جبت كتب
جبت كنبة مستعملة من سوق الأثاث المستعمل بعد ما نقلت لشقة جديدة، وكنت بحاول أوفر أي جنيه. صاحب المعرض أكدلي إنها بحالة ممتازة وإن صاحبها القديم سافر وسابها تتباع مع باقي العفش.
بصراحة شكلها عجبني.
كانت كبيرة ومريحة، والخشب بتاعها متين، وسعرها أقل بكتير من أي كنبة جديدة.
بعد يومين من نقلها، قررت أنضفها بنفسي.
وأنا بفك جزء من القماش من تحت عشان أطلع التراب المتراكم، لاحظت حاجة غريبة.
في جزء من الكنبة متقفل بطريقة مختلفة عن باقي الأجزاء.
كأن حد فتحه قبل كده ورجعه مكانه بعناية.
الفضول غلبني.
جبت مفك وبدأت أفك الدبابيس واحدة واحدة.
وفجأة سمعت صوت حاجة وقعت جوه.
مديت إيدي بين الإسفنج والخشب.
ولمست جسم صلب.
سحبته ببطء.
وكانت المفاجأة
علبة معدنية صغيرة متغلفة بكيس بلاستيك قديم.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
مين اللي يحط علبة جوه كنبة؟
وليه؟
فتحتها.
لقيت جواها رزمة صور قديمة.
ومفتاح نحاسي صغير.
وورقة مطوية أكتر من مرة.
فتحت الصور الأولى.
كانت صور لعيلة.
راجل وست وطفلة صغيرة.
لكن كل صورة كان متكتب وراها تاريخ مختلف.
والأغرب
إن آخر صورة كانت للطفلة لوحدها.
ومتكتب تحتها بخط أحمر
آخر مرة حد شافها.
اتجمدت مكاني.
قلبت باقي الصور بسرعة.
لقيت قصاصات جرائد قديمة عن اختفاء طفلة من أكتر من 15 سنة.
واسمها كان نفس الاسم المكتوب على الصورة.
بدأت أحس بعدم ارتياح.
لكن اللي خوفني بجد كان الورقة المطوية.
فتحتها.
وكان مكتوب فيها
لو أنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى الكنبة وصلت للشخص الغلط.
وقفت مكاني مصډوم.
وكملت قراءة.
اللي جوه العلبة دليل على حاجة ناس كتير حاولت تخبيها. لو لقيتها، ما تروحش للشرطة قبل ما تفتح الخزانة بالمفتاح.
بصيت للمفتاح اللي في إيدي.
وكان تحته عنوان كامل مكتوب بخط واضح.
عنوان شقة في عمارة قديمة على أطراف المدينة.
المشكلة إن العنوان ده كان مألوف بشكل غريب.
فضلت أبصله ثواني
لحد ما افتكرت فين شفته قبل كده.
ساعتها الډم اتجمد في عروقي.
لأن نفس العنوان كان مكتوب على عقد بيع الكنبة
وكان عنوان صاحبها السابق.
وفي نفس اللحظة بالظبط، موبايلي رن.
رقم غريب.
حكايات بسمه
ولما رديت، سمعت صوت راجل بيتنفس بصعوبة ويقول
إوعى تروح العنوان هم عرفوا إنك لقيت العلبة.
وقفت مكاني مش عارف أتحرك، ويدي لسه بتترجف وماسكة الموبايل، والصوت اللي سمعته لسه بيتردد في وداني هم عرفوا إنك لقيت العلبة. قلت له بصوت مكتوم مين اللي بيتكلم؟ ومين دول اللي تقصدهم؟ وإيه اللي مخبيه هنا؟
رد عليا بنفس النبرة اللي فيها خوف وقلق ما يهمكش مين أنا دلوقتي، المهم إنك تسمع الكلام. الكنبة دي مش مجرد قطعة أثاث، واللي فيها مش لعبة ولا سر صغير. الناس اللي وراها مستعدين يعملوا أي حاجة عشان ما يطلع الحقيقة، ولو عرفوا إنك عرفت، مش هيسيبوك في حالك. إوعى تروح العنوان المكتوب في الورقة، وإوعى تروح الشرطة دلوقتي، لأن مش كل حد فيها نظيف. خلي كل حاجة في مكانها، وانتظر مني أتصل بيك تاني.
قبل ما أقدر أسأله أي سؤال تاني، قفل الخط. فضلت واقف أكتر من دقيقتين ببص للموبايل، وبعدين بصيت للعلبة المعدنية اللي لسه مفتوحة قدامي على الأرض. الصور، الورقة، المفتاح كل حاجة كانت حقيقية، مش حلم ولا وهم. قلبي كان بيدق بسرعة جامدة، وعقلي كان بيدور في ألف اتجاه. معقولة أنا وقعت في مصېبة وأنا مش عارف؟ أنا بس كنت عايز أجيب كنبة نظيفة أريح عليها بعد تعب النقل والتجهيز للشقة الجديدة، وطلع معايا كل ده؟
جلست على الأرض جنب الكنبة، وبدأت أجمع الحاجات واحدة واحدة وأرجعها في العلبة عشان أحس إنها في أمان. بصيت تاني للعنوان المكتوب تحت المفتاح، وتأكدت أكتر إنه نفس العنوان اللي كان مكتوب على ورقة البيع
موقع أيام نيوز
اللي أخدتها من صاحب المعرض. قمت بسرعة من مكاني، ودورت في الحقيبة اللي حطيت فيها الأوراق بتاعة الشقة والعفش، ولقيت ورقة البيع. فعلاً، نفس العنوان بالظبط، نفس اسم الحي، نفس رقم العمارة والشقة. معناها إن صاحب الكنبة القديم سكن هناك، وسافر وسيبها، لكن ليه كان فيه كل ده مخبي جواها؟
جلست على الكرسي، وبدأت أفكر في كل كلمة قيلت في الرسالة، وفي كلام الراجل اللي اتصل. قال إن الدليل ده حاجة ناس كتير حاولت تخبيها، وإنني ما أروحش للشرطة قبل ما أفتح الخزانة، وقال بعدين إن مش كل حد في الشرطة نظيف. ده معناه إن الموضوع مش بسيط، وإن فيه ناس عندهم نفوذ أو علاقات، وعايزين يخفوا الحقيقة مهما كان الثمن.
الليل بدأ يدخل، والشقة كانت لسه ناقصة حاجات كتير، بس أنا ما كنتش قادر أفكر في أي حاجة غير اللي حصل. حطيت العلبة في مكان آمن، جوا صندوق صغير حطيت فيه أوراقي المهمة، وقفلت عليه بالمفتاح، وقلت لنفسي أنا مش هتحرك خطوة إلا لما أفهم كل حاجة، ومش هعرض نفسي للخطړ من غير داعي.
مر اليوم التالي وأنا مش مرتاح أبداً. كل صوت بيجي من الباب أو من الموبايل بيجعلني أتوتّر. المعرض اللي اشتريت منه الكنبة كنت عايز أروح أسأل صاحبه، لكن فكرت هو قال إن صاحبها سافر، ممكن يكون عارف حاجة ومخبيها، أو ممكن يكون هو كمان ضحېة وما يعرفش حاجة. فقررت أتأكد الأول قبل ما أتكلم مع أي حد.
في اليوم التالي، قلت لنفسي إني ممكن أروح أشوف المكان ده من بعيد، من غير ما أدخل أو أتكلم مع أي حد، بس أشوفه وأعرف إيه حالته. العنوان كان في منطقة قديمة شوية، مبانيها قديمة، شوارعها ضيقة، مش زي المنطقة الجديدة اللي سكنت فيها. لبست ملابس عادية، وطلعت من البيت، ومشيت لحد ما وصلت للمنطقة دي.
لما وصلت للعمارة المكتوبة في العنوان، وقفت من بعيد شوية وبصيت عليها. كانت عمارة قديمة مكونة من أربعة أدوار، حوائطها باهتة، شبابيكها قديمة، والباب الرئيسي كان خشبي ومتآكل شوية. شفت ناس بتمشي في الشارع، بعضهم بيجيب أغراض، وبعضهم بيتكلموا مع بعض، كلهم عاديين زي أي منطقة تانية. ما كانش فيه أي حاجة غريبة أو تدل على إن فيه سر ورا المكان ده.
اقتربت شوية، ووقفت جنب الباب، وسمعت اتنين من الجيران بيتكلموا. واحد منهم قال للتاني الشقة رقم 3 اللي في الدور التاني لسه فاضية من وقت ما سافر صاحبها، أكتر من سنة ونص، ولا حد جاب سيرته ولا عرفنا عنه أي حاجة. التاني رد عليه آه، الحاج إبراهيم، راجل طيب، كان عايش مع مراته وبنته، وبعدين فجأة ساب كل حاجة وسافر، ولا حد عرف هو راح فين ولا ليه.
لما سمعت اسم إبراهيم، تذكرت إنه كان مكتوب اسم صاحب الكنبة في ورقة البيع إبراهيم حسن. قربت منهم بهدوء وقلت لهم معلش يا جماعة، أنا كنت بدور على الحاج إبراهيم، قيل لي إنه ساكن هنا، بس مش عارف هو لسه موجود ولا سافر.
بصوا ليا بفضول، وقال لي واحد منهم لا يا ابني، سافر من أكتر من سنة ونص، وسيب شقته مقفولة، ولا حد ډخلها من وقتها. حتى المفتاح ما تركهش مع حد، ولا عرفنا له عنوان في الخارج ولا أي رقم تليفون.
سألتهم وأنا أحاول أكون طبيعي كان عايش هنا لوحده؟ ولا مع عيلته؟
رد التاني كان مع مراته الحاجة زينب،
وبنتهم الصغيرة سارة، الله يذكرهم بالخير.
قلبي دق لما سمع اسم سارة، ده نفس الاسم المكتوب تحت الصورة الأخيرة في العلبة. قلت لهم وبنته سارة كانت معاه في السفر؟
هنا تغيرت ملامحهم، ونظروا لبعضهم بنظرة فيها حزن وقلق. قال لي الأول لا يا ابني، الحكاية دي قديمة، ومن أكتر من 15 سنة، سارة اختفت فجأة، ولا عرفوا لها أثر أبداً. الشرطة بحثت كتير، والجيران ساعدوا، لكن ما وصلوش لنتيجة. الناس هنا قالت كلام كتير، بعضهم قال إنها ضاعت، وبعضهم قال إن حد خطڤها، لكن ما كان فيه دليل أبداً. ومن وقتها، الحاج إبراهيم ومراته تغير حالهم تماماً، صاروا ساكتين، وما بيتكلموش كتير، وبعدين قرروا يسافروا ويسبوا كل حاجة وراهم.
شكرتهم ومشيت، وأنا عقلي بيدور بسرعة. يعني الحكاية بدأت من 15 سنة، باختفاء الطفلة سارة، وبعدين أبوها وأمها سافروا وسيبوا العفش، والكنبة جت لحد عندي، وفيها كل الدلائل. والراجل اللي اتصل بي قال إن الدليل ده ممكن يوضح الحقيقة، وإن فيه ناس عايزينه ما يطلع.
رجعت للشقة، وبدأت أطلع الحاجات من العلبة تاني واحدة واحدة، وبصيت للصور أكتر تركيز. الصور كانت للعيلة كلها، أبوها إبراهيم، أمها زينب، والبنت سارة، وكانت كلها صور عادية، لقطات عائلية في الحدائق، في البيت، في الأعياد، لكن كل صورة وراها تاريخ، وكل تاريخ بيقرب أكتر من وقت الاختفاء. والصورة الأخيرة كانت لسارة لوحدها، ومكتوب تحتها بالخط الأحمر آخر مرة حد شافها.
بصيت للقصاصات الجرائد، وقرأتها بتركيز. كانت بتتكلم عن اختفاء طفلة عمرها 7 سنوات اسمها سارة إبراهيم حسن، من منطقة كده، في يوم الخميس بتاريخ كده، وإنها خرجت من البيت عشان تجيب حاجة من الدكان القريب وما رجعتش. والجرائد قالت إن التحقيقات أخذت وقت طويل، ولم يتم العثور على أي أثر لها، والقضية أغلقت لعدم وجود أدلة.
وبعدين رجعت للورقة المطوية، وقرأتها تاني من أولها لآخرها بتركيز شديد
لو أنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى الكنبة وصلت للشخص الغلط. أنا إبراهيم حسن، أبو سارة، اللي اختفت من 15 سنة. الحكاية مش زي ما الناس فهمتها، ولا زي ما الشرطة قالت. بنتي ما ضاعت ولا اختفت من غير سبب، هي شافت حاجة ما كانش المفروض تشوفها، وده كان سبب اختفائها.
في الوقت ده، كان فيه ناس كبار في المنطقة، لهم نفوذ، بيعملوا حاجات مش قانونية، وبيخفوها بكل الطرق. سارة كانت بتلعب قرب العمارة، وشافت حاجة مش مفروض تشوفها، وشافت وجوه ناس ما كانش المفروض تعرفهم. في نفس اليوم، اختفت. الشرطة جت، بحثت، لكن ما وصلت لشيء، لأن كل الأدلة كانت بتختفي، والناس اللي ممكن تتكلم كانت پتخاف. حتى بعض الظباط في القسم كانوا متواطئين معاهم، عشان كده ما حد قدر يوصل للحقيقة.
عرفت إنهم خدوا بنتي، عشان ما تتكلم، وعشان ما تفضحهم. حاولت أبحث بطرقي الخاصة، وجمعت أدلة كتير، لكنهم عرفوا إنني بتابع الموضوع، وهددوني أنا ومراتي. قالوا لنا إننا لو فضلنا نحاول نعرف الحقيقة، هنلاقي نفس المصير. فاضطرينا نعمل زي ما هم عايزين، وقولنا إننا مسافرين، وسيبنا كل حاجة، بس خبيت الدليل ده في المكان اللي ما حدش هيفتكره، في الكنبة دي، لأنها كانت المكان اللي كانت سارة بتحب تقعد عليه وتلعب.
المفتاح اللي معاك بيفتح الخزانة الحديدية اللي في الشقة رقم 3، في الدور التاني في نفس العمارة اللي كنا عايشين فيها. جواها فيه كل الأوراق، الصور، والكلام اللي سجلته، وكل دليل يثبت الحقيقة، ويثبت مين
هم المسؤولين. خبيتها هناك في مكان آمن، ومحدش عرف بوجودها غيري.
لو وصلت الرسالة دي لشخص صالح، مش متواطئ معاهم، فأرجوك، خد الأمانة دي، واعمل اللي يرضي الله. ما تروحش للشرطة العادية، لأن ممكن يكونوا متواطئين، وكل حاجة هتضيع. ابحث عن محامي نزيه، أو عن جهة مستقلة تقدر تحمي الدليل، وتوصل الحقيقة للناس الصح، عشان بنتي ما تضيع هدر، وعشان اللي عملوا كده ياخدوا جزاءهم.
أنا ومراتي مش عارفين هنرجع ولا لأ، لكن لو قدرنا، هنرجع، ولو ما قدرناش، فأرجوك ما تسيب الحقيقة ټموت. الله يوفقك، ويحميك من شرهم.
خلصت القراءة، وحسيت بثقل كبير على قلبي. الموضوع ده مش مجرد سر، ده أمانة، ومسؤولية كبيرة. الراجل ده كان خاېف على حياته وحياة مراته، واضطر يهرب ويخبي الحقيقة، وتركها لحد يلاقيها وينفذها. وأنا اللي جيت في طريقي واشتريت الكنبة، ولقيت السر ده.
مر يومين وأنا بفكر في كل الاحتمالات. ممكن أسيب كل حاجة وأنسى، وأرجع الكنبة للمعرض، وأقول إنني مش عايزها، وأغلق الموضوع ده تماماً. بس لما أتخيل حالة الأب والأم، والبنت الصغيرة اللي ضاعت، والحقيقة اللي كانت عايزة تطلع، حسيت إنني لو عملت كده، هكون خاېن للأمانة اللي وصلت لي، حتى لو جت من غير ما أختارها.
وفي نفس الوقت، ما كنتش غبي، وعارف إن الخطړ حقيقي. الراجل اللي اتصل بي حذرني، وقال إنهم عرفوا إنني لقيت العلبة. معناه إنهم كانوا بيتابعوا الكنبة، وعارفين إنها بتباع، وإنها ممكن توصل لحد يلاقي الدليل. فكان لازم أكون حذر جداً، وما أتصرف بتهور.
بعد تفكير طويل، قررت إني أروح أشوف الشقة، بس بحذر شديد، وما أتكلم مع أي حد إلا لما أكون متأكد. قلت لنفسي إني ممكن أروح في وقت متأخر شوية، عشان يكون الشارع هادئ، وما يلاحظنيش حد. وفي اليوم التالي، بعد ما غابت الشمس، لبست ملابس تغير شكلي شوية، وطلعت من البيت، واتجهت للعمارة القديمة.
لما وصلت، كان الشارع هادئ، ولا فيه ناس كتير. اقتربت من الباب بهدوء، ولقيت الباب مقفول، بس كان فيه فتحة صغيرة ممكن أدخل منها، لأن الباب قديم ومش محكم القفل. دخلت بحذر، وصعدت السلالم بهدوء، لحد ما وصلت للدور التاني، ولقيت الشقة رقم 3.
كان الباب خشبي، قديم، ومقفول بقفل حديدي كبير. بصيت للمفتاح النحاسي اللي في إيدي، وقلبي بدأ يدق. حطيت المفتاح في القفل، ولفته ببطء، وسمعت صوت طقطقة خفيفة، وانفتح القفل. دفعت الباب بهدوء، ودخلت، وقفلت الباب ورايا بسرعة.
الشقة كانت معتمة، ورائحة الغبار والتراب كانت منتشرة فيها. فتحت نور الموبايل، وبدأت أتجول ببطء. كانت الشقة مكونة من صالة، وغرفتين، ومطبخ وحمام. كل الأثاث كان مغطى بملاءات بيضاء قديمة، ومتراكم عليه الغبار من سنين. بدأت أبحث عن الخزانة الحديدية، ووجدتها في الحائط الجانبي في الغرفة الداخلية، مغطاة بقطعة قماش كبيرة.
نزعت القماش، ولقيتها خزانة حديدية كبيرة، مقفولة بقفل آخر. بصيت في العلبة، ولقيت مفتاح تاني مع المفتاح بتاع الباب، فحطيته ولفته، وانفتح الباب بتاع الخزانة.
دخلت النور جواها، ولقيت أكوام من الأوراق، وصور، وأشرطة تسجيل قديمة، ومستندات رسمية. بدأت أطلعها واحدة واحدة، وبحذر، وبدأت أقرأها. كانت كلها بتؤكد كلام إبراهيم. كانت فيه أسماء لأشخاص، وتواريخ، وأماكن، وكل حاجة بتوضح إنهم كانوا بيعملوا أنشطة غير قانونية في المنطقة، وإن سارة رأتهم في يوم من الأيام، وسمعت أسماءهم، وده كان خطړ عليهم.
كان فيه كلام مكتوب بخط إبراهيم، بيقول فيه إنه حاول يتكلم مع ظابط في القسم، لكنه
لاحظ إن الكلام بيوصل للناس دول، فخاف، وقرر يخبي كل حاجة. وكان فيه قصاصات من دفاتر حسابات، وأسماء لأشخاص معروفين في المنطقة، وحتى في الجهات الرسمية، وكل ده كان دليل قوي.
وأنا بقرأ، فجأة سمعت صوت خطوات بتطلع على السلالم. تجمدت مكاني، وطفيت نور الموبايل بسرعة، وسمعت صوت حد بيقف قدام باب الشقة. قلبي كان بيدق لدرجة إني خاېف يسمعه الشخص اللي برة. بعد ثواني، سمعت صوت حد بيحاول يفتح الباب، وبيحط مفتاح في القفل.
في اللحظة دي، فتحت باب الغرفة الداخلية، ولقيت شباك صغير بيطلع على السطح. قربت منه، وفتحته بهدوء، وطلعت عليه بسرعة، وقفلت الشباك ورايا. كنت على السطح، والظلام كان يحميني، وسمعت صوت الباب بيتفتح، وصوت حد بيدخل الشقة.
سمعت صوت راجل بيقول بصوت خاڤت مش معقول، الباب كان مفتوح، أكده جاء اللي لقى العلبة. وسمعت صوت خطواته بتجول في الشقة، وبيفتح الغرف، ولما وصل للغرفة الداخلية، سمعته بيقول الخزانة مفتوحة، أكده أخذ الحاجات، لازم نلاقيه.
فضلت واقف على السطح، مستخبي وراء جدار، وأنا بتنفس ببطء عشان ما يسمعنيش. مرت دقائق كأنها ساعات، وبعدين سمعت صوته وهو بيخرج من الشقة، وبيقفل الباب وراه. انتظرت شوية لحد ما اتأكدت إنه نزل، وبعدين نزلت أنا من السطح من سلم جانبي قديم، وخرجت من العمارة من جهة تانية، ومشيت بسرعة لحد ما وصلت لمنطقة آمنة.
كنت لسه ماسك ببعض الأوراق اللي أخذتها معايا، والباقي تركته في الخزانة، لأني ما كنتش أقدر أحمل كل حاجة، وكنت خاېف لو لقيتها معايا هتكون دليل ضدي. رجعت للشقة، وقفلت كل الأبواب والنوافذ، وحطيت الحاجات اللي معايا في مكان آمن، وفكرت في اللي حصل. معناه إنهم كانوا بيتابعوا المكان، وعارفين إن الدليل ممكن يكون هناك، وإنهم مستعدين ينتظروا أي حد يجي يفتحها.
في اليوم التالي، رن الموبايل، ونفس الرقم الغريب ظهر تاني. رديت، وسمعت نفس الصوت أنا قلت لك ما تروحش العنوان، لكنك رحت، وهم عرفوا. الحمد لله إنك خرجت بسلام، لكن الموضوع دلوقتي صار أخطر. اللي لقيتوه هو جزء صغير من الحقيقة، والباقي خطړ جداً لو وقع في أيد غلط.
قلت له مين أنت؟ وكيف تعرف كل ده؟ وليه ما تتكلم معاهم بنفسك؟
رد عليا أنا صديق قديم للحاج إبراهيم، كنت أعرف كل حكايته، وكنت الوحيد اللي عرف إنه خبى الدليل، لكنه ما قال لي فين بالظبط، لحد ما عرفت إن الكنبة بتباع، وقلت لازم أحذر أي حد يشتريها. أنا ما أقدر أتدخل مباشرة، لأنهم يعرفوني، وهددوني قبلاً، لكن أقدر أساعدك من بعيد.
سألته إيه اللي المفروض أعمله دلوقتي؟ عندي دليل، لكن مش عارف أوصله لمين من غير ما يتلف أو يضيع.
قال لي في محامي كبير، اسمه الحاج سامي، معروف بنزاهته، وبياخد قضايا الحق مهما كانت صعبة، وما يخافش من حد. هو مش من المنطقة دي، وله سمعة قوية، وممكن يحمي الدليل ويوصله للجهات المستقلة. ما تروحش لأي حد تاني، وروح له بسرعة، بس خلي بالك إنهم ممكن يكونوا بيتابعوك.
أعطاني عنوان المكتب بتاعه، وقال لي روح له في وقت مبكر، وحدد موعد خاص، وما تقولش لحد إنك جاي ليه، ولا تعطيه أي تفاصيل إلا لما تكونوا لوحدكم.
شكرته، وقلت له طيب، بس ممكن نتقابل في مكان آمن؟ عشان أطمن إنك فعلاً صديقهم ومش معاهم.
رد عليا لا، مش ممكن دلوقتي، الخطړ كبير، ولما تخلص من الموضوع، ممكن نتقابل، بس دلوقتي، اهتم بنفسك، واتبع اللي قلت
لك عليه. وقفل الخط.
في اليوم التالي، استعديت، واخدت الحاجات اللي معايا، وذهبت لمكتب المحامي سامي، وكان في منطقة وسط المدينة، معروفة، ومكتبه كان في عمارة كبيرة ومحروسة. دخلت، وطلبت أقابله، وقلت إن الموضوع مهم جداً وسري. انتظرت شوية، وبعدين سمحوا لي بالدخول.
كان راجل كبير في السن، له هيبة، وملامحه تدل على الصدق. جلست قدامه، وقلت له يا أستاذ، أنا جاي ليك في موضوع خطېر جداً، وسر، ومحتاج مساعدتك، لأنني ما أقدر أروح لأي جهة تانية.
حكيت له كل الحكاية من أولها، من شراء الكنبة، لحد ما لقيت العلبة، والرسالة، والذهاب للشقة، وكل ما حدث. وريته الأوراق والدلائل اللي معايا. قرأها بتركيز شديد، وتغيرت ملامحه، وقال لي ده موضوع كبير جداً، وفيه أسماء لشخصيات لها نفوذ كبير، وهم فعلاً مش هيتركوا الحقيقة تطلع بسهولة. لكن الحق له صوت، ولازم يوصل.
قال لي أنا أقدر أساعدك، بس لازم نكون حذرين جداً. هنعمل نسخ معتمدة من الدليل، ونخزنها في أماكن آمنة، ونعطيها لجهات رقابية مستقلة، ونطلب حماية لشهود. وأنت لازم تاخد حذرك، ومش تتحرك لوحدك.
واتفقنا على الخطوات، وبدأت الإجراءات. المحامي سامي تواصل مع جهات رسمية مستقلة، وقدم الدليل، وطلب التحقيق بسرية تامة. وفي نفس الوقت، أخذوا الإجراءات اللازمة لحماية الشهود، وبدأت التحقيقات الجادة.
بعد أسابيع، بدأت الحقائق تظهر. تبين إن الأشخاص المذكورين كانوا متورطين في أنشطة غير قانونية، وإنهم بالفعل خطفوا الطفلة سارة عشان ما تفضحهم، واختفوا بها، وإنهم كانوا يتابعون كل ما يتعلق بالدليل عشان يخفوه. وتبين إن بعض الموظفين السابقين كانوا متواطئين معاهم، وتم فصلهم وفتح تحقيق معاهم.
وفي يوم من الأيام، رن الموبايل، وكان رقم غريب، ولما رديت، سمعت صوت راجل وامرأة بصوت مليان دموع وفرحة أنت اللي لقيت الدليل؟ أنا إبراهيم، أبو سارة، واللي معايا مراتي زينب.
اتجمدت مكاني، وقلت أيوة، أنا، الحمد لله إنكم بخير.
رد عليا الحمد لله، سمعنا إن الحقيقة بدأت تطلع، وإن التحقيقات بتجري، وإنهم عرفوا المكان اللي كانوا مخبين فيه بنتنا. نرجو من الله إنها تكون لسه بخير، وإننا نلاقيها قريباً. أنا ومراتي كنا مجبرين نعيش بعيد، خايفين على حياتنا، لكن دلوقتي الحق بيظهر، ونرجو الله يكرمنا برجوعها.
بعد أيام قليلة، جاءت الأخبار المفرحة تم العثور على سارة، كانت مخبأة في منطقة بعيدة، وكانت تعيش تحت اسم مستعار، ولم تكن تعرف حقيقة هويتها، لكنها كانت بخير. تم إعادتها، واجتمعت مع والديها بعد 15 سنة من الفراق، وكانت لحظات مليانة دموع الفرح والشكر لله.
وبدأت القضية تاخد مجراها القانوني، وكل من كان متورطاً تم القبض عليه، وبدأت محاكمتهم، وظهرت الحقائق كاملة للناس.
وبعد فترة، التقيت بالحاج إبراهيم ومراته وبنته سارة، في مكان آمن. شكروني كثيراً، وقالوا لي إنني أديتهم الأمل والحياة من جديد. قلت لهم أنا ما عملتش غير الواجب، الأمانة وصلت لي، وكنت لازم أؤديها.
وكنبة الأثاث المستعملة اللي اشتريتها، فضلت معايا، لكنها مش مجرد كنبة عادية، صارت تذكير لي إن الحق مهما طال، بيظهر في النهاية، وإن الأمانة لو وصلت لشخص صالح، ممكن تغير حياة ناس كتير.
وانتهت الحكاية، وكل واحد أخذ جزاءه، والحق انتصر، والله أعلى وأعلم.
