قرض
بعد شهر من جوازى نزلت شغلى مره تانيه روحت البيت لقيت حمايا مستنينى وقاعد مع جوزى قولت عادى يمكن زياره عاديه قومت حضرت الغدا وبعدها المشاريب ودخلت ارتاح لقيت حمايا بيقولى
ـ تعالى يا صباح انا عايز اكلمك شويه
ـ خير يا عنى اتفضل
ـ انا عايزك تعمليلى قرض بضمان مرتبك قرض ب ٧٠.٠٠٠ الف جنيه
وقتها سكت مش عارفه اقوله ايه وجوايا سؤال ليه بيطلب منى طلب زى ده وليه ماطلبتش من ابنه مثلا
ـ معلس يا عمى قرض زى ده هيسحب نص مرتبى
ـ منا عارف آمال احنا سيبينك بتشتغلى ليه ومش بنقولك تنزلى تخدمى مع حماتك وسلايفك عشان كده إحنا عندنا الستات نوعين نوع بيخدم بلقمته ونوع تانى طالما سايبينه ومدينه حريه القرار ومابنطلبش منه يعمل حاجه يبقى يساعد بفلوس
وعشان كده يا تعملى القرض وتجيبى الفلوس يا وقتها هتسيبى الشغل خالص وتنزلى تخدمى مع سلايفك تحت وتطلعى شقتك على النوم
بصيت لجوزي مستنية منه أي رد، مستنية يثور عشان كرامتي، أو على الأقل يقول كلمة حق.. لكنه كان قاعد حاطط عينه في الأرض وبيلعب في تليفونه، وكأنه مش سامع أبوه وهو بيخيرني بين شقايا وتعبي وبين إنه يهد مستقبلي.
نطقت بالعافية والصدمة لجمة لساني:
ـ وأنت إيه رأيك يا أحمد؟ ساكت ليه؟ عاجبك الكلام ده؟
رفع عينه من التليفون ببرود يقهر، بصلى وبص لأبوه ورجع بص في الأرض تاني وهو بيعدل قعدته وقال بنبرة هادية ومستفزة وكأنه بيتكلم في موضوع عادي:
ـ وأنا هقول إيه يا صباح؟ ما هو كلام أبويا صح، إحنا مش هنشيل هم بيتك ومصاريفك وفي الآخر مرتبك يفضل في جيبك ليكي لوحدك، يا تسندينا في وقت زنقة وتعملي القرض، يا تقعدي في بيتك وتخدمي زي بقية ستات العيلة.. وأهو على الأقل توفري مصاريف لبسك ومواصلاتك للشغل.
الكلام نزل عليا زي المية الساقعة، دموعي اتجمدت في عيني من كتر الصدمة. الراجل اللي وافقت أتجوزه عشان يكون سندي وضهري، بايعني في أول محطة وموافق إن أبوه يبتزني بشقايا وتعبي!
بصيت لحمايا اللي كان قاعد وحاطط رجل على رجل، والابتسامة مرسومه على وشه بتقول إنه انتصر خلاص، وإنهم مرتبين القعدة دي مع بعض من قبل ما أدخل من باب الشقة.
ـ ها يا صباح؟ قولتِ إيه؟ حمايا سألني بنبرة فيها تحدي وعينيه ماليانة جشع مش عايزين نضيع وقت، عشان لو مش موافقة على القرض، من بكرة الصبح تجهزي نفسك تنزلي المطبخ تحت مع سلايفك، من النجمة فيه خبيز وتنضيف.
حسيت إن الحيطان بتلف بيا، سبعين ألف جنيه! يعني هعيش تلات أربع سنين باخد نص مرتب، بشتغل وأتبهدل في المواصلات عشان أدفع تمن “حرية” هما اللي مفصلينها على مقاسهم؟ ولو رفضت، هبقى مجرد خدامه بلقمتها في بيت عيلة مبيعرفش معنى الأصول.
بصيت لأحمد تاني، كنت مستنية أشوف في عينه أي نظرة ندم أو كسوف، لكنه رجع يمسك تليفونه تاني ويقلب فيه بلامبالاة كأن الموضوع ملوش علاقة بيه.
وقتها بس عرفت إن السكوت مش دايما علامة الرضا، السكوت ساعات بيبقى صدمة بتفوقك على حقيقة ناس كنتِ فاكراهم عزوتك. أخدت نفس طويل، وحاولت أجمع كل ذرة قوة جوايا عشان صوتي ما يترعش قدامهم..
وقفت على رجلي وأنا سانده على دراع الكنبة، كنت حاسة إن ركبي مش شايلاني، بس كان لازم أبان قوية.. القوة دي كانت الحاجة الوحيدة اللي باقية لي وسط المزاد اللي هما فتحوه على حسابي وحساب كرامتي.
بصيت لحمايا بثبات، وحاولت أخلي نبرة صوتي حاسمة على قد ما أقدر، وقولتله:
ـ تمن بهدلتى في المواصلات وشقايا طول الشهر يا عمي محدش ليه شوق فيه، الفلوس دي تعبي وعرقي، والقرض ده لو اتعمل هياكل نص عمري الجاي في السداد.. أنا مش هعمل قروض، ومش همضي على ورقة واحدة تربط رقبتي لسنين قدام.
حمايا وشه اتقلب ١٨٠ درجة، ملامحه اتخشنبت وعينيه ضيقت بغل، ونزل رجله من على الركبة التانية وقام وقف وهو بيزعق:
ـ بقى كدا؟ ده أولها؟ يعني بتكسري كلامي في بيتك ومن أول شهر جواز؟ ماشي يا بنت الأصول.. من النجمة تمنعي نزول الشغل، وتنزلي لحماتك تشوفي وراكي إيه، واللبس اللي كنتِ بتنزلي بيه الشغل ده يتشال في الدولاب، ملوش عازة عاد.
أحمد في اللحظة دي ساب التليفون أخيرًا، بس مش عشان يدافع عني، قام وقف جنب أبوه وبصلي بنظرة لوم تفتح النفس على النكد وقال:
ـ إنتِى اللي اختارتِى يا صباح، أبويا كلمك بالذوق وإنتِ اللي نشفتِ دماغك.. فمتبقيش تزعلي بقا من اللي هيحصل، جهزي نفسك من بكرة عشان تبيضي وشي قدام عيلتي.
الكلام كان بيطلع منهم وكأنهم بيحكموا على جارية اشتروها من سوق النخاسة، مش بني آدمة ليها كيان وشغل وكرامة. حسيت بغثيان من شكل أحمد وهو واقف تابع لأبوه، معندوش حتى ريحة الرجولة اللي تخليه يقول “دي مراتي وده مالها الخاص”.
بصيت ليهم هما الاتنين، ودخلت أوضتي وقفلت الباب ورايا.. قعدت على السرير وجسمي كله بيترعش، مش من الخوف، من القهر. دموعي نزلت أخيرًا بس مكنتش دموع ضعف، كانت دموع غضب.
الساعة كانت بتعدي بسرعة، والليل عمال يليل، وبكرة الصبح قرب.. وأنا قاعدة في الأوضة بفكر، يا ترى هسلم رقبتي ليهم وانزل اشتغل تحت وأدفن مستقبلي، ولا هقلب الطاولة على الكل وأوريهم صباح التانية اللي لسه معرفوهاش؟
سمعت صوت باب الشقة بيتقفل، وعرفت إن حمايا نزل وسابلي أحمد عشان “يربيني” أو يخليني أعيد حساباتي. ثواني وباب الأوضة اتفتح من غير ما يخبط، دخل أحمد ووشه ملوش ملامح، قفل الباب وراه ووقف ساند ضهره عليه وهو مربع إيديه وقال بنبرة باردة:
ـ هتقعدي تكتبيلي قصة مأساوية وتعيطي؟ أبويا نزل وهو على آخره منك، وبصراحة عنده حق.. إنتِ كبرتِ الموضوع ونشفتِ دماغك على الفاضي، ومطلعتنيش راجل قدام أبويا.
ضحكت بوجع، ضحكة مكتومة طلعت من وسط دموعي وقومت وقفت قدامه:
ـ طلعتك مش راجل؟ وهو فين الراجل ده يا أحمد؟ الراجل اللي قاعد يتفرج على أبوك وهو بيبتز مراتك وبايع شقاها؟ إنت كنت عارف بقعدة أبوكودي وعارف هو جاي يطلب إيه، صح؟ عشان كده كنت حاطط عينك في التليفون ومستني السيناريو يخلص.
ـ جرى إيه يا صباح! جرى إيه يا بنت الناس ولمي لسانك! *زعق وهو بيقرب مني وعينيه بتطق شرار* أبويا مش بيبتزك، أبويا بياخد حق القعدة في بيت عيلته، إحنا هنا عيلتنا كدا، الكبير كبير والكل بيمشي على خطاه.. وإنتِ مفكرة نفسك إيه؟ دكتورة؟ دي حتة وظيفة لا راحت ولا جت، وقرض بسبعين ألف مش هو اللي هيجوعك، إنما العناد هو اللي هيخرب بيتك.
ـ طالما هي حتة وظيفة لا راحت ولا جت، مطلبتش ليه من أبوك يعمل هو القرض؟ ولا بلاش أبوك، ليه مقولتش أنا راجل البيت وأنا اللي هسد؟ *صوتي علي غصب عني وأنا بشاور في وشه* جايبين تمن الجواز من دمي وعرقي؟
أحمد وشه احمر وعروق رقبته برزت، حسيت للحظة إنه هيمد إيده، بس كتم غيظه وقال وهو بيجز على سنانه:
ـ تمام.. أنا مش هتناقش معاكي وأنتِ في الحالة دي، المنبه بتاعك يظبط على الساعة خمسة الصبح، بس مش عشان تلبسي وتنزلي الشغل.. عشان تنزلي تحت للمطبخ، وأنا نازل أسهر مع صحابي ولما أرجع مش عايز اسمع صوت نفس في الشقة.
سابني ورزع الباب وراه، وسمعت صوت باب الشقة الخارجي بيترزع وراه بقوة هزت الحيطان وهزت قلبي معاها.
قعدت على الأرض مكاني، وبصيت حواليا في الشقة اللي مكملتش فيها شهر.. كل ركن فيها كان لسه بريحة الفرحة اللي ماتت قبل ما تتولد. الفجر بدأ يقرب، ونور الصبح بدأ يشق عتمة الأوضة، وأنا لسه صاحية.. عقلي مبيقفش عن التفكير، والمنبه فاضل عليه دقايق ويرن عشان يعلن بداية “المعجنة” اللي هما مفصلينها ليا
هما من قبل الجواز عارفين بيعملوا ايه وحاسبين نص مرتبى بالمللى يعمى من البداية واخدنى موظفه عشان ياخدوا نص مرتبى ليهم
بس أنا خلاص، أخدت قراري
قمت من على الأرض ووقفت قدام المراية، مسحت دموعي بكف إيدي وخدت نفس طويل وعميق. ملامحي المكسورة المقهورة اتبدلت لملامح تانية خالص، ملامح واحدة قررت إنها مش هتدفع تمن “سكوت” جوزها ولا “طمع” حماها من كرامتها وصحتها.
المنبه رن.. الساعة بقت خمسة الصبح.
صوته المزعج كان بيعلن بداية المعركة. قفلته بهدوء تام، ومسكت تليفوني.. فتحت الأبلكيشن وطلبت “أوبر”، وحددت وجهة المشوار: مكان الشغل
بدأت أتحرك في الشقة زي الساحر اللي بيرتب لخدعته الأخيرة. فتحت الدولاب، ممدتش إيدي على لبس البيت ولا العبايات اللي حمايا قالي انزلي بيها المطبخ، أنا طلعت أشيك طقم خروج عندي، كويته ولبسته، وحطيت ميك اب خفيف عشان يداري الهالات السوداء والوجع اللي تحت عيني. كنت عايزة أمشي وأنا في كامل أناقتي وقوتي، مش مكسورة ولا هربانة.
لميت في شنطة يد كبيرة كل أوراقي المهمة: بطاقتي، شهادة تخرجي، عقد تعييني في الشغل، ودهبى كله اللي كانت في الدرج.. مسبتش ورايا قشاية واحدة تخصني وتخليني أحتاج أرجع أو أتفاوض معاهم.
الساعة بقت تمنية إلا ربع، وصوت كلاكيس العربيات في الشارع بدأ يعلى. تليفوني رن، الكابتن وصل ومستنيني تحت الشقة.
شيلت الشنطة على كتفي، وبصيت للشقة بوجع ملوش تمن، بس بنظرة وداع أخيرة. وأنا نازلة على السلم، لمحت باب شقة حماتي مفتوح على بحري، وصوت المواعين شغال، وسلايفي صوتهم طالع وهما بيبدأوا يومهم. حمايا كان واقف في الصالة تحت بجلابيته، أول ما شافني نازلة بالطقم والشياكة دي والشنطة في إيدي، عينه وسعت وصوته طلع مذهول ومبرق:
ـ على فين يا ست صباح؟ إنتِ مسمعتيش الكلام اللي قولته امبارح ولا إيه؟! إيه المرقعة واللبس ده على الصبح؟
وقفت على أول درجة في المدخل، وبصيتله بثبات هز الأرض تحت رجليه، وقولتله بصوت عالي وواضح سمّع البيت كله، من أول حماتي وسلايفي في المطبخ لحد أحمد اللي نايم فوق:
ـ أنا رايحة شغلي يا عمي، الشغل اللي بسببه مبمدش إيدي لحد، ولا بعمل قروض عشان أرضي طمع حد.. والبيت اللي الستات فيه بتتقسم لنوعين يخدموا بلقمتهم، ميتشرفش بوجودي فيه. أحمد نايم فوق، لما يصحى قولوا له إن صباح سابتلك الشغل والبيت كله.. وروني بقى هتعملوا القرض بضمان مين!
لفيت ضهري ومشيت بثقة وسرعة، من غير ما أبص ورايا، وركبت العربية اللي كانت مستنياني، والباب اتقفل ورايا وكأنه بيقفل صفحة أسوأ شهر في حياتي، وبداية لرد اعتباري.
العربية بدأت تتحرك، وأنا باصة من الشباك على البيت وهو بيبعد عن عيني. ضربات قلبي كانت سريعة جداً، لدرجة إني كنت حاسة بصوتها في وداني، بس المرة دي مكنش خوف.. كان أدرينالين الحرية، إحساس إنك أخدتِ حقك بإيدك قبل ما حد يدوس عليكِ.
طلعت تليفوني، أول حاجة عملتها إني كلمت أبويا. أول ما سمعت صوته بيقول “أهلاً يا صباح يا بنتي”، دموعي اللي حبستها طول السكة نزلت غصب عني. حكيت له كل حاجة في دقيقتين، من أول طلب القرض لغاية وقفتي في المدخل. صوت أبويا اتقلب من الحنان للغلان، وقالي بكلمة واحدة هزتني:
ـ “تعالي يا بنتي، بيتك ومطرحك مفتوح لك، والراجل اللي ميتصدرش لمراته في أول قلم، ملوش أمان.. متخافيش، ضهرك عايش.”
كلمات أبويا كانت المصل اللي داوى كل القهر . نزلت من العربية قدام شركتي، دخلت وراسي مرفوعة، زمايلي في الشغل استقبلوني بترحيب عادي، ميعرفوش إن البني آدمة اللي واقفة قدامهم دي لسه طالعة من معركة حياة أو موت. قعدت على مكتبي وبدأت أشتغل بتركيز غريب، وكأن الشغل ده هو طوق النجاة الوحيد اللي متبقي لي في الدنيا.
الساعة جت حداشر الصبح.. والتليفون بدأ يزن.
أحمد.
سبته يرن مرة واتنين وتلاتة ومردتش. بعد كده بدأت الرسايل تنزل على الواتساب زي المطر:
“إنتِ اتجننتِ يا صباح؟”
“إزاي تمشي من البيت وتفضحينا قدام أبويا وسلايفي؟”
“أبويا قالب الدنيا وعمي كلمني، إنتِ نزلتي الشغل وكمان سايبة البيت ورايحة لأهلك؟”
“ردي عليا بدل ما أقسم بالله هتشوفي مني وش عمرك ما شوفتيه!”
سيبت التليفون يتهز على المكتب لحد ما خلصت التاسك اللي في إيدي تماماً. أخدت نفس طويل، وفتحت الشات، وكتبت له رسالة واحدة مفيش غيرها:
“الوش اللي عندك وريهوني يا أحمد، مابقاش يفرق معايا. أنا في شغلي، وبعد الشغل أنا في بيت أبويا. لو عايز تتكلم، مكانك مش على الواتساب.. مكانك في صالون بيت أبويا، وتجيب معاك الراجل اللي مالي عينك عشان يقعد قصاد الراجل اللي مالي عيني.. ده لو عندك شجاعة تواجه أصلاً.”
عملت للموبايل “سايلنت” وحطيته في الشنطة. حسيت براحة مابعدها راحة، اللعبة اتغيرت، والكورة مبقتش في ملعبهم.. هما دلوقتي اللي لازم يلفوا حوالين نفسهم عشان يداروا فضيحتهم قدام الناس، وأنا؟ أنا صباح اللي شقاها وتعبها خط أحمر، واللي لسه الحكاية معاها طويلة.
مر باقي اليوم في الشغل وأنا حاسة إن كل دقيقة بتعدي بتزيدني ثبات. ركبت المواصلات وروحت على بيت أبويا، البيت اللي عشت فيه كرامتي مصونة قبل ما أدخل تجربة الجواز الفاشلة دي. أول ما فتحت الباب، لقيت أمي مستنياني بدموع وفاتحة لي دراعاتها، وأبويا قاعد في الصالة، وعلى وشه علامات الغضب والجدية اللي عمري ما شوفتها فيه قبل كده.
قعدت وسطهم، وبدأنا نتكلم، وأبويا قالي كلمة ريحت قلبي:
ـ “يا صباح، الفلوس تروح وتيجي، والشغل يتعوض، إنما الكرامة لو اتخدش منها سنتي واحد مش هتعرفي تعيشي راسك مرفوعة تاني. إنتِ صح، واللي عملتيه هو الأصول.”
على الساعة تمانية بالليل، تليفون أبويا رن. كان أحمد.
أبويا رد عليه ببرود شديد وصوت جهوري:
ـ “أهلاً يا أحمد.. آه صباح عندي.. الكلام مش في التليفون يا ابن الناس، إنت وأبوك تنورونا بكرة بعد صلاة العشا، والبيوت ليها أبواب.” وقفل السكة من غير ما يديله فرصة ينطق بكلمة واحدة.
تاني يوم، كان أصعب وأطول يوم تعدى عليا في حياتي. رحت شغلي ورجعت، جهزت نفسي وقعدت في أوضتي مستنية. الساعة جت تسعة، وجرس الباب رن.
دخل أحمد ومعاه أبوه، ومن صوت حمايا وهو داخل وبيسلم، كان باين إنه جاي وعامل حساب لـ “دخلة” حامية عشان يداري على موقفه. قعدوا في الصالون، وأبويا طلب من أمي تدخلي عشان أكون حاضرة القعدة.
دخلت وسلمت بهدوء وقعدت جنب أبويا. حمايا مكدبش خبر، وبدأ الكلام بنبرة هجومية:
ـ ” جرى إيه يا حاج؟ إحنا جايين ناخد مرآة ابننا اللي سابت بيتها من النجمة وخرجت من غير إذن، ووقفت في وسط بيت العيلة تعلي صوتها عليا.. ده يرضي ربنا؟ إحنا شاريين بنت الأصول، بس الأصول بتقول إن الست تطيق جوزها وأهل جوزها!”
أبويا سكت خالص، ملامحه كانت هادية لدرجة تخوف. بص لحمايا وقال بنبرة واثقة:
ـ “والأصول برضه يا حاج بتقول إن الراجل لما يتجوز، بيفتح بيت بماله وبشقاه، مش بيروح يمد إيده لمراته وياخد شقاها وتعبها عشان يسد بيه طلبات مالهاش لازمة. بنتي مش جاية تشتغل عندكم، ولا جاية تعمل قروض تسد بيها طمع حد. بنتي بتشتغل عشان كيانها، وفلوسها ليها لوحدها.”
أحمد اتدخل وحاول يعلي صوته:
ـ “يا عمي أنا جوزها، وليا كلمة عليها، وهي كبرت الموضوع وسابت البيت من غير إذني!”
أبويا لف له وبصله بنظرة خلت أحمد يسكت تماماً، وقاله:
ـ “كلمتك بتمشي لما تكون راجل في بيتك وحامي مراتك، مش واقف تتفرج على أبوك وهو بيبتزها ويخيرها بين كرامتها وبين شغلها وإنت بتلعب في التليفون. اللي يبيع مراته في أول شهر عشان يرضي أبوه، يبقى لسه مش جاهز يفتح بيت.”
حمايا وشه احمر وزعق:
ـ “يعني إيه يا حاج؟ الكلام ده معناه إيه؟ البنت هترجع معانا ولا لأ؟”
أبويا قام وقف، وبص ليهم هما الاتنين وقال بكل حسم:
ـ “بنتي مش هترجع غير بشروطي.. شقة لوحدها بعيد عن بيت العيلة، ومالهاش دعوة بحد، وشغلها خط أحمر ومحدش يفتح سيرة قرش واحد من مرتبها. لو موافقين، نكتب الكلام ده في ورقة، مش موافقين.. يبقى كل حي يروح لحاله، وبنتي في بيت أبوها معززة مكرمة.”
أحمد وبأبوه بصوا لبعض بصدمة، مكنوش متوقعين إن الرد هيكون بالقوة دي، ولا كانوا فاكرين إن صباح اللي دخلت بيتهم هادية ومطيعة، وراها ضهر يهد جبال عشان خاطر كرامتها.
حمايا وقف هو كمان، ووشه جايب ألوان من الغيظ، وبص لأبويا وهو بيعدل عمايله وقال بصوت حاد ومليان غل:
ـ شقة برة؟ وشروط وورق؟ جرى إيه يا حاج، إنت باينك نسيت إننا اللي شاريين، والظاهر إنك دلعت بنتك زيادة عن اللزوم لحد ما نسيت الأصول وطوعتها على خراب بيتها! إحنا معندناش حريم تكسر كلمتنا، وابني مش هيتلوى دراعه بسبب حتة موظفة!
أبويا متهزش منه ولا سنتي، وفضل واقف ومربع إيديه، وبص له ببرود وقال:
ـ والله يا حاج، الدلع اللي يخلي بنتي راسها مرفوعة ومحدش ينهش في حقها، أنا أتشرف بيه. وابنك لو راجل وعايز بيته، هيعرف مصلحته فين، إنما لو الكلمة كلمتك والشورى شورتك، يبقى مالوش لازمة القعاد.
أحمد كان قاعد باصص للأرض، وشه كان حتة دم من الكسوف وقلة الحيلة، بس النرجسية والعند اللي جواه عموه، قام وقف جنب أبوه وبصلي بنظرة كلها وعيد وقال بصوت هادي بس مليان سم:
ـ بقى كدا يا صباح؟ بعتِ بيتك وجوزك عشان الفلوس؟ وعشان حتة الشغل ده بتشترطي على أبويا؟ تمام.. أنا مش هتنزل عن عيشتي وسط أهلي، والورقة اللي عمي عايز يكتبها دي مش هتمضي، والظاهر إنك مكنتيش تستاهلي الثقة اللي ادهالك أبويا.
بصيت له وابتسمت بسخرية، الوجع اللي كان جوايا اتمحى وبقى مكانه قرف حقيقي من الشخص ده. قومت وقفت جنب أبويا وقولت بصوت قوي ومسموع:
ـ أنا مبعتش بيتي يا أحمد، إنت اللي بعتني ووقفت تتفرج عليا وأنا بتباع. والفلوس اللي بتتكلم عنها دي فلوسي وتعبي، مش فلوس حد تاني عشان يطمع فيها. إنت اختارت أبوك وبيت عيلتك وطمعكم، وأنا اختارت كرامتي وضهري.. والباب يفوت جمل.
حمايا جز على سنانه وبص لأبويا وقال وهو بيتحرك ناحية الباب:
ـ يلا بينا يا أحمد.. سيبها في بيت أبوها لحد ما تصدي، هتقعد كدا لحد ما تعرف قيمتنا وترجع تبوس الإيدين عشان نرضى عنها، بس وقتها مش هنقبل بيها غير بشروطنا إحنا.
أبويا رد عليه وهو بيفتح لهم الباب الخارجي بكل برود:
ـ بنتي مابتصديش يا حاج، بنتي دهب، والدهب غالي وميقدروش عليه غير رجالة بجد بيعرفوا قيمته. مع السلامة، والجرام اللي جاي بيننا هيبقى عن طريق المحامين.
رزعوا الباب وراهم، والصالون رجع فيه الهدوء تاني. أمي دخلت وهي بتعيط وأخدتني في حضنها، بس أنا مكنتش بعيط.. كنت حاسة بنظافة في قلبي، وكأن هم كبير انزاح من على صدري.
أبويا قرب مني، حط إيده على كتفي وطبطب عليا وقال:
ـ متخافيش يا صباح، من بكرة المحامي هيتحرك، وحقك وقايمتك وكل مليم ليكي هييجي لحد عندك، والراجل اللي يبيع مراته في أول قلم، خسارته مكسب.
دخلت أوضتي بالليل، نمت لأول مرة من يومين وأنا مرتاحة، مفيش منبه هيصحيني على ذل، ومفيش قروض هتتخصم من شقايا. صحيت الصبح، لبست ونزلت شغلي وراسي في السماء، وعرفت إن النهاية دي مكنتش خراب.. دي كانت البداية الصح لحياتي.
مرت الأيام والأسابيع، والحياة بدأت تاخد مجراها الطبيعي. في الأول، مكنكرش إن كان فيه غصة في قلبي، الوجع مكنش على أحمد كشخص، الوجع كان على الصدمة، على أحلام بنت كانت فاكرة إنها بتبني بيت واستقرت، تكتشف في لحظة إنها كانت مجرد “مشروع استثماري” لعيلة تانية.
بس الشغل كان بيمتص كل طاقتي. كنت بنزل من النجمة، أركب مواصلاتي، أروح شركتي وأرمي نفسي وسط الأرقام والتاسكات. زمايلي بدأوا يلاحظوا التغيير اللي عليا؛ صباح القديمة الهادية المترددة اختفت، وبقت مكاها واحدة تانية، حاسمة، مركزة، وناجحة في كل حاجة بتطلب منها. المرتب اللي كانوا طمعانين في نصه، بقيت أحوش منه وأجيب بيه كل اللي نفسي فيه، ومبخلتش على نفسي ولا على بيت أبويا بمليم.
أما على الجانب التاني، المحامي بتاعنا مكنش بيمط في الوقت. رفعنا القضايا، وبدأت الإعلانات توصل لبيت حمايا في حدائق الأهرام. في الأول، حاولوا يظهروا الوش الخشب؛ أحمد بعتلي كام رسالة تهديد على الواتساب إنه مش هيطلق، وإنه هيسيبني “معلقة” لا طايلة سما ولا أرض، بس ردي كان دايماً البلوك التام. مكنتش بدخل معاه في جدال ملوش لزمة.
لحد ما جه اليوم اللي اتقلبت فيه الآية.
بعد حوالي شهرين، جرس الباب رن في بيت أبويا بالليل. كنت قاعدة في أوضتي بقرأ كتاب، وسمعت صوت لغط في الصالة. طلعت براحة، لقيت المفاجأة.. أحمد واقف مع عمّه الكبير، الراجل اللي العيلة كلها بتعمله حساب. بس أحمد مكنش وشه مفرود ولا عينه في الأرض بتبص في التليفون زي زمان.. كان وشه دبلان، باصص في الأرض بكسرة حقيقية.
أبويا استقبل عمّه بكل ذوق وأصول، وقعدنا كلنا. عم أحمد بدأ الكلام وقال:
ـ “يا حاج، إحنا جايين وجايبين معانا ابننا عشان نصلح الغلط. أحمد غلط، وأبوه غلط لما اتدخل في خصوصياتكم، بس الست العاقلة بتبني متهدش، وإحنا جايين نرضي صباح باللي تطلبه.”
أبويا بص لعمّه وقال بنبرة هادية بس قاطعة:
ـ “على راسي كلامك يا حاج.. بس الشروط اللي اتقالت زمان، اتغيرت دلوقتي. بنتي مش هترجع لشقة في بيت عيلة، وأحمد لازم يمضي على وصل أمانة بتمن الدهب اللي حاولوا يمنعوها تاخده، وشغلها خط أحمر ميتفتحش فيه بق.”
أحمد رفع عينه وبصلي، كانت نظرة ماليانة رجاء، وكأنه بيبوس إيدي بعينيه عشان أوافق وأنقذ منظره قدام عمه وقدام نفسه. حمايا مكنش معاهم، وعرفت بعدين إن عم أحمد منعه يجي عشان القعدة تمشي. أحمد اتكلم وصوته كان واطي ومكسور:
ـ “أنا موافق يا عمي.. موافق على كل اللي تقولوه. البيت تحت من غير صباح ملوش طعم، وأنا عرفت قيمتها لما مشيت.. البيت كله مقلوب، وأبويا نفسه عرف إنه غلط.”
بصيت لأحمد وطولت البصة.. حسيت للحظة إن الكبرياء اللي كان جواه اتهد، بس جوايا كان فيه سؤال أهم: هل الراجل اللي يتكسر بالسرعة دي قدام أهله وعمه، يقدر يكون ضهر حقيقي في المستقبل؟ ولا هيرجع يقلب عليا أول ما الأزمة تعدي؟
أخدت نفس طويل، ووقفت، وبصيت لعمّه ولقيت نفسي بقول الكلمة اللي هتحسم كل حاجة..
وقفت وبصيت لعم أحمد بكل احترام، وبعدين لفيت نظرتي لأحمد وقولت بصوت واثق ومفيش فيه لجلجة:
ـ أنا بشكرك يا عمي إنك جيت لحد هنا وشيلت الخطوة دي، على راسي من فوق.. بس أنا مش هرجع لأحمد.
الصالون كله سكت، وأحمد قام وقف من الصدمة، وعينيه وسعت وهو مش مصدق:
ـ مش هترجعي إزاي يا صباح؟ أنا جيتلك ووافقت على كل شروطك وكسرت كلمة أبويا وجبت عمي الكبير عشان نرضيكي! إنتِ عايزة تخربي بيتك بإيدك؟
رديت عليه ببرود وثبات ندموه على كل ثانية سابني فيها مقهورة:
ـ بيتي اتخرب يوم ما وقفت تتفرج على أبوك وهو بيخيرني بين شقايا وكرامتي ونزلت عينك في التليفون. إنت جاي دلوقتي مش عشان عرفت قيمتي، إنت جاي عشان المحامي علم عليكم والقضايا هزت صورتكم قدام الناس، وجاي عشان بيت العيلة مقلوب ومفيش حد يخدم تحت. الست اللي تكسرها وترخصها في أول شهر جواز، متستناش منها ترجع لما تفتكر إنك محتاجها.
عم أحمد اتمهد ووبص لأبويا كأنه بيستنجد بيه، بس أبويا ساند ضهره لورا ومبتسم فخر بيا، وقال لعمّه:
ـ البنت قالت كلمتها يا حاج، وأنا مع بنتي في اللي تختاره.. اللي ملوش خير في مراته من أول جولة، ملوش أمان في بقية العمر.
أحمد وشه اسودّ وبان عليه الغل القديم تاني لما حس إن محاولته الأخيرة فشلت، وزعق وهو ماشي ناحية الباب:
ـ تمام يا صباح.. طالما بعتِ وبترفضي الصلح، يبقى المحاكم بيننا، ومفيش مليم واحد هتشوفيه بالسهل!
وقفت قدامه وقولتله وأنا ببتسم:
ـ المحاكم دي اللي جابتك لحد هنا يا أحمد، وزي ما جابتك مكسور المرة دي، هتحيب حقي كله تالت ومتلت بالقانون. والباب اللي بره يفوت جمل.
خرجوا من الشقة والمرة دي الباب اتقفل وراهم للأبد. لفيت لأبويا وأمي وأنا حاسة بروح جديدة اتولدت جوايا.. روحت شغلي تاني يوم وراسي في السماء، وبقيت بشتغل وبكبر، وعرفت إن فيه نهايات بتبقى هي أعظم بدايات بنعيشها في حياتنا عشان نكتشف فيها قوتنا الحقيقية.
بعد كام شهر، كانت الجلسة الأخيرة في المحكمة. القانون مبيظلمش حد معاه حق، والمحامي بتاعنا قفل كل الثغرات. أحمد وأبوه لما لقوا إن القضايا داخلة في حيطة سد، وإن الحبس بقا قريب بسبب تبديد القايمة والنفقة، اضطروا يتنازلوا ويطلقوا بالمعروف عشان يلموا اللي باقي من برستيجهم قدام الناس في حدائق الأهرام.
يوم ما استلمت ورقة طلاقي، مكنش يوم حزن، كان يوم عيد. أخدت الورقة في إيدي وبصيت لاسم “صباح” المكتوب فيها، وحسيت إني بتولد من جديد.
مرت سنة كاملة على الحكاية دي.
في خلال السنة دي، حياتي اتغيرت ١٨٠ درجة. في الشغل، اترقيت وبقيت رئيسة القسم بتاعي، مجهودي وتعب وشقايا اللي كانوا عايزين يسرقوه بالباطل، ربنا باركلي فيه وبقى يدخلّي ضعف المرتب اللي كنت باخده زمان. اشتريت عربية صغيرة بقسط مريح من تعبي، وبقيت بروح بيها الشغل وراسي مرفوعة ومبقتش أتبهدل في المواصلات.
وفي يوم، وأنا راجعة من الشغل، وقفت في إشارة قريبة من منطقتهم القديمة. بصيت بالصدفة من شباك العربية، لقيت أحمد واقف على الرصيف.. ملامحه كانت دبلانة، لابس لبس مستهلك، وبان عليه الهم. لمحت جنبه واحدة باين عليها التعب والكسرة، وماشية وراه وهي شايلة أكياس تقيلة وهو حتى ممدش إيده يشيل عنها، وباباه واقف بعيد بيشاورلهم بزعيق.
عرفت وقتها إن الطبع عمره ما بيتغير، وإن ربنا نجاني من المستنقع ده في الوقت المناسب. أحمد بص ناحية العربية وعينه جت في عيني.. عرفني. شوفت في نظرته حسرة وندم عمري ما شوفتهم في حياتي، صدمته وهو شايف “صباح” اللي كان عايز يقعدها في المطبخ تخدم بلقمتها، وهي سايقة عربيتها وناجحة وفي كامل أناقتها وقوتها، كانت كفيلة تاخد لي حقي تالت ومتلت.
الإشارة فتحت، دوست بنزين ومشيت، ومبصيتش ورايا تاني.
أنا صباح.. البنت اللي رفضت تبيع كرامتها بسبعين ألف جنيه، واللي اختارت طريق الشقى والحرية والاعتماد على النفس، وربنا عوضها بإنها بقت صاحبة قرارها، ومفيش راجل في الدنيا يقدر يكسر عينها أو يلوي دراعها بقرش. الحكاية مكنتش حكاية قرض، الحكاية كانت درس عمري اللي عرفت بيه إن الضهر الحقيقي هو كرامتي، وشغلي، وأبويا اللي قالي في أول يوم: “يا بنتي، الدهب غالي، وميقدروش عليه غير رجالة بجد.”



