بطله الطواري

كنت واقف في طوارئ المستشفي العسكري الساعة ٢ الفجر، لما شفت الدكاتره بيضحكوا على ممرضة كبيرة في السن ويقولوا إنها “كركوبه مش هتكمل ”… لكن بعد أقل من ساعة، ضابط جيش غرقان دم رفع إيده المرتعشة وأداها تحية عسكرية كاملة قدام القسم كله، وقال جملة خلت المكان يسكت كأن الزمن وقف..

الحكاية حصلت في الدور الرابع من مستشفى “السلام العسكري” في القاهرة… المكان اللي المكانة والشهادات فيه كانوا أهم من الرحمة نفسها.

الدكتور أدهم السيوفي، أخصائي الطوارئ المشهور بغروره وسيرته المثالية، قرر إن الممرضة الجديدة هتبقى مادة السخرية الليلة دي.

قال بصوت عالي وسط الدكاترة والممرضين: مية جنيه إنها ماتكملش أسبوع هنا.

الضحك انتشر في الممر الطويل.

الممرضة الجديدة كان اسمها “نجوى سالم”.

ست عندها ٥١ سنة، شعرها مربوط في كعكة بسيطة، وإيديها فيها رعشة خفيفة، واليونيفورم واسع عليها شوية… لكن عينيها كان فيهم هدوء غريب، هدوء ناس عدّى عليهم وجع أكبر بكتير من الإهانة.

ورا ضهرها كانوا يسموها “الست بتاعة النظافة”، وأدهم كان حريص كل يوم يفكرها إنها أقل من باقي الطاقم.

— راجعي التحاليل تاني يا مدام نجوى… دي طوارئ مش وحدة صحية في قرية.

لكنها ماكنتش ترد.كانت تشتغل في صمت.

أصعب المناوبات.وأتقل الحالات.

وكل شوية تهمس لنفسها: بس اخلص اليوم على خير… من غير ما حد يعرف…لحد الليلة اللي قلبت المستشفى كلها.

المطر كان بيخبط في شبابيك المستشفى بعنف، والساعة قربت على اتنين بعد نص الليل، لما صفارات الإنذار ضربت فجأة.

— كود أحمر! إصابة حرجة جاية خلال دقيقتين!

الدور كله اتحرك بسرعة.

وأول ما باب الطوارئ اتفتح بعنف…

دخلوا ترولي عليه شاب جسمه كله تراب ودم، والبدلة العسكرية مقطعة.

المسعف صرخ: الرائد يوسف المنياوي! إصابة انفجار!

الدكتور أدهم اتحرك فورًا وسيطر على المكان بعصبية المعتاد.

بص للجرح العميق في رقبة الضابط وقال بسرعة: جهزوا أنبوبة التنفس… لازم نوقف النزيف حالًا.

الأجهزة كانت بتصرخ…الممرضات بيتحركوا بسرعة.

والدم كان مغرق السرير..نجوى قربت بهدوء علشان تساعد.

لكن أدهم زعق فيها قدام الكل: ابعدي! دي مش حالة تناسب خبرتك…اتجمدت لحظة.لكن قبل ما تبعد…

الرائد يوسف فتح عينه بالعافية.

كان بينهج بصعوبة، والدم نازل من جنب بقه، لكنه أول ما شاف نجوى…ملامحه اتغيرت تمامًا.

وكأنه شاف شبح من الماضي.

إيده المرتعشة بدأت تتحرك ببطء شديد ناحية رأسه.

كل الناس افتكرت إنه بيهلوس.

لكن فجأة…رفع إيده وووووو

لكن فجأة… رفع إيده المرتعشة بتحية عسكرية كاملة.

تحية كاملة.

وسط الدم. وسط الأجهزة اللي بتصرخ. وسط الدكاترة اللي بيجروا حواليه.

وبص لنجوى بعينين مليانين ألم وهمس بصوت متقطع:

— الممرضة دي… أنقذت كتيبتي كلها… سيادة العميد.

الصمت نزل على الطوارئ كأنه ستارة تقيلة.

الدكتور أدهم رمش بعنف وهو مش فاهم. واحدة من الممرضات وقفت بإيدها في نص الهوا. حتى جهاز المونيتور كان صوته هو الحاجة الوحيدة اللي شغالة في المكان.

نجوى نفسها اتجمدت مكانها.

قال أدهم باستغراب: — عميد؟!

الرائد يوسف حاول ياخد نفسه بالعافية. صدره كان بيطلع وينزل بصعوبة. لكن عينه ما اتحركتش من على نجوى.

— العميد نجوى سالم… س*لاح الخدمات الطبية العسكرية… معركة رفح ٢٠١٣…

الكلمات وقعت على القسم زي القنبلة.

أدهم حس إن رجله اتثبتت في الأرض. بص لنجوى من فوق لتحت كأنه بيشوفها لأول مرة فعلًا.

الست اللي كان بيهينها بقاله أسبوع… طلعت عميد جيش سابق.

مش بس كده.

بطلة حرب.

واحدة من الممرضات همست: — مستحيل…

لكن يوسف كمل وهو بيكح دم: — لولاها… كنا متنا كلنا تحت القصف…

نجوى قربت منه بسرعة. إيديها رغم الرعشة كانت ثابتة وهي بتضغط على الجرح.

— ماتتكلمش يا يوسف… حافظ على نفسك.

لكن يوسف ابتسم ابتسامة صغيرة متعبة. وقال: — أول مرة شفتك… كنتي شايلة عسكري مصاب على ضهرك… والنار حوالينا من كل ناحية…

أدهم حاول يستوعب.

الصورة اللي قدامه مش راكبة على الست الهادية اللي كانت بتنضف الأجهزة بنفسها وتسكت على الإهانة.

صرخ فجأة: — يا جماعة ركزوا! الضغط بينزل!

الكل رجع يتحرك بسرعة. لكن الجو في القسم اتغير تمامًا.

بقت كل عين بتبص لنجوى بشكل مختلف.

هي اتحركت بثبات ناحية جهاز التنفس وقالت بصوت هادي لكن حاسم: — يوسف عنده استرواح صدر… جهزوا Chest Tube حالًا.

أدهم بص لها بسرعة. القرار كان صح.

صح قبل حتى ما الأشعة توصل.

الممرضة الصغيرة سارة قالت بتوتر: — حاضر يا فندم…

“يا فندم.”

أول مرة حد يناديها كده من أول ما دخلت المستشفى.

نجوى ما علقتش. بس عينيها لمعت للحظة صغيرة واختفت بسرعة.

بدأوا يشتغلوا. وكل دقيقة كانت حالة يوسف بتسوء.

الضغط بينزل. النبض بيختفي ويرجع. والدم مغرق الأرض.

أدهم حاول يركب الأنبوبة لكن إيده اتلخبطت بسبب النزيف الشديد.

فجأة نجوى مسكت إيده بهدوء وقالت: — سيبني.

بصلها بتردد ثانية. ثم بعد عنها.

كل الموجودين اتفاجئوا.

نجوى قربت من يوسف. إيديها اللي فيها رعشة من دقيقة… بقت ثابتة بشكل مرعب.

ركبت الأنبوبة في ثواني.

صح. دقيق. كأنها بتعمل ده كل يوم من تلاتين سنة.

الهوا خرج بصوت حاد. والمؤشرات بدأت تتحسن تدريجيًا.

المكان كله سكت.

أدهم حس لأول مرة في حياته إن غروره بيتكسر قدام حد.

يوسف فتح عينه بالعافية وبص لنجوى. وقال بابتسامة مرهقة: — لسه أسرع دكتورة ميدانية في الجيش…

واحدة من الممرضات سألت بعدم تصديق: — حضرتك كنتي دكتورة عسكرية؟

نجوى سكتت شوية. وبعدين قالت بهدوء: — كنت.

أدهم قرب منها. صوته بقى أوطى: — ليه محدش يعرف؟

ما ردتش فورًا.

كانت بتغير الشاش على جرح يوسف بعناية. وبعدين قالت: — لأن الناس هنا بتحكم قبل ما تسمع.

الجملة دخلت في صدر أدهم زي السكينة.

افتكر كل مرة سخر منها. كل مرة خلاها تشيل الشغل التقيل لوحدها. كل مرة ضحك عليها قدام الناس.

