في عيد ميلاد ال18
في ليلة حفلة الـ 18 سنة، نقلت ورثي اللي سابهولي جدي وقيمته 3 مليون دولار لـ “حساب وقفي مقيد”، عشان مفيش أي حد من أهلي يمد إيده عليه تحت أي بند. الكل وقتها ضحك عليا وقالوا إني مكبرة الموضوع وبشك في أهلي على الفاضي، بس على دخلة الصبح، أبويا وأمي قالوا الكلمتين اللي أثبتوا إني فعلاً لحقت نفسي وأنقذت مستقبلي كله من الضياع.
في الليلة دي، عيلتي كانت عاملة حفلة كبيرة بمناسبة إني كبرت وبقيت مسؤولة عن نفسي. الكل كان بيصقف ويبارك، وأنا كنت ببتسم وبجامل لأن هي دي الأصول والتقاليد اللي اتربينا عليها قدام الناس.
أنا اسمي إيمان.. جدي، الحاج رأفت هلال، توفى من ست شهور وسابلي ورث كبير باسمي. كان دايماً يوصيني ويقولي: “يا بنتي، الفلوس مش هي اللي بتعمل أمان، الأمان في وعيك وإنك تكوني حكيمة في تصرفاتك ومتحكمة في مالك بالحلال، عشان مفيش حد يطمع فيكي.”
عشان كده، قبل الحفلة بساعتين، كنت قاعدة في مكتب المحامي، وكنت مترقبة الأستاذة نورا، محامية جدي القديمة، وهي بتمشي الورق قدامي على الترابيزة.
سألتني: “إنتي متأكدة يا إيمان؟ بمجرد ما نمضي على العقد ده، الحساب هيبقى مقيد ومحمى تماماً، ومفيش أي حد من أهلك يقدر يتصرف في مليم واحد من أصل الفلوس. إنتي والمفوض المستقل بس اللي ليكم حق الصرف وبشروط واضحة للتعليم والاستثمار البناء.”
قولتلها: “توكلت على الله، متأكدة.”
على المغرب، الفلوس مابقتش مجرد رصيد في البنك ممكن يتعرض لضغوط عائلية أو طمع. الفلوس بقت في حساب مستقل ومتأمن بالكامل لمصاريف دراستي، وسكني، وعلاجي، ومستقبلي. أمي قالت عليا بعمل شو، وأبويا ضحك لما عرف.
قال وهو بيطبطب على كتفي جامد وإحنا بنتصور: “في السن ده يا حبيبتي؟ إنتي شكل الفرجة على المسلسلات لحست دماغك، هو في بنت بتخاف من أبوها وأمها؟”
أمي “شاهيناز” بصتلي بعتاب وقالت: “إنتي أحرجتينا، والمحامية دي كان لازم تعقل عن إنها تجاريكي في الشك وظن السوء ده، وإحنا أولى بالمعروف.”
بس أخويا الكبير “شريف” مضحكش خالص. فضل يبصلي بنظرات غريبة وضيق، كأني قفلت في وشه باب كان مرتب حاله إنه هيعتمد عليه ويصرف منه على مزاجه.
والحفلة مشيت عادي، والكل بيبارك، وأبويا وقف يخطب في الناس عن صلة الرحم والأصول، وأمي نزلت دمعتين قدام الضيوف. وشريف فص ملح وداب قبل نص الليل مع خطيبته اللي كانت لابسة غويشة ستي الألماظ من غير ما تستأذن من حد.
على الساعة واحدة بالليل، لمحت أبويا في طرقة البيت بيتكلم في التليفون وصوته واطي جداً وهو متنرفز.
همس وقال: “البنت نقلت الفلوس كلها وحمت الحساب.. أيوا كله، مفيش في إيدي حاجة أعملها، الموضوع اتقفل ومبقاش ليا سلطة عليه ولا قادر أسدد الديون اللي عليا.”
لف وشافني واقفة، في ثانية ملامحه اتقلبت وعمل نفسه الأب الحنين وقال: “اطلعي نامي يا إيمان، الوقت تأخر.”
تاني يوم الصبح، نزلت الصالة لقيت أبويا وأمي قاعدين مستنييني على السفرة. مفيش فطار، مفيش ابتسامة، والجو مشحون كآبة.
عيني أمي كانت حمرا من الغيظ والضيق مش من الزعل.
أبويا وقف بكل قسوة وجحود، ونطق بالكلمتين اللي أثبتوا إني فعلاً أنقذت نفسي وحميت مستقبلي من عيلة كانت شايفة ورثي مجرد سبوبة.
قال بكُل برود: “بما إنك مش بتثقي في عيلتك وعملتي الحساب ده من ورا لورا.. فـ قدامك لحد الظهر تلمي حاجتك وتطلعي برة البيت ده، وروحي خلي الحساب بتاعك ينفعك.”
لميت حاجتي في شنطتين اتنين بس، ماليش في البيت ده غير هدمتين كامستان وشوية كتب. نزلت السلم وأنا شايفة في عيون أمي نظرة غل مكنتش أتخيل إنها تطلع من أم لبنتها، وأخويا شريف واقف وراها مربع إيده وشمتان، كأنه بيقولي “أهو ذنبنا خلص منك”. أبويا مشي وساب البيت من بدري عشان ماليش عين يواجهني بعد ما طردني.
خرجت من باب الشقة، والدموع محبوسة في عيني، بس قلبي جواه يقين بالله إن “مَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا”. ركبت تاكسي وطلعت على جمعية كفالة أيتام ومؤسسة خيرية جدي الله يرحمه كان بيتعامل معاهم، وهناك نورا المحامية كانت مستنياني. أجرت شقة صغيرة قريبة من كليتي، وبدأت أعتمد على نفسي وعلى مرتب شهري بسيط مخصص ليا من الحساب المقيد للتعليم والسكن.
مرت ست شهور كامة. ست شهور مفيش فيهم تليفون واحد من أمي يسأل عليا، ولا رسالة من أخويا يطمن على أخته. كنت بدرس وبنجح، وحياتي هادية ومستقرة بالحلال، لحد ما جه اليوم اللي كل الأقنعة فيه وقعت بالكامل.
كنت قاعدة في شقتي بعد صلاة العشا براجع المحاضرات، لقيت الباب بيخبط خبط هيستيري، خبط مرعب كأن البيت بيقع. قمت جاري، فتحت الباب، واتصدمت من المنظر!
أبويا وأمي وأخويا شريف واقفين على الباب، شكلهم يقطع القلب.. الهدوم مبهدلة، والوشوش صفرا زي الليمون، والكسرة باينة في عيونهم بشكل غريب.
أمي رمت نفسها عليا وهي بتعيط بحرقة وتقولي: “الحقيني يا إيمان.. الحقيني يا بنتي ملناش غيرك!”
أبويا، الراجل اللي كان بيقف على رأس السفرة ويطردني بكبرياء، دخل خطوتين، وراسه في الأرض، ومش قادر يبص في عيني، ودموعه نازلة على كمام جلبابه.
دخلتهم الصالة وأنا مذهولة، وقولت: “في إيه؟ استهدوا بالله، إيه اللي حصل؟”
شريف أخويا قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه وهو بيصرخ بقلة حيلة: “ضيعنا يا إيمان.. ضيعنا كل حاجة! الشغل كله وقع، والمصنع اتقفل، والديون كترت لدرجة إن علينا شيكات من غير رصيد ومطالبين بالدفع فوراً، وإلا أبوكي هيدخل السجن الصبح!”
أمي مسكت إيدي وبستها وهي بتترجاني: “شرف أبوكي يا بنتي.. شرف عيلتنا هيروح في الأرض، محتاجين 2 مليون جنيه فك كرب حالا قبل الصبح، إنتي اللي في إيدك تنقذينا بفلوس جَدِك، ارجعي للمحامية وفكي الحساب ده، ده فرض عليكي.. دي صلة رحم يا إيمان! مش هترضي أبوكي يتسجن!”
بصيت ليهم كلهم.. العيلة اللي طردتني في عز الضهر عشان خافت على قرشين، العيلة اللي شكت في ديني وأخلاقي لمجرد إني حميت نفسي، جايين دلوقتي يكلموني عن صلة الرحم والفرض عشان يداروا على طمعهم وفشلهم.
وقفت في نص الصالة، وبكل ثبات وهدوء، ربعت إيدي وبصيت لأبويا في عينه وقولتله ببرود:
”مش إنت اللي قولتلي يوم ما طردتني: روحي خلي الحساب بتاعك ينفعك؟ أهو الحساب ده هو الوحيد اللي هيحميك دلوقتي.. بس بشرط واحد، والشرط ده هيمضي عليه شريف ويمضي عليه كل واحد فيكم قبل ما مليم واحد يخرج من البنك!”
أبويا رفع راسه وبصلي وعيونه كلها مكسورة، وقال بصوت مرعش: “شرط إيه يا بنتي؟ إحنا في مصيبة، والوقت بيجري والمحامي بتاع الدائنين مستني برة على أول الشارع بالوصلات!”
أمي صرخت وهي بتلطم على خدها: “شروط إيه دلوقتي يا إيمان؟ حرام عليكي ده أبوكي! بقى بتلوي دراعنا وإحنا واقعين؟ فين الأصول وفين الدين اللي بتقولي عليه؟”
بصيت لأمي بهدوء وثبات تام، وقولت بصوت مسموع: “الدين اللي بتكلميني عنه يا أمي هو اللي بيقول (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ). الدين والأصول بيقولوا إن البنت متترميش في الشارع لمجرد إنها حافظت على مالها. أنا مش هسيب أبويا يتسجن، بس أنا مش هكون سبوبة لشريف عشان يضيع شقا جدي في الهوا ويرجع يرميكم ويرميني تاني.”
التفتّ لشريف اللي كان وشه جايب ميت لون، وقولتله: “شرطي الوحيد.. إن الـ 2 مليون جنيه دول مش هيطلعوا كدا لله وللوطن. الفلوس دي هتطلع كـ ‘قرض حسن’ مسجل في المحكمة، والمصنع اللي اتقفل ده هيرجع يشتغل، بس النصيب الأكبر من أرباحه هيروح لـ ‘حساب وقفي’ خاص برعاية الأيتام، باسم جدي الله يرحمه.. وشريف يلتزم بجدول سداد شهري، ويمضي على إقرار وتنازل عن أي حق ليه في إدارة شؤون العيلة المالية من هنا ورايح. من الآخر كدا.. الإدارة والكلمة من النهاردة هتكون ليا أنا ونورا المحامية، عشان المركب دي متغرقش بينا كلنا.”
شريف وقف وفار من الغيظ، وصرخ فيا: “إنتي اتجننتي؟! عايزة تكسري عيني وتمضيني على وصلات وأنا أخوكي الكبير؟ عايزة تتحكمي فينا؟”
قربت منه وبصيت في عينه بكل حسم وقوة، وقولتله: “الكبير بأفعاله وبأصوله يا شريف، مش باللي بيستقوى على أخته وياخد غوايش ست الله يرحمها يديها لخطيبته عشان يتمنظر بيها! لو مش عاجبك.. الباب يفوت جمل، ووريني هتحمي أبوك من السجن الصبح إزاي!”
المكان كله ساد فيه سكون مرعب، ومفيش غير صوت أنفاس شريف العالية وهو بيموت من الغل.
أبويا بص للأرض، ودموعه نزلت، وقال بكسرة تخليك تشفق عليه: “هات الورق يا إيمان.. ومضينا على اللي إنتي عايزاه. إنتي اللي طلعتي راجل في العيلة دي، وإحنا اللي ظلمناكي.”
مسكت التليفون وكلمت الأستاذة نورا المحامية، وعلى ما جات، كان شريف قاعد في ركن الصالة وعينه في الأرض من الغيظ، وأمي بتسبح وتستغفر بنبرة فيها خوف حقيقي لأول مرة في حياتها.
وصلت المحامية ومعاها العقود وإقرار التنازل وجدول السداد. أبويا مسك القلم وإيده بترتعش، وقع وبصلي وقالي: “سامحيني يا بنتي، الشك عَمى عينا والطمع ضيعنا.”
شريف جه عليه الدور، مسك القلم وكان هيكسره في إيده، وبصلي بنظرة كلها غل وهو بيوقع ويقول بصوت مكتوم: “ماشي يا إيمان.. الأيام دول.”
رديت عليه بكل برود: “فعلاً، وتلك الأيام نداولها بين الناس.. امضي وإنت ساكت.”
بعد ما الورق كله اتوقع وتوثق بشهادة المحامية، نورا طلعت شيك مقبول الدفع بالقيمة المطلوبة لفك الكرب، وسلمته لأبويا وهي بتقول ليهم: “لولا إن إيمان عملت الحساب الوقفي ده وحمت الفلوس، كان زمان شريف ضيعها في أول شهر، وكان زمانكم كلكم في الشارع دلوقتي.. احمدوا ربنا إن بنتها صانت عِرضكم ومالكم.”
أبويا وأمي خدوا الشيك ونزلوا جاري عشان يلحقوا المحامي ويسددوا الديون قبل ما الصبح يطلع. شريف خرج وراهم ورزع الباب وراه بكل غل.
قفلت الباب، وسندت ضهري عليه، وأول ما بقيت لوحدي.. دموعي نزلت. دموع مش زعل، دموع راحة ونصر. افتكرت كلام جدي الله يرحمه لما كان بيقولي: “الصح صح لو كل الناس ضدك، والغلط غلط لو كل الناس معاه.”
مرت الأيام، والمصنع رجع يشتغل تحت إشرافي ومتابعة حسابية دقيقة من مكتب نورا. شريف بقى بيجي الشغل زي الألف، ملتزم بجدول السداد لأنه عارف إن أي تلاعب معناه المحكمة. وأمي وأبويا بقوا بيجوا يزوروني في شقتي، بس المرة دي داخلين بيخبطوا بأدب، وفي عيونهم نظرة احترام وتقدير مكنتش موجودة زمان.
وفي يوم جمعة، وأنا قاعدة مع أبويا وأمي وبنشرب الشاي بعد الصلاة، أبويا بصلي وقال: “عارفة يا إيمان.. يوم ما طردتك وقولتلك روحي خلي حسابك ينفعك، مكنتش أعرف إن الحساب ده مش بس هينفعك إنتي، ده كان طوق النجاة اللي ربنا شايلهولنا عشان يسترنا.”
ابتسمت وقولتله: “الحمد لله يا بابا.. ربنا لما بيبتلي حد بيحب يشوف هيتصرف إزاي، وأنا اتعلمت من جدي إن المال مال الله، وإحنا مجرد مستخلفين فيه.. والمهم إننا نتقي الله في تصرفاتنا عشان يباركلنا.”
بعد شهرين، كان ميعاد أول قسط من القرض الحسن اللي شريف ملزم يدوعه في حساب الوقف. يومها كنت قاعدة في مكتب جدي القديم في المصنع، براجع دفاتر الإنتاج، وفجأة الباب خبط ودخل شريف.
وشه كان هادي على غير العادة، ومفيش في عينه نظرة الغل القديمة. حط إيصال الإيداع البنكي على المكتب قدامي، وقعد على الكرسي وتنهد تنهيدة طويلة.
بصيت للإيصال وقولتله: “تمام يا شريف، الحساب كدا مظبوط، وربنا يجعله في ميزان حسنات جَدك ويتقبل مننا.”
شريف سكت شوية، وبعدين قال بصوت واطي: “أنا كنت جاي فاكر إني هقعد قدام الإكسلانسا اللي هتقطمني وتفكرني باللي فات.. بس أنا بقالي شهرين بنزل المصنع من النجمة، وبشوفك بتتعاملي مع العمال بأدب وبتتقي الله في كل قرش، وعرفت إن لو الفلوس دي كانت تحت إيدي، كنت هصرفها في ليلة على مظهر كداب وخسرت كل حاجة.”
بصيت له وابتسمت هدوء: “يا شريف، إحنا أخوات، وأنا عمري ما كان قصدي أكسر عينك. أنا كان كل همي المركب ميتغرقش بينا كلنا. المال ده لو مكناش نراعي ربنا فيه، كان هيبقى وبال علينا في الدنيا والآخرة.”
شريف هز راسه وقال: “أنا فسخت خطوبتي من بسنت.. لما لقتني بنزل ورشة المصنع وبشتغل بإيدي وعرفت إن ماليش كلمة على الفلوس، سابتني. ساعتها بس عرفت إنها كانت حابة شريف ‘السبوبة’ مش شريف البني آدم. أنا ببدأ من جديد يا إيمان، وبجد.. شكراً إنك وفقتيني وفوقتينا كلنا.”
في اللحظة دي، حسيت إن الورث الحقيقي مش الـ 3 مليون دولار، الورث الحقيقي هو إن العيلة دي رجعت لبعضها على نضافة وعلى أصول ودين.
على المغرب، رجعت مع شريف بيت العيلة. أول ما دخلنا، أمي استقبلتني بالزغاريد، وأبويا قام من على سجادته بعد ما خلص صلاة السُّنة، وجاء خَدني في حضنه وقالي: “نورتي بيتك يا قلب أبوكي.. السفرة مستنياكي، ومن النهاردة مكانك على رأس التربيزة دي، مش عشان فلوسك، عشان إنتي الكبيرة بعقلك وبأصلك.”
قعدنا كلنا، لمتنا كانت دافية ومفيش فيها رياء ولا تمثيل قدام كاميرات ولا ناس. وبصيت حواليا وحمدت ربنا في سري.. لأن المنع ساعات بيكون هو عين العطاء، ولولا الشدة، مكنش حد فينا عرف قيمة النعمة ولا قيمة صلة الرحم.
