حماتي

بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم

يوم ما بدأت حماتي تقيس أركان بيتي حتة حتة، وتتمشى فيه بثقة وغرور وكأنه شقتها اللي ورثتها عن أبوها وجابتها بفلوسها، في اللحظة دي بالذات لّمض الرعب نورت في دماغي، وفهمت وعرفت إن جوازي وبقائي في البيت ده بقوا في خطر حقيقي، وإن المركب اللي ركباها مع جوزي داخلة على غرق محقق ومفيش منه مفر لو فضلت ساكتة.

أنا اسمي هناء.. وطول عمري، من صغري ولحد ما اتجوزت، كنت فاكرة وسرحانة في وهم إن مشاكل الحموات والبيوت والسلائف دي حاجات بتسمع عنها بس، قصص وحكايات بتحصل للناس التانية البعيد عننا، للستات الغلبانة اللي بنسمع حكاويهم وشكاويهم في الراديو الصبح وإحنا بنغسل المواعين وبنروق البيت، ونقعد نسمع ونضرب كف على كف ونقول: “يا ساتر يا رب.. ربنا ما يكتبها علينا”. مكنتش أتخيل ولا ييجي في بالي في يوم من الأيام، إن حكايتي أنا الشخصية ومأساتي هتبدأ في يوم تلات عادي جداً وملوش أي ملامح، وبحاجة تافهة زي متر قياس لونه وردي، وابتسامة نصر صفرا وخبيثة مرسومة على وش حماتي.

دخلت عليها أوضة الضيوف “الصالون”، لقيتها واقفة في نص الأوضة، ماسكة في إيدها المتر الوردي ده وبتقيس كل زاوية وكل حيطة بتركيز غريب وعجيب، عينيها كانت بتلمع وهي بتبص للسقف وللأرض وكأن المكان كله بقى ملكها خلاص وتحت تصرفها. كانت بتتحرك بخطوات بطيئة وتمتم بالأرقام وصوتها واطي بتعده، ومركزة ومستغرقة في اللي بتعمله لدرجة إنها من كتر حماسها مشافتنيش أصلاً وأنا واقفة على الباب وبراقبها بذهول. كان باين من نظراتها إن في دماغها الأوضة دي خلاص اتلغت واتفرشت بعفشها هي، وذكرياتها هي الكئيبة، وطريقتها هي في العيشة والتحكم.

التفتت أخيراً ووقعت عينها عليا، وقالت بنبرة كلها أمر ومن غير ما تكلف نفسها وتبص في وشي حتى: — “بصي يا هناء.. الحيطة دي اللي فاصلة بين الأوضة والصالة لازم تتهد خالص وتتفتح على بعضها. لما ننقل هنا الشهر الجاي إن شاء الله، هنحتاج مساحة واسعة وكبيرة عشان الصالون المذهب بتاعي الكبير ياخد راحته والناس تشوفه أول ما تدخل.”

أنا أول ما سمعت الكلمتين دول، حسيت كأن في تيار كهربا عالي ضرب في جسمي كله من رجلي لراسي، ورمشت بعيني كذا مرة ورا بعض وأنا مش مصدقة وداني ولا مستوعبة الكلام اللي بيتقال، وقولت لها بنبرة مشدوهة: — “تنقلوا فين يا حاجة صفية؟ ومنين اللي هينقل هنا إن شاء الله؟ الشقة دي شقتي!”

رفعت عينها وبصت لي بضيق وزهق، والابتسامة اختفت من وشها، وبصت لي كأني عيلة صغيرة غبية قاطعتها وهي بتعمل حاجة مهمة وليها قيمة، وقالت لي ببرود مستفز:

— “أنا وحماكي يا بنتي.. شريف قال لنا ونبه علينا إن البيت ده من هنا ورايح هيكون لينا وبتاعنا. إحنا خلاص اتكلمنا واتفقنا مع مهندس ديكور شاطر، وشوية تعديلات وهدم بسيط في الحيطان، وهيبقى جنة حقيقية نقضي فيها أيام المعاش براحتنا ومن غير دوشة القاهرة.”

وداني في اللحظة دي بدأت تصفر صفيراً غريباً من كتر الصدمة، والدم هرب من وشي. البيت ده.. البيت ده اللي مبني في العجمي وعلى البحر مباشرة، مكنش بالنسبة لي مجرد شقة عادية ولا عقار للبيع والشراء. ده الحاجة الوحيدة والذكرى الغالية اللي طلعت بيها من ريحة أبويا الله يرحمه ويحسن إليه. هو اللي بناه طوبة فوق طوبة، وشقي فيه وتعب السنين كلها بعد ما بقى أرمل وأمي ماتت، عشان يأمّن لي مستقبلي وميخلينيش محتاجة لحد. هناك في البيت ده، أنا قضيت أحلى وأجمل أيام صيفي وأنا صغيرة، كنت بقف في البلكونة أتنفس ريحة اليود الصافية، وأتعلم من البحر إن الوحدة ساعات بتبقى ونس وأفضل بكتير من لمت الناس الكدابة.

بلعت ريقي بصعوبة، وقلت بصوت واطي ومكتوم وأنا بحاول على قد ما أقدر أتحكم في أعصابي عشان متفرقعش فيها:

— “بس البيت ده بيتي أنا.. ملكي أنا ومكتوب باسمي يا حاجة صفية، مش ملك شريف ولا ملك حد تاني عشان يوهبه.”

ضحكت ضحكة صفرا عالية، فيها كمية تعالي وغرور غريب يفرس، وقالت لي وهي بتهز إيدها باستهانة: — “يا خبر يا هناء! إيه الكلام ده؟ متكبريش الموضوع وتعملي حكاية من مفيش.. إنتي وشريف واحد، مفيش بين الراجل ومراته الكلام ده، واللي ليكي ليه واللي ليه ليكي، والبيت بيته. بلاش تعملي دراما على الصبح وتنكدي علينا وعلى الراجل وهو لسه جاي من شغله.”

كلمة “بلاش دراما” دي، نزلت على كرامتي وجرحتني أكتر من أي شتيمة وإهانة ممكن أسمعها في حياتي. بصيت لها بجمود وقولت لها بصوت ناشف: — “فين شريف؟”

ردت عليا وهي بتشاور بإيدها ناحية البلكونة الكبيرة:

— “في البلكونة مع الباشمهندس مهندس الديكور.. تعالي معانا جوه يلا، عشان تاخدي على الفكرة وتتفرجي وتتعودي على شكل البيت الجديد.”

مردتش عليها ولا بكلمة واحدة. لفيت وشميت في الطرقة ورجلي تقيلة وشايلااني بالعافية كأني ماشية على مسامير. ومن بعيد، وأنا بقرب من البلكونة، كنت سامعة صوت جوزي، شريف، بيتكلم بحماس شديد وصوته عالي عن هدم الحيطان وتوسيع الصالة الكبيرة، وإزاي يستغل فيو البحر الساحر ده صح وبشكل مودرن.

كان بيقول للمهندس بنبرة فخر وحب جارف لأهله:

— “أبويا وأمي يستحقوا كل خير في الدنيا دي.. تعبوا وشقيوا طول عمرهم عشاني وعشان يكبروني، والبيت ده والمكان الهادي ده أقل حاجة ممكن أقدمها لهم في أواخر أيامهم عشان يرتاحوا وينسوا التعب.”

وقفت ورا باب البلكونة الإزاز، مستخبية وبراقبهم.

المهندس كان واقف ماسك لوحة وبيهز راسه بالموافقة على كل كلمة شريف بيقولها، وحمايا قاعد على الكرسي بيشرب سيجارة في صمت ورايق، وشريف واقف في النص وبيشاور بصباعه على الحيطة الأساسية اللي أبويا بناها بدم قلبه وعرقه وشقاه، وكأنه بيشاور على حيطة في شقة إيجار قديم رخيصة وعايز يخلص منها ويهدها في أسرع وقت.