يوسف فجأة شد على إيدها بتعب. وقال: — قوليلهم الحقيقة يا فندم…

نجوى غمضت عينها لحظة. واضح إنها مش عايزة.

لكن يوسف أصر: — لازم يعرفوا.

الدور كله بقى ساكت.

حتى المطر برا كان صوته خفيف مقارنة بالتوتر اللي مالي المكان.

نجوى أخدت نفس طويل. وقالت:

— سنة ٢٠١٣… كنا في نقطة إسعاف ميداني في شمال سينا… حصل انفجار في الكتيبة…

صوتها كان هادي جدًا. هادئ بشكل يخوف.

— نص الفريق الطبي مات في أول خمس دقايق… والاتصالات اتقطعت… وكان عندنا أكتر من أربعين مصاب.

الممرضات بصوا لبعض بصدمة.

يوسف همس: — وهي فضلت تنقل الجنود لوحدها…

نجوى كملت: — مكنش فيه وقت للخوف.

أدهم سأل بدون ما يحس: — وإيه اللي حصل بعد كده؟

نجوى سكتت ثواني. ثم قالت: — ابني كان ضمن القوة.

الصمت رجع تاني.

— كان عنده ٢٣ سنة.

صوتها اهتز لأول مرة.

— ملازم أول… اسمه كريم.

يوسف غمض عينه بحزن.

واضح إنه كان يعرفه.

نجوى بلعت ريقها بصعوبة: — كنت بعالج الجنود واحد واحد… وكل شوية أسأل عليهم… ابني وصل في آخر دفعة.

المطر زاد برا. وصوت الرعد ضرب الشبابيك.

— كان عنده إصابة مباشرة في الصدر.

إيدها بدأت ترتعش تاني. لكنها كملت.

— حاولت أنقذه… أربعين دقيقة إنعاش… أربعين دقيقة وأنا مش أم… وأنا طبيبة عسكرية بس…

واحدة من الممرضات دموعها نزلت بدون ما تحس.

نجوى ابتسمت ابتسامة صغيرة مكسورة: — لكنه مات بين إيديا.

القسم كله اتجمد.

حتى أدهم حس قلبه انقبض.

يوسف قال بصوت ضعيف: — وبعدها رفضت تسيب المصابين…

نجوى هزت راسها: — كان لسه فيه ناس عايشة.

أدهم حس إنه عاجز عن الكلام.

الست اللي كان شايفها “كركوبة”… دفنت ابنها في الحرب وكملت تنقذ باقي الجنود بنفس الليلة.

سارة سألت بهمس: — طب ليه سيبتي الجيش؟

نجوى بصتلها للحظة. وقالت: — لأن بعد ما رجعت… بقيت بشوف وش ابني في كل سرير طوارئ.

الصمت كان موجع.

يوسف حاول يرفع إيده تاني بتحية. لكن الألم منعه.

نجوى ضغطت على إيده برفق: — بطل هبل.

ابتسم رغم التعب. وقال: — حضرتك علمتينا إن العسكري الحقيقي… عمره ما ينسى اللي أنقذ حياته.

في اللحظة دي… أدهم حس بالخجل لأول مرة من سنين.

الخجل الحقيقي.

بص حواليه على الدكاترة اللي كانوا بيضحكوا من ساعات. كلهم مطاطين راسهم.

فجأة جهاز المونيتور صرخ بعنف.

النبض وقع مرة واحدة.

يوسف دخل في توقف قلب.

الكل اتحرك بفزع. أدهم صرخ: — CPR حالًا!

بدأ الإنعاش. ثانية ورا ثانية.

لكن جسم يوسف كان بيستسلم.

أدهم حس التوتر بياكله. العرق نزل من جبينه. والأجهزة بتعلن إن الوقت بيخلص.

ثم سمع صوت نجوى.

هادئ. قوي. ثابت.

— أدهم… ركز معايا.

دي أول مرة تناديه باسمه.

بصلها تلقائيًا.

قالت: — ماتخليش خوفك يقودك… بص للمريض وبس.

الجملة ضربته من جواه.

كأنها مش بتتكلم عن يوسف وبس… بتتكلم عنه هو.

عن غروره. عن خوفه إنه يبان أقل. عن كل القسوة اللي مستخبي وراها.

نجوى مسكت جهاز الصدمات. وقالت: — Clear.

الجسم انتفض.

ثانية.

اتنين.

ثلاثة.

وفجأة…

بيب…

خط أخضر ظهر على الشاشة.

النبض رجع.

القسم كله خد نفسه مرة واحدة.

سارة شهقت. وواحدة من الممرضات بدأت تعيط من التوتر.

أدهم بص للشاشة بعدم تصديق. ثم بص لنجوى.

هي بس حطت الجهاز مكانه بهدوء. كأنها عملت حاجة عادية جدًا.

بعد نص ساعة… الحالة استقرت.

يوسف اتنقل العناية المركزة. والدنيا بدأت تهدى.

لكن محدش اتحرك من مكانه.

كأن الكل مستني حاجة.

أدهم قرب من نجوى ببطء.

لأول مرة… صوته مكنش فيه غرور.

— أنا آسف.

نجوى كانت بتغسل الدم من على إيديها. ما بصتلوش.

قال بسرعة: — أنا ظلمتك.

سكتت شوية. ثم قالت: — لا يا دكتور… إنت خوفت.

رفع عينه ليها باستغراب.

قالت وهي بتنشف إيديها: — الناس ساعات بتهاجم اللي يوجع إحساسهم بالنقص.

الكلمات دخلت جواه مباشرة.

لأنه عرف إنها صح.

هو طول عمره كان بيجري ورا المثالية. ورا الشهادات. ورا إنه يبقى الأفضل.

ولما شاف ست بسيطة أكبر منه… خاف يكون أقل.

فكسرها قبل ما تكسّره.

نجوى لبست بالطو الأبيض القديم بتاعها. واخدت شنطتها الصغيرة.

أدهم اتوتر: — حضرتك ماشية؟

— المناوبة خلصت.

— بس…

بصتله بهدوء: — المستشفى فيها دكاترة كتير يا دكتور أدهم… بس قليل فيها بشر.

الجملة نزلت على المكان كله كالصاعقة.

ومشت.

الممر الطويل كان هادي. وصوت كعب جزمتها الخفيف بيتردد فيه.

الممرضات بصوا عليها باحترام. بعضهم وقف تلقائيًا.

وسارة… أدت لها تحية عسكرية صغيرة وهي بتعيط.

نجوى ابتسمت أول ابتسامة حقيقية من أول الليل. ورفعت إيدها بالتحية.

وبعدين اختفت عند آخر الممر.

بعد الليلة دي… كل حاجة في مستشفى السلام العسكري اتغيرت.

الدكاترة اللي كانوا بيتريقوا بقوا يسألوا عنها. والممرضين بقوا يحكوا قصتها لكل موظف جديد.

أما أدهم…

فبعد أسبوع كامل… دخل أوضة الاستراحة لقى صورة قديمة متعلقة على الحيطة.

صورة لوحدة عسكرية في سينا.

وسط الجنود… كانت نجوى واقفة بالزي العسكري. وشابة جدًا. شايلة خوذة بإيد… وبالإيد التانية ماسكة شاب بيضحك.

أدهم قرب من الصورة ببطء.

الشاب كان كريم ابنها.

وعلى إطار الصورة… كان مكتوب بخط صغير:

“العميد نجوى سالم… أنقذت ٣٧ جنديًا في ليلة فقدت فيها ابنها الوحيد.”

أدهم فضل واقف قدام الصورة وقت طويل.

وبعدين لأول مرة من سنين…

وقف بانتباه كامل.

ورفع إيده بتحية عسكرية صامتة.

يتبع
بعد التحية دي… المستشفى ما رجعتش زي الأول أبدًا.

صورة العميد نجوى سالم بقت معلقة رسميًا في قاعة الأطباء بالدور الرابع. لكن الغريب إن الصورة ماكنتش أكتر حاجة الناس اتكلمت عنها.

اللي اتكلموا عنه فعلًا… إن الست اللي كانت بتتنضف بيها الأرض حرفيًا في أول أسبوع… طلعت أكتر إنسان فاهم معنى الرحمة جوه المكان كله.

أدهم بقى ييجي بدري قبل المناوبة بعشرين دقيقة. يقف قدام الصورة شوية. وبعدين يدخل القسم ساكت.

الضحكة المتعالية اختفت. الصوت العالي اختفى. حتى طريقته مع المرضى اتغيرت.

الممرضات خدوا بالهم بسرعة.

سارة مرة همست لزميلتها: — الدكتور أدهم بقى بيقول “من فضلك”.

زميلتها ردت بعدم تصديق: — لا دي أكيد نهاية العالم.

لكن الحقيقة كانت أعمق.

أدهم بقى كل ما يبص لسرير مريض… يشوف بعينيه شكل يوسف وهو بينزف. وشكل نجوى وهي ثابتة وسط الفوضى.

ولأول مرة… بدأ يحس إنه كان دكتور شاطر بس… مش إنسان كفاية.

بعد أسبوعين… وصلت حالة لطفلة صغيرة عندها سبع سنين. اسمها مريم.

حادثة عربية. نزيف داخلي. والأب واقف برا منهار.

القسم اتحرك بسرعة. أدهم دخل العمليات الصغيرة بنفسه.

لكن أول ما شاف الأب… اتجمد.

الراجل كان بيعيط بنفس الطريقة اللي أبوه كان بيعيط بيها زمان.

نفس الرعشة. نفس العجز. نفس الخوف.

أدهم افتكر فجأة ليلة قديمة جدًا.

كان عنده تسع سنين. واقف في مستشفى حكومي قديم. وأمه على سرير الطوارئ بعد جلطة مفاجئة.

فاكر صوت الدكاترة وهم بيقولوا: — الحالة ميؤوس منها.

فاكر إنه كان بيشد في بالطو دكتور وبيقوله: — لو سمحت… ماما بتموت.

والدكتور زقه بإيده وقال بعصبية: — ابعد يا ابني.

أمه ماتت بعدها بساعة.

ومن يومها… أدهم قرر يبقى أقوى دكتور في البلد.

مش علشان ينقذ الناس.

علشان مايبقاش الطفل الضعيف ده تاني.

لكن وهو واقف قدام أبو مريم… فهم لأول مرة إنه طول عمره بيعاقب العالم كله على خوف طفل صغير جواه.

خرج بسرعة من الأوضة. سارة جريت وراه بقلق: — دكتور؟

أدهم خد نفسه بالعافية. وقال: — كملي تحضير العمليات… أنا جاي.

لكن إيده كانت بتترعش.

وفجأة سمع صوت هادي وراه: — لو هتدخل خايف… البنت هتموت.

لف بسرعة.

نجوى.

كانت واقفة في آخر الممر. لابسة هدوم بسيطة ومعاها ترمس شاي صغير.

أدهم اتفاجئ: — حضرتك رجعتي؟

قالت بهدوء: — يوسف فاق من يومين… جيت أطمن عليه.

سكت ثانية. ثم بصت لإيده المرتعشة.

— إنت مش خايف من العملية… إنت خايف تفشل.

الجملة ضربته مباشرة.

قال بعصبية خفيفة: — يعني إيه؟

نجوى قربت ببطء. وقالت: — الناس اللي فقدت حد… يا بيبقوا أحن ناس في الدنيا… يا أقسى ناس فيها.

بلع ريقه بصعوبة.

هي عرفت.

عرفت من غير ما يقول حاجة.

قال بصوت منخفض: — أمي ماتت في الطوارئ.

نجوى سكتت.

أدهم ضحك ضحكة قصيرة مكسورة: — كنت طفل… والدكتور حتى ما بصليش.

نجوى بصتله بعين هادية جدًا: — ومن ساعتها قررت تبقى الدكتور اللي محدش يقدر يرفضه.

حس إنه متعرّي قدامها.

كأنها شايفة كل حاجة مستخبية جواه.

قال: — بس واضح إني بقيت نسخة منه.

نجوى هزت راسها بهدوء: — لا… لأنك لسه حاسس بالذنب.

سكت. ثم سألت: — البنت جوا محتاجة إيه دلوقتي؟

رد تلقائيًا: — جراحة فورية.

— يبقى ادخل أنقذها… وبعدها حاسب نفسك براحتك.

بص لها لحظة طويلة. ثم لف ودخل العمليات.

أربع ساعات كاملة.

الدنيا كانت واقفة برا. أبو مريم قاعد على الأرض بيقرأ قرآن وبيعيط. وأمها حرفيًا مش قادرة توقف رعشة جسمها.

سارة خرجت مرتين بدموع من الضغط. لكن نجوى كانت قاعدة هادية على الكرسي البلاستيك. ماسكة السبحة. وتهمس بدعوات خافتة.

وأخيرًا…

باب العمليات اتفتح.

أدهم خرج. وشه شاحب ومتغرق عرق. لكن أول ما الأب جري عليه… قال:

— بنتك هتعيش.

الراجل انهار من البكا. ومسك إيد أدهم يبوسها.

أدهم اتوتر وسحب إيده بسرعة. لكن الأب فضل يعيط ويقول: — ربنا يجبر بخاطرك يا دكتور… ربنا يرحم أمك اللي خلفتك.

الجملة وقفت الزمن للحظة.

أدهم حس قلبه اتقبض بعنف.

“يرحم أمك.”

كأنه دعاء متأخر وصل بعد سنين.

لف تلقائيًا يدور على نجوى.

لكنها كانت واقفة بعيد. مبتسمة ابتسامة صغيرة.

كأنها عارفة إن اللحظة دي كانت محتاجاها أكتر منه.

من بعدها… نجوى بقت تيجي المستشفى كل يوم تقريبًا.

مش شغل رسمي. ولا مرتب. ولا منصب.

كانت بس تمشي بين الأوض. تطمن على المرضى. وتساعد الممرضات الصغيرة.

الغريب إن الناس كلها بقت ترتاح أول ما تشوفها.

حتى الأطفال.

كان فيه ولد صغير عنده سرطان اسمه زياد. رافض العلاج تمامًا. بيكسر الأجهزة ويزعق لأي حد يقرب منه.

لكن أول ما نجوى دخلت أوضته… الولد سكت.

بصلها شوية. ثم قال: — إنتي شبه تيتة.

ضحكت بهدوء: — دي شتيمة ولا مجاملة؟

الولد ابتسم لأول مرة من أيام.

ومن ساعتها… ماكانش بياخد العلاج غير منها.

كانت تحكيله حواديت عن الجنود. وتخليه يضحك. وتخبيله شوكولاتة في جيبها.

مرة أدهم وقف يسمعها وهي بتقوله: — البطل مش اللي عمره ما يخاف… البطل اللي يخاف ويكمل.

الجملة دخلت قلبه بشكل غريب.

لأنه بدأ يكتشف إن الست دي… بتداوي الأرواح أكتر من الأجسام.

وفي ليلة هادية… كان القسم شبه فاضي.

أدهم دخل أوضة الاستراحة لقى نجوى قاعدة لوحدها. قدامها كوب شاي برد.

قال: — حضرتك عمرك ما نمتي كويس؟

ضحكت بخفة: — من ساعة الحرب تقريبًا.

قعد قدامها. وبعد تردد طويل قال: — يوسف قالي إنك خدتي وسام جمهورية.

هزت راسها: — أخدته وحطيته في الدرج.

— ليه؟

بصت للشباك شوية. ثم قالت: — الوسام ما رجعليش ابني.

الصمت نزل بينهم.

ثم فجأة قالت: — تعرف أكتر حاجة وجعتني؟

أدهم رفع عينه ليها.

— إن بعد كل اللي عملته… لما كبرت شوية وبقت إيدي فيها رعشة… الناس بصتلي كأني انتهيت.

صوتها كان ثابت. لكن عينيها كانوا مليانين وجع قديم.

— الإنسان عندنا طول ما هو قوي الكل يحترمه… أول ما يضعف شوية يحسسك إنك عبء.

أدهم حس بالخجل تاني.

لأنه كان واحد من الناس دي.

نجوى ابتسمت بحزن: — عارف يا أدهم… أكتر حاجة بتخوفني مش الموت.

— أومال إيه؟

— إني أموت منسية.

الجملة علقت في قلبه بشكل مرعب.

وفي الليلة دي… لما رجع بيته… ماعرفش ينام.

فضل يفكر فيها.

في ست دفنت ابنها. وأنقذت عشرات. وخدت أوسمة. وفي الآخر الناس ضحكت على رعشة إيديها.

تاني يوم… أدهم عمل حاجة محدش توقعها.

دخل اجتماع إدارة المستشفى. وقال: — عندي طلب رسمي.

المدير بصله باستغراب: — خير؟

أدهم فرد ملف قديم على الترابيزة.

— عايز أعمل وحدة تدريب طوارئ باسم العميد نجوى سالم.

الدكاترة بصوا لبعض بدهشة.

واحد منهم قال: — بس هي حتى مش شغالة هنا رسمي.

أدهم رد بثبات: — يبقى ده عيب فينا إحنا.

المدير سكت شوية. ثم قال: — وإيه سبب التكريم المفاجئ ده؟

أدهم بص لهم كلهم وقال: — لأننا بقينا نحترم الورق أكتر من البشر… ودي أول مرة أقابل فيها حد يستحق فعلًا.

الكلام انتشر في المستشفى كلها خلال ساعات.

الممرضات كانوا فرحانين بشكل غريب. وسارة عيطت فعلًا لما سمعت.

لكن نجوى…

رفضت.

قالت لأدهم بهدوء: — مش عايزة اسمي يتحط على حيطان.

اتوتر: — بس حضرتك تستحقي.

ابتسمت: — لو فعلًا عايز تكرمني… عامل الممرضات اللي صغيرين باحترام.

سكت.

ثم كملت: — أصل المستشفى اللي تخلي الناس تخاف تغلط… عمرها ما هتعالج حد.

الكلمات فضلت ترن في ودنه أيام.

وبدأ فعلًا يتغير.

بقى يسمع. بقى يشرح بهدوء. بقى لو ممرضة غلطت يعلمها بدل ما يهينها.

لدرجة إن القسم كله بدأ يتنفس براحة لأول مرة.

لكن الحياة ما بتديش حد سلام كامل.

بعد شهر تقريبًا…

نجوى ماجتش.

اليوم الأول الكل قال أكيد تعبانة.

اليوم التاني… سارة قلقت.

أما اليوم التالت… أدهم بنفسه راح بيتها.

شقة قديمة هادية في مصر الجديدة. الدور الرابع من عمارة عتيقة.

خبط الباب كتير. مفيش رد.

قلبه بدأ يدق بسرعة.

لحد ما البواب قال بتوتر: — مدام نجوى من امبارح محدش شافها.

أدهم حس خوف غريب.

كسر الباب بمساعدة البواب.

ودخل.

الشقة كانت هادية جدًا.

ريحة دوا خفيفة. وصور قديمة على الحيطان. وصوت قرآن شغال واطي من الراديو.

ولقاها.

واقعة جنب الكنبة.

فاقدة الوعي.

أدهم جرى عليها برعب: — مدام نجوى!

نبضها كان ضعيف جدًا.

وعلبة دوا القلب واقعة جنبها.

في اللحظة دي… ولأول مرة من سنين طويلة…

أدهم حس بنفس الرعب الحقيقي اللي حسه وهو طفل صغير قدام سرير أمه.

لكن المرة دي…

ماهربش.

يتبع
أدهم شال نجوى بين إيديه بسرعة وهو بيزعق للبواب يطلب الإسعاف، لكن أول ما خرج بيها من باب الشقة حس إن الوقت أبطأ من الطبيعي بشكل مرعب. المطر الخفيف كان نازل فوق شوارع مصر الجديدة، وأنوار العربيات بتلمع على وشها الشاحب. شعرها الأبيض كان نازل على جبينها، وأنفاسها متقطعة لدرجة خلت قلبه يوجعه.

ركب العربية بنفسه بدل ما يستنى الإسعاف.

أول مرة في حياته يسوق وهو مرعوب بالشكل ده.

كان كل شوية يبص عليها ويقول: — مدام نجوى… سامعاني؟

لكنها ما كانتش بترد.

إيده كانت ماسكة الدريكسيون بقوة لدرجة مفاصله وجعته. وفجأة افتكر ليلة موت أمه. افتكر إنه وقتها كان عاجز. طفل صغير واقف يتفرج على حد بيضيع منه.

لكن النهارده… لأول مرة… كان عنده فرصة يحارب.

وصل المستشفى بسرعة جنونية.

وأول ما نزل شايلها… الدور كله اتقلب.

سارة شهقت: — يا نهار أبيض!

أدهم صرخ بصوت هز القسم: — جهزوا العناية حالًا!

الكل جري بدون نقاش.

الممرضات اللي كانت نجوى بتساعدهم كل يوم كانوا حرفيًا بيعيطوا وهم بينقلوها على السرير.

أدهم بنفسه بدأ يفحصها. ضغط منخفض جدًا. اضطراب في ضربات القلب. إجهاد حاد. وجسم مستنزف بالكامل.

سارة قالت بخوف: — هي كانت عايشة لوحدها؟

أدهم هز راسه ببطء.

وفجأة حس بحاجة خنقته من جواه.

الست اللي كانت بتداوي الكل… ماكانش فيه حد يداويها.

بدأوا يثبتوا حالتها. ساعات كاملة.

وفي الفجر… استقرت أخيرًا.

أدهم كان قاعد برا العناية، لابس بالطو متغرق دم وعرق، وعينيه حمرا من السهر.

يوسف المنياوي دخل المستشفى بعكاز. إصابته لسه ما خفتش بالكامل. لكن أول ما عرف… جري عليها.

وقف قدام أدهم وقال بقلق: — هي عاملة إيه؟

أدهم بصله بتعب: — أزمة قلبية وإجهاد شديد… شكلها بقالها فترة ما بتاخدش العلاج بانتظام.

يوسف سكت لحظة. ثم قال بحزن: — كانت دايمًا بتكره تبان ضعيفة.

أدهم افتكر كلامها: “أكتر حاجة بتخوفني… إني أموت منسية.”

الجملة رجعت تضربه بعنف.

يوسف قعد جنبه. ولأول مرة الاتنين سكتوا من غير أي توتر.

ثم يوسف قال: — تعرف إنها باعت وسام الجمهورية؟

أدهم لفله بسرعة: — إيه؟

— بعد وفاة ابنها بسنتين… باعت الوسام علشان تدفع علاج أم عسكري مصاب.

الصمت نزل ثقيل.

يوسف ضحك بمرارة: — حتى البيت ده… كانت هتبيعه السنة اللي فاتت علشان تساعد بنت ممرضة عندها سرطان.

أدهم حس إن صدره بيوجعه.

كل ما يعرف عنها حاجة… يحس إنه أصغر.

قال بهدوء: — ليه محدش كان يعرف كل ده؟

يوسف بص للعناية المركزة من بعيد: — لأنها كانت بتقول إن المعروف اللي يتقال… يبقى تجارة مش رحمة.

في اللحظة دي… باب العناية اتفتح.

الدكتور المناوب خرج وقال: — فاقت.

أدهم قام فورًا.

دخل الأوضة بخطوات سريعة لكنه أول ما شافها على السرير حس قلبه اتقبض.

لأول مرة… نجوى باينة ضعيفة فعلًا.

وشها شاحب. الأجهزة حواليها. وأنفها فيه أنبوبة أكسجين.

لكن أول ما شافته… ابتسمت بخفة وقالت: — هو أنا ما صدقت خلصت من المستشفى… رجعتوني تاني؟

أدهم حس دموع سخيفة طلعت لعنيه بدون إذن. فقال بعصبية خفيفة: — حضرتك كان ممكن تموتي.

قالت ببساطة: — كلنا هنموت يا أدهم.

قرب منها أكثر وقال: — ليه ما طلبتيش مساعدة؟

بصتله شوية. ثم قالت: — اتعودت أعتمد على نفسي.

سكت. ثم قال بصوت منخفض: — بس المرة دي… كان فيه ناس هتزعل عليكي.

الهدوء اللي على وشها اتهز للحظة.

واضح إنها ما تعودتش تسمع الجملة دي.

يوسف دخل بعدها بدقيقة. وأول ما شافته… قالت: — إنت المفروض ترتاح يا حيوان.

ضحك رغم الدموع: — ماكنتش هسامح نفسي لو حصلك حاجة.

نجوى بصتلهم هما الاتنين. وبعدين قالت بهدوء: — كبرتوا.

أدهم استغرب: — كبرنا؟

ابتسمت: — أول مرة شوفت يوسف كان عنده عشرين سنة وخايف من أول معركة… وإنت أول مرة شوفتك كنت طفل متخبي ورا غرورك.

أدهم نزل عينه للأرض.

لكنها مدت إيدها الضعيفة وربتت على إيده.

— بس دلوقتي بقيت دكتور بجد.

الجملة خلت حاجة داخله تتكسر وتتلحم في نفس الوقت.

بعد أيام… نجوى اتحسنت شوية.

لكن أدهم اكتشف حاجة خلت الدم يتجمد في عروقه.

التحاليل بينت إنها عندها فشل قلبي مزمن متقدم. وكانت مخبية الموضوع من الكل.

لما واجهها… ضحكت بخفة وقالت: — هو أنا كنت هعيش للخلود يعني؟

صرخ لأول مرة قدامها: — حضرتك مستهترة بحياتك!

هي بصتله بهدوء شديد. وقالت: — لا يا أدهم… أنا بس تعبت.

الصوت كان مرهق بشكل يخوف.

كملت: — في ناس بتعيش سنين طويلة وهي فاضية من جوا… وأنا حسيت إني خلصت اللي عليا.

أدهم حس بغضب وعجز مع بعض. قال: — وإحنا؟

بصتله باستغراب خفيف.

قال بعينين مليانين وجع: — الناس اللي بتحبك دلوقتي؟

الدموع لمعت في عينها لأول مرة.

لفت وشها بعيد بسرعة كأنها بتستخبى.

لكن أدهم فهم.

الست دي… اتعودت تدي حب. إنما عمرها ما صدقت إن حد ممكن يحبها هي.

في الأيام اللي بعدها… المستشفى كلها كانت بتيجي تزورها.

سارة جابتلها ورد. الممرضات عملوا نوبات مخصوص علشان محدش يسيبها لوحدها. حتى عمال الأمن كانوا يدخلوا يسلموا عليها.

وفي يوم… دخلت بنت صغيرة أوضة نجوى وهي ماسكة رسمة.

كانت مريم… الطفلة اللي أدهم أنقذها.

قالت بخجل: — دي ليكي.

نجوى أخدت الرسمة بإيد مرتعشة.

كانت رسمة لملاك لابس زي ممرضة.

وفوقها مكتوب: “تيتا نجوى بتحارب الوحوش.”

نجوى ضحكت وهي بتعيط في نفس اللحظة.

حضنت البنت وقالت: — دي أحلى من أي وسام خدته في حياتي.

أدهم كان واقف عند الباب بيتفرج.

وحس فجأة إنه فاهم حاجة مهمة جدًا.

البطولة مش في الأوسمة. ولا الرتب. ولا الشهرة.

البطولة الحقيقية… إنك تسيب أثر حلو في قلب حد.

وفي ليلة متأخرة… كان نايم على الكرسي جنب أوضتها بعد مناوبة طويلة.

وفجأة صحى على صوتها.

— أدهم.

فتح عينه بسرعة: — في حاجة وجعاكي؟

هزت راسها بالنفي.

كانت بصاله بهدوء غريب.

— ممكن أطلب منك طلب؟

— أي حاجة.

سكتت ثواني. ثم قالت: — لما أموت… ماتخلّيش الناس تفتكرني بطلة.

اتصدم: — ليه بتقولي كده؟

ابتسمت بحزن: — لأن الأبطال بيتحطوا في الصور بس… وأنا كنت عايزة أبقى إنسانة.

الدموع حرقت عينه.

قال بعصبية: — حضرتك مش هتموتي.

ضحكت بخفة: — يا ابني أنا ست عندها واحد وخمسين سنة مش مصاصة دماء.

لكن الضحكة انتهت بسرعة بتعب واضح.

ثم همست: — أوعى تخلي القسوة تاكلك تاني.

أدهم حس الجملة دخلت قلبه مباشرة.

كأنها وصية.

وفجأة الأجهزة بدأت تصفر بشكل غريب.

أدهم قام مرعوب: — نجوى؟

إيقاع القلب بدأ يضطرب بعنف.

الممرضات جريت.

والدنيا اتقلبت خلال ثواني.

أدهم بدأ الإنعاش بنفسه. بجنون. برعب. وكأنه بيحارب الدنيا كلها.

— شحنة!

جسمها انتفض.

— تاني!

العرق كان نازل من جبينه. وصوته بيتكسر.

يوسف وصل وهو بيعرج بسرعة. وقف عند الباب مذهول.

سارة بدأت تعيط.

لكن أدهم ماوقفش.

لأول مرة… ماكانش بيعالج مريض.

كان بينقذ حد بيحبه.

بعد دقائق طويلة كأنها عمر كامل…

بيب…

النبض رجع.

أدهم حرفيًا ركع مكانه من التعب.

نجوى فتحت عينها بالعافية. وبصتله.

شاف دموعه لأول مرة.

ابتسمت ابتسامة مرهقة جدًا. وقالت: — شكلك وحش وإنت بتعيط يا دكتور.

ضحك وسط دموعه بدون ما يحس.

وفي اللحظة دي… عرف إنه مستحيل يخسرها بسهولة.

الأيام عدت ببطء.

ونجوى بدأت تتحسن فعلًا. لكنها ماقدرتش ترجع تشتغل بنفس القوة.

فأدهم عمل حاجة جديدة.

حوّل أوضة قديمة مهجورة في المستشفى لمكان تدريب صغير. وحط على الباب لافتة مكتوب عليها:

“قاعة نجوى سالم للرحمة الطبية.”

لما شافت الاسم… سكتت وقت طويل.

ثم بصتله وقالت: — إنت عنيد بشكل مستفز.

ابتسم: — اتعلمته منك.

المكان بقى كل يوم مليان تدريب للممرضات والدكاترة الجدد. لكن الغريب… إن أول درس ماكانش طبي.

كان عن الرحمة.

أدهم بنفسه كان يقف يقول: — المريض مش رقم سرير… المريض إنسان مرعوب جاي يدور على أمان.

وكل مرة يقول الجملة… يبص على نجوى.

أما هي… فكانت تبتسم بهدوء.

وفي يوم افتتاح القاعة رسميًا… حضر ناس كتير من الجيش.

ضباط كبار. قيادات. جنود قدامى.

لكن أكتر لحظة خلت الكل يعيط… لما دخل جندي شاب شايل صورة قديمة.

وقال بصوت مهزوز: — والدي مات من خمس سنين… لكنه قبل ما يموت وصاني لو قابلت العميد نجوى… أقولها شكرًا لأنها شالته على ضهرها تحت الضرب وأنقذت حياته.

نجوى ماقدرتش ترد.

دموعها نزلت بصمت.

أما أدهم… فبص حواليه على الناس الواقفة باحترام ليها.

وافتكر أول ليلة.

لما كانوا بيضحكوا عليها.

وحس برعب حقيقي من فكرة… إن الإنسان ممكن يكسّر روح عظيمة لمجرد إنه مايعرفش قصتها.

يتبع
بعد افتتاح قاعة نجوى سالم للرحمة الطبية، المستشفى بقت مختلفة فعلًا. مش اختلاف بسيط في القوانين أو التعاملات، لا… كأن روح جديدة دخلت المكان. الممرضات بقوا يساعدوا بعض بدل الخناقات المعتادة، والدكاترة الأصغر بقوا يتكلموا براحة من غير خوف من الإهانة، وحتى المرضى نفسهم كانوا بيحسوا إن فيه دفا أكتر في الطوارئ اللي طول عمرها معروفة بالبرود.

لكن نجوى نفسها… كانت بتدبل بهدوء.

أدهم بس هو اللي لاحظ.

كان يشوف التعب في عينيها لما تفتكر كلمة بسيطة. يشوف إيديها وهي بتحاول تخبي رعشتها أكتر. يشوف النفس اللي بقى أضعف شوية كل يوم.

وكان بيتجنن بالعجز.

كل شوية يراجع التحاليل. يغير العلاج. يجيب استشاريين. لكن الحقيقة الطبية كانت واضحة وقاسية.

القلب اللي عاش سنين تحت الضغط والحزن والحروب… ابتدى يسلّم.

وفي ليلة شتوية باردة… كانت المستشفى هادية بشكل غريب.

أدهم خلص مناوبته متأخر، وراح يدور على نجوى في قاعة التدريب. لقاها قاعدة لوحدها، الأنوار مطفية إلا أباجورة صغيرة جنبها، وفي حضنها صندوق خشب قديم.

قال بابتسامة خفيفة: — إنتي بتحبي تقعدي في الضلمة ليه؟

ضحكت بهدوء: — علشان الضلمة مابتسألش أسئلة كتير.

قرب منها وقعد جنبها. ثم أشار للصندوق: — إيه ده؟

سكتت لحظة. وبعدين فتحته ببطء.

كان مليان حاجات قديمة. نياشين. صور. خطابات. وساعة مكسورة.

أدهم مد إيده للصورة اللي فوق.

كانت صورة شاب صغير بالزي العسكري، بيضحك بعينين شبهها جدًا.

كريم.

أدهم حس قلبه وجعه. قال بهدوء: — أول مرة أشوف صورته عن قرب.

نجوى لمست الصورة بأطراف صوابعها كأنها بتلمس وشه فعلًا.

— كان بيحب الضحك جدًا… عكسّي تمامًا.

ابتسم أدهم: — واضح إنه كان شقي.

ضحكت ضحكة صغيرة حقيقية. ثم قالت: — مرة سرق عربية الإسعاف علشان يهرب قطة مصابة من الشارع ويوديها للدكتور البيطري.

أدهم ضحك رغم نفسه: — ضابط جيش ويسرق عربية إسعاف؟

— واتحبس يومين كمان.

الصمت بقى دافي بينهم.

ثم طلعت خطاب قديم متني بعناية.

— ده آخر جواب كتبهولي قبل العملية بيوم.

أدهم اتردد: — تحبي أسيبك؟

هزت راسها بالنفي. وقالت: — لا… اقرأه.

أخد الخطاب بحذر. الورق كان أصفر من الزمن.

وبدأ يقرأ بصوت واطي:

“أمي الحبيبة… لو رجعت متأخر ماتقلقيش. إنتي ربتيني طول عمري على إن الخوف عمره ما يمنعنا نعمل الصح. ولو حصل لي حاجة… أوعي تزعلي. لأن وجودك في حياتي كان كفاية يخليني أكسب الدنيا كلها.”

صوت أدهم اتكسر عند آخر سطر.

بص لنجوى. لقاها مبتسمة ودموعها نازلة في هدوء.

— كان حنين أوي… صح؟

أدهم هز راسه بصعوبة.

ثم سأل فجأة: — حضرتك عمرك كرهتي الجيش بعده؟

سكتت طويلًا. ثم قالت: — كرهت الحرب… إنما الجيش؟ لا.

بصت للصورة. وكملت: — لأن الحرب أخدت مني ابني… بس علمتني إن الإنسان ممكن يدي عمره علشان غيره يعيش.

أدهم فضل ساكت. حاسس إنه بيتعلم منها أكتر من أي كلية دخلها.

ثم فجأة قالت: — تعرف أكتر حاجة كانت بتخوف كريم؟

— إيه؟

ابتسمت بحزن: — إنه يموت لوحده.

الجملة دخلت قلبه بعنف.

لأنه فهم فورًا ليه كانت دايمًا تروح لكل مريض خايف. ليه كانت تقعد جنب الأطفال. ليه كانت تمسك إيد الجنود المصابين.

هي كانت بتحارب خوف ابنها في كل شخص.

وفجأة… نجوى حطت إيدها على صدرها بتعب.

أدهم اتعدل فورًا: — في إيه؟

ابتسمت محاولة تخفف: — قلبي بيشتكي مني شوية.

لكن وشها كان شاحب جدًا.

أدهم قام بسرعة: — إحنا رايحين العناية حالًا.

مسكت إيده فجأة.

إيدها كانت ساقعة.

— استنى.

بصلها بقلق.

وقالت بصوت هادي بشكل مخيف: — لو حصلي حاجة الليلة… عايزاك تسمعني للنهاية.

أدهم حس الرعب طلع لحد حلقه. قال بعصبية: — مفيش حاجة هتحصل.

نجوى ابتسمت. ثم قالت: — وعد؟

سكت ثانية. ثم هز راسه.

أخدت نفس متعب. وقالت: — بعد موت كريم… حاولت أموت مرتين.

أدهم حس الدم اتسحب من وشه.

— إيه؟

بصت بعيد. وعينيها لمعت بالوجع.

— أول مرة خدت جرعة دوا زيادة… وتاني مرة كنت واقفة فوق كوبري أكتوبر بالليل.

القلب جواه وجعه حرفيًا.

— ليه؟

ضحكت بمرارة: — علشان لما الأم تدفن ابنها… جزء منها بيتدفن معاه.

الصمت كان ثقيل جدًا.

ثم كملت: — بس كل مرة كان يحصل حاجة تمنعني.

— زي إيه؟

ابتسمت بخفة: — مرة بنت صغيرة في المستشفى حضنتني وقالتلي ماتمشيش… ومرة عسكري مصاب قالي إنه محتاجني… ففهمت إن يمكن ربنا سابني عايشة علشان لسه في حد محتاج الرحمة اللي جوايا.

أدهم حس دموعه قربت تنزل.

نجوى بصتله مباشرة. وقالت: — أوعى تفتكر إن القوة معناها إنك ما تقعش… القوة إنك تقوم كل مرة.

وفجأة… صوت انفجار دوّى برا المستشفى.

الأرض نفسها اتهزت.

أجهزة الإنذار اشتغلت فورًا.

وصوت الأمن الداخلي صرخ: — كود أسود! انفجار أتوبيس قريب من كوبري القبة!

أدهم ونجوى بصوا لبعض.

وفي ثانية… الدور الرابع كله اتحول لفوضى.

إصابات جماعية.

صرخات.

دم.

تروليات داخلة بسرعة.

الدكاترة بيجروا.

والمصابين بالممرات.

أدهم اتحرك تلقائيًا ناحية الطوارئ. لكن قبل ما يمشي… لف لنجوى.

كانت لسه تعبانة جدًا. وشها شاحب بشكل يخوف.

قال بحزم: — حضرتك هتفضلي هنا.

لكنها كانت بالفعل بتحاول تقوم.

— مستحيل.

— قلبك ما يستحملش.

بصتله بنفس النظرة اللي كانت بتبصهاله أول يوم. الهادية… العنيدة.

— والناس اللي بتموت تحت دول يستحملوا؟

أدهم اتجمد.

ثم فجأة… سمع صوتها العسكري القديم لأول مرة بوضوح:

— دكتور أدهم السيوفي… اتحرك.

الجملة رجعتله إحساس غريب. إحساس الجندي اللي بيتلقى أوامر وقت الحرب.

وخلال دقائق… كانت نجوى وسط الكارثة.

كل اللي في الطوارئ اتصدموا.

ست قلبها مريض… ورغم كده ماشية بين المصابين أسرع من الكل.

كانت تمسك وشوش الناس وتطمنهم. توقف النزيف. تنظم الحالات. وتصرخ بالأوامر بثبات مرعب.

— الحالة دي عمليات فورًا! — الطفل ده أكسجين حالًا! — مين معايا في الإنعاش؟!

الكل بيتحرك وراها بدون تفكير.

حتى أدهم نفسه.

في نص الفوضى… دخل مسعف شايل ولد صغير عنده حوالي عشر سنين. جسمه كله دم وتراب.

— لقيناه تحت الأتوبيس!

الولد كان مرعوب. بيصرخ: — ماما! ماما!

نجوى قربت منه فورًا.

مسكت وشه بحنان: — بصلي يا حبيبي… اسمك إيه؟

— حمزة…

— شاطر يا حمزة… خد نفس معايا.

الولد كان بيرتعش بعنف. ومش راضي يسيب إيدها.

أدهم فحصه بسرعة. وكلامه خرج متوتر: — عنده نزيف داخلي محتمل… لازم عمليات حالًا.

لكن حمزة بدأ يصرخ بهستيريا: — لا! ماتسبنيش!

نجوى حضنته بسرعة رغم التعب اللي ظاهر عليها. وهمست: — مش هسيبك.

أدهم لمح حاجة وقتها… إيديها كانت بتترعش بشكل أقوى من المعتاد.

وقلبه وقع.

قرب منها هامسًا: — حضرتك لازم ترتاحي.

لكنها ما بصتلوش حتى. كانت مركزة مع الطفل.

— حمزة… إنت شجاع؟

الولد هز راسه بدموع.

— يبقى هتدخل العمليات زي الأبطال… وأنا هستناك أول ما تخرج.

الولد أخيرًا هدي.

ولما خدوه للعمليات… فضل ماسك إيدها لآخر لحظة.

لكن أول ما الباب اتقفل…

نجوى ترنحت.

أدهم لحقها قبل ما تقع.

وشها كان أبيض تمامًا.

قال برعب: — خلاص! كفاية!

لكنها حاولت تبعده: — لسه فيه مصابين…

صرخ لأول مرة: — وإنتي كمان مصابة!

كل اللي حواليهم سكتوا.

أدهم كان ماسكها كأن حياته متعلقة بيها.

قال بصوت مكسور: — ليه دايمًا بتنسي نفسك؟

نجوى بصتله. وفي وسط الفوضى والدم والصوت… ابتسمت.

— علشان زمان ماحدش لحق كريم.

الجملة كسرت قلبه.

حملها بين إيديه رغم اعتراضها. ووداها العناية بنفسه.

وهو ماشي بيها… الدكاترة والممرضات كانوا بيبعدوا تلقائيًا من الطريق.

كأنهم شايفين مشهد مقدس.

ولأول مرة… أدهم ماكانش شايل بطلة حرب.

كان شايل أم تعبت جدًا من المقاومة.

يتبع
أدهم دخل العناية المركزة وهو شايل نجوى بين إيديه كأنها أخف من الهوا، رغم إن التعب كان ظاهر على جسمه كله. الممرضات جريت ناحيته، لكن أول ما شافوا وشه فهموا إن الوضع أخطر من أي كلام.

حطها على السرير برفق شديد. كأنه خايف الوجع يزيد لو لمسها بقوة.

الأجهزة اتوصلت بسرعة. النبض كان مضطرب. والتنفس أضعف من الطبيعي.

سارة قربت بخوف: — الضغط بينزل يا دكتور…

أدهم بلع ريقه بصعوبة. وعينيه ما سابتش وش نجوى.

كانت مرهقة بشكل عمره ما شافه عليها قبل كده. الست اللي كانت دايمًا ثابتة… بقت باينة وكأن روحها نفسها تعبت.

قال بسرعة: — جهزوا محاليل… واطلبوا استشاري القلب حالًا.

لكن نجوى فتحت عينها بالعافية وهمست: — المصابين برا…

قرب منها فورًا: — سيبك منهم دلوقتي.

ابتسمت بتعب: — ماعرفش.

الجملة طلعت ضعيفة لكنها كسرت قلبه.

لأنها كانت حقيقية.

هي فعلًا ماكنتش تعرف تبطل تنقذ الناس حتى وهي بتموت.

يوسف دخل العناية بعد دقائق وهو بيعرج بسرعة. أول ما شافها بالشكل ده… وشه وقع.

— يا ساتر يا رب…

أدهم قال بعصبية متوترة: — الضغط مش مستقر.

يوسف قرب من السرير ببطء. بص لنجوى بحزن واضح. ثم قال: — فاكرة لما قولتلك ترتاحي؟

نجوى ضحكت بخفة بالكاد اتسمعت: — وإنت فاكر نفسك كنت بتسمع الكلام؟

حتى وهو مرعوب عليها… يوسف ابتسم.

المكان كله كان مشحون بخوف ثقيل. لكن برا العناية… الناس بدأت تتجمع.

الممرضات. عمال الأمن. المسعفين. حتى أهالي المرضى.

كلهم واقفين يسألوا: — مدام نجوى عاملة إيه؟

سارة خرجت مرة ترد عليهم. فاتفاجئت بطفل صغير واقف ماسك رسمة.

حمزة.

كان خارج من العمليات ولسه متوصل بمحاليل.

قال بخوف: — هي كويسة؟

سارة ماعرفتش ترد.

الولد قرب من باب العناية وقال بصوت مرتعش: — هي وعدتني إنها هتستنى لما أصحى.

الجملة خلت سارة تعيط فورًا.

أما جوه… فأدهم كان بيحارب.

استشاري القلب وصل أخيرًا. راجع التحاليل بسرعة. ثم بص لأدهم بنظرة فهمها فورًا.

نظرة الدكاترة لما يبقوا عارفين الحقيقة… بس مش عارفين يقولوها.

قال بصوت منخفض: — عضلة القلب مرهقة جدًا… وأي ضغط جديد ممكن يوقفها.

أدهم حس الأرض بتميد بيه.

سأل بعناد: — نعمل إيه؟

الاستشاري سكت ثواني. ثم قال: — نصلي.

الكلمة نزلت عليه كالرصاصة.

لأول مرة في حياته الطبية… يحس إنه عاجز بالكامل.

قعد جنب سريرها. بص لإيديها الضعيفة. وافتكر أول مرة شافها فيها.

ست هادية. متهانة. الكل بيضحك عليها.

وكان ممكن جدًا… لو يوسف ما فتحش عينه… تفضل مجرد “الكركوبة” في نظرهم.

الفكرة خنقته.

وفجأة نجوى همست: — أدهم.

رفع عينه بسرعة.

كانت بصاله بهدوء غريب. الهدوء اللي بيخوف أكتر من الصراخ.

— ماتخافش.

اتكسرت جواه حاجة.

قال بصوت مخنوق: — حضرتك طول عمرك بتقولي للناس ماتخافوش… طب مين اللي يطمنك إنتي؟

ابتسمت ابتسامة صغيرة جدًا. وقالت: — وجودكم.

الدموع نزلت من عينه غصب عنه.

حاول يبعد وشه بسرعة. لكنها مدت إيدها ولمست خده.

— إنت بقيت طيب يا أدهم… حافظ على ده.

الجملة وجعته بشكل لا يوصف.

لأنه حس إنها بتودعه.

قال بعناد طفل صغير: — لا… إنتي هتخفي وتزعقيلي تاني.

ضحكت بخفوت. ثم قالت: — غالبًا هزعقلك فعلًا… بس من مكان تاني.

— بس بقى!

الصوت خرج حاد ومكسور.

العناية كلها سكتت.

أدهم قام فجأة ولف ضهره. مش قادر يشوفها وهي بتتكلم بالطريقة دي.

يوسف قرب منه وحط إيده على كتفه. لكن أدهم لأول مرة في حياته… انهار.

قال بصوت مهزوز: — مش قادر أخسرها.

يوسف بلع ريقه بصعوبة. وعينه لمعت بالدموع.

— وأنا كمان.

الصمت بينهم كان موجع.

ثم فجأة… جهاز القلب طلع صوت طويل متقطع.

أدهم لف بسرعة.

النبض بدأ يختفي.

— نجوى!

الدنيا اتقلبت في ثانية.

الممرضات جريت. الاستشاري صرخ بالأوامر. وأدهم بدأ الإنعاش فورًا.

لكن المرة دي… كان مختلف.

إيده كانت بتترعش.

الخوف معميه.

كل ثانية كان بيشوف فيها أمه. ويوسف. وحمزة. وكل الناس اللي نجوى أنقذتهم.

شحنة كهربا.

جسمها انتفض.

مفيش استجابة.

شحنة تانية.

العرق غرق وشه.

سارة بدأت تعيط وهي بتراقب الشاشة.

يوسف سند نفسه على الحيطة كأنه هيقع.

أدهم صرخ: — ارجعيلي!

كلمة خرجت من قلبه مباشرة.

مش من دكتور. من ابن. من إنسان أخيرًا اتعلم يحب.

وفجأة…

بيب…

خط صغير ظهر على الشاشة.

النبض رجع ضعيف جدًا.

الكل خد نفسه مرة واحدة.

أدهم حرفيًا رجله ما شالتوش. قعد على الأرض جنب السرير وهو بيضحك وبيعيط في نفس الوقت.

نجوى فتحت عينها بالعافية. بصتله. وهمست: — شكلك أسوأ من أول يوم شوفتك فيه.

ضحك وسط دموعه: — وأنا أول يوم شوفتك كنت غبي.

هزت راسها بخفة: — لأ… كنت موجوع بس.

الكلمة دخلت قلبه مباشرة.

بعد الليلة دي… المستشفى كلها بقت عايشة على أعصابها.

نجوى استقرت. لكن حالتها كانت حساسة جدًا.

أدهم تقريبًا ماكانش بيسيبها. حتى لما يخرج يشوف المرضى… يرجع يجري يطمن عليها.

وفي يوم… دخل لقاها بتكتب حاجة في كراسة صغيرة.

قال: — إيه ده؟

قفلتها بسرعة: — فضولك وحش.

قعد جنبها: — وصية؟

ضحكت: — لا… شوية حكايات.

رفع حاجبه: — حكايات؟

— عن المرضى اللي قابلتهم… الناس اللي خافوا وقاموا تاني… الجنود… الأطفال… كل حد علمني حاجة.

سكتت لحظة. ثم قالت: — أصل الإنسان لما يقرب يمشي… بيخاف تتنسى حكايته.

أدهم حس قلبه وجعه.

قال بهدوء: — محدش هينساكي.

بصتله مباشرة. وفي عينيها صدق متعب: — الوعد الحقيقي مش إنك تفتكر اسمي… الوعد إنك تكمل الرحمة اللي بدأت.

الكلام فضل يرن في ودنه ساعات.

وفي الليلة دي… رجع بيته لأول مرة من أيام.

دخل الشقة. قعد ساكت في الضلمة. ثم فجأة بص لصورة أمه القديمة.

قرب منها ببطء.

وقال لأول مرة من سنين: — أنا آسف إني فضلت غاضب كل ده.

الدموع نزلت بدون مقاومة.

فهم أخيرًا إن القسوة اللي عاش بيها… ما رجعتش أمه. بس خسرته نفسه.

تاني يوم الصبح… رجع المستشفى بدري.

لكنه أول ما دخل الدور الرابع… حس إن فيه حاجة غلط.

الهدوء كان مرعب.

سارة كانت واقفة برا أوضة نجوى ووشها أبيض.

قلبه وقع.

جري عليها: — في إيه؟

سارة بصتله بعين مليانة دموع: — هي… مش راضية تصحى.

أدهم دخل بسرعة.

نجوى كانت نايمة بهدوء غريب. هادية زيادة عن اللزوم.

الأجهزة شغالة. النبض موجود. لكنها غايبة.

قرب منها بسرعة: — مدام نجوى؟

مفيش رد.

مسك إيدها. ساقعة.

يوسف وصل بعدها بدقائق. ولما فهم الوضع… سكت تمامًا.

أيام كاملة عدت وهي بين الوعي والغيبوبة.

لكن الغريب… إن المستشفى كلها بقت تتحرك حواليها كأنها قلب المكان.

الممرضات كانوا يدخلوا يقروا قرآن. الأطفال يسيبوا رسومات. الجنود ييجوا بالزي العسكري يسلموا عليها حتى وهي نايمة.

وحمزة… كان ييجي كل يوم بعد العلاج ويقعد جنبها يحكيلها يومه.

مرة قال وهو ماسك إيدها: — أنا بطلت أخاف من العمليات علشان إنتي قولتيلي الأبطال بيكملوا.

أدهم خرج وقتها برا الأوضة وعيط فعلًا.

لأن الست دي… حتى وهي غايبة… لسه بتشفي الناس.

وفي فجر يوم هادي جدًا…

أدهم كان نايم على الكرسي جنبها. وفجأة حس بحركة خفيفة.

فتح عينه بسرعة.

لقاها بصاله.

واعية.

ابتسمت بتعب شديد: — نمت في الشغل يا دكتور؟

حس الفرحة ضربته بعنف. قرب منها بسرعة: — إنتي رجعتي!

همست: — شكلك اتعلقت بيا أوي.

ضحك وهو بيمسح دموعه: — للأسف.

بصتله طويلًا. ثم قالت: — ساعدني أقعد.

ساعدها بحذر.

بصت من شباك الأوضة للشمس اللي بدأت تطلع. والنور البرتقالي نازل على وشها المتعب.

ثم قالت بهدوء: — جميل الصبح… صح؟

أدهم حس خوف غريب. الناس اللي بتتكلم بهدوء قوي كده… بيبقوا قريبين من النهاية.

قال بسرعة: — هتخرجي قريب وتتعبي المستشفى كلها تاني.

ابتسمت. لكنها ما ردتش.

ثم فجأة قالت: — افتح الدرج.

فتح الدرج الجانبي.

طلع منه وسام الجمهورية.

اتصدم: — ده…

— رجعلي من سنة… أهل العسكري اللي ساعدتهم اشتروا نسخة ورجعوهولي.

ناولته له.

— عايزاك تحتفظ بيه.

قال فورًا: — مستحيل.

— أدهم.

بصلها.

قالت بصوت ضعيف لكنه ثابت: — الحرب علمتني إن الأبطال الحقيقيين مش اللي بيعلقوا النياشين… الأبطال اللي بيحموا البشر وهم مرعوبين.

ثم ابتسمت بخفة: — وإنت بقيت واحد منهم.

دموعه نزلت تاني.

ركع جنب السرير. ومسك إيدها.

— إنتي السبب.

نجوى بصتله بحنان أم حقيقي. وهمست: — لا يا ابني… الخير كان جواك من الأول… بس كنت محتاج حد يفك الخوف اللي مغطيه.

الجملة كسرت آخر حتة قسوة جواه.

وفجأة… الأجهزة بدأت تبطأ.

أدهم اتعدل فورًا: — نجوى؟

لكنها كانت لسه مبتسمة.

بصت ناحية الباب. ولقت يوسف واقف وسارة وراها. وحتى حمزة كان واقف بعكازه الصغير.

نجوى بصتلهم كلهم. كأنها بتودع عيلتها.

ثم همست: — اهو… مبقتش لوحدي.

وفي اللحظة دي…

النبض وقف.

الصوت الطويل ملأ الأوضة.

سارة شهقت وانهارت في البكا. يوسف غمض عينه بعنف والدموع نزلت على وشه. وحمزة بدأ يصرخ: — لا!

أما أدهم…

ففضل ماسك إيدها.

ساكت.

مصدوم.

كأنه عقله رافض يصدق.

الدنيا كلها كانت ساكنة. والشمس لسه داخلة من الشباك على وشها الهادي.

ثم ببطء شديد… أدهم رفع إيديه المرتعشة.

وأدى لها تحية عسكرية كاملة.

يوسف عمل نفس الحركة فورًا. ثم سارة. ثم كل اللي في الأوضة.

وخلال دقائق… الخبر انتشر في المستشفى كلها.

والحاجة اللي حصلت بعدها… محدش نسيها طول عمره.

كل العاملين في المستشفى… من أكبر دكتور لأصغر عامل نظافة… وقفوا صفين طويلين في الممر الرئيسي.

وفي النص… خرج سرير نجوى سالم ملفوف بعلم مصر.

والناس كلها واقفة تؤدي التحية.

بعضهم بيعيط. بعضهم بيقرأ قرآن. وبعضهم ساكت تمامًا لأن الحزن أكبر من الكلام.

حمزة جري جنب السرير الصغير. وحط الرسمة بتاعته فوق العلم.

الرسمة اللي مكتوب عليها: “تيتا نجوى بتحارب الوحوش.”

يوسف مشي وراها بالزي العسكري الرسمي. وعينه ثابتة قدام. لكن دموعه ماوقفتش.

أما أدهم… فكان ماشي في آخر الصف.

شايل صندوقها الخشبي القديم.

جواه صور كريم. والخطابات. والساعة المكسورة. والحكايات اللي كتبتها.

وفجأة فهم.

نجوى ما ماتتش منسية أبدًا.

الست اللي كانت خايفة تختفي… بقت محفورة في قلوب مستشفى كاملة.

بعد شهور…

قاعة نجوى سالم للرحمة الطبية بقت أكبر مركز تدريب إنساني في المستشفى.

وفي أول يوم لكل دفعة جديدة… كان أدهم يقف قدامهم ويقول:

— الطب مش شطارة بس… الطب إنك تعرف تمسك إيد إنسان مرعوب وتخليه يحس إنه مش لوحده.

ثم يشاور على صورة نجوى المعلقة على الحيطة.

ويقول: — الست دي علمتني إن الرحمة ممكن تنقذ ناس أكتر من أي دواء.

وفي آخر كل محاضرة…

كان يرفع إيده بتحية عسكرية كاملة.

وكل الموجودين يقلدوه.

علشان يفضل اسم نجوى سالم… عايش للأبد.

تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *