48ساعه

عدت إلى البيت قبل موعدي بـ48 ساعة… فوجدت زوجتي الحامل محتجزة داخل مخزن مغلق. وعندما كسرت الشرطة الباب… ظهر ما هو أسوأ مما تخيل الجميع.
الفصل الأول
“مراتك سابت البيت… وكانت زهقت من العيلة دي. والأفضل إنها ما ترجعش.”
كانت تلك أول جملة قالتها الأم لابنها، فور دخوله المنزل حاملاً حقيبة سفر في يد، وكيسًا صغيرًا من المخبوزات في اليد الأخرى.
كان يبلغ الثالثة والثلاثين من عمره، ويعمل مشرفًا على تنفيذ مشروعات كهربائية.
كان من المفترض أن يبقى في سفره يومين إضافيين.
لكن العمل انتهى مبكرًا، فقرر العودة إلى البيت دون أن يخبر أحدًا.
أراد أن يفاجئ زوجته…
التي كانت في شهرها الرابع من الحمل.
كانت تعاني منذ أسابيع من الغثيان والدوخة، مع تحذيرات الأطباء من ضرورة الراحة خوفًا على الحمل.
اشترى لها المخبوزات والبسكويت المالح…
لأنهما الشيئان الوحيدان اللذان كانت تستطيع تناولهما دون أن تشعر بالغثيان.
لكن…
منذ اللحظة الأولى…
شعر أن هناك شيئًا غير طبيعي.
البيت كان هادئًا بصورة مخيفة.
كانت أمه جالسة أمام التلفاز تشاهد أحد البرامج، وقد رفعت قدميها فوق الطاولة بكل برود.
وبجوارها شقيقه الأصغر، منشغل بهاتفه، وكأن شيئًا لم يحدث.
سأل بقلق:
“فين زوجتي؟”
لم تُخفض الأم صوت التلفاز حتى.
وقالت بلا مبالاة:
“خرجت من يوم الأربعاء.”
“طلبت منها تعمل أكل لأخوك… لكنها قالت إن الريحة بتتعبها، واتكلمت معايا بطريقة مش محترمة.”
ضحك الأخ ساخرًا:
“من ساعة ما حملت وهي عاملة نفسها مريضة.”
شعر بقبضة باردة تعتصر قلبه.
زوجته…
لم تكن لتخرج أبدًا دون أن تخبره.
خصوصًا وهي في تلك الحالة.
صعد إلى غرفته بسرعة.
وجد هاتفها فوق السرير.
وحقيبتها معلقة خلف الباب.
وبطاقتها الشخصية…
وبطاقاتها البنكية…
ونقودها…
ووصفة الطبيب…
كلها في مكانها.
حتى أحذيتها…
كانت جميعها داخل الخزانة.
ما عدا صندلًا واحدًا.
نزل إلى الطابق السفلي، وعيناه تمتلئان بالغضب.
وقال بصوت حاد:
“هي ما خرجتش من البيت.”
“إنتوا عملتوا فيها إيه؟”
وقفت الأم فجأة وهي تصرخ:
“إوعى تكلمني بالطريقة دي!”
“أنا أمك!”
“الست دي قلبتك عليا.”
“من يوم ما دخلت البيت، وإنت بقيت تسمع كلامها أكتر مني.”
تدخل الأخ وقال:
“اهدى شوية.”
“أكيد راحت عند واحدة صاحبتها.”
لكن…
لم يقتنع.
بدأ يفتش كل مكان.
المطبخ.
الحمامات.
السطح.غرفة الغسيل…وفجأة…حكايات أسما السيدكامله
الفصل الأول: الباب الذي لم يكن يجب أن يُغلق
عدت إلى البيت قبل موعدي بـ48 ساعة… فوجدت زوجتي الحامل محتجزة داخل مخزن مغلق. وعندما كسرت الشرطة الباب… ظهر ما هو أسوأ مما تخيل الجميع.
قالت أمه بمجرد أن دخل من الباب:
“مراتك سابت البيت… وكانت زهقت من العيلة دي. والأفضل إنها ما ترجعش.”
