خلف الجدار

— أدي الفيزا أهي — قالها وهو بس تديني قرشين ينفعوا اليومين دول يا نيرمين. يدوب تديني 600 جنيه، م some طفشنيش قدام الناس تاني وتصغريني.
نيرمين كانت قاعدة ومعاها كشكول سلك وفواتير متطبقة وآلة حاسبة وكوباية شاي بردت. كانت لامة شعرها ولابسة بنطلون واسع وبلوزة قديمة تحسيها بقت حتة قماشة للمسح من كتر الغسيل.
— مش هقدر أديك 600 جنيه يا رامز.
ضحك ضحكة ناشفة.
— طبعاً، ما هو ده العادي.
— يدوب أقدر أديك 70 جنيه عشان الميكروباص والمواصلات. الأسبوع ده علينا غاز وكهرباء وإيجار وطلبات البيت وجمعية أم شيماء.
رامز فتح عينيه على آخرهم من الغيظ.
— 70 جنيه؟ يا شيخة! أنا بطفح الدم 10 ساعات متواصلة عشان مراتي في الآخر تديني 70 جنيه؟
نيرمين بصت في الأرض.
— أنا مش بديهملك عشان أذلك، أنا بديهملك عشان ده المتاح.
— معاكي عمره ما بيكفي! — زعق — عمره ما كفى ناكل لقمة بره، ولا نشتري قميص، ولا ندخل سينما. بس شاطرة تاخدي الفيزا كأنك صاحبة المرتب.
قفت نيرمين الكشكول بالراحة.
— وطي صوتك، البنات بيذاكروا جوه.
كان مسموع صوت قلم رصاص بيخربش في ورقة من الأوضة. جنا، الصغيرة، كحت من على السرير لأنها تعبت تاني من الرطوبة اللي في الشقة.
رامز لف ناحية الطرقة بس مهدِيش.
— خليهم يسمعوا.. عشان يعرفوا إن أبوهم بيشتغل زي الحمار وعايش يشحت عشان يشرب كنز صودا.
نيرمين جزت على سنانها ومردتش.
رامز كان دمه بيغلي أكتر.
الحقيقة إن نيرمين مكنتش بتصرف على نفسها هي كمان، مكنتش بتصبغ شعرها، ولا اشترت جزمة جديدة، ولا بتخرج مع صحابها. لو اتبقى 40 جنيه، كانت بتجيب بيهم بيض أو صابون. ولو اتبقى 100 جنيه، كانت بتشيلهم في علبة بسكوت صاج فوق الدولاب.
بس رامز مكنش شايف التضحية دي.. كان شايف تحكم وبس.
في المصنع، صحابه كانوا بيملاوا دماغه.
— والنهارده المدام هتديك إجازة وتخليك تيجي معانا ولا إيه يا بطل؟
— مش كده يا رامز، إنت بقيت عامل زي العيل الصغير اللي بياخد مصروفه يوم الجمعة.
— مراتك دي بتمشي البيت أشد من الضرائب.
كلهم كانوا بيضحكوا.. وهو كان بيضحك من بره، ومن جوه بيبلع في حرقته وكسفته.
بالليل، لما نيرمين حطت شوربة لسان عصفور وفول وبيض مقلي لكل واحد، رامز رمى المعلقة في الطبق.
— تاني؟ أكل غلابة تاني؟
جنا بطلت أكل، وصوفي بصت لأمها.
#حكايات_شروق_خالد
نيرمين أخدت نفس طويل.
— ده اللي قدرت أعمله.
— وإنتي دايماً مابتداريش غير على القليل؟ عشان كده شاطرة أوي في الحكاية دي.
— رامز، عشان خاطري بس.
— لا يا نيرمين، خلاص جابت أخرها. أنا تعبت من عيشة الفكة وعد الفلوس، تعبت من كتر ما بصلح في نفس الكوتشي المقطوع بقاله 3 سنين، تعبت من معاملتك ليا كأني عيل هيتعاقب لو صرف 20 جنيه زيادة.
نيرمين بصتله وعينيها مدمعة.
— بكرة تفهم.
الكلام نرفزه أكتر.
— أفهم إيه؟ أفهم الفلوس اللي بتخبيها في علبتك الشهيرة دي؟
نيرمين اتجمدت ومقالتش ولا كلمة.
تاني يوم كان عيد جوازهم الـ 14.
رامز نزل الشغل من غير ما يقول سلام عليكم، مفكرش يشتري ورد، ولا كان ناوي يتأسف. كان كل تفكيره إنه هيرجع ياخد الفيزا بتاعته ويبطل يعيش زي المغفل.
بس بالليل أول ما فتح الباب، ريحة الفراخ المشوية وقفته مكانها.
الترابيزة كانت متوضبة، كان فيه رز وعيش سخن وسلطة وصودا وتورتة صغيرة فيها شمعتين.
خرجت نيرمين وهي لابس فستان أزرق قديم، نفس الفستان اللي كتبوا بيه الكتاب زمان.
— كل سنة وإنت طيب يا رامز — قالتها وهي متوترة.
بص للأكل، وبعدين بص لها.
— جبتي فلوس كل ده منين؟
ابتسامة نيرمين اختفت، دخلت أوضة النوم وجابت علبة البسكوت الصاج، طلعت منها ظرف أصفر كبير ومقفول بأستك.
حطته في إيديه.
— قبل ما تلومني.. افتحه.
رامز شال الأستك وهو متضايق، وطلع أول ورقة.
وأول ما قرأ اسمه جنب اسم نيرمين، حس إن الأرض بتلف بيه ومبقاش حاسس برجليه.
#حكايات_شروق_خالد

رامز كان باصص للورقة وهو مش مصدق عينيه.. الورقة كانت عبارة عن عقد ملكية شقة جديدة!
شقة تلات أوض وصالة في منطقة نظيفة وجديدة، ومكتوب في خانة المشتري: **رامز أحمد عبد السلام ونيرمين محمد الشافعي**.
### الصدمة
وقع من وسط الورق إيصالات سداد تانية كتير.. إيصال ورا إيصال، كلهم مدفوعين بانتظام على مدار خمس سنين كاملة. الإيصال الأخير كان بتاريخ الأسبوع اللي فات، ومكتوب عليه بخط واضح: **”تم سداد الدفعة الأخيرة واستلام مخالصة كاملة الثمن”**.
رامز بدأ ينهج، ونظراته بقت تروح وتيجي بين العقد وبين نيرمين اللي كانت واقفة حاطة إيدها على وسطها وبتعيط بدموع محبوسة من سنين.
* **رامز وصوته بيترعش:** “إيه.. إيه ده يا نيرمين؟ الشقة دي بتاعة مين؟ والفلوس دي جت منين؟”
* **نيرمين (بصوت مخنوق وكسرة):** “دي الشقة اللي أنت كنت بتموت وتجيبها للبنات عشان نطلع من رطوبة شقة الإيجار وقرفها.. دي الشقة اللي كنت بتنام زعلان وتقول نفسي أموت وأنا سايب للبنات حتة تسترهم.”
### الحقيقة العارية
نيرمين قربت منه، وخدت منه العقد وحطته على الترابيزة جنب التورتة، وقالت له وهي بتشاور على علبة البسكوت الصاج:
> “الـ 70 جنيه اللي كنت بديهالك والميكروباص اللي كنت بتركبه.. وتصليح كوتشيك اللي بقاله تلات سنين.. وتقشير إيدي في غسيل الهدوم على إيدي عشان نوفر تمن مسحوق الغسالة الأوتوماتيك.. وأكل الغلابة اللي مكنش بيعجبك.. كُل ده كان عشان الإيصال اللي في إيدك ده يتدفع في ميعاده ومكناش نتطرد أو الشقة تضيع مننا.”
>
رامز حس إن الهوا هرب من صدره. افتكر كلام صحابه في المصنع: *”مراتك ممشياك أشد من الضرائب”*، وافتكر حرقة دمه وكسوفه، وافتكر كُل لقمة رمى فيها المعلقة وكُل زعقة زعقها في وشها وهي صامتة ومبتنطقش.
* **نيرمين كملت وعياطها زاد:** “أنا مكنتش بـذلّك يا رامز.. أنا كنت بحميك وبحمي عيالك. لو كنت سبتك تصرف الـ 600 جنيه والـ 1000 جنيه على الفسح والكنزات والقمصان اللي ملهاش لزمة، كنا زماننا لسه في الشقة الضلمة دي، وبنتك جنا صدرها بيروح فيها كُل شتا من الرطوبة.. أنا كنت بشيل القرش الأبيض لليوم الأسود، وأنت كنت فاكرني بخيلة وبتحكم فيك.”
### دموع الندم
رامز مبقاش قادر يقف على رجليه، قعد على أقرب كرسي وحط العقد على ركبه، وبدأ يبكي بحرقة زي العيال الصغيرة. الندم كان بياكل في قلبه زي النار.
جنا وصوفي خرجوا من الأوضة بالراحة على صوت بكاء أبوهم، جريوا عليه وحضنوه وهم مش فاهمين حاجة. رامز شد عياله في حضنه وبقى يبوس راسهم ويقول: **”أنا آسف.. أنا أسف يا نيرمين.. أنا مكنتش فاهم حاجة.. أنا كنت غبي.”**
نيرمين وطت وقعدت على ركبها قدامه، ولمست إيده اللي كانت بتترعش.
* **نيرمين:** “أنا مش زعلانة منك يا رامز.. أنا بس كان نفسي تثق فيا. المركب اللي ليها ريسين بتغرق، وأنا شلت الشيلة عشان عارفة إنك بتتعب وشقاك غالي، ومكنش ينفع يضيع في الهوا.”
### بداية جديدة
في الليلة دي، الأكل مكنش “أكل غلابة”.. الفراخ المشوية والتورتة الصغيرة كانوا بطعم الانتصار والأمان اللي بقالهم ١٤ سنة بيحلموا بيه.
تاني يوم الصبح، رامز نزل المصنع وهو لابس الكوتشي القديم المقطوع، بس المرة دي كان ماشي ورافع راسه فوق في السما. ولما صحابه قعدوا يغمزوا له ويقولوا: **”ها يا بطل.. المدام فكت الكيس النهاردة ولا إيه؟”**
رامز ابتسم ب فخر، وطلع مفتاح الشقة الجديدة من جيبه وهزّه قدام عيونهم وقالهم بكل ثقة:
> **”المدام جابت لي بيت ملك باسمي وباسمها.. البيت اللي أنتو كلكم بقالكم ٢٠ سنة بتشتغلوا ومش عارفين تشتروا أوضة فيه.. عرفتوا بقى مراتي كانت بتعمل إيه بالفلوس؟”**
>
الكل سكت ومحدش عرف ينطق بكلمة. ومن اليوم ده، رامز بقا يشيل الفيزا يحطها في إيد نيرمين أول ما يقبض وهو بيقول لها: **”خدي يا أم البنات.. دبري وتكتكي.. أنا بشتغل وأنتِ اللي بتصنعي المستقبل.”**

خلف جدار الصمت
حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *