كمين العيله

 

«مـن الـنهاردة.. إنتـي اللي هـتشيلي العـيال دي ورجـلك فـوق رقبـتك!»

الكلمة دي نزلت على طرابيزة الأكل زي السـِّــ…كينة اللي قطعت حبل الود. بقلم منــال عــلي

 

كل العيلة كانت متجمعة في بيت “الحاج رضوان” في حي المنيل الهادي، عشان لِـمّة يوم الجمعة وصوت الدوشة المعتاد. ريحة الأكل اللي تفتح النفس.. ومعاهم طبعاً الزيطة وخناقات العيال الصغيرة اللي بتزلزل البيت كل ما “طارق” يوصل مع عياله الأربعة.بقلم منــال عــلي

 

في اليوم ده، طارق وقف وسط الصالة والضحكة مالية وشه، مسك إيد مراته “ميار” وقال بصوت عالي:

— «يا جماعة.. ميار حامل في البيبي الخامس!»

البيت كله اتقلب في ثانية زغاريد وتسقيف ولخبطة.

“الحاج رضوان” وقف ملهوف وحضن ابنه وضهر عليه بقوة:

— «عفارم عليك يا واد يا طارق! هو ده اللي بيعزز العزوة وبيسند الضهر!»بقلم منــال عــلي

أما “الحاجة زينب” فدموعها نزلت من الفرحة ومسكت المنديل تطبطب على عينيها:

— «يا حبيبي يا رب.. ملاك جديد هينور دنيتنا، ربنا يزيد ويبارك في الرزق.»

 

ميار قعدت تطبطب على بطنها اللي لسه مفيش فيها أي أثر للحمل، وراسمة على وشها ضحكة نصر كأنها لسه واخدة لقب ملكة جمال الكوكب.بقلم منــال عــلي

وفي نفس الوقت، العيال الأربعة كانوا مبهدلين الصالة.. واحد رمى عربية لعبة في الحيطة قشرت الدهان، وتاني بيصرخ عشان أخوه أخد منه المصاصة، والصغيرة خالص حاطة صوابعها في تورتة الشوكولاتة قبل ما تتقطع أصلاً.

كل ده.. و**”ليلى”** قاعدة بتبص عليهم في صـُــمت تام.

 

ليلى عندها ٣٢ سنة، شغالة مديرة إدارية في مستشفى خاص، وعايشة لوحدها في شقة إيجار صغيرة قريبة من الدقي. لا اتجوزت ولا عندها عيال، والسبب ده بالذات خلى عيلتها تقرر — من غير ما تاخد رأيها — إن وقتها ملوش قيمة، وإنها “فاضية” لخدمة الباقيين.بقلم منــال عــلي

 

على مدار سنين، ليلى كانت هي “الداية” و”البيبي سيتر” المجانية لعيال طارق.

هي اللي بتسيب شغلها وتجري تجيبهم من المدرسة..

هي اللي بتلغي خروجاتها وأي خطط تخص حياتها عشان ميار هانم “تعبانة ومهدودة”..

 

 

وهي اللي كانت بتشيل عيال سخنة وبتغلي عشان طارق وميار يسافروا الساحل في الويك إيند أو يروحوا فرح واحد صاحبهم.بقلم منــال عــلي

 

فجأة.. الحاجة زينب بـَـصت لـ ليلى وقالت بكل برود، كأنها بتطلب منها تعدل كراسي السفرة:

— «إنتي بقا يا ليلى اللي هتشيلي العيال الفترة الجاية وتخلي بالك منهم مع ميار.»

ليلى رفعت راسها وبصت لأمها بثبات:

— «لأ.. مش هحصل.»

 

الهدوء ساد الصالة فجأة، وصوت الأطباق سكت.

طارق كشـّـر ووشه اتقلب:بقلم منــال عــلي

— «ما تبدأيش تشتغلينا يا ليلى، مش وقت قمصك خالص.»

ردت عليه بهدوء قاتل:

— «أنا ماببدأش يا طارق.. أنا بـِـنـْـهي. بنهي قلة التقدير دي.»

ميار ضحكت ضحكة صفرا ولوت بوزها:

— «يا شيخة ونبي بس! على أساس إن وراكي مشاغل ومشاريع هتهد البلد؟»

ليلى ضغطت على المنديل اللي في إيدها لحد ما صوابعها ابيضت: بقلم منــال عــلي

— «آه يا ميار، عندي حياة تخصني أنا وبس، حتى لو إنتوا عمركم ما احترمتوا ده.»

 

الحاجة زينب حطت إيدها على صدرها كأنها اتصدمت:

— «يا بنتي العيلة هي العيلة! والدم ما يبقاش مية!»

— «العيلة مش معناها إنكم تستغلوني لحد ما تحنوا ضهري وتكسروني يا أمي.»

 

الحاج رضوان نزل عينه في الأرض وهو حاسس بالذنب، بس ما نطقش ولا دافع عنها.

طارق ربع إيده وبص لها بزهق:بقلم منــال عــلي

— «طول عمرك بتساعدي.. إيه اللي جَدّ النهاردة يعني؟»

— «عشان عمركم ما سألتوني! كنتوا بتيجوا ترموا العيال عند باب شقتي وتمشوا كأن ده فرض عليا!»

 

ميار ضحكتها اختفت تماماً وعينيها بقت زي الإبر:

— «ما هو يا حبيبتي إنتي لا وراكي بيت ولا عيال ولا راجل تخدميه.. اعتبري الخدمة دي تـَـدريـب ليكي يمكن ربنا ينوبك ثواب!»بقلم منــال عــلي

 

الكلمة كانت سم قاتل.. لدرجة إن العيال الصغيرة نفسهم سكتوا من كتر الصدمة اللي خيمت على الأوضة.

ليلى حست بنغزة قوية في قلبها، مش عشان كلام ميار حقيقي، لأ.. عشان كل اللي قاعدين على الطرابيزة سمحوا لميار تقول كلام يوجع بالشكل ده من غير ما حد يوقفها عند حدها.

 

أمها ما دافعتش عنها..

أبوها كتم بقه..بقلم منــال عــلي

وطارق بس نفخ بضيق كأن ليلى عيلة صغيرة بتدلع وبتعمل نمرة.

ليلى وقفت على رجليها بوقار كامل:

— «إنتي عندك حق في حاجة واحدة يا ميار.. أنا فعلاً ماليش عيلة هنا تحترمني وتخاف عليا.»

مسكت شنطتها وراحت ناحية الباب.

 

الحاجة زينب جريت وراها لحد العتبة:بقلم منــال عــلي

— «بلاش دراما يا ليلى.. بكرة تروقي والزعل يروح لحاله.»

ليلى لفت وشها نص لفة وقالت بصوت هادي ومرعب:

— «لأ يا أمي.. بكرة هو اللي هيبدأ بجد.»

مشيت وما بصتش وراها تاني.بقلم منــال عــلي

ليلتها، بكت في شقتها بالدقي.. مش دموع ندم ولا ذنب، دي كانت دموع غضب وقهر على كل السنين اللي رضيت فيها تكون “غير مرئية” وبتضحي براحتها عشان الباقيين يعيشوا في تبات ونبات على حساب أعصابها.

 

تاني يوم الصبح.. الساعة 7:38 بالظبط، تليفونها رن بصوت عالي ومزعج.

الرقم كان غريب وموش متسجل.

ليلى ردت بصوت مبحوح من كتر العياط والنوم:بقلم منــال عــلي

— «أيوة.. مين معايا؟»

— «صباح الخير يا فندم. الأستاذة ليلى رضوان معايا؟» — سألها صوت راجل نبرته حاسمة وجادة جداً.

— «أيوة أنا.. مين حضرتك؟»

— «معاكي المقدم حازم، رئيس مباحث قسم الدقي. مطلوب ليكي حضور فوراً في القسم يا فندم.»

ليلى اتنفضت من السرير ووقف شعر راسها من الخوف:

— «حضور في القسم؟! ليه يا فندم؟ أنا عملت إيه؟»

الظابط اتكلم بنبرة خالية من أي مشاعر:بقلم منــال عــلي

— «حضرتك ما عملتيش، بس أخوكي طارق وزوجته جم الصبح بدري، سابوا الأربع عيال بتوعهم لـ “عم عبده” بواب عمارتك، وقالوا له: “إحنا مسافرين نولد وموبايلاتنا هتتقفل، وأختي ليلى نازلة تاخدهم حالا عشان هي اللي مسؤولة عنهم”.. وقفلوا تليفوناتهم وسافروا.»

ليلى لفت بيها الدنيا، وحست بركبتها مش شايلاها وهي بتسمع الباقي:بقلم منــال عــلي

 

— «وطبعاً العيال فضلوا واقفين في مدخل العمارة وصوتهم جاب جيرانك، والولد الصغير منهم جري برة في الشارع الرئيسي وكان هيتداس تحت عربية لولا إن أمين الشرطة اللي واقف في الخدمة لقطه وجابهولنا.. وعم عبده البواب لما سألناه قال إن العيال أمانة عندك وإنتي اللي رفضتي تنزلي تفتحيلهم! إحنا دلوقتي بنعمل محضر “إهمال وتعريض حياة أطفال للخطر”، وحضرتك متهمة رئيسية فيه لحد ما أخوكي يظهر.. اتفضلي على القسم حالاً يا فندم ورجلك فوق رقبتك!»

ليلى غمضت عينيها وهي بتترعش..بقلم منــال عــلي

وفهمت في اللحظة دي إن عيلتها ما اكتفتش بإنها تطنش رفضها..

دول عملوا لها “كمين” قذر عشان يكسروا مناخيرها، ودبسوها في محضر رسمي وقض…ية جنائية عشان تترمي العيال في حضنها غصب عنها!

 

 

ليلى دخلت مكتب رئيس المباحث وإيديها بتترعش من السـَّـقعة، وكانت متبتة في دوسيه قديم شايلاه على صدرها.
الدوسيه ده كانت مجهزاه من فترة، مكنتش عارفة هتحتاجه في إيه بالظبط، بس الغريزة هي اللي حركتها. كان مليان سكرين شوتس من الواتساب، فويس نوتس من أمها، رسائل لوم وتأنيب، وتواريخ خروجات لغتها عشانهم. أدلة كاملة على سنين من الاستغلال العاطفي اللي كان بيتغلف تحت مسمى “صلة الرحم”. بقلم منــال عــلي

المقدم حازم استقبلها في مكتبه. راجل أربعيني، ملامحه جادة وعينيه باين عليها التعب بس نبرته كانت هادية ومريحة:
— **«يا أستاذة ليلى، اقعدي واهدي.. قبل أي حاجة، العيال بخير والحمد لله.»**

ليلى بلعت ريقها بصعوبة:
— **«يا فندم أنا مكنتش مسؤولة عنهم، ولا أعرف إنهم هناك أصلاً.»**

— **«ما هو ده اللي احنا عايزين نوضحه ونثبته في المحضر.»**

الظابط طلع كيس بلاستيك شفاف وحطه على المكتب، جواه ورقة كشكول مقطوعة ومكتوبة بخط اليد. ليلى عرفت الخط ده من أول نظرة.. خط “ميار”.
الورقة كان مكتوب فيها: *«يا عم عبده، ليلى عارفة إننا مسافرين المستشفى عشان ميار تعبانة، وهي نازلة تاخد العيال الساعة 1. خليك معاهم لحد ما تنزل.»*

ليلى حست بغثيان والدنيا لفت بيها:
— **«والله العظيم ما كنت أعرف حاجة! دي كدابة!»**بقلم منــال عــلي

المقدم حازم بـَـص لها بتركيز:
— **«يعني أخوكي أو مراته مكلموكيش الصبح طلبوا منك ده؟»**
— **«لأ.»**
— **«ولا إنتي وافقتي؟»**
— **«لأ طبعاً يا فندم.»**
— **«معاكي أي حاجة تثبت كلامك؟»**

هنا ليلى فتحت الدوسيه وحطته قدامه.

المقدم حازم بدأ يقلب في الورق والرسائل المطبوعة..
أول رسالة من طارق: *«احنا هنجيب العيال عندك السبت، بلاش تخرجي ولا تعملي حوارات.»*
رسالة تانية: *«ما تبقيش أنانية يا ليلى، إنتي لا وراكي بيت ولا عيال ولا مسؤولية حقيقية زينا.»*
فويس نوت من “الحاجة زينب” وصوتها طالع فيه العياط المصطنع: *«يا بنتي افهمي، البنت اللي من غير جواز ولا عيال لازم تسند عيلتها وتكسب فيهم ثواب، إنتي مش هيخسر معاكي حاجة.»*
وبعدين سكرين شوت من طارق: *«ميار حامل تاني، يعني لازم تتعودي على الوضع الجديد وتجهزي نفسك.»*

الظابط رفع عينه وبص لـ ليلى.بقلم منــال عــلي

ليلى دموعها مانزلتش.. خلاص، مخزون الدموع خلص واتحول لصلابة:
— **«أنا امبارح قولت لهم “لأ” قدام العيلة كلها.. مشيت من بيت أبويا قبل الساعة 9 بالليل، وتليفوني كان صامت ومكلمتهمش تاني.»**

المقدم حازم مسك تليفون ليلى وقعد يفر في الرسائل الأخيرة.. لحد ما لقى رسالة مبعوتة من ميار الساعة 10:17 بالليل، مكتوب فيها:
*«هتندمي يا ليلى.. مفيش حد بيلوي إيد عيلته ويطلع منها سليم.»*

الظابط أخد نفس طويل وسند ضهره لورا:
— **«الكلام ده يغير مجرى المحضر تماماً.»**

ليلى ركبها كانت بتخبط في بعضها من الخوف:
— **«هو إيه اللي هيحصل يا فندم؟»**

— **«حالياً، هيتقفل محضر إهمال وتعريض حياة أطفال للخطر ضد طارق وزوجته. وطبعاً هنخطر خط نجدة الطفل وجاري فحص حالة الأولاد. وأقوالك دي بتبريكي تماماً وتثبت إنك مالكيش أي علاقة باللي حصل، ولا كنتي مستلمة العيال.»**

ليلى بصت للورقة اللي جوة الكيس البلاستيك:
— **«همَّ هيجوا دلوقتي ويقولوا إن ده “سوء تفاهم”.»**

الظابط ابتسم ابتسامة باهتة:بقلم منــال عــلي
— **«ما هم وصلوا برة وقالوها فعلاً.»**

ليلى ضحكت ضحكة كلها مرار وقهر..
طبعاً! بالنسبة لعيلتها، كل مصيبة بيعملها طارق بتبقى “سوء تفاهم”. لما ميار تغلط وتهينها يبقى “سوء تفاهم”. لما ليلى تضيع وراهم سنين وعمر من حياتها بتربي عيال مش عيالها يبقى “عادي وده الطبيعي”.
لكن لما تقول “لأ” وتحمي نفسها.. تبقى جاحدة، وقاسية، وخرابة بيوت.

بعد نص ساعة، صوت دوشة وزعيق برة في السيب بتاع القسم بدأ يعلى.

أول صوت اتسمع كان صوت أمها، الحاجة زينب، وهي بتكلم أمين الشرطة:
— **«يا ابني بنتي بتأفور وتعمل دراما! هي طول عمرها بتشيل عيال أخوها، إيه الجديد يعني؟»**

وبعدها صوت طارق وهو ملووح:
— **«الموضوع بسيط يا باشا.. ليلى بس قمصانة وشايلة مننا شوية وهنصالحها.»**

وجاء صوت ميار بنبرتها المليانة سم اللي ليلى حافظاها صم:
— **«لو كانت عملت اللي عليها وفيه ريحة الخير، مكنش كل ده حصل ولا رجلنا عتبت القسم!»**

المقدم حازم وقف وفتح باب المكتب.بقلم منــال عــلي

الحاجة زينب دخلت الأولى، ووشها أصفر ومخطوف من الغل والخوف. وراها “الحاج رضوان” باصص في الأرض وعلامات الخزي مغطية وشه. طارق دخل وبص لـ ليلى بنظرة عتاب كأنها هي اللي خانته، وأخيراً دخلت ميار وحاطة إيد على بطنها والإيد التانية ساندة الشنطة البراند بتاعتها.

ميار أول ما شافت ليلى، اتفتحت فيها وسفت سمها:
— **«إنتي اللي عملتي كدة؟! تبلغي الشرطة وتعملي محضر في واحدة حامل؟! يا شيخة اتقي الله!»**

الظابط رد بحسم وقوة قبل ما ليلى تنطق كلمة:
— **«لأ يا مدام، مش هي اللي بلغت. الجيران وأمين الشرطة المعين في الخدمة هم اللي لحقوا ابنك من تحت عربية في الشارع وهو حافي، بعد ما سبتيهم في مدخل العمارة ومشيتوا.»**

ميار بوزها اتلوى وسكتت فجأة، وعينيها زاغت.

طارق شاور على أخته ليلى وبص للظابط:
— **«يا فندم المفروض كانت تبقى هناك مستنياهم!»**بقلم منــال عــلي

ليلى وقفت على رجليها ببطء شديد، وبصت في عين أخوها:
— **«لأ يا طارق.. إنت اللي كنت “عايزني” أكون هناك غصب عني.. وده فرق السما من الأرض.»**

المقدم حازم خبط بصباعه على الورقة اللي في الكيس الشفاف وحطها قدامهم على المكتب:
— **«عايز أعرف مين اللي كتب الإقرار المزور ده وفيه ادعاء بالباطل؟»**

الأوضة اتعمست بالسكوت.. محدش رد.
بس ليلى شافت بعينيها إزاي ميار نزلت راسها في الأرض وعينيها رايحة وجاية من الرعب.

وفي اللحظة دي.. ليلى عرفت إن حبل الكدب اتقطع، وإن الوش القناع اللي كانوا مداريين وراه سنين.. اتمزق للأبد على طرابيزة مكتب رئيس المباحث.

*(يتبع في التعليقات…)*
 

السكوت اللي خيّم على مكتب المقدم حازم كان من النوع اللي بيسبق العاصفة. تكتكة ساعة الحيطة في المكتب كانت مسموعة، وصوت أنفاس “ميار” المتسارعة بقى هو السيناريو الوحيد الشغال. بقلم منــال عــلي

المقدم حازم مسبش الورقة، فضل حاطط صباعه عليها، وبص لـ “طارق” بنظرة تخلي الصخر ينطق:
— **«أنا بسأل سؤال واضح يا أستاذ طارق.. مين اللي كتب الورقة دي؟ البواب قال إن مدام ميار هي اللي نزلت من العربية وادتها له، والكلام ده متطابق مع تفريغ كاميرا المحل اللي جنب العمارة.. يعني تزوير، وادعاء باطل، وتعريض حياة أطفال للخطر. تحبوا تحلوا الموضوع ودي مع أختك، ولا أندّه العيال وندخل في سكة النيابة والرقابة وحقوق الطفل؟»**

طارق وشه جاب ألوان، وبص لمراته اللي كانت واقفة زي الفرخة المبلولة، مفيش أي أثر للشر واللسان الطويل اللي كان شغال من شوية. طارق قرب من مكتب الظابط وصوته اتهز:
— **«يا حازم باشا.. إحنا أهل، والموضوع مش مستاهل نيابة.. دي أختي حبيبتي، وإحنا بس كنا بنهزر معاها، أصلها قمصت امبارح فقولنا نعمل فيها مقلب عشان تيجي تاخد العيال ونبسطها..»**بقلم منــال عــلي

هنا ليلى ضحكت.. ضحكة عالية، صافية، بس مليانة وجع وكسرة نفس من السنين اللي ضاعت:
— **«مقلب يا طارق؟! المقلب بتاعك كان هيطير فيه ابنك الصغير تحت عجل عربية في شارع الدقي! المقلب بتاعك إنت ومراتك كان هيوديني السجن بتهمة إهمال أطفال أنا ماليش ذنب فيهم! إنتو مش بني آدمين.. إنتو مستغلين!»**

الحاجة زينب قربت من ليلى وحاولت تمسك إيدها، بس ليلى رجعت خطوة لورا ورفضت إن أمها تلمسها:
— **«يا ليلى يا بنتي.. عشان خاطري بلاش فضايح في الأقسام.. أبوكي راجل مريض وضغطه هيعلى، وأخوكي طارق غلبان وعياله كتير والقرش على القد.. سامحيه المرة دي عشان خاطر البيبي الجديد اللي في بطن مراته.»**

ليلى بصت لأمها وعينيها بتلمع بالدموع اللي حابساها بالعافية:
— **«القرش على القد يا أمي؟ والشنطة البراند اللي في إيد مراته دي بكام؟ والسفر للساحل كل أسبوعين بكام؟ لما هو القرش على القد، بيخلف الخامس ليه؟ عشان أنا اللي أربيه؟ عشان أنا اللي أدفع من مالي وصحتي؟ إنتي عمرك ما كنتي أم ليا يا حاجة زينب.. إنتي كنتي أم لطارق وعياله، وأنا كنت الشغالة اللي بتصرف وتخدم ومطلوب منها تبوس الإيد وش وضهر وهي ساكتة!»**بقلم منــال عــلي

الحاج رضوان، اللي كان ساكت طول الوقت، اتكلم وصوته مخنوق بالخجل:
— **«عندك حق يا بنتي.. إحنا ظلمناكي.. أنا اللي سكتّ ليهم كتير لحد ما افتكروا إن مالكيش ضهر.. بس أنا ضهرك يا ليلى.. لو مش عايزة تشيلي العيال، مش هتشيليهم، والمحضر ده لازم يتحل.»**

المقدم حازم قفل الدوسيه اللي قدامه وخبط عليه:
— **«الموضوع دلوقتي في إيد الأستاذة ليلى.. لو صممت على المحضر، طارق ومدام ميار هيتأثروا قانونياً، والعيال هيدخلوا في إجراءات نجدة الطفل لحد ما يتحدد مين مؤهل لرعايتهم بعد واقعة الشارع دي.»**بقلم منــال عــلي

ميار أول ما سمعت كلمة “السجن” و”النيابة”، رمت الشنطة من إيدها وترمت عند رجلي ليلى وهي بتعيط بنحيب مصطنع:
— **«بوس إيدك يا ليلى! سامحيني.. أنا كنت مضغوطة من الحمل والتعب، والشيطان شاطر.. قولت طارق يرمي العيال عندك عشان تضطري تاخديهم ونرتاح كام يوم.. مكنتش أعرف إن الواد هيجري في الشارع! أبوس إيدك بلاش حبس، العيال هيضيعوا!»**

ليلى بصت لها بقرف، ورفعت راسها للمقدم حازم:
— **«أنا مش هتنازل عن المحضر يا فندم.. غير بشرط واحد.. يتكتب إقرار رسمي هنا في القسم، بيمضي عليه طارق وميار، وبشهادة أبويا وأمي.. إن ماليش أي علاقة بعيالهم من النهاردة ليوم الدين، ولا يدخلوا بيتي، ولا يتصلوا بيا، وإن أي محاولة لرمي العيال عندي أو مضايقتي في شغلي، المحضر القديم ده يتفتح فوراً ويتقدم للنيابة.»**

طارق وميار بصوا لبعض بصدمة.. ليلى بتجبرهم يكتبوا “صك قطيعة” رسمي.

—بقلم منــال عــلي

 

الشرط بتاع ليلى كان صدمة للعيلة كلها، بس طار وميار مكنش قدامهم حل تاني. السجن كان خطوة واحدة وراهم، والمقدم حازم مكنش بيهزر.

اتكتب الإقرار في النبطشية، ومضى طارق وإيده بـِـتـِـترعش، ووراه ميار وهي بتبكي دموع حقيقية المرة دي خوفاً على منظرها قدام الناس والمنطقة. الحاج رضوان وقع كشاهد، والحاجة زينب وقعت وهي بتبص لـ ليلى بنظرات لوم وعتاب، كأن ليلى هي الجانية مش الضحية.

بعد ما خلصت الإجراءات، ليلى أخدت شنتطها والدوسيه بتاعها وخرجت من مكتب رئيس المباحث من غير ما تبص وراها. طارق جرى وراها في الطرقة وصاح بصوت مخنوق: بقلم منــال عــلي
— **«يا ليلى! يعني خلاص؟ بعتي أخوكي وعيلتك عشان شوية تعب؟ دي أخرت السنين اللي عشناها مع بعض؟»**

ليلى وقفت في نص صالة القسم، لفت وشها وبصت له بكل ثقة وثبات:
— **«أنا مبعتش حد يا طارق.. إنتو اللي بعتوني من زمان وقبضتوا التمن راحة ومنظرة.. السنين اللي عشناها مع بعض أنا كنت فيها شمعة بتحرقوها عشان تنوروا حياتكم.. النهاردة الشمعة انطفت، وشافت مصلحتها.. مبروك عليك البيبي الخامس، ابقى وريني بقا مين اللي هيربيهولك!»**

نزلت ليلى من سلم القسم، والهوا النظيف بتاع الصبح خبط في وشها. حست لأول مرة من سنين إنها قادرة تتنفس بجد. مفيش رسالة رعب هتيجي على التليفون، مفيش “الحقيني يا ليلى الواد سخن”، مفيش إلغاء لخطط المستقبل.

رجعت شقتها في الدقي، دخلت وقفلت الباب وراها بالمفتاح والترباس. قعدت على الكنبة في الصالة الهادية.. وبكت. بس المرة دي مكنتش دموع قهر، كانت دموع “التحرر”.. دموع نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة.بقلم منــال عــلي

في نفس اليوم، ليلى عملت “بلوك” لطارق وميار على كل وسائل التواصل الاجتماعي. أما أمها وأبوها، فخلت الاتصال معاهم في أضيق الحدود، مكالمة واحدة في الأسبوع للاطمئنان على الصحة وبس، ومن غير ما تسمح لأمها تفتح سيرة طارق أو عياله نهائي.

—

 

مرت الشهور، وحياة ليلى اتبدلت تماماً. التوفير اللي كانت بتصرفه على عيال أخوها من هدايا، ومصاريف مدارس، وطلبات ترفيهية، بدأ يرجع لجيوبها. بدأت تاخد بالها من صحتها ونفسيتها. اشتركت في جيم قريّب من شقتها، وبدأت تاخد كورسات متقدمة في الإدارة الطبية عشان ترتقي في شغلها بالمستشفى.

في الشغل، ليلى بقت كتلة من الطاقة والتركيز. مدير المستشفى لاحظ التغيير الكبير في أدائها وهدوءها النفسي، وفي خلال 6 شهور بس، صدر قرار بترقيتها لتبقى “المديرة الإدارية العامة” للقطاع بالكامل، بمرتب ضعف اللي كانت بتاخده.بقلم منــال عــلي

في يوم من الأيام، وهي قاعدة في كافيه في الزمالك بتشرب القهوة بتاعتها وبتقرأ كتاب، رن تليفونها. كانت أمها، الحاجة زينب.
ليلى ردت بهدوء:
— **«أيوة يا أمي.. صباح الخير، طمنيني عليكي وعلى بابا؟»**

صوت الحاجة زينب كان طالع منه الهدد والتعب:
— **«الحمد لله يا بنتي.. إحنا عايشين.. بس البيت هنا مبهدل خالص يا ليلى.. ميار ولدت من أسبوع وجابت بنت، والبيت يضرب يقلب.. طارق مش ملاحق على مصاريف اللبن والحفاضات والدكاترة، وميار قاعدة تعبانة وقالبة بوزها، والعيال الأربعة التانيين مبهدلين الدنيا عندي في الشقة ومش عارفين ننام من صراخهم..»**بقلم منــال عــلي

الحاجة زينب سكتت ثانية، وبعدين كملت بنبرة رجاء:
— **«يعني يا بنتي.. لو تيجي بس تشقري على أخوكي وتساعدي في لمتهم.. الدم ما يبقاش مية برضه يا ليلى.. وأهو ثواب..»**

ليلى ابتسمت، وبصت للنيل اللي قدامها، وقالت بنبرة حاسمة مفيش فيها أي تراجع:
— **«ألف مبروك المولودة الجديدة يا أمي، يتربى في عزهم.. بس إنتي عارفة الإقرار اللي في القسم.. أنا ماليش دعوة بالحوارات دي.. ربنا يقويهم على ما بلاهم.. أنا ورايا ميعاد مهم في المستشفى ولازم أقفل.. سلميلي على بابا.»**

قفلت ليلى الخط، ومحستش بأي تأنيب ضمير. حست بس بانتصار ذاتي.. الانتصار اللي بيجي لما تحط حدود واضحة لكل الناس، حتى لو كانوا أقرب الناس ليك.

—

 

بعد سنة كاملة من واقعة القسم، ليلى كانت واقفة في صالة المطار، بتجهز نفسها للسفر لفرنسا عشان تحضر مؤتمر طبي دولي ممثلة للمستشفى بتاعتها. كانت لابسة فستان أنيق، ووشها منور بالراحة والنجاح.

قبل ما تدخل صالة المغادرة، شافت بوست على الفيسبوك كتبه طارق. البوست كان عبارة عن شكوى طويلة عريضة من غلاء المعيشة، وتعب تربية الأطفال، وكلام مبطن عن “الأقارب العقارب” اللي بيتخلوا عن أهلهم في وقت الشدة. طارق وميار كانوا عايشين في دوامة مابتنتهيش من الخناقات والدين، وميار مكنتش ملاحقة على طلبات 5 أطفال من غير “البيبي سيتر” المجانية والمغفلة اللي كانت بتشيل شيلتهم.بقلم منــال عــلي

ليلى عملت سكرول للموضوع بابتسامة باردة.. قفلت التليفون وحطته في شنطتها، وبصت لطيارتها اللي كانت جاهزة على المدرج.

فهمت ليلى إن “العيلة” الحقيقية مش هي اللي بتمتص دمك وتسيبك جيفة، العيلة هي اللي بتدعمك وتفرح لنجاحك وتحترم خصوصيتك. وإذا كانت عيلتها معرفتش تعمل ده، فهي عرفت تعمله لنفسها.

ركبت الطيارة، وسندت راسها على الشباك وهي بتشوف بيوت القاهرة بتصغر تحتها.. وهي بتهمس لنفسها بكلمة واحدة، الكلمة اللي أنقذت حياتها وغيرت مصيرها للأبد:
— **«لأ.. وألف لأ.»**

***

**تمت القصة بنجاح.**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *