حسبه مغلوطه
” أنا نقلت الشقة باسم أمي، والفلوس اللي حوشناها كلها على داير المليم اديتها لأختي!”
قالها مصطفى بضحكة كلها شماتة وندالة، وهو بيرمي قدامها ورق دعوى الطلاق.
هنا وقفت جمب الشباك، عينيها بتراقب الشجر في الشارع بره في عز الخريف وورق الشجر وهو بيقع مع الهوا. الدنيا بره كانت بتمطر، ونقط المطر بتنزل على الإزاز وتعمل خطوط شفافة. بس جوا الشقة كان فيه دفا، ونظام، وريحة “بيت” تعبت في تفاصيله سنين وسنين. كل حتة عفش، كل ستارة، كل فازة صغيرة كانت منقياها بحب وصبر من مناصرة ودمياط. دا كان عِش الزوجية، الشقة اللي هنا ومصطفى اشتروها من خمس سنين، بعد جوازهم بفترة قريبة.
الشقة من الأول اتكتبت باسمهم هما الاتنين في عقد البيع الابتدائي. وقتها، الموضوع كان طبيعي ومنطقي، ما هما اتنين متجوزين وبادئين حياتهم مع بعض، وشايفين إن قدامهم عمر طويل وجميل. هنا كانت شغال في شركة شحن وتفريغ كبيرة؛ ومصطفى كان مهندس في مصنع. كانوا بيشيلوا القرش على القرش، ويحسبوا كل مليم، ويفرحوا بكل خطوة تقربهم من شقة ملكهم تقفل عليهم بابهم.
بس مع الوقت، ظهر شرخ كبير بينهم. ولأ، مكنش مجرد شرخ، دا بقى حيطة سد، حفرتها حماتها **”الحاجة اعتماد”** بطول بال وبشكل مستمر.
الحاجة اعتماد مكنتش بتفوت فرصة إلا وتفكر ابنها إن القرش لازم يفضل “جوا العائلة”. والعائلة بالنسبة لها هي صلة الدم وبس! أما مرات ابنها، فكانت في نظرها ضيفة، حد غريب ممكن يختفي من حياة مصطفى في أي لحظة.
“— يا مصطفى يا بني فكر بالعقل،” كانت الحاجة اعتماد بتقولها كل ما تزورهم وتقعد معاهم في الصالون. “فرضًا حصل حاجة؟ طلاق مثلاً، بعد الشر! الشقة مكتوبة باسمكم انتوا الاتنين، ومراتك هتاخد نصها ع الجاهز. وأنت تشقى وتتعب سنين وتدي شقا عمرك لواحدة غريبة؟”
في الأول، مصطفى كان بيمشي الموضوع ويهز كتافه. هنا كانت بتشوفه بيكشر أول ما أمه تبدأ الأسطوانة دي. بس زن على الودان أمرّ من السحر، وكلام أمه بدأ يعشش في دماغه زي السوس.
وهنا حست بالتغيير. جوزها بقى بارد، قفل على نفسه، وبقى فيه باب مخفي بينهم. الأول كانوا بيقعدوا يتكلموا في الميزانية ومصاريف البيت والجمعيات مع بعض؛ دلوقتي مصطفى بقى يهرب من الكلام دا وبيرد ردود عايمة ميفهمش منها حاجة.
“— مصطفى، محتاجين نشوف هنرتب إزاي عشان نوضب أوضة كريم،” هنا قالتله في يوم.
“— بعدين بعدين، نشوف الموضوع دا،” رد وهو عينه في الموبايل.
كان عندهم ابن عنده 7 سنين، “كريم”. الواد لسه داخل سنة أولى ابتدائي، وهنا كانت عايزة تعمل له مكتب نضيف يذاكر عليه، وبتفكر تديه كورس يطور مهاراته في الحساب، لأن الواد كان بسم الله ما شاء الله ذكي في الأرقام وموهوب.
وعشان كل الخطط دي، كان لازم فلوس. هنا كانت بتشيل قرشين من مرتبها كل شهر بصبر، وبتستغني عن حاجات كتير كانت بتفرحها. بدل ما تشتري جاكيت جديد للشتا، فضلت بالقديم. وبدل ما تخرج تشرب قهوة مع أصحابها، بقت تقعد في البيت وتعمل العشا بنفسها.
“— أنت كمان بتشيل معايا في الحساب المشترك مش كده؟” سألته مرة.
“— طبعاً يا هنا،” مصطفى أكد لها. “أنا وعدتك، إحنا الاتنين مع بعض في المركب دي.”
وهنا صدقته. هتشك في إيه؟ دا الراجل اللي عايشة معاه بقالها 8 سنين. مصطفى طول عمره بيبان جد، ومسؤول، وابن ناس. دي أصلاً الصفات اللي خليتها تحبه وتتجوزه.
بس الحقيقة كانت صدمة العمر…
على أواخر شهر تسعة، مصطفى بدأ يبقى متوتر ومخضوض. كتير كان بياخد الموبايل ويدخل البلكونة أو أوضة تانية ويتكلم بصوت واطي. هنا مكنتش بتتجسس، بس فيه كلام كان بيلطش في ودنها غصب عنها.
“— يا أمي قولتلك كله تمام.. أيوا هعمل كده.. طبعاً مش هتعرف حاجة.”
فيه غصة وخوف بدأوا يتسللوا لقلب هنا. هو إيه اللي مش لازم تعرفه؟ وإيه السر اللي بين مصطفى والحاجة اعتماد؟
في ليلة، ومن كتر القلق، هنا قررت تواجهه قفش ومن غير لف ودوران.
“— مصطفى، إحنا في بينا حاجة؟ أنت متغير بقالك فترة.”
“— مفيش، كله تمام،” رد وهو باصص لشاشة اللاب توب ببرود. “بتسألي ليه؟”
“— أصلك طول الوقت بتتكلم مع مامتك في السر، وبقيت حاسا إن وراك أسرار.”
“— يا هنا عندي مشاكل في الشغل، مشروع معقد مش أكتر. متألفيش قصص وسيناريوهات من دماغك.”
سكتت وما رضيتش تضغط عليه. قالت يمكن فعلاً ضغط الشغل، مصطفى عدا بفترات صعبة قبل كده وكان بيرجع البيت هلكان ومش طايق كلمة. بس قلبها كان بيقولها إن الموضوع مش شغل خالص.
وفي الوقت ده، مصطفى كان شغال الله ينور من ورا ظهرها. في السكات، وبخطوات مدروسة، ماشي على الخطة اللي رسمتهاله الحاجة اعتماد بالحرف.
الحمى أقنعت ابنها إن هنا عاجلاً أم آجلاً هتطلب الطلاق وتاخد نص الشقة وتمشيه على عجين مبلخبطش. وفي نظر الحاجة اعتماد، كل الستات كده: في الأول تعمل فيها الزوجة المخلصة، وبعدين تقش كل اللي وراه واللي قدامه.
“— يا مصطفى يا بني احمي نفسك،” كانت أمه بتوشوشه وهي بتشرب الشاي. “انقل الشقة باسمي، دي حاجة صوري ومؤقتة بس. ولما الأمور تهدى هرجعهالك بكتابة جديدة. بس كده تضمن شقاك ومحدش يلوى دراعك.”
“— طب وهنا لو عرفت؟” كان بيتردد.
“— وتعرف منين؟ أنت مش هتقولها. خلص كل حاجة في السكات. ولو في يوم سألت، قولي دي حركة عشان نأمن ورث العائلة.”
مصطفى اتهز شوية، بس كلام أمه وسيطرتها كسبوا في الآخر. الحاجة اعتماد كانت عارفة بتلعب على أنهي وتر؛ فكرته إنها ضحت بعمرها عشانه بعد ما أبوه مات، وإن محدش في الدنيا هيحبه ويخاف على مصلحته زي أمه.
في أول شهر عشرة، مصطفى جهز ورق التنازل والبيع. وطبعاً الموضوع دا محتاج إمضاء هنا لأنها شريكة في العقد ومكتوب اسمها. بس مصطفى لقى طريقة يلف بيها على القانون. واحد معرفة للحاجة اعتماد، شغال في مكان حسّاس، ظبطلهم الدنيا بره بره. ومصطفى مضى مكان مراته وزور إمضاءها وبصمتها، والورق اتسجل رسمي!
وبكده، الشقة بقت في السجلات باسم الحاجة اعتماد.
الخطوة التانية كانت الفلوس والتحويشة. هنا كان معاها حساب لوحدها في البنك مصطفى ميعرفش عنه حاجة، بس كان عندهم “دفتر توفير” مشترك، شايلين فيه الفلوس الكبيرة للأزمات والمصاريف التقيلة والقرش الأبيض لليوم الأسود. والفلوس دي كانت…
تفتكر “هنا” لما تكتشف الملعوب ده والندالة دي كلها، هتعمل إيه؟ هل القانون هيجيب لها حقها في التزوير، ولا هتعرف تاخد حقها بطريقتها؟
الحكاية مخلصتش هنا، دي يدوبك كانت البداية.. البداية اللي اتكتبت بحبر الغدر والندالة في السكات.
## الفصل الثاني: العاصفة والقرش الأبيض
الضحكة الخبيثة اللي طلعت من حنجرة مصطفى فضلت ترن في ودن هنا زي صوت جرس حريق شغال في بيت ضلمة. الكلمات نزلت عليها زي جبل مهدود: *”نقلت الشقة باسم أمي.. والفلوس اديتها لأختي”*.
في اللحظة دي، السقف اللي كان حاميها من مطر أكتوبر بره حسّت إنه وقع فوق نفوخها. بصت لمصطفى، ملامحه اللي كانت زمان بتبان لها طيبة ومسؤولة، اتكشفت عن وش تاني خالص، وش غريب عنها، مليان لؤم وجبروت متشرب من قعدة المصاطب وتدبير الحموات.
“أنت بتقول إيه يا مصطفى؟” الصوت طلع من حنجرتها مبحوح، ضعيف، كأنه جاي من تحت الأنقاض. “شقة إيه اللي نقلتها باسم أمك؟ والفلوس.. فلوس كريم وشقايا وتعب السنين دي كلها تديه لأختك؟ بأي حق؟!”
مصطفى حط رجل على رجل، وسند ضهره على الكنبة اللي هنا منقياها قماشها حتة حتة من الوكالة، وطلع سيجارة ولعها بكل برود، ونفخ الدخان في وشها وقال: “بحق إني الراجل، وبحق إن القرش قرشي والشقة شقتي. وأمي أولى بلحمي من واحدة غريبة.. وأختي كانت محتاجة القرشين عشان تجهز بنتها، وأنا أولى بستر لحمي وعرضي من إنه يترمي في البنوك وتطمعي فيه أنتِ وأهلك لما تطلبي الطلاق!”
“أطمع فيه؟” الكلمة شقت صدرها شق. “أنا أطمع في شقايا؟ أنا اللي كنت بوفر اللقمة من بوُقي عشان نشيل القرش على القرش؟ أنا اللي بقالي سنتين مجبتش لنفسي طقم جديد في العيد عشان أوفر كورس الحساب لكريم؟ أنا أطمع؟!”
“خلاص يا هنا، الحكاية خلصت والفيلم المحموض ده ملوش لازمة دلوقتي،” مصطفى قام وقف وفض رماد السيجارة في الطفاية الكريستال، وبص لها بعين باردة. “الورق ورقنا والدفاتر دفاترنا. أنتِ ملكيش هنا ولا مليم، والطلاق هيتم بالمعروف.. تاخدي هدومك وهدوم ابنك، وتدوري لك على مكان تاني، لأن الشقة دي من بكرة الصبح هتنورها الحاجة اعتماد، هي أولى ببيتها.”
سابها ودخل الأوضة وقفل الباب وراه برزع هزت الحيطة.
هنا فضلت واقفة في مكانها، رجليها مش شايلاها. الصدمة كانت عاملة زي البنج، مخلياها مش حاسة بجسمها، بس قلبها من جوة كان بيفور. بصت حواليها.. الصالة اللي عاشت فيها أحلى أيام عمرها، الستائر السكرية اللي سهرت تفصلها عند الترزي، الصور اللي متعلقة على الحيطة ليهم هما التلاتة في الملاهي.. كل حاجة اتحولت في ثانية لمجرد ديكور في مسرحية جريمة مأساوية.
دخلت بهدوء على أوضة كريم. الواد كان نايم زي الملاك، نايم وهو ضامم دبدوبه الصغير ومطمن إن ليه أب وأم وسقف حامينه. دموغها نزلت سخنة ومحروقة على خدودها وهي بتبص له. “مش هسيب حقك يا كريم.. مش هخليك تترمي في الشارع عشان خاطر أوهام الحاجة اعتماد وجبروت ابنها.”
قعدت على الأرض جمب سرير ابنها، والأسئلة بدأت تطحن في دماغها: هو عمل كدا إإاي؟ إزاي الشقة تتنقل وهي مضية معاها في عقد البيع؟ وإزاي سحب الفلوس من دفتر التوفير المشترك اللي في البوسطة وهو محتاج إمضتها برضه؟
الزمن رجع بيها فجأة لأسبوعين ورا.. افتكرت يوم ما مصطفى دخل عليها بابتسامة صفرا ومجموعة ورق في إيده وقال لها: “هنا يا حبيبتي، دي أوراق تبع الشركة عندي عشان بيعملوا قروض وتسهيلات للمهندسين، ومحتاجين بس إمضا منك كضامن صوري عشان الحساب المشترك اللي بينا.. امضي هنا وهنا.” وهي من كتر ثقتها فيه، ومن كتر ما كانت دايخة من شغل البيت ومذاكرة كريم، مضت من غير ما تقرأ سطر واحد!
“يا غبي.. يا واطي،” همست لنفسها والغل بياكل في قلبها. “كنت بتخطط وتدبر وأنا نايمة على وداني!”
تاني يوم الصبح، الشمس طلعت بس مكنش فيها دفا. مصطفى نزل من النجمة من غير ما ينطق بكلمة، كأنه خلاص نفذ خطته ومبقاش شايفها بني آدمة تستحق المعاملة.
هنا مكنتش من الستات اللي بتصوت وتلطم وتلم الجيران. طبيعة شغلها كمديرة في شركة شحن وتفريغ علمتها إن الأزمات الكبيرة مبتحلهاش الدموع، بتحلها الخطط والورق. لمت نفسها، لبست دريس كحلي غامق، وأخدت كريم وديته المدرسة، ومن هناك طلعت على طول على المحامي الأستاذ “عبد العزيز”، راجل شاطر من دهاقنة القانون في وسط البلد، وشه كله هيبة وعينيه بتقرأ اللي بين السطور.
قعدت قدامه في المكتب الصغير المليان بملفات صفراء، وحكت له الحكاية من طقطق للسلام عليكم، وصوتها كان ثابت بس إيديها كانت بترتعش من غير ما تقصد.
الأستاذ عبد العزيز سمعها للاخر وهو بيعدل نظارته القراءة، وسند ضهره لورا وقال بنبرة هادية: “بصي يا مدام هنا.. جوزك واضح إنه مش شغال من دماغه، دي تخطيط ناس فاهمة ثغرات القانون كويس. مسألة إنه ينقل الشقة باسم أمه بعقد بيع أو تنازل، وهو معاه توكيل منك أو خلى المحرر يظبط الإمضاءات، دي فيها شق جنائي اسمه تزوير، بس إثباته بياخد وقت في المحاكم وأبحاث التزييف والتزوير.”
“يعني إيه يا متر؟” هنا صرخت بلهفة. “يعني شقا عمري راح؟ يعني الشقة والفلوس خلاص بقوا ملك الحاجة اعتماد وبنتها؟”
“أنا مقلتش كده،” الست المستشار ابتسم ابتسامة ثقة كأن في جيبه مفتاح السر. “القانون زي ما فيه ثغرات للمجرمين، فيه أبواب للحق. مصطفى عمل اللعبة دي عشان يخليكي تطلبي الطلاق خلع فتنازلي عن حقوقك، أو يطلقك غيابي ويرميكي برة. بس هو غبي في حاجة.. الفلوس اللي سحبها من الدفتر المشترك، سحبها إزاي؟”
“أنا افتكرت إنه خلاني أمضي على ورق من أسبوعين قال لي إنه تبع الشغل وضمان، أكيد كان وسطهم تفويض بالسحب أو تنازل عن الرصيد،” هنا قالتها بحسرة.
“تمام.. دا يثبت التدليس والنصب،” المحامي وقف وفتح درج مكتبه وطلع أجندة. “إحنا مش هنلعب في المضمون بتاعهم.. هما مستنيين منك عياط وخناق ومحاضر طرد وبكاء على اللبن المسكوب. إحنا هنلعب لعبة ‘النَفَس الطويل’. أول خطوة، الشقة دي أنتِ قاعدة فيها وحاضنة لابنك كريم، ومفيش مخلوق على وجه الأرض يقدر يطرد ست حاضنة من شقة الزوجية حتى لو بقت باسم وزير الدفاع! القانون بيحميكي كأم حاضنة.”
كلام المحامي نزل على قلب هنا زي المية الساقعة، بدأت تفهم إن الحرب مش خناقة في الصالة، دي حرب نفس ورق وقانون.
رجعت هنا البيت، ولقت المفاجأة الكبيرة مستنياها.
الحاجة اعتماد قاعدة في الصالون، حاطة رجليها على الترابيزة الإستيل، وبتشرب قهوتها وبتبص في الشقة كأنها بـتُعاين ممتلكاتها الجديدة. ومعاها بنتها “شيرين” اخت مصطفى، اللي كانت بتفتح الدواليب وتتفرج على الحاجه بقلة ذوق.
“أهلاً يا لوزة،” الحاجة اعتماد قالتها بنبرة تملأها الشماتة والتكبر. “نورتي بيتك القديم.. جيتي في وقتك عشان تلمي هدومك وعفشك اللي جايباه من بيت أبوكي، لأن الشقة دي خلاص، ورقها اتسجل في الشهر العقاري باسمي، وبنتي شيرين أولى بجهازها من القعدة في الإيجار.”
شيرين ضحكت بصفار وقالت: “معلش يا هنا.. يا حبيبتي، النصيب كده، وكل واحد بياخد رزقه. مصطفى كتر خيره، شال حمْل كبير من عليا في جهازي، والفلوس اللي في الدفتر دي هي اللي هتجيب لي غسالة وتلاجة زيرو.”
هنا وقفت في نص الصالة، حطت شنطتها على الكومودينو بكل هدوء. ملامحها مكنش فيها أي خوف أو انكسار، بالعكس، كانت باردة لدرجة رعبت الحاجة اعتماد شوية.
بصت لهم هنا وقالت بابتسامة غامضة: “تنوروا يا جماعة، الشقة شقتكم والبيت بيتكم.. بس إحنا لسه في أول الشتا، والدنيا بره مطر، وأنا مش هسيب بيتي دلوقتي. القعدة هنا لسه مطولة، أصل الأستاذ مصطفى نسى يقولكم إن الست الحاضنة بتقعد في الشقة بقوة القانون لحد ما كريم يتم ١٥ سنة.. يعني قدامنا مع بعض حوالي تمان سنين يا حاجة اعتماد.. تحبي أعملك شاي معايا ولا هتفضلي قاعدة على الكنبة دي كتير؟”
وش الحاجة اعتماد اتقلب ميت لون، وبصت لبنتها بصدمة. “حاضنة إيه وشاي إيه يا بت أنتِ؟ الشقة باسمي أنا! أبيعها.. أجرها.. أولع فيها، أنتِ مالك؟”
“كلمي المحامي بتاعكم يا حاجة وهو يفهمك يعني إيه ‘تمكين من شقة الزوجية بصفة حاضنة’،” هنا سابتهم ودخلت المطبخ تعمل قهوة لنفسها، وسابتهم في الصالة يضربوا أخماس في أسداس.
ساعة زمن ومصطفى جه جري على البيت بعد ما أمه كلمته وهي بتصوت في التليفون. دخل البيت وعينيه بتطلع شرار، لقى هنا قاعدة في المطبخ بتشرب قهوتها وبتقرأ كتاب لكريم.
“أنتِ بتلعبني يا هنا؟” مصطفى زعق وهو بيخبط على الرخام. “فاكرة نفسك ذكية؟ والنعمة لـ أرميكي في الشارع أنتِ وابنك ومخليش ليكي لقمة في البلد دي!”
هنا رفعت عينيها ببطء، وبصت له بنظرة خلت ركبه تسيب. “ابني هو ابنك يا مصطفى.. اللي أنت عايز ترميه في الشارع ده هو لحمك ودمك اللي أمك أقنعتك إنك بتأمن مستقبله ضد ‘الغريبة’. الغريبة دي هي اللي كانت بتشتغل ١٢ ساعة وترجع تطبخ وتغسل وتذاكر له عشان أنت تترقى في مصنعك. الفلوس والشقة؟ مبروكين على الحاجة اعتماد وشيرين.. بس الحساب لسه مفتحش يا هندسة.”
“حساب إيه يا أم حساب؟” مصطفى قالها بسخرية بس كان جواه قلق.
“حساب الشركة الكبيرة اللي أنت شغال فيها،” هنا قالتها وهي بتقدم له موبايلها. “أنت نسيت إن شركتنا للشحن هي اللي بتورد المواد الخام للمصنع بتاعكم؟ ونسيت إن رئيس مجلس إدارة شركتكم يبقى ابن خالة مديري في الشغل؟ أنت لعبت في بيتي وشقايا.. وأنا هلعب في لقمة عيشك ومستقبلك المهني كله. والورق اللي أنت زورت فيه إمضائي عشان تسحب الفلوس؟ الدفتر كان فيه ميزة الإشعار بالموبايل.. وكل قرش سحبته جالي بيه رسالة بالوقت والتاريخ.. ومكتب الخبراء هيقول كلمته في الإمضاء المزور يا مصطفى.”
مصطفى حس فجأة إن الأرض بتهتز تحت رجليه. الخطة اللي رسمتها أمه كانت مبنية على أساس إن هنا ست غلبانة هتستسلم وتبكي وتطلب رضاهم عشان متطلقش، مكنوش يعرفوا إنهم صحوا جواها وحش مبيسبش حقه.
الحاجة اعتماد طلعت من الصالة بتجر رجليها وقالت بخوف: “في إيه يا مصطفى؟ البت دي بتقول إيه؟ مش أنت قلت لي كل حاجة متأمنة والورق سليم؟”
مصطفى مبقاش عارف يرد، بص لهنا اللي قامت من على الكرسي بكل شموخ، ودخلت أوضتها وقفت الباب، وسابتهم في وسط الصالة، والوجع والخوف بدأ يتسرب لقلوبهم بدل الشماتة.
الحرب لسه بادية.. والنَفَس طويل.. والقرش الأبيض اللي افتكروه بقا في جيب شيرين، شكله هيتحول ليوم أسود على دماغ الكل.
نبرة الثقة اللي اتكلمت بيها هنا في المطبخ سابت وراها مفعول المية الساقعة اللي اتلقت على أرض بتغلي. مصطفى فضل واقف في مكانه، باصص للباب المقفول بتاع أوضتها، وسيnormalجارتة اتطفت في إيده من غير ما يحس. الحاجة اعتماد وشيرين بنتها كانوا واقفين وراه، ملامح الشماتة والنصر اللي كانت مالية وشوشهم من ساعة اتخرست تماماً، وحل مكانها نظرات قلق متبادلة، زي الحرامية لما يحسوا بصوت بوليس بيقرب من الوكر.
“— الواد ماله متنح كده ليه يا مصطفى؟” الحاجة اعتماد شَدت ابنها من دراعه وبصت له بعينين ضيقة ومغلولة. “ما تنطق يا بني! إيه اللي البت دي بتقوله ده؟ حساب إيه وشغل إيه؟ مش أنت قايل لي إنك مأمن نفسك ومستف ورقك، والشهادة لله صاحبي اللي في الشهر العقاري ممشي الأمور قانوني ومحدش يقدر يكسر عتبة الشقة دي؟”
مصطفى نفض دراعه من إيد أمه بعصبية، ووشه بقى لونه أحمر وعروق رقبة ناطحة. “يا أمي اسكتي بقى دلوقتي! الشقة ورقها سليم والبيع صوري ومحدش يقدر يثبت عليه حاجة.. بس البت دي واصلة في شغلها، ومديرها ‘الباشا’ اللي بتقول عليه ده فعلاً كلمته مسموعة في السوق. لو لعبت من ورا ضهري في عقود التوريدات للمصنع، هقعد في البيت من بكرة، والمصنع مش هيسمي عليا لو لقى مصلحته هتتعطل بسبب مشاكل شخصية للمهندسين!”
شيرين لوّت بوزها وقالت ببرود مصطنع عشان تداري خوفها على الفلوس: “جرى إيه يا مصطفى؟ أنت هتكش من أول قلم؟ دي بتخوفك وبتعمل عليكِ نمرة عشان تسيب لها الشقة والقرشين. الفلوس خلاص بقت في الحساب بتاعي وجبنا بيها نص الحاجة، والورق في جيبنا. تلاقيك أنت اللي قلبك خفيف وبتترعب من خيالك.”
“أنتِ تسكتي خالص!” مصطفى زعق في أخته بغل أول مرة تلمحه شيرين في عيون أخوها الحنين اللي كان بيغدق عليها. “أنتِ خَدتي الفلوس على الجاهز، وأنا اللي وشي في المدفع بره وجوه! غوروا بقى على شقتكم دلوقتي وسيبوني ألم الزفت ده.”
الحاجة اعتماد أخدت بنتها من إيدها وطلعت وهي بتبرطم وتدعي تحت السلم، والشماتة اللي دخلت بيها اتبخرت، وحست لأول مرة إن “هنا” مش الصيد السهل اللي كانت متخيلاه.
جوا الأوضة، هنا كانت ساندة ضهرها على الباب، مغمضة عينيها وبتتنفس بسرعة. كانت حاسة بقلبها بيدق زي الطبلة، بس مكنش دق خوف، كان دق حرب. الخطة اللي رسمتها مع الأستاذ عبد العزيز المحامي بدأت تجيب مفعولها النفسي فوراً. المحامي قال لها جملة مريحة جداً قبل ما تمشي من مكتبه: *”يا مدام هنا، الراجل الندل لما بيسرق، بيبقى عامل زي الحرامي اللي شايل شيكارة دهب تقيلة فوق ضهره.. بيبقى مرعوب من أي خوتة، وخايف الورق يتكشف. العبي على خوفه، والورق اللي معاكِ يخليه يلف حوالين نفسه.”*
طلعت موبايلها، وفتحت الأبليكيشن بتاع البنك والتوفير المشترك. شافت حركات السحب اللي مصطفى عملها؛ سحب المبلغ كله على تلات مرات في أسبوع واحد، وكان التوقيع الكتروني بالبصمة اللي هو أخدها منها بالتدليس. أخدت “سكرين شوت” لكل حركة، وبعتتها على طول للواتساب بتاع الأستاذ عبد العزيز.
كتبت له: “يا متر، بعت لك تفاصيل السحب من الدفتر المشترك. الخطوة الجاية إيه؟”
رد عليها المحامي بعد دقيقتين برسالة صوتية: “عفارم عليكِ يا مدام هنا. بكرة الصبح من النجمة، هكون مجهز لك طلب ‘تمكين من شقة الزوجية بصفة حاضنة’ وبطلب معاينة من النيابة. وفي نفس الوقت، هنرفع قضية ‘تبديد أموال مشتركة وتزوير’. متحتكيش بيه في البيت، اتقلي خالص واعملي حاجتك وحاجة ابنك، وخليه هو اللي ياكله الشك.”
تاني يوم الصبح، البيت كان عايش في حالة ‘حرب باردة’. مصطفى لابس بدلة الشغل وواقف قدام المراية بيظبط الكرافتة، بس إيديه كانت بترتعش وعينه على هنا وهي بتحضر لانش بوكس لكريم بكل هدوء كأن مفيش أي حاجة حصلت بالليل. كريم الصغير جه جرى، باس مامته وباس باباه وهو مش فاهم حاجة من النظرات المتبادلة فوق راسه.
“بابا، أنت هتيجي توديني المدرسة النهاردة؟” كريم سأل ببراءة الأطفال.
مصطفى بص لهنا، وبعدين وطى وطبطب على كِتف ابنه بصوت مخنوق: “لأ يا حبيبي، ماما هتوديك عشان بابا وراه مشوار مهم في الشغل.. ماشي؟”
هنا مأبدتش أي رد فعل، أخدت كريم من إيده وطلعت من باب الشقة من غير ما تبص وراها. مصطفى فضل واير في الصالة، نزل بعدهم بنص ساعة ودمه حامي. طول الطريق للمصنع، وعقله شغال تفكير. كلام هنا عن مديرها وعن رئيس مجلس إدارة شركته مكنش كدب، هو عارف إن العلاقات البيزنس في السوق ده متشابكة، ولو هنا حطت دماغها في دماغه، ممكن تضيع عليه ترقية “مدير قطاع الهندسة” اللي مستنيها بقاله سنتين.
أول ما وصل المصنع، لقى السكرتيرة بتقول له بلهفة: “باشمهندس مصطفى، الباشا رئيس مجلس الإدارة طالبك في مكتبه فوراً.”
الكلمة نزلت على مصطفى زي الصاعقة. “طالبني أنا؟ ليه؟ في حاجة في المكن أو الإنتاج؟”
“والله معرفش يا فندم، بس شكله مش مريح، وقال لي أول ما الباشمهندس مصطفى يوصل يجيلي على طول.”
مصطفى حس بريق ينشف، ورجله بدأت تخبط في بعضها وهو طالع السلم المؤدي لمكتب الإدارة العليا. “لحقت؟” سأل نفسه برعب. “هل البت دي كلمتهم بالليل والشركات بدأت تتحرك؟”
دخل المكتب، لقى رئيس مجلس الإدارة، راجل عجوز بوش صارم ونظرات حادة، قاعد ورا مكتبه الفخم، وقدامه ملفات مفتوحة.
“اتفضل يا مصطفى، اقعد،” قالها الراجل بنبرة جافة من غير ترحيب.
مصطفى قعد على طرف الكرسي وسأل بصوت مهزوز: “خير يا فندم؟ تحت أمرك.”
الراجل بص له شوية بنظرة تقييم خلت مصطفى يتمنى الأرض تنشق وتبلعه، وبعدين رمى قدامه ملف وقال: “إحنا بنراجع عقود توريد المواد الخام للشهر الجاي، وشركة الشحن والتفريغ اللي بنتعامل معاها بعتت لنا تعديل في الشروط والأسعار.. بس الغريبة إن المديرة المسؤولة عن قطاعنا هناك، مدام هنا.. اللي هي مراتك على حد علمي، اعتذرت عن الإشراف على ملف مصنعنا وطلبت نقله لزميل تاني بسبب ‘ظروف شخصية خاصة وخلافات قضائية تمنعها من التعامل الحيادي مع إدارة المصنع’.”
الراجل سكت شوية وشبك صوابعه وبص لمصطفى بغضب: “أنت عارف ده معناه إيه يا باشمهندس؟ معناه إن الشغل والبيزنس اللي بملايين هيدخل في تفاصيل مشاكلكم الشخصية! إحنا مصنع شغال بالدقيقة، والمدام هناك هي اللي كانت بتسهل لنا الجمارك والأرضيات في المينا. لما تعتذر والملف يروح لحد تاني مش طايقنا، شغلنا هيتعطل! أنت بينك وبين مراتك إيه يا مصطفى مأثر على اسم المصنع بره؟”
مصطفى بلع ريقه وصوته اتقطع: “يا فندم.. دي.. دي خلافات أسرية بسيطة وتتحل، وهي بتعمل كده بس عشان تضغط عليا في البيت.. أنا هصفي الموضوع ده فوراً.”
الراجل خبط على المكتب بإيده: “تصفيه بره المصنع بره أسوار الشغل! إحنا هنا يهمنا مصلحتنا. لو الخلافات دي هتأثر على توريد خاماتنا أو هتعمل لنا قلق مع شركة الشحن، أنا مش مستعد أخسر تعاقدات عشان خاطر مشاكل بيوت! قدامك أسبوع واحد يا مصطفى، الموضوع ده يتلم، يا إما الترقية اللي أنت مستنيها هتروح لزميلك الباشمهندس سامح، وأنت عارف سامح مستنيها إزاي.. اتفضل على شغلك.”
مصطفى طلع من المكتب وهو مش شايف قدامه، الغضب والغل والندم اتخلطوا في دماغه وعملوا ميكس مرعب. بقى يلعن اليوم اللي سمع فيه كلام أمه “الحاجة اعتماد” وزنها اللي خرب بيته ومستقبله في ثانية.
طلع موبايله واتصل بأمه، أول ما ردت زعق في التليفون بصوت سمع الممر كله: “ارتحتي؟ ارتحتي يا أمي؟ الشغل هيضيع مني! الترقية هتطير! البت لفت حبل المشنقة حوالين رقبتي في المصنع من قبل ما ترفع قضية واحدة في المحكمة! الشقة والقرشين اللي فرحانة بيهم مع شيرين هيقعدوني في الشارع من غير لقمة عيش!”
الحاجة اعتماد اتخضت من نبرة ابنها وعلو صوته: “جرى إيه يا واد جرى إيه؟ جمد قلبك كده، الشغل هيروح فين يعني؟ هما هيلاقوا مهندس زيك فين؟ دي بتلعب بأعصابك يا واد امسك نفسك!”
“أنتِ مش فاهمة حاجة!” مصطفى قفل السكة في وش أمه، وقعد على مكتبه وحط راسه بين إيديه، وبدأ يحس بمدى الجرم والندالة اللي عملها في حق الست اللي شالت معاه الشيلة من أول يوم.
وفي نفس الوقت ده، هنا كانت قاعدة في مكتبها بشركة الشحن، بتشرب نسكافيه وبتراجع أوراق مع زميلها. موبايلها رن، لقت رقم الأستاذ عبد العزيز المحامي.
“أيوة يا متر، طمني،” هنا قالتها بنبرة قوية.
“مبروك يا مدام هنا،” المحامي قالها بضحكة منتصرة. “قدمت طلب التمكين وبفضل الله وبسبب وجود طفل في سن حضانة والمدرسة قريبة من الشقة، النيابة أصدرت قرار سريع بمعاينة الشقة بكرة الصبح لصدور قرار التمكين المشترك مبدئياً لحين الطلاق، وبعدها التمكين المنفرد ليكي ولابنك. وجوزك المحترم بكرة هيلاقي محضر النيابة وقوة من الشرطة واقفين على باب الشقة بيعاينوا عشان يثبتوا إنك قاعدة فيها بكامل حاجتك.”
هنا غمضت عينيها وحست براحة لأول مرة من يومين. “والتزوير يا متر؟ الفلوس اللي اتسحبت والورق اللي اتنقل باسم أمه؟”
“دا الشق التاني،” المحامي كمل بثقة. “إحنا بكرة مع المعاينة هنثبت حالة التزوير في عقد البيع الصوري، لأننا رفعنا دعوى بطلان عقد لعدم علم وقبول الطرف التاني وتزوير التوقيع. خبير الخطوط هيستدعي مصطفى وهيستدعي الحاجة اعتماد عشان يبصموا ويتم استكتابهم في المحكمة. اللعبة وسعت عليهم قوي يا مدام هنا، وهما دلوقتي اللي في خانة اليك.”
لما الليل جه، هنا رجعت البيت مع كريم. دخلت الشقة، لقت مصطفى قاعد في الضلمة في الصالة، مش مولع النور، والسيجارة في إيده منورة زي عين ديب في غابة.
كريم جرى على أوضته، وهنا كانت داخلة وراه، بس مصطفى قام وقف وقطع عليها الطريق. ملامحه مكنش فيها الضحكة الخبيثة ولا الشماتة بتاعة أول إمبارح؛ كان باين عليه التعب، والكسرة، والغل المكبوت.
“أنتِ عايزة تخربي بيتي ومستقبلي يا هنا؟” مصطفى قالها بصوت واطي ومخنوق. “رايحة تشتكيني في الشغل وتوقفي حالي مع رئيس مجلس الإدارة؟ دي الأصول اللي اتعلمتيها؟”
هنا بصت له من فوق لتحت ببرود تام، وم ملامحها متحركتش شعرة: “الأصول؟ أنت بتنطق كلمة الأصول يا مصطفى؟ الأصول دي هي اللي خلتك تسرق شقايا وفلوس ابنا وتزّور إمضائي وتكتب الشقة باسم أمك وتدي التحويشة لأختك وتضحك في وشي بجرأة وندالة؟ أنت اللي بدأت اللعبة دي.. وأنا بس بوريك قواعدها الجديدة.”
“أنا ممكن أرجع لك كل حاجة!” مصطفى قالها فجأة باندفاع وهو بيقرب منها وبيمد إيده رجاءً. “ممكن أخلي أمي تتنازل عن الشقة تاني، والفلوس هجبرها ترجعها من شيرين.. بس اقفلي الحنفية دي وماتخربيش شغلي وترقيتي!”
هنا ابتسمت ابتسامة خفيفة، ابتسامة كلها سخرية وجع، وقالت له وهي بتبعد خطوة لورا: “خلاص يا هندسة.. المكنة طلعت قماش، والورق كله بقى في النيابة. بكرة الصبح هتلاقي ضيوف ميعادهم بدري قوي على باب الشقة.. محضر النيابة وقوة المعاينة للتمكين. ومن بكرة، الحاجة اعتماد وشيرين هيعرفوا إن القرش الأبيض اللي سرقوه، هيصرفوه كله على المحامين والمحاكم وأبحاث التزييف والتزوير.. ومستقبلك المهني؟ دا يدوبك البداية بتاعة الحساب.”
سابت الصالة ودخلت الأوضة وقفلت بالمفتاح، وسابته في وسط الضلمة، بيسمع صوت دقات الساعة اللي بتعلن إن العاصفة الحقيقية هتبدأ بكرة مع أول ضوء للشمس، وإن اللعبة اللي افتكروها انتهت لصالحهم، يادوب لسه بتفتح أبواب الجحيم على دماغ الكل.
الليل عدا على مصطفى كأنه سنة سجْن. فضل يلف في الصالة زي المجنون، كلام هنا بيرن في ودنه، وصورة رئيس مجلس الإدارة وهو بيخبط على المكتب بتهدد لقمة عيشه. حاول يكلم أمه كذا مرة بالليل، بس “الحاجة اعتماد” كانت قافلة تليفونها، غالباً هرباناً من نبرة صوته وزعاقه بعد ما حست إن المركب اللي بنتها شيرين ركبتها بدأت تغرق من قبل ما تطلع من المينا.
## الفصل الرابع: محضر على باب الشقة
مع أول ضوء ليوم جديد، النور بدأ يتسحب لداخل الصالة، بس مكنش فيه أي دفا. هنا صحيت من النجمة، لبست ونزلت كريم ودته المدرسة وهي ملامحها في منتهى الثبات، ورجعت قعدت في الصالون مستنية “الضيوف” اللي الأستاذ عبد العزيز وعدها بيهم.
مصطفى مكنش قادر ينزل الشغل، غيابه عن المصنع النهاردة كان معناه مشكلة، بس وجوده في الشقة كان أهم؛ الخوف مكلبش في ركبه.
الساعة دقت تسعة الصبح، والهدوء اللي في العمارة انكسر فجأة بصوت خبطات رزيّنة وقوية على الباب.. خبطات ليها هيبة تخلي أي حد يتفزع.
مصطفى جرى على الباب وفتحه وإيده بترتعش. لقى قدامه راجل ببدلة رسمية، وماسك في إيده ملفات وأوراق كتير، وبجانبه أمين شرطة بزيّ الميري، ووراهم واقف الأستاذ عبد العزيز المحامي وهو حاطط إيده في جيبه وعلى وشه ابتسامة هادية.
“— الباشمهندس مصطفى محمود؟” سأل الراجل اللي ببدلة بنبرة جافة.
“— أيوة أنا يا فندم.. خير في إيه؟” مصطفى قالها وصوته طالع مكتوم.
الراجل طلع الكارنيه بتاعه: “أنا الأستاذ مجدي، محضر من نيابة الأسرة، ومعايا أمر تنفيذ قرار عاجل بمعاينة شقة الزوجية لبيان الحيازة، بناءً على الطلب المقدم من المدامة هناء عبد الرحمن بصفة حاضنة للصغير كريم مصطفى. اتفضل وسّع عشان القوة تدخل تباشر شغلها.”
أمين الشرطة دخل خطوتين لجوة وبص في الصالة، وهنا قامت وقفت بكل احترام وقالت: “اتفضل يا فندم.. الشقة بكامل حاجتها وعفشي هنا، وأنا مقيمة فيها مع ابني.”
المحضر قعد على أول كرسي وفتح المحضر وبدأ يكتب بالخط الرقعة السريع، وهو بيسأل هنا عن تفاصيل الأوض وعن لبسها ولبس ابنها عشان يثبت “الحيازة الفعلية”.
في اللحظة دي، مصطفى حس إنه بيتعرى قدام نفسه، هيبته كراجل ومهندس اتهزت وهو شايف الشرطة والمحضر جوه بيته بيفتشوا ويثبتوا حالة الشقة اللي هو افتكر إنه “طرد” مراته منها بورقة صوري.
الأستاذ عبد العزيز قرب من مصطفى وهمس له بصوت واطي ومسمعش غيره: “جرى إيه يا بشمهندس؟ فين الضحكة العريضة بتاعة أول إمبارح؟ فاكر إن القانون سايب؟ المعاينة دي هتترفع للنيابة، وخلال 48 ساعة هيصدر قرار التمكين المشترك، وبعدها لما نعلنك بدعوى الطلاق للضرر والتزوير، القرار هيتحول لتمكين منفرد.. يعني الحاجة اعتماد وبنتها شيرين مش هيشموا عتبة الشقة دي لغاية ما كريم يتجوز.. مبروك عليك ورق الشهر العقاري اللي هتبلوه وتشربوا ميته.”
مصطفى اتملا غل وصك على سنانه: “أنتِ بتخربي بيتي يا هنا؟ بتجيبي لي محضرين وشرطة لحد بابي؟”
هنا ردت عليه ببرود وهي بتبص للمحضر وهو بيكتب: “أنا بحمي بيتي يا مصطفى.. أنت اللي جبتهم لما مشيت ورا تدبير الحاجة اعتماد.”
المعاينة خلصت، والمحضر وأمين الشرطة نزلوا، والأستاذ عبد العزيز استأذن وهو بيطمن هنا إن كل حاجة ماشية مسطرة. أول ما الباب اتمسح وراهم، مصطفى انفجر زي البركان. مسك الموبايل وطلب أمه، والمرة دي خطها جمع.
“— أيوة يا أمي! انزلي لي حالاً.. أنتِ وشيرين! المحاكم والشرطة بقوا على باب شقتي! البت جابت لي تمكين وهتقعدني في الشارع.. انزلوا شوفوا المصيبة اللي حطيتوني فيها!” زعق مصطفى في التليفون لحد ما صوته اشرخ.
نص ساعة وكانت الحاجة اعتماد نازلة ومعاها شيرين، وشوشهم كانت مخطوفة بس بيحاولوا يداروا بالشرشحة والزعاق.
“— جرى إيه يا بت أنتِ؟” الحاجة اعتماد دخلت الصالة وصوتها جاب لآخر الشارع. “فاكرة نفسك هتعملي علينا سبع رجالة في بعض؟ الشقة باسمي رسمي وفي السجلات! والنيابة دي ملوخية مش هتمشي على ورق الحكومة!”
شيرين كملت ورا أُمها وهي حاطة إيدها في وسطها: “والله العظيم يا هنا لو ما لميتي نفسك، لـ نلم لك هدومك دي في أكياس زبالة ونرميها لك في الشارع بره! الفلوس في جيبنا والشقة بتاعتنا، وأعلى ما في خيلك اركبيه!”
هنا كانت واقفة، ساندا بضهرها على بوفيه السفرة، وبتسمع الاسطوانة البيئة دي بابتسامة خفيفة، مفيهاش أي توتر. طلعت من جيبها المحفظة الصغير، وطلعت منها ورقة مطبوعة ورمتها على الترابيزة قدامهم.
“— إيه الزفت ده كمان؟” الحاجة اعتماد قريت الورقة بنظاراتها القراءة، ووشها فجأة اتقلب أصفر زي الليمونة.
الورقة كانت إعلان رسمي من المحكمة، بدعوى “بطلان عقد بيع وتزوير محرر رسمي”، ومكتوب فيها اسم مصطفى محمود والحاجة اعتماد كمتهمين بالتواطؤ والتزوير في توقيع الطرف الثاني الحاضن.
“— يعني إيه الكلام ده يا مصطفى؟” الحاجة اعتماد صوتها بدأ يرعش وبصت لابنها. “تزوير إيه وجناية إيه؟ مش الصاحب اللي في الشهر العقاري قال لك كلو تمام؟”
مصطفى حط إيده على راسه وقعد على الكنبة زي النسوان المطلقات، وصوته كله انكسار: “التوقيع طلع فيه بصمة الكترونية وتفويض مسحوب من تليفون هنا بالتدليس.. والمحامي بتاعها جاب حركة السحب من البنك وحركة التنازل بالشهر العقاري في نفس التوقيت.. المحكمة هتحول الورق لأبحاث التزييف والتزوير يا أمي! يعني لو ثبت إن الإمضاء مش إمضتها، أنا هتدخل في قضية جنائية وسجن.. والراجل صاحبك بتاع الشهر العقاري أول واحد هيبيعنا عشان يحمي وظيفة نفسه!”
شيرين رجليها سابت، وبصت للفلوس اللي في حسابها كأنها بقت جمر نار: “سجن؟ سجن إيه يا مصطفى؟ أنا ذنبي إيه؟ أنا باخد جهازي! أنت اللي جيت اديتني الفلوس وقلت لي دي تحويشتي!”
“أنتِ خَدتي شقايا وشقا ابني!” هنا اتكلمت فجأة، وصوتها المره دي كان زي حد السيف، مفيش فيه أي هزار. “الفلوس اللي أنتِ فرحانة بيها ورايحة تجيب لك غسالة وتلاجة زيرو، دي فلوس كورسات ومستقبل كريم الصغير اللي عمته وجدته استخسروا فيه يتعلم تعليم نضيف! الفلوس دي لو مرجعتش في الحساب المشترك بكامل المليم خلال 24 ساعة، القضية هتوصل للنيابة العامة كسرقة وتبديد أموال قاصر ومشتركة.. وساعتها يا شيرين، العريس اللي أنتِ فرحانة بيه ومستنياه يسترّك، أول واحد هيخلع لما يعرف إن حَماته وأخت مراته عليهم قضايا تزوير ونصب في المحاكم!”
الكلام نزل على دماغ الثلاثة زي المطرقة. الحاجة اعتماد، اللي كانت نازلة عشان تفرض سيطرتها وتطرد الست الغريبة، لقت نفسها فجأة واقفة على حافة السجن وضياع ابنها المهندس وفضيحة بنتها العروسة في المنطقة.
بصت لابنها مصطفى لقتْه مكسور، باصص للأرض ومش قادر ينطق بكلمة تحميها أو تحمي أخته. الست الكبيرة اللي عاشت حياتها تزن وتخرب وتزرع الفتن، حست لأول مرة إن “الزن على الودان” مبيطلعش ذهب، ساعات بيطلع مصايب تهد البيوت فوق دماغ أصحابها.
“— طب.. طب والحل يا مصطفى؟” الحاجة اعتماد سألت بصوت واطي ومبحوح، والشرشحة اختفت تماماً وحل مكانها الرعب. “هتتحبس يا بني؟ شقا عمرنا وهيضيع؟”
مصطفى مارَدش، بص لهنا بعيون كلها رجاء، وعيون الراجل المكسور لما يعرف إنه غلط في حق لحمه وعرضه: “هنا.. عشان خاطر كريم.. بلاش المحاكم والفضايل.. أنا مستعد أعمل أي حاجة.. أصلح كل اللي انكسر.”
هنا لمت أوراقها وحطتها في الشنطة، وبصت لهم تلاتتهم بنظرة أخيرة قبل ما تدخل أوضتها: “اللي انكسر مبيتصلحش بكلمتين يا مصطفى.. الحساب لسه مخلصش، وبكرة الشغل هيقول كلمته الأخيرة، والفلوس ترجع الأول وبعدين نشوف النيابة هتقول إيه.. القعدة هنا لسه طويلة، والنَفَس لسه طويل.”
سابتهم واقفين في الصالة، يتجرعوا مرار التدبير الخبيث والندالة اللي افتكروها شطارة، والباب اتقفل تاني، معلنًا إن الفصل الجاي مش هيكون فيه أي رحمة للّي بدأ بالخيانة.
## الفصل الأخير: الحصاد المرّ
الساعات اللي بقت بتعدي على البيت مكنتش شبه أي وقت مرّ على “هنا ومصطفى” من يوم ما اتجوزوا. الصمت اللي حلّ في الصالة بقى صمت تقيل، عامل زي السكون اللي بيسبق زلزال هيهد كل اللي باقي من الحيطان. مصطفى فضل قاعد على الكنبة، وشه دبلان، وعينيه مركّزة في الأرض وكأنه بيدوّر على كرامته اللي تاهت بين تدبير أمه وجشَع أخته.
الحاجة اعتماد وبنتها شيرين نزلوا شقتهم وهما بيجروا رجليهم ورا بعض. الخوف كان مكلبش في قلوبهم، والورقة الرسمية اللي هنا رمتها قدامهم كانت عاملة زي حبل المشنقة اللي مستني إشارة عشان يتلف حوالين رقابهم.
### ليلة الحساب
على الساعة تسعة بالليل، الباب اتفتح بالراحة ودخلت الحاجة اعتماد. مكنش في إيدها كباية القهوة ولا وراها شيرين بتفتح الدواليب بقوة عين. كانت لافة شالها الأسود حوالين كتافها، ووشها باهت، كأن الجبروت اللي عاشت بيه سنين اتمسح بـأستيكة.
بصت لمصطفى اللي كان لسه قاعد في مكانه من الصبح ومغيرش هدومه، وبعدين بصت لأوضة هنا اللي كان طالع منها نور خفيف وصوت كريم وهو بيقرأ درس الحساب بصوت واطي.
“— مصطفى،” همست الحاجة اعتماد وصوتها كان فيه رشة خوف لأول مرة. “البت دي مش هتهدى يا بني.. أنا كلمت الأستاذ فرج المحامي جارنا، ووريته صورة الإعلان اللي رمتهولنا.. الراجل وشه اتقلب وقال لي لو خبير الخطوط أثبت إن الإمضاء مزور، فيها جناية وتزوير في محرر رسمي، ومصطفى ممكن يتوقف عن العمل ويتحبس، وأنتِ يا حاجة هتبقي شريكة في النصب.. يا لهوي يا مصطفى! إحنا كُنا بنأمن شقاك، هنروح في داهية؟”
مصطفى رفع راسه ببطء، عينه كانت حمرا زي الدم من كتر السهر والتفكير، وبص لأمه بنظرة كلها عتاب مرّ: “ارتحتي يا أمي؟ أهو الشقا اللي كُنتِ خايفة ‘الغريبة’ تاخده، ضاع كله، ومستقبلي أنا اللي هيضيع.. هنا مش غبية، هنا لفت الحبل حوالينا كلنا، ورئيس مجلس الإدارة في المصنع قالي قدامك أسبوع والمسألة تتفض، يا إما الترقية تروح وسامح يقعد مكاني.. أنا اتخرب بيتي بسبب زنّك!”
في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح، وخرجت هنا. كانت لِمّت شعرها لفوق، ولابسة عباية بيتي سودا سادة، ملامحها كانت هادية وراسينه، مفيهاش لا غل الشماتة ولا انكسار الضحية. قعدت على الكرسي المفرد قدامهم، وحطت رجل على رجل.
الحاجة اعتماد بلعت ريقها، وبصت لهنا، وحاولت ترجع لـنبرة الود المصطنعة: “جرى إيه يا هنا يا بنتي؟ إحنا أهل في الأول وفي الآخر، ومفيش بين الأهل محاكم وقضايا.. مصطفى ابن ناس ومغلطش، هو بس كان خايف على قرشه، وأنا أمه وماليش في الدنيا غيره.. والمسامح كريم يا بنتي عشان خاطر الواد الصغير اللي جوة ده.”
هنا بصلتها بنظرة باردة خلت الست الكبيرة تسكت وتنزّل عينيها الأرض. “خاطر كريم؟” هنا قالتها بنبرة هادية بس بتجرح زي الموس. “هو أنتِ كُنتِ فاكرة كريم وأنتِ بتخطي مع ابنك إزاي تسرقوا الفلوس اللي شايلاها لتعليمه ومستقبله؟ كُنتِ فاكرة كريم وأنتِ بتقولي لمصطفى ارميها برة وخد الشقة اديها لشيرين تتجوز فيها؟ كريم ده مكنش في حساباتكم.. كُنتوا شايفيني ست غلبانة، مقطوعة، هبكي وأصوت وألم هدومي في أكياس وأروح أقعد عند أهلي وأستعوض ربنا في شقا عمري.”
ألتفتت لمصطفى اللي كان باصص للأرض بكسرة: “بس أنت يا باشمهندس، اللي عشت معاك تمان سنين، كُنت عارفني كويس.. عارف إني مبسبش حقي، وعارف إن القرش اللي كُنت بوفره من لقمة بوقي مكنش عشان أمك تتباها بيه قدام قرايبها ولا عشان أختك تجيب بيه غسالة وتلاجة زيرو ع الجاهز.. الفلوس دي تمن عرق وأيام صعبة.”
مصطفى اتكلم بصوت مخنوق: “أنا مستعد لأي حاجة يا هنا.. قولي شروطك وإحنا هنقفل القضايا دي بكرة الصبح.”
هنا طلعت أجندة صغيرة من شنطتها، وفتحتها وقالت: “الشروط مش كلام مجالس يا مصطفى.. الشروط ورق وعقود هتمضي عليها دلوقتي حالا، والأستاذ عبد العزيز المحامي تحت في العربية مستني مكالمة مني عشان يطلع بالصيغة القانونية.. لو وافقتوا، الورق هيمشي بالمعروف ونقفل باب المحاكم.. لو رفضتوا، المعاينة والتمكين صدروا خلاص، وبكرة الصبح هكون في النيابة برفع شق التزوير الجنائي، وشركتي هتبعت رسمي للمصنع بوقف التعامل بسبب تضارب المصالح.. واختاروا بقى بين الستر والسجن.”
الحاجة اعتماد هزت راسها بسرعة: “موافقين يا بنتي، قولي شروطك والستر من عندك يا رب.”
### شروط “هنا”
هنا بصت في الأجندة وبدأت تملي شروطها وكل كلمة كانت بتنزل زي المطرقة على مسامعهم:
> **أولاً:** الشقة دي، بعقد بيع نهائي وبإقرار وتنازل من الحاجة اعتماد، تتكتب بالكامل باسم ‘كريم مصطفى محمود’، ويكون ليا أنا حق الولاية التعليمية والتمكين الكامل والمنفرد فيها لغاية ما الواد يتم السن القانوني.. يعني الشقة دي تخرج من ورث الحاجة اعتماد ومن أملاك مصطفى، وتبقى ملك الصغير اللي كُنتوا عايزين ترموه.
> **ثانياً:** الفلوس اللي اتسحبت من دفتر التوفير المشترك، وكلها على داير المليم، ترجع بكرة الساعة عشرة الصبح في حساب بنكي مقفول باسم كريم، ومحدش ليه حق السحب منه غيري أنا بصفتي الواصية عليه. شيرين ترجع الفلوس، تتصرف، تبيع حاجتها، تاخد قرض.. دي مشكلتكم مش مشكلتي.
> **ثالثاً:** الطلاق هيتم إبراءً لله بالمعروف عند المأذون، مع التزام مصطفى بدفع نفقة شهرية لكريم تحددها الشؤون القانونية تليق بمرتبه كمهندس، ومن غير فصال.. ومؤخر الصداق بتاعي يتدفع كاش مع ورقة الطلاق.
>
مصطفى رفع راسه، الصدمة كانت واضحة على وشه: “الشقة كلها باسم كريم؟ والفلوس ترجع كلها؟ أنتِ كده بتجرديني من كل حاجة يا هنا! مش هتسيبي لي مليم ولا حتة أرض؟”
هنا قفلت الأجندة بضربة قوية وبصت في عينيه مباشرة: “أنا بجردك من الحاجات اللي أنت سرقتها يا مصطفى! الشقة دي نصها بفلوسي ونصها التاني أنت كُنت عايز تديه لأمك.. والفلوس فلوس ابني.. أنا مخدتش مليم واحد مش حقي.. أنا بحمي ابني من أبوه وأهل أبوه اللي مأمنهومش على لقمة عيشه.. لو مش عاجبك، المحكمة موجودة، بس افتكر إن المحكمة هتاخد منك الشقة والفلوس، وهتاخد معاهم وظيفتك وحريتك.”
الحاجة اعتماد شَدت ابنها من قميصه وتبكي: “امضي يا بني.. امضي واشتري نفسك.. الفلوس هجيبها من شيرين، هخلي جوزها يتصرف أو نبيع الدهب اللي حيلتنا.. الشقة تروح لكريم مش مهم، دا ابنك برضه ومن دمك.. بس بلاش السجن يا مصطفى.. بلاش الفضيحة.”
مصطفى حس بمرارة الهزيمة الكاملة. الراجل اللي دخل الصالة من يومين بضحكة cruel وشماتة، قاعد دلوقتي بيمضي على ورق بيمسح كل خططه الأرض. أخد التليفون من هنا وقال بصوت مكسور: “كلمي المحامي يا هنا.. خليه يطلع بالورق.”
### يوم الحصاد
تاني يوم الصبح، المشهد في مكتب الأستاذ عبد العزيز كان هادي جداً برغم قسوته. مصطفى والحاجة اعتماد قاعدين على كراسي الجلد، والورق قدامهم. الأستاذ عبد العزيز راجع التنازلات وعقود البيع والتفويضات البنكية بدقة، وبعد ما اتأكد إن كل حاجة قانونية ومفيهاش ثغرة، خلى الحاجة اعتماد تبصم وتمضي، ومصطفى مضى كـشاهد أول وضامن للتنفيذ.
بعدها، طلعوا كلهم على البنك اللي فيه الحساب المشترك. شيرين كانت واقفة جمب جوزها اللي كان وشه أسود من الكسوف والفضيحة وسط الموظفين. شيرين حطت الفلوس في حساب كريم وهي بتبكي وبتبص لهنا بغل، بس هنا مكنتش شايفة شيرين أصلاً؛ كانت مركزة على موظف البنك وهو بيختم الدفتر الجديد باسم “كريم مصطفى محمود” وبيحط الختم الرسمي.
“اتفضلي يا مدام هنا، الحساب بقا جاهز والفلوس كاملة،” الموظف قالها بابتسامة.
“شكراً يا فندم،” هنا أخدت الدفتر وحطته في شنطتها بحرص، وكأنها بتشيل قلب ابنها جوة الشنطة.
الخطوة الأخيرة كانت عند مكتب الشيخ “عثمان” المأذون الشرعي في حي وسط البلد. القعدة مكنتش فيها زغاريط ولا عتاب أهلي؛ كانت قعدة بيزنس وجافّة.
المأذون عدّل نِظارته وبص للاتنين: “يا باشمهندس مصطفى، أنت موافق على الطلاق على الإبراء؟”
مصطفى بص لهنا للمرة الأخيرة، كان فيه في عينيه نظرة ندم حقيقية، نظرة الراجل اللي عرف قيمتها بعد ما خسّرها للأبد، بس هنا كانت باصة للناحية التانية، عينيها كانت معلقة على السحاب اللي بره الشباك.
“موافق يا شيخنا،” مصطفى قالها بصوت واطي.
“وأنتِ يا مدام هناء؟”
“موافقة يا فندم.”
حبر القلم اتمسح على دفتر المأذون، والكلمتين اللي جمعوهم من تمان سنين في الحلال، اتفكوا في ثواني بـشهادة اتنين موظفين من مكتب المحاماة. مصطفى طلع المؤخر وحطه على الترابيزة، هنا أخدته من غير ما تعدّه، وحطته في الشنطة.
### بداية جديدة من تحت المطر
لما خرجوا من مكتب المأذون، الدنيا كانت لسه بتمطر مطر خفيف، مطر نوفمبر اللي بيغسل شوارع القاهرة من تراب الصيف. الحاجة اعتماد أخدت ابنها ومشيوا في السكات، من غير ما يبصوا وراهم، راجعين لشقتهم القديمة وهم شايلين خيبة تدبيرهم اللي اتقلب عليهم.
هنا وقفت على الرصيف، أخدت نفس طويل وعميق، حسّت إن الهوا الساقع بيدخل صدرها بيطهرها من كل الوجع والخيانة والزن اللي عاشت فيه سنتين. طلعت موبايلها واتصلت بـمديرها في الشغل.
“— ألو، أيوة يا فندم.. صباح الخير.. أنا حابة أبلغ حضرتك إن الظروف الشخصية اللي كُنت بمر بيها انتهت تماماً بفضل الله.. وأنا جاهزة أرجع أشرف على ملف تعاقدات مصنع المواد الخام بنفسي من بكرة الصبح، والشغل هيمشي بـأعلى كفاءة زي الأول.. تمام يا فندم، شكراً لحضرتك.”
قفلت الخط، وبصت للساعة.. كانت حداشر ونص الظهر. دا ميعاد فسحة كريم في المدرسة.
طلعت على مدرسة ابنها، وقفت ورا السور الحديدي الكبير وهي بتراقب العيال وهم بيجروا ويلعبوا في الحوش باللبس الأزرق. لقت كريم واقف جمب المستر بتاعه، وماسك في إيده كشكول الحساب وبيشرح له مسألة بذكاء وابتسامة مالية وشه.
كريم لَمح مامته واقفة ورا السور، ساب الكشكول وجرى عليها وهو بيضحك: “ماما! أنتِ جيتي بدري النهاردة ليه؟”
هنا مدّت إيدها من بين السلوك الحديدية، طبطبت على وشه الدافئ وبسته من جبهته: “جيت عشان أقولك إن كل حاجة بقت تمام يا حبيب ماما.. أوضتك الجديدة هتتوضب، والمكتب اللي نفسك فيه هييجي الأسبوع الجاي.. ومفيش أي حاجة في الدنيا هتعطلك عن حلمك.”
الواد الصغير ضحك وفرح، وجرى رجع لأصحابه يلعب مع صخب الأطفال في الحوش.
هنا فضلت واقفة، بتبص له وعينيها مليانة دموع، بس المرة دي مكنتش دموع قهر أو وجع.. كانت دموع نصر. حطت إيدها في جيب الجاكيت، ولمست دفتر التوفير وعقد الشقة اللي باسم ابنها. وعرفت إن الشتا السنة دي، برغم المطر والبرد اللي بره، هيكون أدفى شتا هتعيشه في بيتها.. بيتها اللي حمته بذكائها ونَفَسها الطويل، واللعبة اللي بدأها الخاين.. انتهت بـقانون الأمومة اللي مبيخسرش أبدًا.
