها بمزاجك مفيش فيها رجوع.. أما الشقة فالمحكمة هتردهالي غصب عن عينك وبقوة القانون كحاضنة، ومعاها كل مليم مؤخر ونفقة ومتعة.. شيل مسؤولية عيالك بقا يا حبيبي كام أسبوع كمان، ودوق المر اللي دوقتني فيه سنين.. سلام يا أبو العيال.. نتقابل في المحكمة!”
قفل السكة في وشي وهو مكسور، وأنا قفلت التليفون ورميته على السرير، وحسيت بنشوة انتصار خلتني أتنفس لأول مرة من سنين ونفسي مرتاح.. الوجع اللي كان في صدري اتمحى تماماً وحل مكانه يقين إني ماشية في الطريق الصح.
فات أسبوع ورا أسبوع، والمحامي بتاعي كان شغال زي الرهوان.. أوراق قضية الطلاق للضرر اتقدمت، ومعاها حافظة المستندات اللي فيها القيد العائلي ورسائل الخيانة والإضرار المادي والنفسي، وطلب تمكين من شقة الزوجية كحاضنة. شادي كان بيروح الجلسات ووشه في الأرض، عاجز عن الإنكار قدام الأدلة والمستندات الرسمية اللي حطيتها في عينه.
في نفس الوقت، كان وضعه في البيت كرب.. عرفت من الجيران إنه بقا شبه المجنون، الست الثانية سابته رسمي وقفلت صفحتها من حياته أول ما لقت الشغف والخروجات اتقلبوا لطبيخ وتدريس ومسؤولية عيال، وهو مبقاش ملاحق على مصاريف البيت والطلبات اللي كان بيستخسرها فيا.. بقا بينزل بنفسه يشتري بالشيء الفلاني ويدفع دم قلبه، ويدوق نفس الكأس اللي شربني منه؛ التعب والمسؤولية والضغط العصبي.
وبعد شهرين من الشحططة والمحاكم، صدر الحكم اللي كنت مستنياه بفارغ الصبر.. **حكم بالطلاق للضرر، مع إلزامه بدفع المؤخر بالكامل، ونفقة متعة وعدة، ونفقة شهرية محترمة للولاد تشمل مدارسهم ولبسهم وعلاجهم، وفوق كل ده.. قرار التمكين من الشقة ليّا أنا والولاد لوحدنا!**
يوم تنفيذ قرار التمكين، رحت مع المحامي وقوة من الشرطة عشان أستلم شقتي.. شادي كان واقف على الباب وهو بيلم هدومه في الشنطة اللي نزل بيها يوم المصيف، بس المرة دي مكنش مسافر يتفسح، ده كان مطرود بره بيته بقرار محكمة.
بصلي بنظرة كلها ندم وانكسار، وقرب مني وقال بصوت يادوب مسموع:
ـ “أنا أسف يا أماني.. أنا ضيعت نفسي وضيعت بيتي بإيدي.. مفيش أمل تسامحيني ونبدأ من جديد عشان الولاد؟”
بصيت له من فوق لتحت بابتسامة ثقة وشموخ، وفتحت له الباب على آخره وقلت له:
ـ “الولاد هيتربوا هنا في عزهم وفي شقتهم، والفلوس اللي كنت بتستخسرها فينا، المحكمة هتحولها لحسابي كل شهر ورجلك فوق رقبتك.. أما أنت يا شادي، فمكانك مابقاش هنا خلاص.. اشبع بقى بالوحدة والندم، وافتكر دايماً إن الهانم اللي استقلّيت بيها، هي اللي قعدتك في الشارع!”
خرج وجر شنطته وراه، وأنا قفلت الباب بالمفتاح.. ولفيت لقيت عيالي بيجروا عليا ويحضنوني وهم فرحانين برجوعهم لبيتهم. حطيتهم في حضني وبصيت للسما وقلت: “الحمد لله”.. المعركة خلصت، وأنا اللي نهيتها بشروطي، وبدأت من النهاردة حياتي الجديدة.. هانم ومرفوعة الرأس.
وعند شادي.. الجحيم الحقيقي بدأ لما لقى نفسه في دوامة مفيش منها مخرج؛ دوامة “القرش” اللي شح، والأهل اللي قلبوا عليه.
الهانم الثانية مكانتش متجوزاه لسواد عيونه، دي كانت متجوزة الفنجرى اللي الفيزا بتاعته بتنزف عروض ولبس وفسح، فلما رجع لها من المصيف والفيزا مصفية، تلتها جرة قلم المحامي بتاعي اللي حجزت على مرتبه وحساباته عشان نفقة العيال والمؤخر والمتعة.. الدنيا اسودت في وشها تماماً.
أول ما عرفت إن الفلوس اللي كانت بتجيلها بالملي طارت كلها للمحاكم وقضايا النفقة، لوت بوزها وشعللت البيت خناق:
ـ “يعني إيه الحسابات اتجمدت؟ يعني إيه النفقة هتاخد نص مرتبك؟! أنا مالي بأماني وقضاياها؟ أنا متجوزاك عشان أعيش هانم، مش عشان تقشفني وتقولي الميزانية مضغوطة! اتصرف وهاتلي فلوس وإلا وعهد الله ما هقعد لك فيها ثانية!”
شادي لقى نفسه لأول مرة مطحون.. بقى ينزل من النجمة يدوّر على شغل إضافي، وبقى يدخل البيت شايل الهم، بدل ما كان بيدخل بالهدايا، بقا يدخل ومحفظته فاضية.. والست اللي كان بيقول عليها “في القلب”، بخلت عليه حتى بالكلمة الطيبة، وبقت كل عيشتهم مع بعض خناق وصريخ على القرش والمليم اللي ناقص.
ودخلة أهله في الموضوع كانت القشة اللي قسمت ضهر البعير.. حماتي وأخته أول ما عرفوا بالخناق وقصة الجوازة الثانية اللي كانت مستخبية، وعرفوا إن شادي كان مخبي عليهم ومفهمهم إن أماني هي اللي بتتدلع، انقلبوا عليه 180 درجة.
حماتي كلمته في التليفون وهي بتعيط وتدعي عليه:
ـ “بقى تكسر بخاطر أماني الست الأصيلة اللي كانت شيلاني في غيابك وتتجوز عليها من ورايا يا شادي؟ بقى تفضحنا قدام الناس وتخلي الستات الغريبة تتحكم في لقمة عيالك؟ أنا مش راضية عنك ليوم الدين لحد ما ترجع لعقلك وترد لأماني كرامتها وشرفها!”
أخته كمان دخلت على الخط وبقت تسمعه كلام زي السم في التليفون: “بقى تبهدل عيالك عشان واحدة واخداك على طمع؟ أهو أول ما فلوسك قصرت ورتنا وشها الحقيقي.. صغرتنا قدام الناس وبقيت ماشي على عماك!”
شادي بقى عايش في شبه جزيرة معزولة؛ مراته الثانية بتاكل في جثته ومبتديلوش لقمة من غير نكد ومطالب مادية مبيقدرش عليها، وأهله مقاطعينوا وبيدعوا عليه ليل نهار وشايفينه بني آدم نذل وصغرهم قدام الناس بعد ما كانوا فاكرينه بار بيهم. العيشة مع “الهانم الثانية” بقت لا تطاق، وبقى يبص لنفسه في المراية وهو مش لاقي تمن علبة السجاير، وعارف إنه خسر كل حاجة.. خسر فلوسه، وأهله، وكرامته، والست الأصيلة اللي مكانتش بتكلفه مليم!