حسيت في اللحظة دي بنغزة حامية وقوية في صدري كأن سك..ين غرزت في قلبي، خلتني مش قادرة أخد نفسي ولا أتنفس الهوا. رجعت لورا بسرعة، ودخلت جوه الأوضة وفتحت الدرج السري اللي شايلاه ومحافظة فيه على الفايل الأخضر بتاع بابا الله يرحمه. مديت إيدي المرتعشة وطلعت ورقة الملكية الأصلية المسجلة، وصوت خروشة وملمس الورق وهو بيحك في إيدي كان بيبث فيا قوة غريبة وبيفكرني بأبويا. مسكت الورقة وقبضت عليها بكل عزمي،

وخرجت بكل ثبات وخطوات سريعة ناحية البلكونة والورقة في إيدي عشان أواجه الكل.

وقفت على عتبة البلكونة، الهوا الشديد اللي جاي من ناحية البحر ضرب في وشي، لكنه ما برّدش النار اللي كانت قايدة في صدري. رفعت راسي، وبكل قوة وقفت وثبتّ رجلي في الأرض، وقولت بصوت عالي، حاد وقاطع، زلزل الهدوء اللي كانوا عايشين فيه:

— “شريف!.. لازم نتكلم. دلوقتي حالا ومفيش تأجيل.”

في ثانية واحدة، التلاتة لفوا وبصوا لي بذهول. المهندس اللي كان واقف يشخبط على اللوحة، أول ما حس بنبرة صوتي وشاف الورقة في إيدي، اتكسف ونزل عينه في الأرض علطول وخطا خطوتين لورا عشان يخرج نفسه من الحرج. وحمايا، اللي كان قاعد بيشرب سيجارته ومستني الشقة تجهز، عمل نفسه مش هنا وطلع موبايله وبدأ يبص فيه ويتشغل بأي حاجة. وفي نفس اللحظة، حسيت بخطوات ورايا، كانت حماتي الحاجة صفية اللي ظهرت فجأة من المطبخ أو الصالة،

ووقفت ورا ظهري وعينيها راشقة فيا، والمتر الوردي المستفز لسه متعلق في إيدها وكأنها بتثبت ملكيتها للمكان.

أنا ما همنيش حد فيهم، مديت إيدي اللي كانت بترتعش من الغيظ، ورفعت الورقة وقربتها من وش جوزي شريف. الورقة دي مكنتش مجرد مستند،

دي كانت عقد الملكية المسجل الأصلي، واسمي أنا “هناء” كان مكتوب فيها بالبونت العريض الواضح اللي ما يختلفش عليه اتنين.. ملكية خاصة وصريحة وخالصة ليا لوحدي.

بصيت في عينيه مباشرة وقولت له بنبرة كلها غل وعتاب وقهر: — “فهمني يا شريف.. قولي كدة وبص في عيني، إمتى وبأمارة إيه قررت تهادي ببيتي وتتبرع بورث أبويا لأهلك من غير ما تكلف نفسك وتسألني أو تاخد رأيي حتى؟”

السكوت اللي حصل في اللحظة دي كان مرعب ومخيف، ومحدش فيهم كان قادر ينطق. شريف وقف متنح، فتح بقه وقفلّه كذا مرة كأنه سمكة طالعة من المية ومش لاقي كلام يقوله أو يبرر بيه عملته، وبعدين لما لقى نفسه في موقف وحش قدام أبوه والمهندس، نفخ بضيق وزهق ولوا بوزه وقال بنبرة كلها تحكم واستعلاء:

— “بصي يا هناء.. من الآخر كدة ومن غير كلام كتير ولف ودوران، لو مش هتقبلي بالوضع ده، وتوافقي إن أبويا وأمي يعيشوا هنا، يبقى جوازنا ده ملوش أي مستقبل، وكل واحد يروح لحاله.”

الكلمة دي لما طلعت من بقه، نزلت على دماغي وقلبي زي الصاعقة اللي حرقت كل حاجة جوايا. حسيت إن الدنيا اسودت في عيني، وبصيت له بذهول وقولت له بصوت متقطع من كتر الصدمة:

— “إنت.. إنت بتبتزني بجوازنا وبيتنا؟ بتهددني بخراب بيتي عشان بيت أصلاً مش بتاعك ولا ليك فيه طوبة واحدة؟”

رد عليا بمنتهى البرود اللي في الدنيا، وحط إيده في جيبه وكأنه بيتكلم في صفقة تجارية: — “ده مش ابتزاز يا هناء، دي الحقيقة والواقع اللي لازم تفهميه. أبويا وأمي كبروا في السن وتعبوا، ومش هينفع أبداً يعيشوا في شقة العمرانية الضلمة المكتومة دي أكتر من كدة، الشقة هناك جابت لهم المرض، وهنا في العجمي الهواء نضيف والبحر قدامهم وهيريحوهم صحياً ونفسياً.. أنا أخدت قرار منطقي ومفهوش عيب.”

ضحكت بمرارة وقولت له بصوت عالي مخنوق بالدموع:

— “منطقي؟ منطقي لمين بالظبط يا شريف؟ ليك ولأهلك؟ إمتى من الأيام كان منطقي وأصول وعقلي يقول إنك تروح تتصرف في ورثي وحاجة أبويا الله يرحمه وتجيب مهندس يهد حيطانه من غير ما تنطق بكلمة واحدة معايا، أو تعمل حساب لمرأتك اللي واقفة قدامك دي؟”…..يتبع للجزء الثاني والاخير
هنا حماتي رفعت راسها لفوق بكل برود وبجاحة تفرس، ولوت بوزها الشمال وقالت بنبرة كلها لؤم ومسكنة كدابة من بتاعة الحموات:

— “يا بنتي فكري في العيلة وفي لمتنا وفي مصلحة ابننا مش في الفلوس والماديات، الدنيا دي زايلة ومحدش بياخد منها حاجة.. وأبوكي الله يرحمه ويحسن إليه أنا متأكدة وعارفة إنه كان هيفرح أوي وهو في تربته لما يعرف إنه ساعدنا وسترنا في أواخر أيامنا وخلا أهلك يرتاحوا.”

أنا أول ما جابت سيرة بابا على لسانها، الدم ضرب في نفوخي فوراً، ونار قادت جوايا وعيني احمرت من كتر الغل، وبصيت لها في عينها مباشرة من غير خوف وزعقت فيها بصوت قوي سمع الجيران:

— “ما تجيبيش سيرة بابا على لسانك خالص يا حاجة ولا تقولي كان هيفرح ولا مش هيفرح!.. بابا الله يرحمه شقي وتعب وطحن نفسه في الدنيا دي وساب لي البيت ده بالذات عشان أختار حياتي وأعيش فيه عزيزة ومرفوعة الراس، مش عشان تيجوا إنتوا في الآخر تسكنوا فيه وضع يد وتطردوني منه وتتحكموا فيا!”

المهندس لما لقى الخناقة صبحت حامية أوي والبيوت أسرارها بتطلع على العلن، ولمح الغضب في عيني، استأذن بسرعة ولم لوحاته وخلع ونزل جاري، وبعد شوية حمايا وحماتي لما لقوا مفيش فايدة، لموا حاجتهم ونزلوا هما كمان ورا بعض وهما بيبرطموا ويتحسبنوا عليا بكلام مش مفهوم وصوتهم كله غيظ ووعيد.

قضيت ساعات الليل الطويلة دي كلها صاحية، عيني ما غفلتش ثانية، براجع الورق والملفات بتاعة الشقة، والبيت قانوناً ملكيتي الخاصة الخالصة ومسجل باسمي من قبل الجواز، يعني ملوش فيه ولا مليم ولا حق تصرف.

تاني يوم الصبح أول ما الشمس طلعت ونورت الدنيا، كلمت طارق، زميلي المحامي وصديق عمري من أيام الجامعة وبحكم إنه شاطر وبيفهم في قضايا العقارات والنصب. طارق سمع حكايتي للآخر من غير ما يقاطعني، وقال لي بنبرة جادة وحاسمة:

— “قانوناً يا هناء، محدش على وجه الأرض يقدر يلمس شعرة واحدة من البيت ده أو ياخده منك غصب، بس خلي بالك أوي.. الراجل اللي يحلل لنفسه ويطمع في حاجة مش بتاعته وعايز يتباها بيها قدام أهله، ممكن يعمل أي مصيبة تخطر أو ماتخطرش على بال عشان يلوى دراعك. نصيحة مني كأخ.. انزلي دلوقتي حالا هاتي نجار وغيري كالون الباب فوراً بمفاتيح جديدة، وشيلي ورق الملكية ده كله في مكان أمان بعيد عن الشقة وعن إيد أي حد.”

عملت كدة فوراً ومن غير ما أضيع دقيقة واحدة، نزلت جبت النجار وغيرت الكوالين والمفاتيح كلها، وشلت الورق الأصلي كله ورحت حطيته في خزنة البنك عشان قلبي يطمن. وأنا راجعة في الطريق، لقيت رسالة مبعوتة على موبايلي من شريف كاتب فيها بمنتهى البرود والاستفزاز: “بكرة عربية العفش جاية وشاحنة الحاجه كلها.. القرار اتخذ خلاص ومفيش فيه رجوع أو نقاش”.

في اللحظة دي، في حاجة جوايا انكسرت تماماً ناحيته وماتت. فتحت أبلكيشن البنك على الموبايل بالصدفة عشان أطمن على الحساب وببص.. لقيت الصدمة اللي وقفت دقات قلبي والدم جمد في عروقي! لقيت إشعار بطلب قرض “مرفوض” بضمان البيت! وباسمي أنا!

وبتوقيع إلكتروني أنا عمري في حياتي ما عملته ولا وافقت عليه! شريف الواطي حاول ياخد قرض بمبلغ كبير بضمان بيتي وورث أبويا، ولما معرفش يجيب إمضائي بالذوق، قعد وزور إمضائي وتوقيعي الإلكتروني عشان يخلص المصلحة ويهادي أهله بفلوسي وشقايا.

تاني يوم الصبح الساعة تسعة بالتمام،

وأنا واقفة في البلكونة براقب الموقف من فوق، لقيت عربية نقل ضخمة محملة عفش وكراتين وكتل خشب وقفت قدام البيت. نزل شريف من العربية بكل ثقة ومعاه تلات عمال شيلين أشداد، ووراهم كانت نازلة من تاكسي حماتي الحاجة صفية بابتسامتها العريضة اللئيمة، اللي كانت فاكرة ومتأكدة إنها كسبت الحرب وفرضت رأيها عليا وهتكسرني في بيتي. لكن المرة دي.. أنا مكنتش لوحدي ولا كنت هناء الضعيفة الطيبة بتاعة زمان.

لما شريف قرب من الباب بكل تنطيط وثقة، ومد إيده في جيبه وطلع المفتاح القديم وحاول يدخله ويفتحه، وقف فجأة في مكانه وحسيت إن حركة إيده اتسمرت ووشه اتخطف وتغير مليون لون في ثانية واحدة. المفتاح مكنش بيلف معاه خالص ولا راضي يتحرك جوة الكالون مليم واحد. حاول مرة واتنين وتلاتة بكل عصبية وغِل، والمفتاح برضه واقف محلك سر، وبعدين رفع عينه وبص لي فوق وأنا واقفة في البلكونة وبصالة بكل برود وتحدي، وقال بصوت عالي ومستغرب:

— “هناء.. إنتي غيرتي الكالون ليه؟ وإيه المفتاح ده اللي مش راضي يفتح بيتي؟”

نزلت السلم ببطء شديد وبخطوات واثقة مفيهاش تراجع، ووقفت ورا الباب من جوه الصالة، وقلت له بنبرة صوت مفيش فيها أي خوف ومنتهى الهدوء:

— “غيرته عشان ده بيتي أنا.. ملكي لوحدي وشقا أبويا.”

حماتي، الحاجة صفية، أول ما سمعت الكلمة دي وهي واقفة وراه على السلم، وشها احمر من الغضب وزرّق من الغل، وعروق رقبتها نفرت وزعقت بأعلى صوت عندها وهي بتشوح بإيدها في الهوا:

— “إنتي هتبدأي التمثيلية والملاعيب دي وتعملي لنا حكايات وروايات تاني يا بت إنتي! إحنا قلنا وخلصنا إننا هننقل هنا الشهر ده وخلاص، والموضوع منتهي والعفش واصل لحد الباب.”

طلعت موبايلي من جيبي وقبضت عليه بـإيد جامدة، وفتحت الباب حتة صغيرة أوي، يا دوبك على قد وشي، من غير ما أسمح لأي حد فيهم أو من العمال الغرب إنهم يخطوا خطوة واحدة لجوه الشقة، وقلت لهم بصوت حاد وقاطع كأنه طلقة رصاص: — “قبل ما حد فيكم يخطو خطوة واحدة جوة المكان ده.. في حاجة مهمة أوي لازم تسمعوها وتعرفوها كويس.”

شريف نفخ بضيق وزهق وهز كتافه وقال بعصبية:

— “يا هناء ملوش لزمة ولا عازة الكلام ده دلوقتي خالص، العمال واقفين مستنيين على نار والشمس حامية كلت دماغنا ودماغهم على السلم، خلينا ندخل العفش ونرصه ونخلص من الليلة دي بقا وبعدين نتفهم.”

بصيت في عينه مباشرة من وراء فتحة الباب ونظرتي كانت حامية وقاتلة وقلت له بمنتهى القوة:

— “إنت حاولت تاخد قرض بمبلغ كبير بضمان البيت ده وباسمي أنا.. امبارح بالليل يا شريف، صح ولا أنا متبلية عليك؟”

وشه اتجمد تماماً والكلمة لجمته ووقفت في زوره، وحماتي رفعت حاجبها وبصت لابنها بشك، وكأنها مش فاهمة أي حاجة من اللي بتتقال، أو بمعنى أصح بتمثل ببراعة وخباثة إنها مش فاهمة. شريف بلع ريقه وصوته طلع مرتعش وهو بيحاول يداري ارتباكه وخيبته قدام العمال:

— “بتقولي إيه يا هناء؟ قرض إيه وضمان إيه اللي بتتكلمي عنه ده؟ إنتي اتهبلتي؟”

مديت إيدي من ورا الباب ووريت له شاشة المبايل وبلاغ البنك بكل وضوح وقولتله:

— “البنك رفض القرض عشان الإمضاء والتوقيع الإلكتروني مش مطابقة لإمضائي الأصلية والسيستم كشفك، بس الطلب متسجل ومحفوظ عندهم ببياناتي أنا.. وببياناتك وبطاقتك إنت كمان يا حرامي.”

ساد في المدخل وفي المكان كله سكون تقيل قوي ومخيف، ومحدش عرف ينطق بكلمة، والعمال بدأوا يتهامسوا، وبعدين شريف لما لقى نفسه اتكشف بالدليل القاطع قدام أبوه وأمه، قال ببرود ومكابرة مستفزة عشان يداري الفضيحة: — “كنت بشوف خيار مادي لينا عشان نعدل ظروفنا ونوسع على نفسنا، محصلش حاجة يعني ولا الدنيا اتهدت، ومادخلتش السجن.”

زعقت فيه بحدة وعيني بتطلع شرار من كتر الغل والقهر:

— “تزوير إمضائي وتوقيعي من ورا ظهري وسرقة حاجتي مش خيار مادي يا شريف! ده تزوير صريح ونصب واحتيال وعقوبته السجن المشدد، وإنت عارف كدة كويس!”

حمايا، اللي كان واقف يتابع السلم من وراهم في صمت، اتكلم أخيراً وصوته كان مهزوز ومكسور من الخيبة وقال:

— “يا شريف.. إنت عملت كدة بجد؟ زورت إمضاء مراتك وصنتك عشان تاخد الفلوس من وراها؟” شريف نكس رأسه في الأرض وبص لرجله ومردش ولا بكلمة واحدة، وده كان أكبر اعتراف منه بالسرقة والنذالة.

في اللحظة دي بالظبط، عربية ملاكي وقفت قدام البيت، ونزل منها طارق المحامي بتاعي بكامل هيبته وشياكته، ومعاه اتنين رجالة طول بعرض من أمن المنطقة شكلهم يخوف وجسمهم رياضي لحمايتي. قرب طارق بخطوات ثابتة ووقف وسطهم وقال بهدوء وثقة:

— “صباح الخير يا جماعة.”

شريف بص له بارتباك وقلق شديد وقال بنبرة هجومية:

— “وإنت مين إنت كمان؟ وإيه اللي جابك في بيتي وشقتي؟” رد طارق بكل برود وثقة وهو بيطلع كارنيه النقابة والملف من شنطته:

— “أنا محامي السيدة هناء.. ومعايا ورق الملكية الأصلي المسجل اللي يثبت إن البيت ده ملكية خاصة وخالصة ليها من قبل ما تشوف وشك ومن قبل الجواز، ومفيش ليك فيه أي حق ولا نص طوبة، ومعايا كمان نسخة من البلاغ الرسمي اللي اتقدم الصبح في القسم بخصوص محاولة النصب والتزوير بضمان العقار.”

لون وش شريف اتغير تماماً وبقى أصفر زي الكركم من كتر الرعب والخوف من الحبس، وبص لي وقال بصوت مخنوق ومكسور: — “هناء.. إنتي عملتيها بجد وبلغتِ البوليس عليا وهتوديني في داهية؟” قلت له بمنتهى الهدوء والبرود: — “أنا بس بحمي نفسي وبحمي ورث أبويا من السرقة ومن مدة إيدك.”

نزلت بسرعة ووقفت بثبات وبكل شجاعة قدام الباب في الشارع، وورايا طارق ورجال الأمن، ووجهت كلامي لشريف وأمه قدام الشارع كله والعمال والجيران اللي بدأوا يفتحوا الشبابيك:

— “البيت ده مش بس مقفول ومحرم في وشك ووش أهلك وطمعكم.. البيت ده من النهاردة بقى دليل رسمي وضدك في قضي..ة تزوير جنائي وشروع في نصب واحتيال! عربية العفش دي تلم نفسها وتلف وترجع من حيث جت حالا، وإنت يا شريف.. قضيتك والطلاق اللي حرفعها عليك هتوصلك لحد عندك على بيت أهلك الضلمة في العمرانية!”

حماتي أول ما سمعت سيرة القض..ية والتزوير وفضيحة ابنها وقرب رجال الأمن، بدأت تصوت وتلطم على وشها وتدعي عليا بخراب البيوت، وبدأت تشوح بإيدها وتصرخ بجنون وغل: — “إيه الجنان والافترا ده! إحنا عيلة واحدة وبيتنا واحد وإنتي ست مفترية وقليلة الأصل!” رد طارق عليها ببرود قانوني قاتل وقفها عند حدها: — “القانون مبيعرفش عيلة ولا أهل يا حاجة، وأي محاولة منكم أو من العمال لدخول البيت ده غصب أو بوضع اليد، هتعتبر جري..مة تعدي على ملكية الغير، وهتتحبسوا فيها كلكم علطول ومن غير مناقشة.”

العمال بتوع العفش اللي كانوا واقفين، أول ما سمعوا سيرة المحاكم والبوليس والحبس، بدأوا يبصوا لبعض بقلق وخوف، وشريف حط إيده في شعره بعصبية وهستيرية وقال وهو بيبص لي بلوم وعين مليانة غيظ: — “يعني عشان حتة شقة وسور حيطة يا هناء، هتهدي بيتنا وتضيعي جوازنا وسنيننا مع بعض بالرخيص؟”

حسيت في اللحظة دي بنغزة ووجع في قلبي على الأيام والعمر اللي راح، بس مسكت نفسي وصوتي طلع ثابت وقوي زي الحديد:

— “لا يا شريف.. مش أنا اللي خربت البيت وبعت، إنت اللي عملت كدة فينا وفي جوازنا يوم ما فكرت تسرقني وتزور إمضائي وتستغفلني.”

سكت لثواني طويلة، والكل كان مستني كلمته الأخيرة، وبعدين التفت للعمال وهو مكسور وعينه ماليها الذل، وقال بمرارة:

— “رجعوا الحاجة العربية تاني وقفلوها.. خلاص، مفيش نقل ومفيش زفت.” حماتي قعدت تصوت وتلطم وتزق فيه:

— “يا شريف! هتسكت لها كدة وتخليها تكسر كلمتنا وتفضحنا وسط الناس؟” لكنه مابصش لأمه ولا رد عليها، فضل باصص لي أنا وبس بنظرة كلها كره وعتاب، وقال بصوت واطي ومسموع:

— “مكنتش فاكر إنك في يوم من الأيام هتاختاري الحيطان والطوب وتبيعي جوزك وسندك.” رديت عليه وعيني في عينه بكل قسوة:

— “ومكنتش فاكر إنك في يوم من الأيام هتختار الكدب والتزوير والسرقة وتبيع مراتك اللي صانتك وشيلتك.”

العمال مركبووش الشاحنة ولا نزلو حاجة، شالوا حاجتهم وركبوا كلهم عربيتهم ومشوا، وعربية العفش الكبيرة لفت ورجعت من حيث جت ووراها التاكسي اللي أخد شريف وأمه وأبوه.. كلهم خرجوا مش من البيت بس، لأ.. ودول خرجوا من حياتي كلها للأبد ومبقاش ليهم أي أثر.

طارق المحامي وقف معايا برة دقيقتين طمنّي فيهم على موقفنا القانوني، وأنا شكرته جداً ومن كل قلبي إنه ساب أشغاله وقضاياه وجالي بسرعة البرق عشان يقف جمبي في المحنة دي، وبعدها استأذن ومشي علطول عشان يلحق مكاتبه.

وقفت أنا في البلكونة لوحدي، أراقب الشارع الفاضي لحد ما اختفوا تماماً عن عيني والهدوء رجع للمكان. دخلت وقفلت الباب ورايا بالمفتاح الجديد المتين، وأول ما المفتاح تك في الكالون والباب اتقفل، حسيت إن ضهري ساب وقوتي اتهدت، ورميت نفسي ورا الباب على الأرض.. وعيطت كتير أوي، عياط بحرقة طالع من نفوخي، مش عليه ولا على خسارته طبعاً، لكن على سنين عمري وأيامي وشبابي اللي ضاعوا وهدرتهم مع شخص ندل وخاين كنت فاكراه في يوم من الأيام سندي وطلع في الآخر حرامي وعينه زايغة على رزقي وورثي.

بعد ما هديت، قمت وغسلت وشي ورحت وقفت وبصيت للبحر الواسع القدامي من الشباك، الهواء كان شديد وجميل وريحته يود وملح صافي، بالظبط زي الأيام الجميلة اللي كنت بقضي..ها مع بابا الله يرحمه هنا وهو بيطبطب عليا. اتنهدت وقلت بصوت هادي وبين الأمل والخوف:

— “اللي عارفاة ومأكدة منه، إن البيت ده اتبنى بالحب والشقا والعرق الصافي لأبويا.. مش بالطمع والسرقة والتزوير.”

وفي اللحظة دي بالظبط، وأنا بقفل باب البلكونة وبستقبل حياتي الجديدة، حسيت إني يمكن خسرت جوزي فعلاً وانتهت حكايتي الزوجية الأولى.. بس الأكيد والواضح إني أنقذت نفسي وكرامتي وحميت ورث أبويا الغالي.. ويمكن ربنا يكرمني في يوم من الأيام واتجوز تاني، بس المرة دي يكون راجل بجد يعرف قيمتي، وأجيب منه عيال يملوا عليا الدنيا، ويبقى البيت ده بتاعهم وورثهم وأمانهم.. ادعولي!

الكاتبة نرمين عادل همام

تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *