صدفه طارئه
دكتورة امتياز مرهقة بتركب العربية الغلط قدام المستشفى اللي شغاله فيها،وتنام فورًا من التعب… من غير ما تعرف إنها دخلت عربية سليم الحديدي، رجل أعمال ملياردير معروف ببروده وغموضه…
ريم عبدالسلام كانت مرهقة لدرجة إنها حتى ماخدتش بالها إن العربية دي مش عربيتها.
وده كان نوع التعب اللي ولا عشرة فناجين قهوة يقدروا يصلّحوه. التعب اللي بيستخبى في رجليك، ورا عينيك، وفي عضم ضهرك. التعب اللي يخلي الدنيا كلها ضباب حواليك… لحد ما كل عربية سودا واقفة قدام المستشفى تبان شبه التانية، وكل باب يبقى مجرد فرصة للهروب.
شيفتها في مستشفى السلام الدولي بدأت من واحد وتلاتين ساعة.
واحد وتلاتين ساعة كاملة.
مش لأنها كانت بتبص في الساعة. شاشة موبايلها اتكسرت تقريبًا بعد الساعة التسعتاشر، شروخ مالية الشاشة كلها، وماكانش عندها حتى دقيقة تهتم. جسمها هو اللي كان بيعد بدلها. ضهرها فاكر الترولي اللي زقّته لما الأسانسير عطل. رجليها فاكرة كل طرقة مشت فيها. عينيها بتحرقها لمبات المستشفى البيضا اللي كانت بتزن كأن المبنى نفسه تعبان.
المستشفى عمرها ما بتهدى.
وهي كمان ماوقفتش.
ولما أخيرًا خرجت من الباب الجانبي بعد نص الليل، هوا القاهرة البارد خبط فيها فجأة. الجو كان غريب… لا هو برد قوي ولا دافي، بس كفاية يخليك تشد الجاكيت عليك غصب عنك. عدلت شنطتها على كتفها ومشت ناحية صف العربيات السودة اللي واقفة قدام المستشفى.
ما بصّتش على النمرة.
هي أصلًا عمرها ما كانت بتبص.
بعد سنة تقريبًا من الشيفتات اللي بتنتهي الفجر، كل اللي بقى يفرق معاها إنها توصل لأي مكان هادي قبل ما جسمها ينهار.
باب العربية اتفتح.
الكنبة الخلفية كانت دافية… ضلمة… هادية. ريحتها جلد فخم وعطر هادي. ريحة ناس معاها فلوس بزيادة.
رمت نفسها على الكرسي، وسيبت الشنطة تقع على الأرض… ونامت قبل حتى ما الباب يتقفل.
مش نوم عادي.
إغماءة من التعب.
ماسمعتش السواق وهو بيقعد. ماحستش بالعربية وهي بتتحرك. ماخدتش بالها إن محدش سألها أصلًا رايحة فين.
لكن سليم الحديدي لاحظ كل حاجة.
كان قاعد في الخلفية، في نص مكالمة شغل فقد أعصابه فيها من نص ساعة، اللابتوب على رجله، لما بنت لابسة سكرابز فتحت الباب ودخلت عربيته كأنها بتعمل كده كل يوم.
مش بطريقة ملفتة.
بس بتقل مرعب.
كأن جسمها خلاص أعلن الاستسلام.
سليم سكت مكانه.
هو أصلًا راجل بيعرف يسكت. في الاجتماعات، سكوته كان بيخلي الناس تتوتر وتغلط. في البيزنس، كان بيعرف من السكات مين بيكدب. ولما تحصل حاجة غريبة… عمره ما كان بيتوتر.
كان بيحسبها بهدوء.
أول حاجة جت في دماغه إنه يوقفها. يقولها إن العربية غلط. يخلي السواق ينزلها.
بس ماعملش حاجة.
لأنها كانت نامت فعلًا.
خدها كان لازق في الإزاز. السماعة الطبية نازلة من على كتفها. وفيه أثر حبر أزرق على إيدها كأنها كتبت حاجة بسرعة وماخدتش بالها. شعرها كان مفكوك وخارج من أي تسريحة حاولت تعملها الصبح، بشكل خلاها تبان حقيقية… مش متصنعة.
كانت شبه حد شايل الدنيا كلها فوق ضهره… ووقع أخيرًا.
سليم قفل المكالمة من غير كلمة وقفّل اللابتوب.
في المراية الأمامية، مصطفى السواق بصله بنظرة قصيرة. الراجل بقاله عشرين سنة معاه وشاف حاجات كتير… لكن دي كانت جديدة.
سليم هز راسه بهدوء.
فالعربية كملت طريقها.
قال لنفسه إنه بس بيحاول يكون آدمي. البنت دكتورة وواضح إنها ميتة من التعب. صحيانها فجأة هيبقى قاسي. هيسيبها تنام شوية وبعدين يصحيها بهدوء.
قرار منطقي.
مرتب.
تحت السيطرة.
وسليم الحديدي كان بيعشق السيطرة.
بس الدقايق عدت…
وهو ماصحّهاش.
بدل كده فضل يبصلها.
مش النظرة اللي بيبص بيها للناس عادة… النظرة اللي بتدور على مصالح ونقط ضعف وكذب. دي كانت مختلفة. أهدى. وأخطر… لأنها من غير سبب واضح.
كان بيتابع نفسها وهي نايمة. حركة صوابعها الصغيرة. التعب المكتوب على وشها بصدق غريب.
وفي حاجة جواه اتحركت.
مش إعجاب… لسه.
يمكن إحساس إنه فاهم التعب ده أكتر ما يحب يعترف.
المطر الخفيف بدأ ينزل على شوارع القاهرة، والنور الأصفر بتاع الأعمدة كان بيترسم على الإزاز جنب وشها. اتحركت وهي نايمة وهمست بكلمة مش مفهومة، فسليم بص بعيد ثانية…
وبعدين رجع بصلها تاني.
“دي قمة العبث…” قالها جواه.
وكان لسه بيفكر كده…لما فتحت عينيها… ووو
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
الفصل الأول
ريم فتحت عينيها ببطء… ببطء مرعب كأن جفونها متخيطين ببعض من التعب.
أول حاجة شافتها كانت انعكاس نور الشارع على إزاز أسود غامق قدامها… وبعدها ريحة الجلد الفخم رجعت تضرب مناخيرها تاني.
هي مش في عربيتها.
الإدراك نزل عليها مرة واحدة.
اتعدلت فجأة بعنف لدرجة إن السماعة الطبية وقعت من رقبتها على رجلها، وبصّت حواليها بسرعة مرتبكة.
العربية واسعة بشكل مبالغ فيه. الإضاءة هادية. الشاشة اللي قدام السواق أكبر من تلفزيون بيتهم أصلًا. وفي آخر الكرسي المقابل… كان فيه راجل قاعد بيبصلها بهدوء قاتل.
بدلة سودا. ساعة شكلها تمن شقة. ووش هادي بطريقة تخوف.
ريم شهقت: — يا نهار إسود…
السواق رفع عينه للمراية بسرعة، لكن الراجل اللي قدامها ما اتحركش.
فقط قال بصوت منخفض وعميق: — صحيتي أخيرًا.
قلبها نط حرفيًا.
بصّت على الباب بسرعة… وبعدين عليه تاني. — أنا… أنا آسفة… دي مش عربيتي.
قال بهدوء: — واضح.
الطريقة اللي قالها بيها خلت وشها يحمر فورًا. إحراج. تعب. وخوف خفيف بدأ يزحف جواها.
إيدها نزلت بسرعة تدور على شنطتها اللي كانت مرمية تحت رجلها، ولمّا حاولت تنزل تاخدها العربية خدت مطب خفيف فمالت لقدام غصب عنها.
وفي ثانية…
إيده اتحركت.
مسك دراعها قبل ما تخبط.
اللمسة كانت ثابتة… دافية… ومفاجئة.
ريم رفعت عينيها فيه تلقائيًا.
وكان قريب.
قريب بشكل خلاها تاخد بالها لأول مرة من تفاصيله فعلًا. عينيه غامقين بشكل غريب. هاديين… لكن فيهم حاجة تقيلة. حاجة تخليك تحس إنه شايف أكتر مما بيقول.
سحب إيده بهدوء أول ما ثبتت نفسها. — خلي بالك.
بلعت ريقها بسرعة. — شكرًا.
الصمت وقع بينهم كام ثانية.
وبعدين قالت بسرعة وهي بتحاول تفتح الباب: — أنا آسفة جدًا والله… واضح إني لخبطت بين العربيات… أنا كنت مرهقة بس—
— واحد وتلاتين ساعة؟
بصتله باستغراب. — نعم؟
— شيفت واحد وتلاتين ساعة. ده اللي قولتيه وإنتِ نايمة.
ريم اتجمدت مكانها.
— أنا… كنت بتكلم؟
— همهمة أكتر منها كلام.
يا أرض ابلعيني.
غمضت عينيها ثانية وهي حاسة إنها عايزة تختفي. عمرها ما نامت قدام حد غريب بالشكل ده. وعمرها ما صحيت لقت نفسها في عربية راجل واضح إنه من النوع اللي الناس بتتوتر بس من اسمه.
وفجأة… عرفته.
سليم الحديدي.
الاسم نزل في دماغها زي الطوبة.
صورته كانت في الأخبار طول الوقت. مقابلات اقتصادية. شركات. مشاريع. حوارات عن “أصغر ملياردير دخل قائمة الشرق الأوسط”. وحتى الناس اللي مالهاش في البيزنس كانت تعرفه بسبب سمعته.
بارد. صعب. مابيضحكش.
وفي إشاعات أكتر من عدد شركاته.
ريم بصّتله بصدمة صغيرة: — حضرتك… سليم الحديدي؟
رفع حاجب بسيط جدًا. — للأسف آه.
رغم توترها… ضحكة صغيرة هربت منها غصب عنها.
ولأول مرة من أول ما دخلت العربية… زاوية فمه اتحركت.
ابتسامة خفيفة جدًا. لكن حقيقية.
مصطفى السواق لمحها في المراية واتصدم أكتر من ريم نفسها.
لأن سليم الحديدي نادرًا ما كان بيبتسم أصلًا.
ريم بلعت ريقها وقالت بسرعة: — أنا آسفة جدًا يا فندم. والله ما كنت أعرف. أنا فكرت العربية بتاعة أوبر.
— أوبر؟
بصت حواليها بإحراج. — بصراحة… أوبر غني جدًا.
المرة دي ابتسامته وضحت أكتر. خفيفة… لكنها موجودة.
وريم كأنها نسيت للحظة إنها قاعدة مع واحد الناس بتخاف تدخل مكتبه.
لكن اللحظة ماكملتش.
لأن موبايل سليم رن فجأة.
الاسم اللي ظهر على الشاشة خلا ملامحه كلها تبرد مرة واحدة.
“فريدة”.
رد باقتضاب: — نعم.
صوت ست انفجر من السماعة رغم إن المكالمة مش سبيكر: — أنت فين؟ الناس كلها مستنياك من ساعة!
سليم رد ببرود: — عندي شغل.
— الساعة واحدة ونص الصبح يا سليم! الشغل ده اسمه هروب.
ريم حاولت تبص بعيد فورًا وكأنها مش سامعة، لكن الصوت كان عالي.
الست كملت بعصبية: — باباك تعبان والناس كلها سألت عليك في العشا، وأنا زهقت من تبريراتك!
سليم سكت لحظة… وبعدين قال بنبرة أخفض وأخطر: — خلصتي؟
الصمت اللي بعد الكلمة كان متوتر بشكل خنق العربية كلها.
وبعدين قفل المكالمة.
من غير سلام.
ريم بصت للإزاز بسرعة، حاسة إنها دخلت بالغلط في حاجة خاصة جدًا.
لكن اللي لفت نظرها أكتر… إن وشه اتغير.
كل الهدوء اللي كان فيه من شوية بقى تقيل. جامد. كأن الباب اتقفل تاني.
وفجأة حست بحاجة غريبة… تعاطف.
رغم إنها ماتعرفوش.
سليم لاحظ نظرتها الجانبية فقال بدون ما يبصلها: — متبصليش كده.
اتوترت: — كده إزاي؟
— كأنك شفقة عليا.
ريم فتحت بقها… وقفّلته. وبعدين قالت بهدوء صادق: — يمكن علشان شكلك متضايق فعلًا.
سليم لف وشه ببطء وبصلها.
معظم الناس قدامه كانوا بيخافوا. بيجاملوا. أو بيحاولوا يكسبوه.
لكن البنت دي… قالت الجملة ببساطة مرهقة جدًا لدرجة إنها حتى مش فاضية تمثل.
وده كان غريب.
غريب بشكل شد انتباهه أكتر.
قال بعد ثواني: — وأنتِ؟ شكلك متضايقة فعلًا برضه.
ضحكت ضحكة قصيرة متعبة. — أنا طبيبة امتياز في مستشفى حكومي… دي الحالة الطبيعية.
سألها: — لسه صغيرة على كمية الإرهاق دي.
— ولسه الحياة هتدعكنا أكتر.
الجملة خرجت تلقائي. لكنها خلت سليم يبصلها تاني بنفس النظرة الهادية الطويلة.
العربية كانت لسه ماشية تحت المطر الخفيف. القاهرة بالليل حواليهم منورة ومرهقة ومبتنامش.
وسليم اكتشف فجأة إنه بقاله عشر دقايق بيتكلم مع حد… من غير ما يحس إنه مضطر يلبس القناع المعتاد.
وده لوحده كان خطر.
ريم أخيرًا لقت باب العربية وفتحته بسرعة أول ما العربية وقفت عند إشارة. — أنا هنزل هنا.
مصطفى بص لسليم تلقائيًا مستني أمره.
وسليم سأل بهدوء: — هنا فين؟
— أي حتة. هطلب عربية.
— الساعة اتنين الفجر.
— عادي.
— القاهرة مش آمنة للدرجة.
رفعت حاجبها بتعب: — وأنت مالك؟
السؤال فاجأه.
أي حد تاني كان هيعتبر اهتمامه مجاملة ضخمة. هي قالتها كأنها فعلًا مستغربة.
سليم رد بعد لحظة: — سؤال منطقي.
— وأنا ردي منطقي. متشكرة إنك ما رمتنيش في الشارع أول ما دخلت العربية بالغلط… بس خلاص.
مدت إيدها تاخد شنطتها. لكن أول ما شالتها وشها اتشد فجأة من الألم.
سليم لاحظ فورًا. — مالك؟
— مافيش.
— رجلك؟
سكتت ثانية… وبعدين قالت بضيق: — التواء بسيط من أسبوع.
— وبتمشي بيه شيفتات واحد وتلاتين ساعة؟
ضحكت بمرارة: — المستشفى مش بتسأل إذا رجلك واجعاك ولا لأ.
الصمت نزل تاني.
وبعدين سليم قال ببساطة: — مصطفى. وصّل الدكتورة.
ريم فتحت بقها تعترض: — لا لا مافيش داعي—
— ده مش طلب.
بصتله بعناد مرهق: — وأنا ماحبش آخد أوامر.
لأول مرة… عين سليم لمعت بحاجة شبه التسلية.
قال بهدوء: — واضح.
وبعدين مال لقدام شوية… صوته بقى أوطى: — بس إنتِ حرفيًا نامتي في عربيتي يا دكتورة. أظن خلصنا مرحلة الرسميات.
ريم اتكسفت بشكل فظيع لدرجة إنها بصت بعيد فورًا. ومصطفى كتم ضحكته بالعافية.
بعد لحظات تردد… قفلت الباب تاني وهي بتتنهد باستسلام: — ماشي.
العربية اتحركت.
وريم ماخدتش بالها إن سليم وهو باصص قدامه… كان بيفكر في حاجة واحدة بس.
إنه من سنين طويلة جدًا… ماحسش بالراحة دي مع حد.
يتبع
الفصل التاني
العربية اتحركت في شوارع القاهرة الهادية بعد نص الليل، وريم قاعدة جنب الباب كأنها مستعدة تهرب في أي لحظة، رغم إن رجليها نفسها كانت بتقولها: “لو قمتي دلوقتي هتقعي.”
كانت ماسكة شنطتها على حجرها بقوة، وبتبص من الإزاز كأنها بتحاول تثبت لنفسها إن اللي حصل مجرد موقف غريب وهيعدي. عربية غلط. راجل مشهور. كام دقيقة إحراج. وخلاص.
لكن المشكلة إن وجود سليم الحديدي في نفس المساحة ماكانش بيتنسي بسهولة.
كان ساكت.
مش ساكت عادي… لأ، ساكت بالطريقة اللي تخلي السكون نفسه يبقى له وزن.
ريم حاولت تتجاهله. ركزت في المطر الخفيف اللي بينزل على الإزاز، في نور المحلات المقفولة، في عامل واقف تحت تندة كشك بيشرب شاي، في موتوسيكل معدي بسرعة. أي حاجة غير إنها تبص ناحيته.
بس عينيها خانتها.
بصت بطرف عينها.
لقته ماسك موبايله، لكن مش بيكتب. الشاشة منورة بس، وإصبعه ثابت فوقها. ملامحه هادية، لكن فكه مشدود. المكالمة اللي جاتله من شوية واضح إنها سابت أثر، حتى لو هو عامل نفسه حجر.
ريم ماعرفتش ليه قالت: — باباك تعبان؟
سليم رفع عينه ببطء.
هي اتوترت فورًا: — آسفة… ماكانش المفروض أسأل. أنا سمعت بالغلط.
— الصوت كان عالي كفاية يخلي السواق اللي في العربية اللي ورانا يسمع.
ريم عضت شفايفها عشان ماتضحكش، بس فشلت. ضحكة صغيرة خرجت منها.
سليم بص قدامه تاني. — آه. تعبان.
— ربنا يشفيه.
قالها من غير ما يبص لها: — آمين.
لكن الكلمة خرجت تقيلة. مش تقيلة من قلة إيمان… تقيلة من تعب قديم.
ريم حسّت إن الموضوع مش مجرد مرض أب. فيه حاجة أكبر. علاقة مش سهلة. بيت مليان صمت أكتر من الكلام. وجع عائلي متغطي ببدل غالية وعربيات مصفحة.
فقررت تسكت.
لأنها طبيبة امتياز آه… بس مش كل جرح يتعالج بالسؤال.
العربية دخلت شارع أهدى. ريم بصت حوالين المكان، وفجأة انتبهت. — إنتوا رايحين فين؟
مصطفى قال بأدب من قدام: — حضرتك قلتي العنوان؟
ريم اتجمدت. — أنا ماقلتش عنوان؟
سليم بصلها بهدوء غريب. — لأ.
ريم غمضت عينيها بإحراج. — يا رب خدني.
مصطفى كح كتمًا للضحك.
سليم قال: — تحبي نوصلِك فين يا دكتورة؟
— مدينة نصر. شارع عباس العقاد… عند…
سكتت فجأة.
مش لأنها نسيت العنوان.
لكن لأنها افتكرت حاجة.
مفتاحها.
إيدها نزلت بسرعة على جيوب السكرابز، بعدها على شنطتها. فتحت السوستة بعصبية وبدأت تقلب فيها. سماعة. قلم. ورق روشتات. شاحن مقطوع. بسكوت مفتوح. كارت المستشفى. لكن مفيش مفتاح.
وشها بهت.
سليم لاحظ فورًا. — إيه؟
— المفتاح مش معايا.
— متأكدة؟
— آه… لا… ثانية.
قلبت الشنطة تاني بعنف أكتر. كأن المفتاح هيطلع من الخوف.
ماطلعش.
حست إن دماغها هتنفجر. بعد واحد وتلاتين ساعة، ركبت عربية غلط، نامت قدام واحد غريب، ودلوقتي مفتاح شقتها ضاع.
ضحكت ضحكة قصيرة، لكنها كانت أقرب للانهيار. — ممتاز. جميل جدًا. يوم تحفة.
سليم بص لها. — عندك حد معاه نسخة؟
ريم سكتت.
والسكوت ده قال أكتر من أي إجابة.
ماكانش عندها حد.
أو يمكن كان عندها… بس مش حد ينفع تتصل بيه الساعة اتنين الفجر.
قالت وهي بتحاول تبان عادية: — البواب غالبًا صاحي.
— غالبًا؟
— يعني… ممكن.
— وممكن لأ.
— أيوه، شكرًا على الدعم النفسي.
سليم ابتسم ابتسامة خفيفة جدًا. — دي مش دعم. دي قراءة وضع.
ريم سندت راسها على الكرسي بتعب. — أنا هتصرف.
الكلمة دي سليم سمعها بطريقة مختلفة.
“هتصرف.”
مش “هتصل بحد.” مش “حد هيساعدني.” مش “ممكن تعمل معروف.”
هتصرف.
كلمة ناس اتعودت تشيل نفسها بنفسها.
سليم قال لمصطفى: — على عباس العقاد.
— حاضر يا باشا.
ريم بصتله بسرعة: — لا، أنا ممكن أنزل في أي مكان وآخد تاكسي.
— قلتلك الساعة اتنين الفجر.
— وأنا قلتلك إنت مالك.
المرة دي سليم لف وشه لها بالكامل. — واضح إنك بتكرري السؤال لما بتتوترِ.
ريم سكتت لحظة، وبعدين قالت بعناد: — وواضح إنك بتدي أوامر لما بتقلق.
الكلمة وقعت بينهم.
“بتقلق.”
مصطفى حس إن الجو اتغير.
سليم ما ردش فورًا. عينيه فضلت ثابتة عليها. ريم نفسها اتفاجئت إنها قالتها. يمكن لأنها تعبانة. يمكن لأنها مش فايقة تحسب كلامها. يمكن لأن سليم الحديدي، رغم بروده، كان باين عليه فعلًا إنه مش عايز يسيبها تنزل لوحدها.
قال أخيرًا بصوت هادي: — أنا مش بقلق بسهولة.
ريم رفعت حاجبها: — مبروك.
— لكن لما دكتورة امتياز تنام في عربيتي بالغلط، وتطلع ضايعة مفتاحها، ورجلها مصابة، ومش عايزة تقول لحد… أظن القلق يبقى رد فعل طبيعي.
الجملة كانت منطقية.
وده ضايقها.
لأن ريم كانت بتكره لما حد يبقى معاه حق وهي مش عايزة تعترف.
فقالت بنبرة أخف: — هو حضرتك في اجتماعاتك كده برضه؟ بتغلب الناس بالمنطق لحد ما يسكتوا؟
— غالبًا.
— مؤذي.
— فعال.
ضحكت غصب عنها.
وسليم شاف ضحكتها.
كانت ضحكة صغيرة، مرهقة، طالعة من نص وجع وكسوف. لكن فيها حياة. حياة كتير.
وصلوا بعد حوالي ربع ساعة قدام عمارة قديمة نسبيًا في شارع جانبي متفرع من عباس العقاد. العمارة مش وحشة، بس باين عليها التعب. مدخلها ضيق، اللمبة اللي فوق الباب بتنور وتطفي، والشارع شبه فاضي.
ريم فتحت الباب بسرعة. — شكرًا جدًا. بجد.
وقبل ما تنزل، سليم قال: — هستنى لحد ما تدخلي.
بصتله. — مافيش داعي.
— فيه.
كانت هتجادله، لكن جسمها خانها. أول ما نزلت وحطت رجلها على الأرض، الألم ضرب كاحلها بقوة. اتماسكت في الباب بسرعة وهي بتكتم شهقة.
سليم نزل من الناحية التانية فورًا.
ريم اتخضت. — إنت نزلت ليه؟
— عشان واضح إن “هتصرف” قربت تنتهي بكسر.
مد إيده عشان يساعدها، لكنها اتراجعت خطوة. — أنا كويسة.
— كدابة.
بصتله بحدة. — حضرتك ماينفعش تقول لواحدة ما تعرفهاش كدابة.
— وينفع تكدبي على واحد ما تعرفيهوش؟
كانت هترد، لكن الألم خلا وشها يتغير. سليم ما استناش. قرب خطوة، من غير ما يلمسها فجأة، وقال: — اسندي على دراعي.
— لا.
— يا دكتورة.
— لا.
— ريم.
تجمدت.
اسمها منه كان مختلف.
هي ماقالتلوش اسمها… صح؟
بصتله باستغراب: — عرفت اسمي منين؟
سليم أشار بعينه للسماعة الطبية اللي متعلقة فيها بطاقة صغيرة مكتوب عليها: “Dr. Reem Abdelsalam – Intern”.
وشها احمر تاني. — آه.
— اسندي يا ريم.
المرة دي ماعرفتش تعترض.
مش عشان هو أمرها. لكن عشان نبرة صوته اتغيرت. بقت أهدى. أقرب. فيها شيء غريب يخلي المقاومة تبان مرهقة جدًا.
حطت إيدها بخفة على دراعه.
الدراع كان صلب تحت البدلة. ثابت. وهي فجأة حست بمدى تعب جسمها، كأن أول ما لقت حاجة تسند عليها، كل عضلاتها قررت تنهار.
سليم حس بثقلها الخفيف، لكنه ماعلقش.
وصلوا للمدخل. ريم خبطت على أوضة البواب.
مرة. اتنين. تلاتة.
مفيش رد.
خبطت أقوى.
صوت شخير ضعيف طلع من جوه.
ريم همست: — يا عم رجب… يا عم رجب افتح.
مفيش.
سليم بص للباب، وبعدين لها. — واضح إنه “غالبًا صاحي” فعلًا.
رغم الموقف، ريم ضحكت من غير نفس. — مش وقته شماتة.
— مش شماتة. توثيق.
حاولت تتصل بالبواب، لكن موبايلها كان فاصل. الشاشة المكسورة مطفية تمامًا.
رفعت الموبايل قدامه كأنها بتعلن الهزيمة. — الموبايل مات.
سليم مد إيده. — الرقم.
— رقم مين؟
— البواب.
— حافظاه؟ لأ طبعًا.
— حد من جيرانك؟
سكتت.
وشها قال إن مفيش.
سليم خد نفس بطيء. — عندك اختيارين.
— يا رب مايكونش فيهم إني أنام على السلم.
— ده اختيارك أنتِ غالبًا. أنا هقول الاختيارات العاقلة.
رفعت عينيها فيه بتحدي متعب. — اتفضل يا أستاذ عقل.
— يا إما نكسر الباب.
— نعم؟!
— يا إما تروحي مكان آمن لحد الصبح.
— أكسر باب شقتي؟ حضرتك طبيعي؟
— عندي ناس تصلحه قبل ما تصحي.
— لا طبعًا.
— يبقى الاختيار التاني.
ريم فهمت هو بيقول إيه قبل ما ينطق.
اتراجعت فورًا. — لا.
— أنا لسه ماقولتش.
— مش محتاج تقول.
— عندي جناح ضيافة في الفيلا. هتنامي كام ساعة، الصبح ترجعي تفتحي شقتك.
ريم بصتله كأنه قال أغرب حاجة في العالم. — أروح فيلا حضرتك؟
— آه.
— معاك؟
— ومع السواق، والخدم، والحراسة، وكاميرا مراقبة أكتر من مطار القاهرة.
— برضه لا.
سليم سكت.
هو كان متوقع الرفض. أي بنت عاقلة هترفض. بس الوضع ماكانش آمن. وهي واقفة قدامه بتتهز من التعب، ورجلها بتوجعها، وموبايلها فاصل، ومفيش حد بيرد.
قال بهدوء: — طيب. هحجزلك أوضة في فندق قريب.
— معيش بطاقة.
— مش محتاجاها.
— لا. مش هخلي حضرتك تدفعلي فندق.
— اعتبريها تعويض نفسي عن العربية الغلط.
— أنا اللي ركبتها!
— وأنا اللي سيبتك تنامي فيها.
الجملة خلتها تسكت.
لأن فيها اعتراف غريب.
كان ممكن ينزلها من الأول. كان ممكن يصحيها. كان ممكن يتعامل ببرود زي أي حد مكانه. لكنه ماعملش.
ريم بصتله في عينيه. — ليه؟
سليم فهم السؤال من غير شرح.
ليه سيبتني؟ ليه مهتم؟ ليه لسه واقف؟ ليه بتعرض تساعد واحدة غريبة؟
رد بعد لحظة: — معرفش.
وده كان أصدق جواب سمعته منه.
وأخطر جواب.
لأن سليم الحديدي، على ما يبدو، راجل ما بيحبش يقول “معرفش”.
الصمت طال.
وفجأة باب أوضة البواب اتفتح نص فتحة، وطلع عم رجب بجلابية مكركبة وعين نص مفتوحة. — مين؟ في إيه؟
ريم تنفست كأنها رجعت للحياة. — عم رجب! أنا ريم. مفتاحي ضاع. معاك نسخة؟
الراجل حك راسه وهو بيبص لسليم ومصطفى والعربية اللي واقفة قدام العمارة. عينه فتحت أكتر. — يا دكتورة… النسخة مع مراتك… أقصد مع مراتي… وهي عند أختها في شبرا.
ريم حست إن الأرض بتميد. — يعني مفيش نسخة؟
— لأ يا بنتي. أصل آخر مرة الكهربائي دخل خدها ورجعها لها.
سليم بص لها بنظرة معناها: “قلتلك.”
ريم بصتله بنظرة معناها: “اسكت.”
عم رجب قال: — تحبي أنده لك نجار؟
ريم بصت في الساعة اللي مش لابساها أصلًا، وبعدين للشارع الفاضي. — نجار الساعة اتنين ونص؟
— في واحد صاحبي بس بيشرب.
— لا شكرًا.
سليم تدخل بهدوء: — مفيش فندق قريب كويس؟
عم رجب بصله من فوق لتحت، ووشه اتغير لما عرف غالبًا إن ده مش أي حد. — فيه فندق في الطيران يا باشا، بس…
ريم قطعت كلامه: — لا فنادق.
سليم سألها: — ليه؟
ريم سكتت ثانية، وبعدين قالت بصوت أخفض: — عشان بكرة عندي شيفت تاني الساعة عشرة. ومفيش وقت لفنادق وإجراءات وفواتير ومواصلات. أنا ممكن أقعد على السلم ساعتين لحد ما مراته ترجع أو أي نجار يفتح.
سليم بص لها كأنها فقدت عقلها. — تقعدي على السلم؟
— آه.
— بعد واحد وتلاتين ساعة شغل؟
— أهو سلم العمارة بتاعتنا. مش غابة.
— لا.
كلمة واحدة.
قافلة.
ريم رفعت رأسها. — سليم بيه، أنا مقدرة مساعدتك، بس أنت مش مسؤول عني.
— عارف.
— يبقى—
— بس مش هسيبك على سلم.
النبرة ماكانتش عالية. لكنها كانت نهائية.
عم رجب وقف بينهم مش فاهم هو بيتفرج على إيه.
ريم حست إن طاقتها للجدال خلصت. حرفيًا خلصت. جسمها بيوجعها. دماغها بتزن. عينيها هتقفل وهي واقفة.
وفجأة العالم مال.
مش مجازًا.
ريم فعلاً اتمايلت.
سليم لحقها قبل ما تقع.
المرة دي مسكها من كتفها وخصرها بسرعة، وإحساس إن جسمها بقى خفيف في إيده خضه أكتر مما أظهر. وشها كان شاحب جدًا، وشفايفها فقدت لونها.
قال بحدة لمصطفى: — افتح العربية.
ريم حاولت تفتح عينيها. — أنا… كويسة…
— إنتِ هتسكتي خالص دلوقتي.
— ماينفعش تكلمني كده…
— ينفع لما تكوني على وشك الإغماء.
ساعدها تركب، وقعد هو جنبها. مصطفى اتحرك بسرعة.
ريم كانت حاسة بكل حاجة من ورا طبقة ضباب. صوت المطر. ريحة العطر. إيد سليم وهو بيقيس نبضها من معصمها بطريقة مش محترفة لكنها حذرة.
همست: — أنت بتعمل إيه؟
— بشوف لسه عايشة ولا لأ.
— دكتور بقى؟
— مستثمر في مستشفيات.
— مش نفس الحاجة.
— واضح.
كانت هتضحك، لكن الدوخة شدتها.
سليم قرب زجاجة مياه من إيدها. — اشربي.
شربت رشفات صغيرة.
بعد دقائق، بدأت ترجع لوعيها أكتر. لقت العربية ماشيه.
اتعدلت بسرعة. — إحنا رايحين فين؟
— الفيلا.
— لا!
— ريم.
— قولت لا.
— وأنتِ أغمي عليكِ تقريبًا.
— مغميش عليا.
— جسمك أعلن استقالته.
— جسمي درامي.
— وأنا مش فاضي أخد رأيه.
بصتله بغضب متعب: — أنت مستفز جدًا.
— وأنتِ عنيدة جدًا.
— دي حياتي.
— وحاليًا حياتك قاعدة في عربيتي للمرة التانية في نفس الليلة.
كانت هترد، لكن الجملة خلتها تضحك رغمًا عنها. ضحكت وهي حاطة إيدها على وشها.
ضحكة طويلة شوية. مرهقة. فيها دموع مستخبية.
وسليم سابها تضحك.
ماقاطعهاش.
لأن الضحكة دي كانت أقرب للانهيار من الفرح.
لما سكتت، قالت بصوت واطي: — أنا بجد مش متعودة حد يساعدني.
الجملة خرجت منها من غير ما تقصد.
سليم بص لها.
ريم كملت وهي باصة للإزاز: — مش بحب أحس إني تقيلة على حد. ولا بحب أدي فرصة لحد يقوللي بعدين “أنا عملتلك”. فبختار أتعب لوحدي أحسن.
سليم سكت ثواني.
وبعدين قال: — مش كل مساعدة دين.
ريم بصتله.
قال وهو باصص قدامه: — أحيانًا بتبقى… مجرد مساعدة.
— بتقولها كأنك بتحاول تقنع نفسك.
عينه اتحركت ناحيتها.
هي ابتسمت بخفوت. — آسفة. طبيعة شغل. بنشخص الناس غصب عننا.
— وشخصتيني بإيه؟
— حالة مزمنة من السيطرة، مع مضاعفات كتمان عاطفي.
مصطفى كتم ضحكته تاني، لكن المرة دي سليم سمعه. — ركز في السواقة يا مصطفى.
— حاضر يا باشا.
ريم ابتسمت.
وسليم، رغم نفسه، حس إن العربية بقت أدفى.
بعد حوالي نص ساعة، العربية دخلت بوابة حديد ضخمة في منطقة هادية. ريم بصت من الإزاز واتسعت عينيها.
الفيلا ماكانتوش مجرد فيلا.
كانت قصر صغير.
حديقة واسعة، إضاءة أرضية خافتة، أشجار عالية بتتحرك مع المطر، واجهة حجرية فخمة، شبابيك طويلة، وحراسة واقفة عند المدخل كأنها داخلة مبنى سيادي.
ريم قالت بصوت منخفض: — ده بيت ولا سفارة؟
سليم قال: — بيت.
— متأكد؟
— أحيانًا لأ.
قالها ببرود، لكنها التقطت المرارة اللي وراها.
العربية وقفت قدام المدخل. قبل ما ريم تفتح الباب، سليم نزل وفتحلها بنفسه.
هي بصتله باستغراب. — أنت بتفتح الباب للناس؟
— لا.
— طب ليه؟
— عشان لو وقعتي تاني هتبقى مشكلة ورقية.
— يعني مش ذوق؟
— ذوق برضه. بس أنا بحب أبرر الحاجات عمليًا.
ابتسمت وهي بتنزل بحذر.
أول ما دخلوا، الباب اتفتح من جوه، وظهرت سيدة في الخمسينات تقريبًا، ملامحها طيبة لكن عينيها ذكية جدًا.
— سليم بيه؟
عينها راحت فورًا على ريم بسكرابزها وشحوبها وشعرها المتلخبط.
سليم قال بهدوء: — مدام ناهد، الدكتورة ريم هتستريح في جناح الضيافة لحد الصبح. محتاجين أكل خفيف، شاي، وعلبة إسعافات لو سمحتي.
مدام ناهد ابتسمت فورًا لريم. — تحت أمرك يا بنتي. شكلك تعبانة أوي.
الجملة البسيطة دي خلت صدر ريم يوجعها.
“يا بنتي.”
كلمة عادية. بس بعد يوم طويل من الأوامر والنداءات والاستدعاءات والمرضى والصراخ… كانت الكلمة حنينة زيادة عن اللزوم.
ريم قالت بصوت متحشرج: — شكرًا.
سليم لاحظ تغير صوتها، لكنه ماعلقش.
مدام ناهد قادتها لجناح ضيافة في الدور الأرضي. غرفة واسعة جدًا، سرير كبير، ألوان هادية، حمام خاص، شباك على الحديقة. ريم وقفت عند الباب كأنها خايفة تدخل.
سليم وقف بعيد، محافظ على مسافة محترمة. — هتنامي هنا. الباب بيتقفل من جوه. محدش هيدخل عليكِ. الصبح مصطفى يوصلك.
ريم بصت للغرفة وبعدين له. — أنا مش عارفة أقول إيه.
— ماتقوليش حاجة.
— لازم أقول شكرًا على الأقل.
— قلتيها كتير.
سكتت لحظة. — أنا هردلك الفلوس لو في أي تكلفة.
وشه برد فورًا. — مفيش تكلفة.
— لا، أنا—
— ريم.
نبرة اسمه لها تاني وقفتها.
قال بهدوء: — نامي.
لأول مرة، ماردتش.
يمكن لأنها فعلًا ماعندهاش طاقة.
يمكن لأنها، رغم كل الخوف الطبيعي، حست إن المكان آمن بشكل غريب.
دخلت الغرفة، ومدام ناهد دخلت بعدها بصينية عليها شوربة سخنة وعيش محمص وشاي. سليم كان هيمشي، لكن ريم نادته بصوت ضعيف: — سليم بيه.
التفت.
— ليه ما سألتنيش أسئلة؟
— زي إيه؟
— ليه لوحدي. ليه مفيش حد أتصل بيه. ليه حالتي كده. أي حد مكانك كان هيبقى فضولي.
سليم بص لها طويلًا.
وبعدين قال: — عشان واضح إنك مش محتاجة تحقيق. محتاجة تنامي.
الكلمة سكتتها تمامًا.
وبعدها مشي.
ريم فضلت واقفة لحظة، سامعة خطواته بتبعد في الردهة الواسعة.
مدام ناهد حطت الصينية وقالت بحنان: — كلي لقمتين يا دكتورة. وشوفي رجلك دي.
ريم قعدت على طرف السرير. فجأة حست إنها لو حد قالها كلمة طيبة زيادة هتعيط.
فمسكت المعلقة بسرعة وأكلت.
الشوربة كانت دافية بشكل مؤلم.
كل رشفة كانت بتفك عقدة صغيرة جواها.
وبعد ما مدام ناهد خرجت، ريم دخلت الحمام غسلت وشها. بصت لنفسها في المراية.
عينين حمرا. وش شاحب. شعر منكوش. سكرابز عليه بقعة مطهر. وحياة كلها ماشية بالعافية.
همست لنفسها: — إنتِ إيه اللي جابك هنا يا ريم؟
بس جواب السؤال ماكانش عندها.
نامت بعد أقل من عشر دقايق.
نامت بعمق كأنها أول مرة تنام من سنين.
لكن في الدور العلوي…
سليم ما نامش.
كان واقف في مكتبه قدام الشباك، ماسك كوباية قهوة ما شربش منها، وبيبص للمطر على الحديقة.
مفروض الليلة دي كانت عادية.
اجتماع فاشل. مكالمة من فريدة. تهرب من عشاء عائلي سام. رجوع للبيت. شغل لحد الفجر.
لكن بنت لابسة سكرابز ركبت عربيته بالغلط… وقلبت ترتيب الليلة كلها.
والأغرب؟ إنه ماكانش متضايق.
الباب خبط.
دخلت مدام ناهد بهدوء. — نامت.
سليم هز راسه. — أكلت؟
— شوية. باين عليها كانت جعانة وتعبانة جدًا. رجلها وارمة. حطيتلها رباط خفيف.
سليم سأل بسرعة أكتر مما يحب: — الورم شديد؟
مدام ناهد خبّت ابتسامتها. — لا. بس محتاجة راحة.
— كويس.
مدام ناهد فضلت واقفة.
سليم بصلها. — في حاجة؟
قالت بهدوء: — أول مرة حضرتك تجيب حد هنا.
ملامحه اتصلبت. — هي حالة طارئة.
— طبعًا.
— مدام ناهد.
— حاضر، مش هتكلم.
لكن ابتسامتها كانت بتتكلم بدلها.
خرجت، وسليم رجع يبص للشباك.
“حالة طارئة.”
قالها لنفسه تاني.
لكن جواه كان عارف إن الموضوع أكبر من كده.
مش حب. مش إعجاب حتى. بس فضول.
فضول خطر.
لأن ريم عبدالسلام كانت النوع الوحيد من الناس اللي سليم مايعرفش يتعامل معاهم بسهولة.
ناس حقيقية زيادة عن اللزوم.
ناس لما تتعب، التعب يظهر. لما تضحك، الضحكة تطلع من القلب. لما تخاف، تعترف بطريقة ملتوية. ولما تتكسر، تفضل واقفة وتقول: “هتصرف.”
سليم كان طول عمره محاط بناس بتعرف تمثل.
هي ماكانتش بتمثل.
وده كان مرعب.
بعد ساعة تقريبًا، سليم نزل بهدوء للدور الأرضي. مش عارف ليه. أو عارف ومش عايز يعترف. وقف بعيد عن جناح الضيافة، بس سمع صوت خافت من جوه.
صوتها.
كانت بتتكلم وهي نايمة.
وقف مكانه.
الصوت كان متقطع: — لا… سيبوني… المريض محتاج إنعاش… بسرعة…
سليم قرب خطوة من الباب من غير ما يفتحه.
صوتها اتكسر: — أنا مش قادرة… والله مش قادرة…
الجملة ضربته في مكان غريب.
سليم الحديدي، اللي اتعود يسمع تهديدات ومفاوضات وابتزازات ووعود كاذبة، وقف قدام باب غرفة بنت غريبة… عاجز قدام جملة واحدة.
“والله مش قادرة.”
مد إيده كأنه هيفتح الباب، لكنه وقف.
لا.
مش من حقه.
رجع خطوة.
وبعدين قال بصوت منخفض، رغم إنها مش سامعاه: — نامي يا ريم. محدش هيطلب منك حاجة دلوقتي.
وفي نفس اللحظة، في مكان تاني تمامًا…
في فيلا قديمة على النيل، كانت فريدة الحديدي واقفة قدام مرآة طويلة، لابسة روب حرير نبيتي، وماسكة موبايلها بعصبية.
قدامها راجل كبير قاعد على كرسي متحرك، ملامحه قاسية رغم التعب، عينيه مليانة غضب.
قال بصوت مبحوح: — ماجاش؟
فريدة ضغطت على الموبايل. — كالعادة. سليم بيعمل اللي في دماغه.
الراجل الكبير، جلال الحديدي، شد على مسند الكرسي. — لازم ييجي. بكرة.
— هييجي غصب عنه.
— مش عايز أعذار. موضوع الجواز لازم يخلص.
فريدة ابتسمت ابتسامة باردة. — نادين جاهزة. وأهلها موافقين. وسليم مهما عمل، في الآخر هيختار مصلحة المجموعة.
جلال بص لها بنظرة حادة. — سليم مابيختارش غير نفسه.
فريدة قالت بثقة: — يبقى نكسر نفسه.
وفي تلك اللحظة بالذات، كان سليم واقف في قصره، قدام باب غرفة ريم، لا يعرف إن الليلة الغريبة دي… مش مجرد حادث بسيط.
دي كانت أول شرخ في الخطة اللي عيلته رسمتها له.
وأول مرة، من سنين طويلة، يدخل حياته شخص لم يكن جزءًا من الحسابات.
شخص نام في عربيته بالغلط.
لكنه سيصحو داخل قلبه… بقصد أو بغير قصد.
يتبع
الفصل الثالث
ريم صحيت على صوت عصافير.
وده لوحده كان كفيل يخليها تفتكر إنها ماتت.
لأن آخر مرة سمعت فيها صوت عصافير الصبح بدل منبهات المستشفى وصفارات الأجهزة الطبية كانت من شهور. يمكن سنين.
فتحت عينيها ببطء، والسقف الأبيض الناعم فوقها خلّاها تتوتر فورًا.
هي مش في شقتها.
الذاكرة رجعت مرة واحدة.
العربية. سليم الحديدي. المطر. عم رجب. الفيلا.
قعدت بسرعة زيادة، فرجلها وجعتها فورًا. — آآه…
بصّت حواليها بتوتر خفيف. الأوضة هادية جدًا. الستارة متسابة نص فتحة، ونور الصبح داخل ناعم على الأرضية الخشب. ريحة المكان نظيفة بطريقة مريحة، والبطانية الثقيلة فوقها كانت دافية بشكل خلا جسمها يعترض على فكرة إنه يقوم.
لكن عقلها سبق.
الساعة.
دورت بسرعة على موبايلها الميت، وبعدها افتكرت إنه ميت أصلًا. — يا نهار أبيض…
الباب خبط بخفة.
ريم اتشدت تلقائيًا. — أيوه؟
مدام ناهد دخلت بابتسامة هادية وصينية في إيدها. — صباح الخير يا دكتورة.
ريم بصتلها بإحراج: — صباح النور… أنا آسفة جدًا والله على الإزعاج.
— إزعاج إيه يا حبيبتي؟ ده البيت منور.
الجملة البسيطة دي خلت ريم تبتسم غصب عنها.
مدام ناهد حطت الصينية على الترابيزة. — سليم بيه قال تصحي لما ترتاحي. بس تقريبًا حضرتك عندك شيفت النهارده؟
ريم شهقت. — يا نهار إسود! الساعة كام؟
— تسعة إلا ربع.
ريم قامت مرة واحدة. — أنا عندي شيفت عشرة!
نسيِت رجلها. وفي اللحظة اللي وقفت فيها، الألم ضربها بعنف خلّاها تمسك طرف السرير.
مدام ناهد قربت بسرعة. — بالراحة يا بنتي!
ريم ضغطت على أسنانها. — أنا لازم أمشي.
— طب افطري الأول.
— والله لو قعدت دقيقة زيادة هترفد.
مدام ناهد بصتلها بحنان مستغرباه. — معقولة الدنيا عندكم كده؟
ريم ضحكت ضحكة قصيرة وهي بتحاول تلبس الجزمة. — إحنا لو وقعنا في العمليات بيقولولنا قوموا بسرعة علشان الدور طويل.
مدام ناهد هزت راسها بحزن خفيف. — ربنا يقويكم.
في اللحظة دي، الباب اتفتح تاني.
وسليم دخل.
ريم رفعت عينها تلقائيًا… واتجمدت ثانية.
لأنه ماكانش لابس بدلة.
تيشيرت أسود بسيط، وبنطلون رمادي، وساعة في إيده. شكله أهدى بكتير من إمبارح. وأصغر. وأخطر بطريقة غريبة.
سليم بص لها من فوق لتحت. — واضح إنك قررتي تكسري رجلك رسمي.
ريم اتكسفت إنها واقفة متعلقة في السرير. — أنا كويسة.
— الجملة دي بقت كدبة متكررة.
مدام ناهد ابتسمت بخبث صغير. — سيبها لك بقى يا سليم بيه، أنا هنزل أشوف الفطار.
أول ما خرجت، الصمت نزل ثانية.
ريم كانت حاسة بإحراج سخيف. هي فعلًا نامت في بيت راجل غريب مشهور، وصحيت متأخرة، وشكلها كارثي.
قالت بسرعة: — أنا آسفة جدًا على كل اللي حصل. بجد.
سليم سند على الباب بهدوء. — أنتِ قولتيها تقريبًا خمسين مرة.
— أصل الموقف فعلًا…
— غريب؟
— جدًا.
— متفق.
ابتسمت بتوتر، وبعدين قالت: — أنا لازم أمشي.
— هتوصلي إزاي؟
— أوبر.
رفع حاجب. — بالموبايل الميت؟
ريم سكتت.
آه صح.
نسيت.
سليم قرب خطوة، ومد لها موبايله. — اتصلي.
بصت للموبايل كأنه شيء مش مألوف. — لا عادي…
— ريم.
الطريقة اللي قال بيها اسمها خلت اعتراضها يهدى لوحده.
أخدت الموبايل بهدوء وطلبت رقم المستشفى. أول ما حد رد، بدأت تتكلم بسرعة: — أيوه يا دكتورة مها؟ أنا جاية… لا والله ما نمت… يعني نمت بس… الموضوع طويل… لا لا أنا في الطريق…
سليم كان واقف ساكت، يسمع نبرة صوتها وهي بتتكلم مع زميلتها بعفوية كاملة.
مفيش تصنع. مفيش صوت رقيق زيادة. ولا محاولة تبان لطيفة.
بس طبيعية.
وده شيء نادر جدًا في عالمه.
قفلت المكالمة بسرعة ورجعتله الموبايل. — شكرًا.
أخده من غير ما يبعد عينه عنها. — هتوصلك العربية.
— لا بجد مش لازم.
— وأنا بجد مش بسأل.
زفرت بتعب. — أنت متحكم جدًا.
— ده رأي منتشر.
— ومضايقكش؟
— لا.
— ليه؟
— لأن الناس غالبًا بتحب الشخص اللي ياخد القرار عنها… حتى لو بينكروا ده.
ريم ضحكت وهي بتهز راسها. — لا، دي فلسفة رجال الأعمال علشان يبرروا التسلط.
لأول مرة… ضحك فعلًا.
مش ابتسامة خفيفة. ضحكة قصيرة حقيقية.
والصوت فاجأها.
فاجأه هو كمان.
سكت بعدها لحظة كأنه مستغرب نفسه.
ريم بصتله باستغراب صادق: — أنت بتضحك فعلًا؟
— أحيانًا.
— واضح إنها مناسبة قومية.
عينه لمعت بخفة. — ويمكن أنتِ السبب.
الجملة خرجت منه بسهولة غريبة.
لكن أول ما خرجت… الهواء بينهم اتغير.
ريم حسّت بحرارة خفيفة في وشها، فبصت بعيد بسرعة. — أنا… هجهز نفسي وأمشي.
سليم هز راسه. — الإفطار تحت.
— معنديش وقت.
— عندك خمس دقايق.
— لا—
— ريم.
غمضت عينيها باستسلام. — حاضر.
بعد عشر دقايق، كانت قاعدة على ترابيزة طويلة بشكل مبالغ فيه بالنسبة لفطار شخصين.
ريم بصت للأكل بصدمة: — ده فطار ولا مؤتمر جامعة الدول العربية؟
مصطفى كتم ضحكة من بعيد.
وسليم قال بهدوء: — ده الطبيعي هنا.
— الطبيعي عندكم يخوف.
قعدت بحذر، ولسه هتمد إيدها على القهوة… لكن ريحة الأكل ضربت معدتها فجأة.
افتكرت إنها آخر مرة أكلت كانت من أكتر من يوم تقريبًا.
وجسمها افتكر الجوع دفعة واحدة.
إيدها وقفت في النص.
سليم لاحظ.
قال بدون تعليق: — كلي.
والطريقة اللي قالها بيها ماكانتش أمر. كانت أقرب لاهتمام هادي.
وده لخبطها أكتر.
بدأت تاكل بسرعة صغيرة في الأول… وبعدها أسرع. مش شره، لكن جوع حقيقي.
وسليم فضل ساكت.
ماحرجهاش. ماعلقش. مابصلهاش بطريقة تخليها تتوتر.
وده خلاها ترتاح غصب عنها.
بعد دقائق، قالت وهي بتشرب شاي: — البيت هادي أوي.
— ميزة.
— أنا لو قعدت هنا أسبوع هنام أسبوعين ورا بعض.
— تقدري.
بصتله بسرعة. هو قالها بهدوء شديد كأنه عرض طبيعي.
ريم ضحكت بإحراج. — لا شكرًا. أنا بحب شقتي المتهالكة.
— واضح.
— عندنا رفاهية إن السقف مايقعش علينا.
— مستوى طموح معقول.
ابتسمت.
وبعدين، من غير مقدمات، سألها: — ليه طب؟
ريم استغربت السؤال. — إيه؟
— ليه دخلتي طب؟
سكتت لحظة.
الناس عادة بتسألها: “كام مجموعك؟” “أهلك دكاترة؟” “ناوية تخصص إيه؟”
لكن “ليه؟”… دي قليلة.
بصت في كوب الشاي. — ماما كانت ممرضة.
سليم سكت، مستني تكمل.
— ماتت وأنا عندي ستاشر سنة.
الصمت نزل فجأة.
ريم قالت بابتسامة صغيرة حزينة: — كانت بتحب شغلها بشكل غريب. حتى وهي تعبانة كانت تنزل. كنت أوقات أكره المستشفى بسببها… وبعدين بعد ما ماتت بقيت بروح هناك علشان أحس إنها لسه موجودة.
سليم فضل باصصلها.
الكلام خرج منها هادي، بدون دراما، وده خلاه يوجع أكتر.
سأل بهدوء: — ووالدك؟
ضحكت ضحكة خفيفة مالهاش فرح. — موجود بيولوجيًا.
فهم.
بسرعة.
ناس كتير عندها آباء… لكن قليل اللي عندهم “أب”.
قال: — عندك إخوات؟
— أخت صغيرة في تجارة. وأنا بصرف عليها.
الكلمة خبطته بطريقة غريبة.
طبيبة امتياز. شيفتات قاتلة. شقة متواضعة. أب شبه غايب. وأخت مسؤولة منها.
وفوق ده كله… كانت لسه قادرة تضحك.
قال بدون تفكير: — أنتِ قوية.
ريم رفعت عينها فيه باستغراب. — دي أول مرة حد يقولها كأنها مش مجاملة.
— لأنها مش مجاملة.
الصمت طال ثانية.
وفجأة موبايل سليم رن.
الاسم اللي ظهر خلا ملامحه تتقفل فورًا: “نادين”.
ريم لاحظت التغيير اللحظي.
رد ببرود: — صباح الخير.
صوت بنت ناعم طلع من السماعة: — حبيبي أنت فين؟ باباك قالب الدنيا عليك.
“حبيبي.”
الكلمة ضربت ريم في حتة سخيفة جواها. وهي نفسها اتضايقت إنها اتضايقت.
سليم قال: — عندي شغل.
— الساعة تسعة الصبح؟ أنت نمت أصلًا؟
— نادين، عندك حاجة مهمة؟
البنت سكتت لحظة، وبعدين قالت بدلع واضح: — وحشتني.
سليم ما ردش.
ريم بصت في طبقها بسرعة كأنها مش موجودة.
نادين كملت: — هتيجي العشا النهارده؟
— مش عارف.
— سليم، مينفعش تفضل تتعامل كده مع فكرة جوازنا.
الكلمة خلت ريم ترفع عينها غصب عنها.
جواز؟
سليم لمح نظرتها في نفس اللحظة تقريبًا.
قال ببرود أشد: — هكلمك بعدين.
وقفل المكالمة.
الجو اتغير.
ريم حطت الكوباية بهدوء. — أنا لازم أمشي فعلًا.
سليم بص لها. — العربية جاهزة.
وقفت بسرعة أكبر من اللازم كأنها بتحاول تهرب من الإحساس الغريب اللي دخلها.
ليه يفرق أصلًا إذا كان هيتجوز؟
هي بالكاد تعرفه.
لكن في حاجة جواها اتقفلت أول ما سمعت الكلمة.
وسليم… لاحظ.
لاحظ إنها بعد المكالمة بقت أهدى بزيادة. رسميّة أكتر. بتبص بعيد أكتر.
وده ضايقه بشكل غير منطقي.
وصلها لحد باب الفيلا بنفسه.
المطر كان وقف، والهوا الصبح بارد ومنعش.
قبل ما تركب العربية، قالت: — شكرًا على كل حاجة فعلًا.
— قولتيها كتير.
ابتسمت بخفة. — آخر مرة.
هز راسه. — مش مصدق.
ضحكت.
وبعدين سكتت لحظة قبل ما تقول: — أنا هرجعلك هدوم النوم… أقصد البطانية… يعني—
سليم قاطعها بهدوء: — احتفظي بيهم.
— لا طبعًا.
— يا ريم… دي بطانية مش عقد شراكة.
ضحكت غصب عنها. — حاضر.
لحظة صمت عدت بينهم.
وفيها حاجة اتقالت من غير كلام.
حاجة لسه صغيرة جدًا… لكن موجودة.
ركبت العربية.
وقبل ما الباب يتقفل، سليم قال: — خدي بالك من رجلك.
ريم بصتله. — وإنت خليك ألطف شوية مع نفسك.
الجملة فاجأته.
لكن قبل ما يرد… الباب اتقفل.
والعربية اتحركت.
وسليم فضل واقف مكانه يبص وراها.
لحد ما اختفت.
مدام ناهد كانت واقفة بعيد تراقبه، وابتسامة صغيرة على وشها.
قالت: — هتشرب قهوتك قبل ما تبرد؟
سليم رد بدون ما يبصلها: — بردت خلاص.
لكن مش القهوة اللي كان يقصدها.
في مستشفى السلام الدولي…
ريم دخلت جري وسط الزحمة المعتادة. ممرضين. صوت أجهزة. ريحة مطهر. ناس بتجري في كل اتجاه.
وفور ما دخلت الاستراحة، دكتورة مها بصتلها بصدمة. — يا بنتي إنتِ كنتِ فين؟!
ريم حطت شنطتها بسرعة. — قصة طويلة.
مها ضيقت عينيها. — طويلة إزاي؟ شكلك نمتي في فندق سبع نجوم.
ريم افتكرت السرير الدافي والفيلا وسليم واقف عند الباب… فاتلخبطت.
— يعني… حاجة شبه كده.
في اللحظة دي، ممرض دخل بسرعة: — دكتورة ريم! أوضة ٣٢ محتاجينك حالًا.
ريم اتحركت فورًا.
وبمجرد ما دخلت أوضة المريض… شافت رجل كبير في السن بيتنفس بالعافية، وبنته واقفة تعيط.
كل حاجة جواها رجعت لمكانها الطبيعي فورًا.
التعب اختفى. الارتباك اختفى. حتى سليم اختفى للحظة.
بقت دكتورة تاني.
وده كان الشيء الوحيد اللي كانت متأكدة منه تمامًا.
لكن بعد ساعتين…
لما خرجت من الأوضة أخيرًا، لقت ممرض صغير بيجري ناحيتها. — دكتورة ريم؟
— أيوه؟
— في حد باعت لحضرتك ده.
ناولها كيس صغير أنيق.
ريم فتحت باستغراب.
وفي الداخل…
موبايل جديد.
نفس نوع موبايلها القديم تقريبًا… لكن أحدث.
ومعه ورقة صغيرة.
“علشان ما تركبيش عربية غلط تاني. — س”
ريم فضلت باصة للورقة ثواني طويلة…
وقلبها، للمرة الأولى من وقت طويل جدًا، ابتدى يصحى من التعب.
يتبع
الفصل الرابع
ريم فضلت ماسكة الموبايل الجديد في إيد، والورقة الصغيرة في الإيد التانية، كأنها ماسكة دليل جريمة مش هدية.
“علشان ما تركبيش عربية غلط تاني. — س”
الجملة كانت قصيرة، باردة، عملية… وسليمية جدًا.
ومع ذلك، قلبها عمل حركة غبية.
حركة صغيرة كده، زي خضة دافية.
قفلت الورقة بسرعة وحطتها جوه جيب السكرابز كأن حد ممكن يشوفها ويفهم حاجة هي نفسها مش فاهمة.
مها ظهرت فجأة من وراها: — إيه ده؟
ريم اتنفضت. — مافيش.
مها ضيقت عينها. — مافيش إيه؟ ده موبايل جديد في علبة. مين اللي جابه؟
— شركة اتصالات.
— شركة اتصالات بتبعتلك موبايلات للمستشفى؟ يا سلام يا أختي، ابعتي لهم رقمي.
ريم حاولت تعدي من جنبها. — مها، عندي مرور.
مها وقفت قدامها بابتسامة خبيثة. — لا لا. إحنا كده دخلنا في منطقة “مين الراجل؟”
— مفيش راجل.
— دي أكتر جملة بتتقال لما يبقى فيه راجل.
ريم بصتلها بتحذير: — مها.
— طيب اسمه إيه؟
ريم سكتت ثانية غلط.
مها شهقت: — آه! فيه اسم!
— مفيش.
— غني؟
ريم افتكرت العربية، الفيلا، البوابة، الفطار اللي يكفي قسم كامل.
قالت بتوتر: — عادي.
مها ضحكت: — لما البنت تقول “عادي” وهي وشها أحمر يبقى الراجل يا إما غني جدًا يا إما مصيبة جدًا.
ريم اتحركت بسرعة. — أنا رايحة أشوف المرضى.
لكن مها جريت وراها وهي بتهمس: — ابقي احكيلي يا ريم! أنا صديقة السراء والفضايح.
ريم رغم نفسها ابتسمت، لكنها أول ما دخلت الممر الطويل، ابتسامتها اختفت.
لأنها افتكرت حاجة مهمة.
هي مش هتقبل الهدية.
الموبايل ده مش بسيط. وهي مش ناقصة ديون نفسية. مش ناقصة حد يدخل حياتها من باب “أنا ساعدتك”. حتى لو سليم ماقالش كده. حتى لو طريقته ماكانتوش كده. حتى لو عينيه إمبارح وهو بيقول “مش كل مساعدة دين” كانت صادقة أكتر مما تحب تعترف.
لا.
لازم ترجعه.
بس إزاي؟
بصت للموبايل القديم المكسور في إيدها. بعد محاولات كتير اشتغل أخيرًا على نسبة شحن ضعيفة. الشاشة كلها شروخ، لكن لسه بيستجيب بالعافية.
فتحت الكيس، لقت جواه كارت صغير عليه رقم.
رقم مباشر.
مكتوب فقط: “S.H.”
ريم بصت للكارت كأنه بيبصلها.
وبعدين قالت لنفسها: — لا، مش هتتصلي.
بعد خمس دقايق كانت بتتصل.
رن مرة. اتنين.
وقبل الرنة التالتة، صوته جه: — كنت متوقع تتصلي أسرع من كده.
ريم اتلخبطت، وبعدين اتعصبت من إنها اتلخبطت. — هو حضرتك دايمًا واثق في نفسك كده؟
— غالبًا.
— الموبايل ده مينفعش.
— ليه؟
— علشان غالي.
— مش بالنسبة لي.
الجملة استفزتها. — بس بالنسبة لي.
سليم سكت لحظة.
ريم كملت بسرعة: — أنا بشكرك جدًا، بس مش هقدر أقبله. هبعته مع أي حد أو أجي أسيبه للبواب عندك.
— ريم.
— نعم؟
— موبايلك القديم خطر على أعصاب أي إنسان.
— أعصابي أنا، وأنا حرة فيها.
— وممكن يفصل في حالة طوارئ.
— أنا في مستشفى، الطوارئ حواليا في كل حتة.
— وممكن تحتاجي تتصلي بحد.
— أنا عشت بالموبايل المكسور شهور.
— وركبتي عربيتي بالغلط.
صمت.
ريم ضغطت على شفايفها. — دي ضربة تحت الحزام.
— لكنها صحيحة.
— برضه مش هاخده.
— اعتبريه أداة سلامة.
— لا.
— اعتبريه تعويض عن إني سيبتك تنامي في العربية.
— لا.
— اعتبريه دين عليكي وترجعيه لما تبقي استشارية مشهورة.
ريم سكتت.
هو عرف يلمس الحتة الصح.
مش هدية. مش شفقة. دين مؤجل، حتى لو هو مش محتاجه.
قالت بحذر: — يعني هرده؟
— لما تقدري.
— كتابة؟
— تحبي أعمل عقد؟
— أنت ممكن تعملها فعلًا.
سمعت في صوته شبه ابتسامة. — ممكن.
ريم اتنهدت. — ماشي. هاخده… بس كدين.
— تم.
— وهرده.
— مستني.
— وماتجيبليش حاجات تاني.
— حسب الحاجة.
— سليم بيه.
— ريم.
الطريقة اللي قال بيها اسمها من الناحية التانية خلتها تسكت غصب عنها.
في ثانية، كل دوشة المستشفى حوالينها بعدت.
صوته كان هادي، قريب، كأنه واقف قدامها.
قال: — كلي حاجة النهارده.
رمشت باستغراب. — إيه؟
— أكل. مش قهوة بس.
— حضرتك بقيت مسؤول تغذية؟
— بعد اللي شفته إمبارح، آه.
ضحكت رغمًا عنها. — حاضر يا دكتور تغذية.
— وخدي مسكن لرجلك.
— حاضر يا أستاذ سيطرة.
سكت لحظة، وبعدين قال: — هعدي على المستشفى بالليل.
قلبها اتنفض. — ليه؟
— عندي زيارة.
— زيارة لمين؟
— هتعرفي.
الخط اتقفل.
ريم فضلت باصة للموبايل.
“هعدي على المستشفى بالليل.”
الجملة كانت بسيطة.
لكنها قلبت اليوم كله.
في برج الحديدي، الدور الأربعين، كان سليم واقف قدام طاولة اجتماعات طويلة، وحواليه عشرة أشخاص ببدل رسمية ووشوش متوترة.
واحد من المديرين كان بيشرح أرقام مشروع ضخم في العاصمة الإدارية، لكن سليم ماكانش سامعه بالكامل.
ده شيء نادر.
سليم الحديدي عمره ما كان حاضر بجسمه وغايب بعقله. عقله كان دايمًا أسرع من الغرفة كلها. يلقط الغلطة قبل ما تتقال، يشم الخوف قبل ما يظهر، ويعرف مين بيزوّر رقم من طريقة بلعه لريقه.
لكن النهارده…
كان بيفكر في دكتورة امتياز لابسة سكرابز، واقفة في ممر مستشفى، غالبًا بتاكل نفسها بالشغل، ورافضة موبايل كأنه قصر.
— سليم بيه؟
رفع عينه. المدير اتوتر. — حضرتك معانا؟
القاعة سكتت كلها.
مصطفى، اللي واقف عند الباب، حس إن الراجل كتب استقالته بنفسه.
سليم بص للمدير بهدوء. — لا.
المدير وشه اصفر.
سليم قفل الملف. — الاجتماع يتأجل ساعة.
الكل قام بسرعة كأنهم خرجوا من امتحان نار.
بعد ما فضيت القاعة، دخلت فريدة من الباب الجانبي من غير استئذان.
كالعادة.
كانت أنيقة بشكل حاد. شعرها مرفوع، بدلة بيضا، عطر قوي، وابتسامة مصنوعة بدقة.
— تأجل اجتماعاتك دلوقتي؟
سليم رجع يقعد على كرسيه. — صباح الخير يا فريدة.
— ماتسميش أختي باسمها كأننا في مؤتمر.
— لما تدخلي مكتبي من غير ميعاد، هعاملك كضيفة غير مرغوبة.
ابتسامتها اتجمدت. — بابا عايزك النهارده.
— عارف.
— والعشا مع نادين وأهلها الساعة تسعة.
— مش هاجي.
فريدة ضحكت بحدة. — مش هتيجي؟
— واضح إن سمعك كويس.
قربت من المكتب. — سليم، بلاش العند ده. الجواز من نادين مش اقتراح رومانسي. ده قرار عائلي ومالي.
— قراراتي المالية باخدها أنا.
— مش لما سمعة المجموعة على المحك.
عينه بردت. — سمعة المجموعة بخير.
— لأ. بعد تسريبات صفقة الميناء، محتاجين تحالف قوي. والد نادين هيدخل معانا استثمار ينقذ الموقف.
سليم سكت.
فريدة عرفت إنها لمست نقطة حساسة، فكملت: — أنت فاكر نفسك تقدر تشيل كل حاجة لوحدك. بس الحقيقة إن الحديدي مش أنت بس.
رفع عينه لها. — الحديدي بقى موجود لأن أنا شيلت اللي أنتوا كسرتوه.
الجملة خلت وشها يتغير.
لحظة صمت.
فريدة قالت ببرود: — بابا مش هيسيبك تهرب المرة دي.
— بابا على كرسي متحرك ولسه فاكر إن العالم بيقوم له.
— خليك محترم.
سليم قام ببطء. — الاحترام لا يورث يا فريدة. يُكتسب.
دخلت نادين فجأة من الباب قبل ما فريدة ترد.
كانت لابسة فستان ناعم، وشعرها معمول بعناية، ووشها كله ابتسامة مرسومة.
— أنا دخلت في وقت غلط؟
سليم بص لها بدون أي تعبير. — آه.
نادين اتوترت لحظة، لكن غطتها بسرعة بدلع. — وحشتني.
فريدة ابتسمت بانتصار صغير. — هسيبكم تتكلموا.
خرجت.
نادين قربت من سليم، وحاولت تحط إيدها على دراعه، لكنه اتحرك خطوة للخلف قبل ما تلمسه.
الجرح بان في عينيها. — لسه برضه؟
— نادين، إحنا اتكلمنا في الموضوع ده.
— لا. أنت اتكلمت وأنا سمعت. في فرق.
— مفيش جواز.
ضحكت بمرارة. — أنت بتقولها كأنك تقدر تقرر لوحدك.
— أقدر.
— باباك مش هيسمح.
— بابا جرب يتحكم فيا قبل كده.
— ونجح.
الكلمة وقعت تقيلة.
سليم سكت.
نادين عرفت إنها وجعته، لكنها كملت بصوت أوطى: — أنا مش عدوك يا سليم. أنا أكتر واحدة فاهمة أنت بتهرب من إيه.
عينه بقت أخطر. — ماتتكلميش عن حاجات ماتعرفيهاش.
— أعرف أكتر مما تفتكر. وأعرف إنك بعد اللي حصل زمان بقيت بتخاف من القرب. بس مش كل الناس هتخونك.
سليم بص لها ببرود: — القرب مش مشكلتي. الاختيار هو المشكلة.
— وأنا اختيار سيئ؟
— أنتِ اختيار مش اختياري.
وشها شحب.
وبعد لحظة قالت: — في واحدة تانية؟
سليم سكت ثانية واحدة زيادة.
ثانية واحدة بس.
لكن نادين شافتها.
ابتسامتها اختفت. — مين؟
— مفيش حد.
— كداب.
سليم مشى ناحية الباب. — الاجتماع خلص.
نادين وقفت مكانها، عينيها مليانة غيرة وغضب. — لو فيه واحدة… فخليها تعرف إن عيلة الحديدي مش بتسيب اللي يخصها بسهولة.
سليم وقف عند الباب، والتفت بنظرة باردة جدًا. — أنا لا أخص أحد.
وخرج.
لكن رغم كلمته… صورة ريم جات في دماغه.
وهو لأول مرة حس بالخوف الحقيقي.
مش على نفسه.
عليها.
اليوم في المستشفى كان جحيم صغير.
ريم ماكانتش فاضية تفكر في سليم، أو هكذا حاولت تقنع نفسها.
لكن الموبايل الجديد في جيبها كان كل شوية يذكرها.
كل ما تلمسه وهي بتطلع قلم. كل ما تحس بوزنه. كل ما تفتكر الورقة.
“— س”
كان إمضاءه شبهه. مختصر. واثق. مستفز.
في نص اليوم، دخلت حالة حادث. شاب صغير، نزيف داخلي، أهله بيصرخوا، والدته ماسكة في إيد ريم وهي بتترجاها: — بالله عليكي الحقي ابني.
ريم نسيت كل حاجة.
وقفت في الطوارئ، صوتها عالي وواضح، إيديها بتتحرك بسرعة، عقلها سابق خوفها.
— جهزوا نقل دم. نادي الجراحة. الضغط بينزل، بسرعة!
لساعات، اتحولت من بنت مرهقة لآلة إنقاذ.
لحد ما الحالة دخلت العمليات.
خرجت ريم بعد كده سندت ضهرها على الحيطة، إيديها بتترعش من الأدرينالين.
مها جات جنبها. — أنقذتيه.
ريم هزت راسها. — لسه.
— بس عملتي اللي عليكي.
ريم بصت للأرض. — دايمًا بحس إن اللي عليا مش كفاية.
مها لمست كتفها. — عارفة إيه مشكلتك؟ إنك بتفتكري إن كل روح بتتعب قدامك مسؤوليتك لوحدك.
ريم ابتسمت بتعب. — أهو تدريب مبكر على الأمومة.
— أمومة إيه؟ الأول نلاقي العريس صاحب الموبايل.
ريم بصتلها بنظرة قاتلة. — مها.
— خلاص خلاص.
لكن قبل ما تمشي، مها قالت بجدية: — خلي بالك من نفسك يا ريم. الناس اللي بتفضل تنقذ غيرها، ساعات محدش بيلحقها لما تقع.
الجملة دخلت في قلب ريم أكتر مما توقعت.
ولسبب غريب… افتكرت سليم وهو بيمسكها قبل ما تقع.
الساعة كانت قربت تسعة بالليل لما ريم خرجت من الطوارئ.
وشها شاحب، عينيها محمرة، شعرها مربوط بأي شكل، ورجلها بتوجعها أكتر من الصبح.
كانت نازلة الممر وهي بتفكر في سندوتش فول من عربية قدام المستشفى، لما لقت حركة غريبة عند الاستقبال.
رجالة ببدل. حراسة. مدير المستشفى بنفسه واقف مرتبك. دكاترة كبار ظهروا فجأة كأنهم كانوا مستخبيين طول اليوم.
ريم وقفت.
وبعدين شافته.
سليم الحديدي داخل المستشفى.
لكن مش لوحده.
كان معاه راجل كبير على كرسي متحرك، وشه صارم، عينيه حادة رغم المرض.
جلال الحديدي.
والده.
وراه فريدة، ونادين.
ريم حسّت بحاجة غريبة في معدتها.
نادين كانت جميلة بشكل مزعج. أنيقة وناعمة، واقفة قريبة من سليم كأن مكانها الطبيعي جنبه.
ريم رجعت خطوة.
مش عارفة ليه.
هي مجرد دكتورة هنا. وهو جاي زيارة. مفيش أي سبب يخليها تحس كأنها اتقفشت في مكان غلط.
لكن عيني سليم لقتها وسط الزحمة فورًا.
وسط كل الناس… بص لها.
نظرة واحدة.
هادية، قصيرة، لكنها كافية تخلي قلبها يتهور.
فريدة لاحظت.
ونادين لاحظت أكتر.
مدير المستشفى كان بيقول: — نورتنا يا جلال باشا. طبعًا الجناح جاهز، وكل الفريق الطبي في خدمتكم.
جلال قال بصوت خشن: — مش جاي سياحة. عايز دكتور شاطر.
مدير المستشفى ابتسم بتوتر: — طبعًا يا فندم. الدكتور سامح رئيس القسم—
لكن جلال قاطعه وهو بيبص ناحية ريم: — البنت دي.
الكل بص لريم.
ريم اتجمدت.
مدير المستشفى ارتبك: — دي دكتورة امتياز يا فندم، ممتازة طبعًا، لكن—
جلال رفع إيده. — شوفتها من شوية في الطوارئ. صوتها كان ثابت. إيديها ما اترعشتش. عايزها ضمن الفريق.
ريم حسّت إن الأرض اتسحبت من تحتها.
سليم بص لأبوه باستغراب خفيف. فريدة ضيقت عينيها. نادين بصت لريم من فوق لتحت بابتسامة باردة.
مدير المستشفى قال بسرعة: — طبعًا، تحت أمرك.
ريم حاولت تتكلم: — بس يا دكتور، أنا—
مدير المستشفى همس لها من بين سنانه: — وافقي.
ريم بلعت ريقها. — حاضر.
سليم قرب منها خطوة بعد ما الزحمة اتحركت ناحية الجناح. — أنتِ كويسة؟
ريم بصت حواليها، شايفة عيون كتير. — أيوه.
— أكلتي؟
رفعت حاجبها رغم توترها. — بجد؟ وسط الحراسة ووالدك ونادين هتسألني أكلت؟
زاوية فمه اتحركت. — الإجابة؟
— نص سندوتش جبنة.
وشه اتقفل. — ريم.
— ده يعتبر تقدم.
قبل ما يرد، صوت نادين جه من وراهم: — مش هتعرفنا يا سليم؟
ريم التفتت.
نادين واقفة بابتسامة ناعمة، لكن عينيها مش ناعمة خالص.
سليم قال ببرود: — الدكتورة ريم عبدالسلام.
نادين مدت إيدها. — نادين المنشاوي.
ريم صافحتها. — أهلاً.
نادين ضغطت على إيدها ثانية أطول من اللازم. — سمعت إنك ساعدتي سليم إمبارح.
ريم سحبت إيدها بهدوء. — أظن هو اللي ساعدني.
نادين ابتسمت. — سليم بيحب يساعد أحيانًا… بس نادرًا ما يهتم.
الجملة كانت سهم.
ريم فهمته. وسليم فهمه. وفريدة من بعيد فهمت إن فيه شيء يستحق المراقبة.
ريم قالت بابتسامة مهنية: — حضرتك محظوظة إذن.
نادين رمشت. — ليه؟
— لأن واضح إنه بيهتم بالعيلة.
الرد كان ذكي.
محترم. وبارد بما يكفي.
سليم خبّى ابتسامته بصعوبة.
نادين ابتسامتها شدت. — طبعًا.
ريم قالت بسرعة: — بعد إذنكم، عندي شغل.
ومشت.
لكن وهي ماشية، سمعت صوت جلال الحديدي من آخر الممر: — يا دكتورة ريم.
وقفت.
جلال بص لها بنظرة فاحصة. — تعالي.
ريم قربت بحذر.
قال: — أنتِ اللي كنتي بتصريخي على الممرضين في الطوارئ؟
ريم اتوترت. — كنت بوجه الفريق يا فندم.
— لا. كنتي بتصريخي.
ريم رفعت راسها. — لما حياة مريض بتبقى بين ثانية والتانية، الصوت العالي مش قلة أدب. ده إنذار.
الصمت وقع.
مدير المستشفى كاد يفقد وعيه.
فريدة رفعت حاجبها. نادين ابتسمت بسخرية. وسليم… ثبت عينه على ريم بفخر صامت لم يفهمه.
جلال فضل باصص لها لحظات.
ثم ضحك.
ضحكة قصيرة خشنة. — عاجباني.
ريم تنفست بعد ما كانت حابسة نفسها.
جلال قال: — هتتابعي حالتي الليلة.
— مع الفريق المختص، طبعًا.
— مع الفريق. بس عينك تبقى موجودة.
— حاضر.
فريدة تدخلت ببرود: — بابا، دي طبيبة امتياز. مش مناسب—
جلال قاطعها: — أنا اللي أحدد المناسب.
سليم بص لفريدة بنظرة هادية كأنها صفعة.
ريم حسّت إنها دخلت معركة عائلية من غير ما تطلب.
وبصراحة… ده كان آخر شيء ناقصها.
بعد ساعة، كان جلال في جناح VIP.
ريم واقفة بتراجع العلامات الحيوية مع الدكتور سامح، تحاول تبقى مهنية لأقصى درجة. سليم واقف عند الشباك. فريدة على الكنبة. نادين جنبها، وعيونها كل شوية تروح لريم.
جلال كان عنده أزمة ضغط شديدة مع مشاكل قلب مزمنة. مش حالة بسيطة، لكن مستقرة حاليًا.
الدكتور سامح خرج يجيب تقرير قديم، وبقيت ريم تراجع المحاليل.
جلال قال فجأة: — أنتِ منين؟
ريم رفعت عينها. — من القاهرة.
— أهلك؟
سليم اتنبه.
ريم قالت بهدوء: — والدتي متوفية. والدي موجود. عندي أخت.
— ومخطوبة؟
ريم كادت تختنق. — لا يا فندم.
جلال هز راسه كأنه بيجمع معلومات. — كويس.
فريدة قالت بحدة: — بابا!
ريم وشها احمر. سليم اتحرك من مكانه. — كفاية يا بابا.
جلال بصلها كأن سليم مش موجود. — ليه طب؟
ريم سكتت لحظة، ثم قالت: — علشان أمي.
الغرفة هديت.
جلال، رغم قسوته، لمعت عينه بشيء غريب. — كانت دكتورة؟
— ممرضة.
قالها بثبات.
فريدة رفعت حاجبها بخفة متعالية. نادين بصت في موبايلها كأنها فقدت الاهتمام.
لكن جلال سكت.
وبعدين قال: — الممرضات أشجع من نص الدكاترة اللي شفتهم.
ريم ابتسمت لأول مرة. — هي كانت أشجع من ناس كتير.
سليم بص لها.
الابتسامة دي… كانت مختلفة.
ناعمة. مليانة ذكرى.
نادين شافت نظرته.
وفي اللحظة دي، قررت إن ريم عبدالسلام مشكلة.
مش لأنها جميلة فقط. ولا لأنها قريبة من سليم. لكن لأنها جعلته ينظر.
وسليم الحديدي لا ينظر إلى أحد بهذه الطريقة.
قرب منتصف الليل، خرجت ريم من الجناح بعد ما استقرت حالة جلال.
كانت هتروح الاستراحة، لكن لقت سليم واقف في الممر مستنيها.
قالت بتعب: — والدك مستقر.
— عارف. سمعت الدكتور سامح.
— طيب.
حاولت تمشي، لكنه قال: — ريم.
وقفت.
— أنتِ زعلانة؟
ضحكت باندهاش. — من إيه؟
— من نادين.
القلب الغبي اتحرك تاني.
ريم بصتله بهدوء مصطنع. — وأنا أزعل ليه من خطيبتك؟
وشه اتغير. — هي مش خطيبتي.
— هي قالت جوازكم.
— العيلة قالت.
— وهي قالت “حبيبي”.
— نادين بتقول حاجات كتير.
ريم هزت راسها. — مش محتاج تشرحلي.
— محتاج.
الكلمة خرجت حادة أكتر مما توقع.
ريم بصتله.
الممر كان هادي. نور أبيض خفيف. أصوات بعيدة من المستشفى. وبينهم شيء بيكبر رغم إنهم لسه بالكاد يعرفوا بعض.
سليم قال بصوت منخفض: — مفيش جواز. ولا في خطوبة. ولا في وعد.
ريم حاولت تبتسم. — ده شأنك.
— لأ.
— نعم؟
اقترب خطوة واحدة. — مش لما أنتِ فهمتي غلط.
نفسها اتلخبط.
قالت بسرعة: — أنا مفهمتش حاجة. أنا بس دكتورة في المستشفى، وحضرتك مرافق مريض.
— حضرتك؟
— أيوه. لازم نخلي الأمور واضحة.
سليم نظر لها طويلًا.
ثم قال: — واضح.
لكن صوته قال العكس.
ريم كانت على وشك الرد، لما صوت نادين جاء من آخر الممر: — سليم.
الاتنين التفتوا.
نادين واقفة، ووشها هادي جدًا.
هادئ أكثر من اللازم.
— والدك عايزك.
سليم لم يتحرك فورًا.
ظل ينظر لريم ثانية، ثم قال: — ارتاحي.
ومشى.
نادين بقيت مكانها لحد ما سليم دخل الجناح، ثم اقتربت من ريم.
الابتسامة اختفت.
— اسمعيني كويس يا دكتورة.
ريم رفعت حاجبها. — نعم؟
— سليم مش من عالمك.
ريم سكتت.
نادين كملت بنعومة سامة: — ممكن يكون مهتم دلوقتي لأنك مختلفة. بسيطة. مرهقة. حقيقية. النوع اللي يخلي الراجل المعقد يحس إنه إنسان. لكن ده بيعدي.
ريم حاولت تحافظ على هدوئها. — أنا مش فاهمة حضرتك بتقولي الكلام ده ليه.
— لأنك لو ذكية، هتبعدي قبل ما تتعبي.
ريم بصت لها بثبات. — وأنا لو أذكى، هعرف إن الكلام ده مش نصيحة. ده خوف.
وش نادين اتجمد.
ريم كملت بهدوء: — أنا هنا علشان أتابع مريض. لا جاية أخطف حد، ولا أدخل عالم حد. فاطمني.
نادين قربت خطوة. — سليم هيتجوزني.
ريم ابتسمت ابتسامة صغيرة حزينة، رغم الوخزة اللي جواها. — يبقى ربنا يتمم لكم بخير.
الكلمة ضربت نادين لأنها لم تجد فيها غيرة ظاهرة.
ريم مشيت.
لكن أول ما دخلت الاستراحة وقفلت الباب… سندت ضهرها عليه.
وحطت إيدها على صدرها.
لأنها كانت بتكذب.
في شيء وجعها.
وجعها أكثر مما يحق لها.
في الجناح، جلال كان صاحي، وسليم واقف جنبه.
جلال قال: — البنت دي مش سهلة.
سليم رد ببرود: — مريضتك، مش موضوع نقاش.
جلال ضحك. — أول مرة من سنين أشوفك بتتوتر علشان حد.
— أنا مش متوتر.
— كداب.
سليم سكت.
جلال نظر له بحدة: — إياك.
— إياك إيه؟
— إياك تقرب منها لو مش هتقدر تحميها من عيلتك.
الكلمة دخلت في صدر سليم كأنها سكين.
جلال كمل بصوت منخفض: — إحنا ناس وحشة يا سليم. وأنت عارف.
سليم بصلُه.
لأول مرة، أبوه قال الحقيقة بدون زينة.
جلال أغمض عينيه بتعب. — لو دي بنت عادية… سيبها عادية. ماتشدهاش لعالمنا.
سليم لم يرد.
لكنه خرج من الجناح بعد دقائق، ومشى ناحية الاستراحة.
وقف قدام الباب.
كان عايز يخبط. يقول لها إن نادين لا تعني شيئًا. إن عائلته لا تملك قراره. إنه لا يعرف ماذا يحدث، لكنه لا يريد أن يختفي.
لكن جملة أبيه وقفت قدامه.
“لو مش هتقدر تحميها…”
وسليم، للمرة الأولى منذ سنوات، لم يكن متأكدًا من قدرته على الحماية.
لذلك لم يخبط.
ابتعد.
ومن داخل الاستراحة، ريم كانت واقفة خلف الباب… وسمعت خطواته وهو يمشي.
وماعرفتش ليه حسّت إن في حاجة بدأت بينهم… وفي نفس اللحظة بدأت تبتعد.
يتبع
الفصل الأخير
بعد الليلة دي… كل حاجة بدأت تتحرك أسرع من اللازم.
ريم حاولت ترجع لحياتها الطبيعية. شيفتات. مرضى. قهوة باردة. مواصلات. سهر. أختها الصغيرة “ملك” وهي بتذاكر على ترابيزة المطبخ المكسورة. شقتها الضيقة اللي السقف فيها بيشرخ كل شتوية.
حاولت تقنع نفسها إن سليم الحديدي مجرد موقف غريب وهيعدي.
لكن المشكلة… إن سليم ماعداش.
بقى يظهر في تفاصيل يومها بطريقة مستفزة.
موبايلها يرن برسالة: “أكلتي؟”
ترد بعصبية: “أنت عندك هوس تغذية.”
يرد بعدها بثواني: “وعندك هوس إهمال.”
تبعتله صورة قهوة الساعة ٣ الفجر. يرد: “ده مش أكل يا دكتورة.”
يبعتلها عربية توصلها بعد شيفت ٢٨ ساعة. تتخانق. يرد: “الخناق مقبول. وقوعك في الشارع مرفوض.”
وكان دايمًا… هادئ.
حتى لما يتضايق. حتى لما يقلق. حتى لما يغار، وده بدأت تلاحظه رغم إنه عمره ما اعترف.
وفي المقابل، ريم بقت تكتشف حاجات عن سليم محدش يشوفها.
اكتشفت إنه بينام قليل جدًا. إنه يشرب قهوته سادة مرة بشكل مرعب. إنه يفضل يبص من الشباك لما يبقى مضغوط. إنه عنده عادة غريبة: كل ما يتعصب، يظبط ساعة إيده. وإنه رغم كل فلوسه… وحيد بشكل يوجع.
وفي نص كل ده… الحاجة بينهم كبرت.
ببطء. بخطر. وبطريقة محدش فيهم عرف يوقفها.
بعد أسبوعين، ريم كانت خارجة من شيفت مرهق جدًا لما لقت مصطفى مستنيها قدام المستشفى.
أول ما شافته تنهدت: — لا.
مصطفى ابتسم: — مساء الخير يا دكتورة.
— قول لسليم بيه لا.
— ماقولتش حاجة.
— وجودك نفسه حاجة.
ضحك. — والله أنا مجرد سواق غلبان.
ريم قربت للعربية وبصت من الإزاز الخلفي. — وهو جوا صح؟
الإزاز نزل ببطء.
وسليم ظهر، لابس بدلة سودا وعينيه مرهقة. — اركبي.
ريم حطت إيديها في وسطها. — لا.
— رجلِك لسه واجعاكي.
— خفيت.
— كدابة.
— بطل تقولها.
— بطلي تعمليها.
فضلوا باصين لبعض ثواني.
مصطفى قال بهمس: — أنا هروح أجيب قهوة وأسيبكم تتخانقوا براحتكم.
ومشي فعلًا.
ريم بصتله بصدمة: — هو سابنا؟
سليم فتح الباب. — اركبي قبل ما الدنيا تمطر.
ريم كانت هترفض… لكن أول نقطة مطر نزلت على وشها.
بصت للسما. وبعدين له. — أنا بكرهك.
قال بهدوء: — لا.
ركبت وهي بتتمتم: — متكبر ومستفز ومتحكم.
— وكمان عندي عربية دافية.
غمغمت: — للأسف.
أول ما قعدت، حسّت قد إيه هي مرهقة. لدرجة إنها سندت راسها غصب عنها.
سليم لاحظ فورًا. — يوم سيئ؟
ضحكت بتعب. — طفل مات النهارده.
الصمت ضرب العربية كلها.
سليم ماقالش “البقاء لله”. ماقالش “ده قضاء ربنا”. ماحاولش يصلح الوجع بكلام محفوظ.
بس قال بهدوء: — احكيلي.
وده كان أسوأ شيء ممكن يقوله.
لأن ريم فجأة حست إنها فعلًا عايزة تحكي.
قالت بصوت مبحوح: — كان عنده سبع سنين… وأمه كانت ماسكة فيا كأن إيدي هترجعه… وأنا كنت عارفة إنه بيروح.
عينيها دمعت رغمًا عنها. — أكتر حاجة بكرهها في الشغل… اللحظة اللي تبقى عارف إنك هتخسر… ولسه لازم تبص في عين أهله.
سليم فضل ساكت.
وبعدين مد إيده بهدوء… ومسح دمعة نزلت على خدها بإبهامه.
ريم اتجمدت.
اللمسة كانت خفيفة جدًا… لكن قلبها اتقلب بالكامل.
سليم نفسه كأنه اتفاجئ إنه عملها.
إيده فضلت مكانها ثانية زيادة عن اللازم.
وعينيهم اتثبتوا في بعض.
ريم همست: — سليم…
وفي اللحظة دي…
موبايله رن.
الاسم على الشاشة: “فريدة.”
اللحظة اتكسرت.
سليم سحب إيده ببطء ورد ببرود: — نعم.
صوت فريدة كان متوتر لأول مرة: — تعالى حالًا. بابا وقع.
المستشفى اتقلبت فوضى.
جلال الحديدي دخل العناية المركزة بعد أزمة قلبية حادة. الصحافة بدأت تتجمع. الإدارة كلها اتقلبت. وفريدة كانت ماشية في الممرات كأنها قنبلة موقوتة.
ريم دخلت مع الفريق الطبي بحكم وجودها في القسم، لكنها أول ما شافت سليم واقف لوحده قدام الإزاز… قلبها وجعها.
كان ثابت كالعادة. لكنها بقت تعرفه كفاية علشان تشوف الشرخ.
قربت منه بهدوء. — سليم.
رفع عينه لها.
ولأول مرة… شكله كان تعبان فعلًا.
قال بصوت واطي: — عنده فشل حاد في عضلة القلب.
— هيتعاملوا معاه.
ضحك بمرارة. — أول مرة أحس إن الفلوس فعلًا بلا قيمة.
ريم وقفت جنبه بدون كلام.
بعد دقائق، فريدة خرجت من غرفة الأطباء بعصبية. أول ما شافت ريم جنب سليم، وشها اتشد.
— إنتِ هنا ليه؟
ريم ردت بهدوء: — شغلي.
فريدة ضحكت بسخرية. — واضح إن شغلك بقى واسع.
سليم قال بحدة: — فريدة.
لكنها كانت منهارة. — لا يا سليم! كفاية! الشركة بتقع، بابا بيموت، وأنت واقف ماسك في دكتورة امتياز؟
الصمت وقع.
ريم حسّت بالإهانة تضربها مباشرة.
فريدة قربت أكتر. — أنت فاكر دي بتحبك؟ دي أكيد شايفة فرصة عمرها.
الصفعة نزلت على وش ريم بدون لمس.
وسليم اتحول في ثانية.
عينه بقت مرعبة. — اخرجي برة يا فريدة.
— الحقيقة وجعتك؟
— قلت اخرجي.
— لأ! دي لازم تعرف هي داخلة على إيه. إحنا عيلة بندمر أي حد يقرب. وأنت أولنا.
ريم اتكلمت أخيرًا، بصوت ثابت رغم الوجع: — عندها حق.
سليم بص لها بسرعة. — ريم—
— عندها حق يا سليم.
عينيها كانت مليانة تعب. مش غضب. وده كان أسوأ.
قالت بهدوء: — أنا فعلًا مش من عالمكم. ولا عايزة أبقى.
سليم قرب خطوة. — ده مالوش علاقة—
— له علاقة بكل حاجة.
فريدة سكتت أخيرًا وهي شايفة إن كلامها أصاب الهدف.
ريم كملت وهي باصة لسليم: — أنا حياتي كلها بحاول أعيشها بشرف وتعب. ماقدرش أدخل حرب عائلية ولا أبقى نقطة ضعف لحد.
— أنتِ مش نقطة ضعف.
ضحكت بحزن. — أنا بقيت بالفعل.
الجملة خبطته بعنف.
لأنها كانت صح.
أول مرة في حياته… يبقى خايف على حد بالشكل ده.
وخوفه عليهم كان دايمًا يتحول لسلاح ضدهم.
ريم رجعت خطوة. — خلي بالك من والدك.
ومشيت.
وسليم ماوقفهاش.
لأنه لأول مرة… ماعرفش يقول إيه.
بعد يومين، جلال فاق.
وكان أول طلب طلبه: — هاتولي ريم.
فريدة اعترضت فورًا: — بابا—
— قلت هاتوها.
ريم دخلت الغرفة بتوتر. جلال كان أضعف بكتير. الأجهزة حواليه أكتر. لكن عينيه لسه حادة.
بص لها طويلًا. — زعلانة من ابني؟
ريم اتفاجئت. — دي حاجة تخصنا.
— يبقى فيه “إحنا”.
سكتت.
جلال ضحك بخفوت، بعدها كح بتعب. — سليم طول عمره صعب. بس مش وحش.
ريم قالت بهدوء: — أنا ماقولتش إنه وحش.
— بس هتبعدي.
بصتله. — أيوه.
جلال غمض عينيه لحظة. — عاقلة.
الجملة وجعتها بشكل غريب.
فتح عينه تاني. — بس للأسف… ابني لما يحب حاجة مايسيبهاش.
قلبها دق بعنف. — هو ماحبش حاجة.
جلال ابتسم ابتسامة متعبة. — أنتِ فعلًا ماتعرفيهوش.
الصمت طال.
ثم قال فجأة: — عندي عرض ليكي.
ريم اتشدت. — لا.
ضحك رغم تعبه. — حتى قبل ما تسمعيه؟
— أي حاجة من نوع “فلوس مقابل تبعدي” مرفوضة.
جلال بص لها بإعجاب واضح. — حلوة.
— يا فندم—
— العرض شغل.
اتلخبطت. — نعم؟
— منحة كاملة. زمالة برة مصر بعد الامتياز. عندي علاقات تفتحلك أي باب.
ريم اتجمدت.
لأن ده… حلم عمرها.
قال بهدوء: — مش علشان تبعدي عن سليم. علشان تستحقيها.
عينيها دمعت بدون إرادة.
سنين تعب. شيفتات. قلة نوم. حياة مؤجلة.
وفجأة حلمها بيتحط قدامها.
لكن…
همست: — وليه؟
جلال بص للشباك. — يمكن علشان أول مرة أشوف حد بص لابني كإنه بني آدم… مش صفقة.
ريم سكتت.
ثم قالت: — محتاجة أفكر.
— فكري بسرعة. العمر مش طويل.
في نفس الليلة، سليم عرف بالعرض.
دخل أوضة أبوه بعاصفة هادية مرعبة. — ليه؟
جلال كان بيشرب دواه. — علشان تستحق.
— ولا علشان تبعدها؟
— لو عايز الحقيقة؟ الاتنين.
سليم ضحك ببرود. — على الأقل صريح.
جلال بصله. — أنت هتسحبها لنارك يا سليم.
— وأنا ممكن أحميها.
— زي ما حميت أمك؟
الجملة نزلت كالرصاص.
سليم اتجمد.
ذكريات قديمة سوداء ضربته دفعة واحدة. أمه. بكاؤها. وحدتها. موته البطيء وهي وسط عيلة تقتل بالبرود.
جلال قال بصوت أخفض: — الحب عندنا دايمًا بيدفع تمن.
سليم خرج بدون كلمة.
ولأول مرة من سنين… راح لمكان أمه.
المقابر كانت هادية بشكل مؤلم.
وقف قدام شاهد قبرها طويلًا. وبعدين قال بصوت مبحوح: — أنا بقيت شبهه؟
السؤال اختفى في الهوا.
لكن الإجابة كانت جواه من زمان.
الخوف.
كان خايف يحب حد… فيؤذيه بنفس الطريقة.
بعد أسبوع، ريم أخدت قرارها.
رفضت المنحة.
لأنها عرفت إنها لو سافرت دلوقتي… هتبقى بتهرب.
وهي تعبت من الهروب.
لكنها كمان قررت تبعد عن سليم.
قطعت الردود. رفضت العربيات. تجنبت جناح جلال. اشتغلت زيادة كأنها بتحاول تدفن نفسها في المستشفى.
وسليم سابها.
ظاهريًا.
لكن الحقيقة إنه كان بيعد الأيام.
لحد الليلة اللي كل حاجة انفجرت فيها.
المطر كان عنيف. والقاهرة غرقانة.
ريم خرجت من شيفت متأخر جدًا، ورفضت توصيلة من أي حد. كانت ماشية تحت المطر وهي مرهقة ومخنوقة، لحد ما سمعت صوت فرامل قوية.
عربية سودا وقفت قدامها بعنف.
الباب اتفتح.
وسليم نزل.
مبلول. غاضب. وعينيه أخطر من أي وقت.
ريم اتوترت: — إنت بتعمل إيه؟
قرب منها. — بتختفي ليه؟
— علشان ده الصح.
— مين قرر؟
— أنا.
— كدابة.
— بطل تقولها!
— لما تبطلي تهربي!
المطر كان بينزل بعنف حوالينهم. الشارع شبه فاضي. والتوتر بينهم بيخنق النفس.
ريم قالت بعصبية ودموع: — أنت فاكر الموضوع سهل؟ فاكر إني أقدر أدخل حياتك عادي؟ كل مرة أبص حواليك بحس إني دخيلة!
— أنتِ الوحيدة اللي حسستني إن المكان ده قابل للتنفس أصلًا.
اتصدمت.
سليم قرب أكتر. — من يوم ما ركبتي عربيتي بالغلط… وأنا مش عارف أرجع زي الأول.
قلبها كان بيدق بعنف مؤلم.
قال بصوت منخفض: — أنا بحاول أبعد. بحاول أكون عاقل. كل الناس بتقول إنك هتتأذي بسببي… ويمكن عندهم حق.
رفع إيده ولمس خدها المبلول بالمطر. — بس كل مرة أبعد… بحس إني بخسر حاجة مش هتعوض.
دموعها نزلت.
— سليم…
— أنا بحبك يا ريم.
العالم كله وقف.
صوت المطر بعد. العربيات اختفت. حتى نفسها بقى بعيد.
قالها ببساطة مرعبة. بدون ألعاب. بدون هروب.
“أنا بحبك.”
ريم ضحكت وسط دموعها. — أنت حتى لما تعترف… تعترف بطريقة تخوف.
ابتسم لأول مرة من قلبه بالكامل. — دي أحسن نسخة عندي.
هزت راسها وهي بتبكي وتضحك: — أنت كارثة.
— وأنتِ عربيتي الغلط.
ضحكت رغم نفسها.
وفي اللحظة اللي قرب فيها… ريم همست: — أنا خايفة.
سليم سند جبينه على جبينها. — وأنا كمان.
— طب وبعدين؟
— نبقى خايفين سوا.
الكلمة كسرتها بالكامل.
فمسكت جاكيته بيديها… وقبلته.
قبلة دافية. مرتعشة. طالعة من تعب شهور وخوف واشتياق حاولوا يدفنوه.
وسليم رد عليها كأنه كان مستني اللحظة دي من أول ما فتح باب عربيته تلك الليلة.
المطر كان بينزل حوالينهم بعنف… لكن لأول مرة، ولا واحد فيهم كان حاسس بالبرد.
بعد ست شهور…
مستشفى السلام الدولي كانت واقفة على رجلها من الزحمة كالمعتاد.
ريم خرجت من العمليات وهي بتعدل البالطو الأبيض الجديد المكتوب عليه: “Dr. Reem Abdelsalam — Resident”
مها جريت عليها. — يا بنتي جوزك برة.
ريم اتخنقت: — مها!
— ما هو جوز مستقبلًا يعني.
ريم احمر وشها. — اخرسي.
لكنها ابتسمت غصب عنها.
خرجت برة… فلقت سليم مستنيها بنفس النظرة اللي لسه بتلخبطها.
لكن في فرق.
بقى أخف. أهدى. أقل وحدة.
قرب منها ومد لها قهوة. — أكلتي؟
ضحكت بصوت عالي. — مستحيل تبطل السؤال ده؟
— لا.
أخدت القهوة. — باباك عامل إيه؟
— بيزعق للممرضين، فده معناه إنه أحسن.
ابتسمت.
العلاقة بينهم ماكانتوش سهلة. ولا عيلة الحديدي اتحولت فجأة لملاك. ولا الدنيا بقت وردي.
لكن سليم وقف قدام الكل.
واختارها.
مش كتمرد. ولا نزوة. ولا هروب.
اختارها لأنه لأول مرة في حياته… لقى حد يشوفه بعيد عن اسم “الحديدي”.
وريم اختارته… رغم الخوف.
لأنها اكتشفت إن بعض الناس، مهما كانوا معقدين ومتعبين… يستحقوا المحاولة.
سليم بص لها فجأة وقال: — على فكرة.
— نعم؟
— لسه عندي فضول أعرف إيه كان هيحصل لو صحيتِ بدري وإنتِ في العربية أول مرة.
ريم ابتسمت بخبث. — غالبًا كنت هصرخ وأنزل أجري.
— مؤذي.
— واقعي.
قرب منها وهمس: — وأنا غالبًا كنت هدوّر عليكِ برضه.
قلبها دق بنفس الطريقة القديمة.
فقالت وهي تبتسم: — الحمد لله إني نمت إذن.
سليم ضحك.
ومشوا سوا وسط دوشة المستشفى… وسط الحياة المتعبة اللي عمرها ما بتهدى.
لكن المرة دي، ولا واحد فيهم كان شايلها لوحده.
تمت