تجمد في مكانه للحظة.
كانت تلك أول جملة يسمعها بعد رحلة سفر طويلة.
كان يحمل حقيبة في يد، وكيسًا صغيرًا من المخبوزات في اليد الأخرى.
كان من المفترض أن يبقى في موقع العمل يومين إضافيين، لكن المشروع انتهى قبل موعده، فقرر العودة دون أن يخبر أحدًا.
أراد أن يفاجئ زوجته…
التي كانت في شهرها الرابع من الحمل.
كانت تعاني منذ أسابيع من الغثيان والدوخة، وحذرهم الطبيب أكثر من مرة من أن أي مجهود أو ضغط نفسي قد يهدد الحمل.
لهذا اشترى لها البسكويت المالح وبعض المخبوزات التي كانت تستطيع تناولها دون أن تتقيأ.
لكن…
منذ أن دخل البيت…
شعر بأن الهواء نفسه ثقيل.
الصمت لم يكن طبيعيًا.
كانت أمه تجلس أمام التلفاز بكل هدوء، تتابع برنامجًا ترفيهيًا، بينما تضع قدميها فوق الطاولة.
أما شقيقه الأصغر فكان مستلقيًا على الأريكة، يضحك على مقاطع فيديو في هاتفه.
قال بسرعة:
ـ فين زوجتي؟
ردت الأم دون أن تنظر إليه:
ـ خرجت من يوم الأربعاء.
قطب حاجبيه.
ـ خرجت؟ راحت فين؟
قالت ببرود:
ـ معرفش.
ـ قلتلها تعمل الغدا لأخوك، قالت ريحة الأكل بتخنقني، واتكلمت معايا بأسلوب وحش… وبعدها لمت هدومها ومشيت.
ضحك الأخ وهو يهز كتفيه:
ـ من ساعة ما حملت وهي فاكرة نفسها هتموت.
شعر بأن شيئًا ينهار داخله.
زوجته…
تعرفه أكثر من أي شخص.
لن تغادر أبدًا دون أن تترك له رسالة.
أو تتصل به.
أو حتى ترسل كلمة واحدة.
صعد الدرج جريًا.
فتح باب غرفته.
كل شيء كان كما تركه قبل السفر.
عباءة الصلاة فوق الكرسي.
كتابها المفضل على الكومودينو.
كوب الماء نصف الممتلئ.
وسادة النوم التي كانت تضمها كل ليلة.
ثم وقعت عيناه على الهاتف.
كان فوق السرير.
التقطه بسرعة.
مغلق.
فتح الدرج.
وجد حقيبتها.
بطاقتها الشخصية.
بطاقاتها البنكية.
النقود.
دفتر متابعة الحمل.
نتائج التحاليل.
كل شيء.
حتى أحذيتها.
كانت جميعها في مكانها.
إلا صندلًا منزليًا قديمًا.
وقف يحدق في الغرفة.
ثم همس لنفسه:
ـ مستحيل…
رجع إلى الأسفل بعينين تقدحان شررًا.
قال بصوت هز البيت كله:
ـ هي ما خرجتش.
سكت الجميع.
ثم نظر إلى أمه مباشرة.
ـ عملتوا فيها إيه؟
انتفضت من مكانها.
ـ إوعى ترفع صوتك عليا.
أنا أمك.
قال بغضب:
ـ مراتي عمرها ما تسيب تليفونها ولا بطاقتها ولا فلوسها.
ردت وهي تشير إليه بإصبعها:
ـ الست دي خلتك تشوفني عدوة.
من ساعة ما اتجوزتها وإنت اتغيرت.
قال:
ـ أنا بسألك سؤال.
فين هي؟
تدخل الأخ وهو ينهض بكسل:
ـ يا عم اهدى.
أكيد قاعدة عند صاحبتها.
نظر إليه باحتقار.
ـ تعرف اسم صاحبتها؟
سكت.
ـ تعرف رقمها؟
لم يجب.
ـ تعرف حتى عندها كام صاحبة؟
خفض الأخ رأسه.
بدأ يفتش البيت كله.
المطبخ.
غرفة الغسيل.
الحمام.
السطح.
حتى خزانة تحت السلم.
لا شيء.
لكن…
عندما مر بجوار باب المخزن الصغير الموجود خلف المطبخ…
توقف.
كان الباب الحديدي مغلقًا بقفل جديد.
لم يكن يتذكر أنه رآه من قبل.
اقترب.
وضع يده على المقبض.
وجد الباب مغلقًا بإحكام.
سأل أمه:
ـ من إمتى فيه قفل هنا؟
أجابته بسرعة وكأنها كانت مستعدة:
ـ من أسبوع.
ـ ليه؟
ـ حطينا فيه حاجات مهمة.
ظل ينظر إلى الباب.
ثم…
سمع.
كان الصوت خافتًا جدًا.
كأنه احتكاك شيء بالأرض.
تجمد في مكانه.
التفت إلى أمه.
ـ سمعتي؟
قالت بعصبية:
ـ مفيش حاجة.
اقترب أكثر.
ووضع أذنه على الباب.
هذه المرة…
سمع أنينًا.
ضعيفًا جدًا.
يكاد لا يُسمع.
تراجع خطوة للخلف.
قلبه بدأ يخفق بعنف.
ضرب الباب بقبضته.
ـ فيه حد جوه؟
ساد الصمت.
ثم…
صوت خافت جدًا.
كأنه شخص يحاول الكلام لكنه لا يستطيع.
صرخ:
ـ مين؟
ركضت أمه نحوه.
وأمسكت ذراعه.
ـ سيب الباب ده.
قال وهو يدفعها بعيدًا:
ـ افتحيه.
صرخت:
ـ قولتلك مفيش حد.
جاء الأخ أيضًا.
وحاول منعه.
ـ إنت اتجننت؟
دفعهما بعنف.
ثم أمسك مطرقة كانت بجوار صندوق الأدوات.
وضرب القفل.
ضربة.
اثنتان.
ثلاث.
لكن القفل كان سميكًا.
اتصل بالشرطة.
قال بصوت مرتجف:
ـ مراتي مختفية… وأعتقد إنها محبوسة جوه المخزن.
خلال دقائق…
وصلت أول دورية.
بدأ الضابط يسأل الجميع.
الأم أنكرت.
الأخ أنكر.
لكن الضابط لاحظ شيئًا.
كانت الأم ترتجف.
وتحاول منعهم من الاقتراب من الباب.
قال الضابط:
ـ اكسروا القفل.
حاول أحد الأمناء.
لكن الباب لم يفتح.
أحضروا معدات أقوى.
وبعد دقائق…
سقط القفل على الأرض.
ودفع الضابط الباب ببطء.
خرجت رائحة خانقة.
رطوبة.
وعفن.
وهواء لم يتجدد منذ أيام.
أضاء أحدهم الكشاف.
ثم…
شهق الجميع.
في آخر المخزن…
كانت زوجته.
ممددة على الأرض.
يداها مقيدتان بحبل.
وفمها ملفوف بقطعة قماش.
وجهها شاحب.
وشفاهها زرقاء.
وبطنها المنتفخة ترتفع وتهبط بصعوبة.
صرخ وهو يركض نحوها:
ـ حبيبتي!
احتضنها وهو يفك الحبال بيدين مرتجفتين.
فتحت عينيها بصعوبة.
نظرت إليه.
وانهمرت دموعها.
همست بصوت بالكاد يُسمع:
ـ كنت… عارفة… إنك… هترجع…
ثم فقدت الوعي.
أسرع المسعفون بحملها إلى سيارة الإسعاف.
لكن بينما كان الضابط يعاين المخزن…
لفت انتباهه شيء غريب.
كان هناك لوح خشبي كبير يغطي جزءًا من الأرض.
وعندما رفعه…
ظهر باب حديدي صغير…
ينزل إلى قبو لم يكن أحد يعرف بوجوده.
نظر الضابط إلى الجميع وقال بوجه متغير:
ـ واضح إن الحكاية… أكبر بكتير من مجرد احتجاز.
يتبع في الفصل الثاني…
الفصل الثاني: القبو الذي أخفى الحقيقة
وقف الجميع في فناء المنزل، بينما كانت سيارة الإسعاف تبتعد وصفاراتها تشق الصمت.
ظل ينظر إليها حتى اختفت من آخر الشارع.
كان يريد أن يركض خلفها…
لكن الضابط وضع يده على كتفه وقال:
ـ لازم تفضل هنا شوية.
فيه حاجة لازم نشوفها.
التفت إليه وعيناه مليئتان بالذهول.
ـ مراتي كانت محبوسة هنا…
حضرتك مستوعب؟
قال الضابط بهدوء:
ـ ومستوعب كمان إن فيه باب تحت المخزن محدش قال إنه موجود.
نظر الجميع إلى الباب الحديدي الصغير الذي ظهر أسفل اللوح الخشبي.
كان قديمًا…
تغطيه طبقة سميكة من التراب، لكن القفل كان جديدًا.
وهنا…
تغيرت ملامح الأم.
تراجعت خطوة للخلف.
أما الأخ الأصغر، فقد شحب وجهه فجأة.
لاحظ الضابط ذلك.
وقال:
ـ مين فيكم يعرف إيه اللي تحت؟
ردت الأم بسرعة:
ـ معرفش.
ده من أيام أبوهم الله يرحمه.
اتجه أحد الأمناء إلى الباب.
حاول فتحه.
لكنه كان مغلقًا بإحكام.
أمر الضابط بكسره.
وبعد عدة دقائق…
انفتح الباب بصوت معدني مرعب.
نزلوا درجات السلم واحدة تلو الأخرى.
كان المكان مظلمًا.
باردًا.
ورائحة الرطوبة تكاد تخنق الأنفاس.
أضاءوا الكشافات.
فظهر قبو صغير.
لكن ما كان بداخله…
لم يكن مجرد مخزن قديم.
كانت هناك مرتبة على الأرض.
وزجاجات مياه فارغة.
وبطانية.
وبقايا أطعمة.
وحبل آخر.
وشريط لاصق.
وكأن شخصًا كان يعيش هناك.
اقترب الضابط من الحائط.
وجد عليه خدوشًا كثيرة.
عدها بعينيه.
واحد…
اثنان…
ثلاثة…
حتى سبعة.
كل خدش بجوار الآخر.
قال بصوت منخفض:
ـ دي علامات أيام…
حد كان بيعد بيها الوقت.
شعر الزوج بأن الدم تجمد في عروقه.
اقترب أكثر.
ثم رأى شيئًا جعله يسقط على ركبتيه.
على الحائط…
كانت هناك كلمات مكتوبة بقلم رصاص.
“أنا لسه عايشة.”
وتحتها…
“يا رب جوزه يرجع قبل ما يقتلوا ابني.”
لم يتمالك نفسه.
انفجر في البكاء.
كانت زوجته…
تكتب له رسائل وهي لا تعرف إن كان سيقرأها يومًا.
رفع الضابط نظره إلى الأم.
لكنها كانت تنظر بعيدًا.
وكأنها لا ترى شيئًا.
قال الضابط بحدة:
ـ هتيجي معانا القسم.
صرخت:
ـ أنا معملتش حاجة.
قال:
ـ يبقى هتجاوبي هناك.
فجأة…
قال الأخ الأصغر بصوت مرتجف:
ـ أنا… أنا مليش دعوة.
نظر إليه الجميع.
قال الضابط:
ـ يعني فيه حد ليه دعوة؟
ابتلع ريقه.
ثم قال بسرعة:
ـ أنا كنت فاكر إنكم بتحبسوها يوم ولا اتنين عشان تتأدب.
لكن…
مكونتش أعرف إنها بقالها أسبوع.
التفت الزوج إليه كالمجنون.
وأمسكه من قميصه.
ـ أسبوع؟
يعني كنت عارف؟
صرخ الأخ وهو يبكي:
ـ ماما قالت إنها بتمثل.
وقالت إنها لما تجوع هتعرف قيمة البيت.
لكني… والله… مكنتش أعرف إنها حامل تعبانة بالشكل ده.
لكمة واحدة أسقطته أرضًا.
لولا رجال الشرطة…
لكان قتله.
في المستشفى…
كان الطبيب يخرج من غرفة الطوارئ بعد أكثر من ساعة.
اقترب الزوج منه وهو يكاد ينهار.
ـ طمني.
تنهد الطبيب طويلًا.
ثم قال:
ـ للأسف…
هي كانت في حالة جفاف شديد جدًا.
ضغطها كان منخفض بشكل خطير.
وكان واضح إنها محرومة من الأكل لفترات طويلة.
كاد قلبه يتوقف.
ثم سأل بصوت مرتعش:
ـ والبيبي؟
نظر الطبيب إليه.
وصمت لثوانٍ.
كانت أطول ثوانٍ مرت عليه في حياته.
ثم قال:
ـ لحد دلوقتي…
فيه نبض.
لكن الحمل في خطر.
ولو كانت اتأخرت ساعات قليلة كمان…
كان ممكن نخسر الاتنين.
جلس على الأرض.
ودفن وجهه بين يديه.
يبكي.
ويبكي.
ويبكي.
في القسم…
بدأ التحقيق.
لكن الأم كانت تنكر كل شيء.
قالت بثبات غريب:
ـ هي اللي حبست نفسها.
نظر إليها الضابط غير مصدق.
ـ حبست نفسها؟
قالت:
ـ كانت عايزة توقع بيني وبين ابني.
أما الأخ…
فبدأ ينهار.
قال وهو يرتجف:
ـ أنا هقول كل حاجة.
التفتت إليه أمه.
ونظرت له نظرة حادة.
لكن هذه المرة…
لم يخف منها.
قال:
ـ يوم ما سافر أخويا…
مراته تعبت.
والدكتور كان كاتب لها راحة تامة.
ماما كانت كل يوم تجبرها تنظف البيت كله.
وتطبخ.
وتغسل.
ولما كانت تقول إنها تعبانة…
كانت تضربها.
ساد الصمت.
ثم أكمل وهو يبكي:
ـ وفي يوم…
وقعت على الأرض من التعب.
طلبت تروح المستشفى.
لكن ماما قالت…
“لو البيبي وقع يبقى ربنا رايد كده.”
شعر الضابط بالغضب.
وقال:
ـ كمل.
تنفس الأخ بصعوبة.
ـ بعدها حاولت تتصل بجوزها.
ماما خطفت منها التليفون.
وقفله.
وبعدين…
حبستها في المخزن.
وكانت كل يوم تنزل لها شوية مية وحتة عيش.
وتقول:
“لحد ما يتربى دماغها.”
رفع الضابط رأسه ببطء.
ثم قال:
ـ يبقى فيه شروع في قتل.
لكن…
قبل أن يوقّع الأخ على أقواله…
دخل أحد الأمناء مسرعًا.
وقال:
ـ يا فندم…
لقينا كاميرات مراقبة في بيت الجيران.
واضح إنها صورت كل اللي حصل.
ابتسم الضابط لأول مرة.
وقال:
ـ ممتاز.
دلوقتي…
الكاميرا هي اللي هتتكلم.
لكن أحدًا لم يكن يعلم…
أن الفيديو لن يدين الأم وحدها.
بل سيكشف شخصًا آخر…
شخصًا لم يخطر على بال أحد…
وكان هو العقل الحقيقي وراء كل ما حدث.
يتبع في الفصل الثالث…
الفصل الثالث: الكاميرا التي كشفت الوجه الحقيقي
لم ينم تلك الليلة.
ظل جالسًا على المقعد المعدني أمام غرفة العناية، ينظر إلى الباب المغلق منذ ساعات.
كل دقيقة كانت تمر كأنها سنة.
كان يدعو في صمت…
“يا رب بس تقوم هي والبيبي.”
خرج الطبيب في الثالثة فجراً.
اقترب منه بسرعة.
قال الطبيب:
ـ حالتها استقرت شوية.
لكنها لسه تحت الملاحظة.
الجفاف والإجهاد اللي اتعرضت له كانوا شديدين جدًا.
الحمل لسه موجود…
لكن أي ضغط نفسي دلوقتي ممكن يسبب مضاعفات.
تنفس للمرة الأولى منذ ساعات.
ثم جلس على الكرسي وهو يحمد الله.
لكن هاتفه رن.
كان الضابط.
ـ محتاجك تيجي القسم حالًا.
لقينا تسجيلات الكاميرات.
…
بعد نصف ساعة…
كان يجلس أمام شاشة كبيرة داخل غرفة التحقيق.
بدأ الضابط تشغيل التسجيل.
ظهرت زوجته.
كانت تقف أمام باب المنزل.
تضع يدها على بطنها.
وتتكلم مع أمه بهدوء.
لم يكن هناك أي شجار.
ولا صوت مرتفع.
فجأة…
خرج الأخ الأصغر من الداخل.
أمسك ذراعها بقوة.
حاولت أن تفلت منه.
لكن الأم صفعتها على وجهها.
اتسعت عيناه وهو يشاهد المشهد.
كانت زوجته تبكي.
وتشير إلى بطنها.
واضح أنها كانت تستجديهما.
ثم…
فتح الأخ باب المخزن.
ودفعها إلى الداخل بعنف.
حاولت الخروج.
لكن الأم دفعتها مرة أخرى.
وأغلقت الباب.
ثم…
وضعت القفل بنفسها.
تجمد الدم في عروقه.
قال الضابط:
ـ استنى…
لسه مخلصناش.
استمر الفيديو.
بعد ساعتين تقريبًا…
توقفت سيارة سوداء أمام المنزل.
نزل منها رجل في منتصف الخمسينات.
بملابس أنيقة.
عرفه فورًا.
كان خاله…
شقيق أمه.
دخل المنزل.
وبعد عشر دقائق…
خرج وهو يحمل ملفًا أزرق.
نظر الزوج إلى الضابط.
ـ الملف ده بتاع إيه؟
فتح الضابط الملف أمامه.
كانت أوراق المنزل.
وعقد الأرض الزراعية.
وحسابات البنك.
رفع رأسه في دهشة.
ـ إيه علاقة ده بمراتي؟
قال الضابط:
ـ استنى.
ثم أخرج ورقة أخرى.
كانت نسخة من توكيل عام.
لكن…
التوقيع كان مزورًا.
وتحته اسم زوجته.
اتسعت عيناه.
ـ مستحيل…
قال الضابط:
ـ واضح إنهم كانوا بيجهزوا ينقلوا بعض الممتلكات باسم خالك.
قال الزوج بصدمة:
ـ ليه؟
أجابه الضابط:
ـ لأنك كنت مسافر.
ولو حصل لمراتك أي حاجة…
وهي حامل…
كان هيبقى فيه ميراث معقد.
والظاهر إن في حد كان مستعجل.
شعر بقشعريرة تسري في جسده.
هل كان احتجازها…
جزءًا من خطة أكبر؟
…
في صباح اليوم التالي…
بدأت زوجته تستعيد وعيها.
دخل عليها وهو يمسك يدها برفق.
فتحت عينيها بصعوبة.
ابتسمت عندما رأته.
ثم بكت.
قال وهو يقبل رأسها:
ـ خلاص…
أنا جنبك.
مش هسيبك تاني.
أمسكت يده بقوة.
وقالت بصوت ضعيف:
ـ كانوا… عايزين يخلوني أمضي.
نظر إليها بسرعة.
ـ أمضي على إيه؟
قالت:
ـ معرفش.
كانوا بيجيبوا ورق كل يوم.
ويقولوا…
“امضي… وجوزك موافق.”
ولما كنت أرفض…
كانوا يمنعوا عني الأكل.
شعر بأن الغضب يكاد يفقده عقله.
لكنها لم تنته.
ابتلعت ريقها بصعوبة ثم همست:
ـ وفي آخر يوم…
سمعت مامتك بتقول لخالك…
“لو ماتت هي والجنين… هنقول إنها كانت تعبانة من الحمل.”
ساد الصمت داخل الغرفة.
لم يعد يسمع سوى صوت أجهزة المراقبة.
كانت الكلمات أثقل من أن تُصدق.
…
في القسم…
واجه الضابط الأم بما قالته زوجة ابنها.
لكنها أنكرت كل شيء.
أما الخال…
فادعى أنه جاء فقط لزيارة أخته.
إلا أن مفاجأة جديدة قلبت التحقيق.
دخل خبير الأدلة الرقمية وهو يحمل هاتفًا قديمًا.
وقال:
ـ لقينا ده تحت مرتبة في القبو.
نظر الزوج إلى الهاتف.
كان هاتف زوجته القديم.
قال الخبير:
ـ كان مكسور.
لكن قدرنا نستخرج التسجيلات الصوتية.
ضغط زر التشغيل.
وانطلق صوت الأم بوضوح:
“امضي يا بنت… وإلا هتفضلي هنا لحد ما محدش يعرفلك طريق.”
ثم جاء صوت الخال:
“كل يوم تأخير بيضيع علينا فلوس… خلصوا الموضوع.”
ساد صمت ثقيل.
حتى الضابط نفسه لم يتكلم.
أما الأم…
فبدأ لون وجهها يتغير.
لأول مرة…
ظهر عليها الخوف الحقيقي.
لكن قبل أن يقرر وكيل النيابة حبسهم…
دخل أحد أفراد الشرطة مسرعًا وهو يقول:
ـ يا فندم…
في واحدة بره بتقول إنها شاهدة على كل حاجة…
وإنها كانت ساكتة من الخوف…
لكن ضميرها مقدرش يسكت أكتر.
نظر الضابط نحو الباب وقال:
ـ دخلوها.
دخلت امرأة مسنة…
وما إن رآها الزوج…
حتى عرف أنها الجارة التي كانت تسكن في المنزل المقابل.
لكن ما قالته بعد جلوسها…
كشف أن هذه لم تكن أول مرة ترتكب فيها الأم مثل هذه الأفعال…
وأن هناك سرًا قديمًا مدفونًا منذ سنوات…
سيغير القض\ية بالكامل.
يتبع في الفصل الرابع…
الفصل الرابع: الشاهدة التي كسرت سنوات الصمت
دخلت المرأة العجوز بخطوات بطيئة، تستند إلى عصا خشبية.
كان عمرها يقترب من السبعين، لكن عينيها كانتا تحملان خوفًا قديمًا لم تستطع السنوات أن تمحوه.
جلست أمام الضابط، وظلت تنظر إلى الأم لثوانٍ طويلة.
أما الأم…
فقد شحب وجهها.
وقالت بصوت مرتفع:
ـ دي ست خرفت… متسمعوش كلامها.
لكن المرأة لم تلتفت إليها.
وقالت بهدوء:
ـ أنا جاية أقول الحقيقة… حتى لو اتحاسبت إني اتأخرت.
فتح الضابط دفتر التحقيق.
ـ اتفضلي.
تنهدت العجوز طويلًا.
ثم قالت:
ـ أنا جارتهُم من أكتر من عشرين سنة… وشوفت حاجات كتير.
لكن أول مرة أخاف كانت بعد وفاة والد الولد ده.
أشارت إلى الزوج.
ثم أكملت:
ـ من يومها وهي بقت شايفة البيت والميراث ملك ليها لوحدها.
كانت أي حد يعترضها… تتحول لإنسانة تانية.
سألها الضابط:
ـ تقصدي إيه؟
قالت:
ـ أقصد إنها كانت بتحب تتحكم في كل الناس.
حتى أولادها.
كانت دايمًا تقول…
“اللي يخرج عن كلامي… يندم.”
نظر الزوج إلى الأرض.
تذكر طفولته.
تذكر الضرب.
والإهانات.
وكيف كان والده دائمًا يطلب منه الصمت.
قالت العجوز:
ـ لكن اللي حصل مع مرات ابنها… مش أول مرة.
رفع الضابط رأسه بسرعة.
ـ يعني إيه؟
أخرجت من حقيبتها ظرفًا قديمًا.
وقالت:
ـ قبل عشر سنين… كان فيه بنت اشتغلت عندهم.
كانت يتيمة.
مالهاش حد.
ولما طلبت مرتبها…
اختفت.
ساد الصمت.
قال الضابط:
ـ اختفت؟
أومأت برأسها.
ـ يومها بلغت الشرطة.
لكن أم الولد قالت إنها سابت الشغل وسافرت.
والملف اتقفل.
فتح الضابط الظرف.
وجد صورة قديمة.
لفتاة في أوائل العشرينات.
وخلف الصورة…
ورقة صغيرة مكتوب فيها بخط مرتجف:
“لو حصلي حاجة… دوروا في بيتهم.”
نظر الضابط إلى الأم.
كانت المرة الأولى التي تفقد فيها رباطة جأشها.
صرخت:
ـ دي كدابة.
دي بتنتقم مني.
لكن الضابط لم يرد.
…
في الوقت نفسه…
كان رجال الأدلة الجنائية يعيدون تفتيش المنزل بالكامل.
لم يتركوا غرفة.
ولا حائطًا.
ولا قطعة أثاث.
وعندما وصلوا إلى القبو مرة أخرى…
لاحظ أحدهم أن أرضيته ليست متساوية.
طرق عليها بمطرقة صغيرة.
صدر صوت مختلف.
أمر بإزالة البلاط.
وبعد ساعات من العمل…
ظهرت حفرة إسمنتية مغلقة حديثًا.
وقف الجميع في صمت.
بدأ العمال يكسرون الخرسانة.
كانت الأم تراقب من بعيد.
وفجأة…
صرخت:
ـ سيبوا المكان ده.
مفيش حاجة فيه.
نظر إليها الضابط.
ثم قال ببرود:
ـ كملوا.
ازدادت ضربات المطرقة.
حتى انكسر آخر جزء من الغطاء.
لكن…
لم يجدوا ما توقعوه.
كانت الحفرة تحتوي على صندوق معدني كبير.
أخرجوه بصعوبة.
فتحوه.
فوجدوا داخله…
ملفات.
وعقود.
وشهادات ميلاد.
وصورًا قديمة.
وعددًا كبيرًا من المستندات.
لكن أكثر ما لفت انتباه الضابط…
دفتر أسود.
مكتوب على غلافه:
“الحسابات.”
فتح أول صفحة.
وجد أسماء…
وبجوار كل اسم…
مبالغ مالية.
وتواريخ.
وملاحظات غامضة.
وفي منتصف الدفتر…
وجد اسم زوجة الابن.
وبجواره جملة قصيرة:
“التوقيع قبل نهاية الشهر… أو تنفيذ الخطة الثانية.”
شعر الزوج بأن جسده كله ارتجف.
قال للضابط:
ـ يعني كانوا مخططين لكل حاجة؟
أغلق الضابط الدفتر ببطء.
وقال:
ـ واضح إن احتجاز مراتك كان خطوة ضمن خطة أكبر بكتير.
لكن المفاجأة الحقيقية…
كانت في آخر صفحات الدفتر.
وجد الضابط اسمًا لم يكن أحد يتوقعه.
اسم محامٍ مشهور في المدينة.
وتحته عبارة:
“كل الأوراق جاهزة… بمجرد التخلص من العقبة.”
رفع الضابط رأسه.
وقال:
ـ القض\ية دي مش قض\ية أسرة بس…
دي ممكن تكون شبكة تزوير كاملة.
وفي اللحظة نفسها…
رن هاتف الضابط.
استمع لثوانٍ.
ثم تغير لون وجهه.
قال وهو يغلق الهاتف:
ـ المستشفى اتصلت…
حد حاول يدخل أوضة زوجتك منتحل صفة ممرض.
والمفاجأة…
إنه هرب قبل ما حد يمسكه.
نظر الزوج إلى الضابط وقد عاد الخوف إلى قلبه.
إذا كانوا فشلوا في إسكاتها داخل المخزن…
فهل يحاولون إسكاتها الآن…
قبل أن تدلي بأقوالها؟
يتبع في الفصل الخامس…

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *