طلبات البيت

كل اول شهر بنزل انا وجوزى نشترى طلبات البيت جزء من مرتبى وجزء من مرتبه والدنيا بتمشى وباقى الشهر بشترى من مرتبى الحاجه الخفيفة اللى بتخلص من البيت اول بأول زى اللبن والجبنه والخضار
وفى داخله العيد العزومات بتكتر فعملت جمعيه صغيره عشان ازود فى طلبات الشهر ولو نفسى فى اكله اعملها مرت الايام وقبضت الجمعيه وحطيتها فى الدولاب وعرفت جوزى كنت فاكره انى بفرحه
عدى كام يوم، قولت لنفسي “يا بت يا غالية، العيد على الأبواب، والبيت عايز يتروق، والطلبات ماليش فيها مفر”، وكنت مقررة أنزل النهاردة السوق عشان أجيب كل اللي نقصنا وأجهز للعزومات اللي هتجيلي.
دخلت الأوضة وأنا بدندن وبضحك، قلبي كان بيرقص من الفرحة، فتحت ضلفة الدولاب وكنت بمد إيدي وأنا متخيلة شكل الشنط وهي مليانة طلبات، وشكل البيت وهو بيجهز للعيد. مديت إيدي في المكان اللي مخبية فيه ظرف الجمعية.. إيدي خبطت في الخشب.
اتسمرت في مكاني.. قلبي وقع في رجلي.
قلت يمكن نسيت؟ دورت في الرف اللي فوق، قلبت الهدوم، دورت ورا الهدوم، مافيش حاجة! الظرف طار.
خرجت من الأوضة وأنا بنادي علي جوزى ، صوتي كان طالع مهزوز من الخضة: “يا أبو احمد .. أنت شوفت الظرف اللي كان في الدولاب؟ الجمعية اللي قبضتها؟
لقيته قاعد في الصالة بيشرب الشاي وبكل بساطة رد عليّ من غير ما يرفع عينه فيّ: “آه.. أيوه، اخدته .”
بصتله باستغراب
“خدته؟.. خدته ليه؟ ده أنا كنت بجهز كل قرش فيه عشان العزومات ومصاريف العيد والطلبات اللي البيت محتاجها!”
بص لي وبكل برود كمل: “أصل أمي كانت محتاجة مبلغ عشان عامله عزومه لاخواتى وأختي كمان حبيت افرحها ، قولت أجبر بخاطرهم، والفلوس أهي راحت في صلة الرحم.. والبيت مش هيحصل له حاجة يعني، هنمشي حالنا زي كل شهر باللي موجود.”
حسيت الدنيا بتلف بيا.. مش بس عشان الفلوس، دي الكسرة اللي وجعتني. إزاي يتصرف في شقايا وتعب أعصابي في الجمعية من ورا ضهري؟ وكأن تعبي وخطتي لبيتي ولعزوماتي ملوش أي قيمة عنده، وكأن موافقتي “تحصيل حاصل”.
وقفت أبص له، ومش عارفة أصرخ ولا أعيط، ولا ألم شتاتي وأسكت.. حسيت إن فرحة العيد اللي كنت بجهز لها، اتفركشت في لحظة، ومحلها حل “الخذلان
قربت منه. كلمته الاول بهدوء
ـ الجمعيه دى انا عملاها من مرتبى عشان اجيب اللى نفسى فيه اما طول السنه حارمه نفسى وفى جزء من مرتبى بيروح فيها يعمى حتى لو نزلنا مش هعرف اجيب حاجه
بصلى ببرود كنت بستغربه
ـ اتصرفى يا غاليه الستات كلها بتتصرف
ـ طيب امك واختك هما كمان ماصرفوش نفسهم ليه اشمعنى انا اللى تصرف نفسى امك دى لما بتعمل عزايم عمرها ما قالتلى تعالى كلى ولا عمرها اتصلت بيا وانا تعبانه
واختك اختك اللى جوزها مسافر ومابترفعش اديها من الدهب لو اتزنقت ممكن تتصرف فى حاجة منه زى ما انا اتصرفت كتير لحد ما خلصت دهبى عليك
ـ انتى بتعايرينى ولا ايه انا اللر راجل واللى عملته ده صح انتى بتغيرى من اختى عشان لابسه دهب وانتى لأ
كلامه كان زي السكينة اللي بتنزل في قلبي.. “بتغيري من أختي؟”. الكلمة دي كانت القشة اللي قسمت ضهر البعير.
بصيت له وعيني بدأت تغيم بالدموع، بس مش دموع ضعف، دي كانت دموع قهر. ضحكت ضحكة وجع مريرة وقلت له بصوت مكتوم:
ـ “بغير؟.. لا يا راجل، أنا مش بغير، أنا “مقهورة”. أنا اللي خلصت دهبي عشان أسندك لما كنت محتاج، أنا اللي كنت بدوس على نفسي وعلى احتياجاتي عشان البيت يمشي، والنهارده لما أتعب وأعمل قرشين أفرح بيهم ولادي وأكرم ضيوفي في العيد، تروح تدهولهم ببرود وكأن فلوسي دي مش شقايا، لا دي “مشاع” لأهلك!”
قمت وقفت، حاسة إني كبرت عشر سنين في اللحظة دي. كملت وأنا بلملم أطراف توبي اللي كان بيترعش من ريقته معايا:
ـ “بتقولي الستات بتتصرف؟ طيب ما كنت قلت لأختك “تتصرف” وتبيع غويشة من اللي في إيديها، ولا دي “دهب” ما يلمسوش التراب، ودهبي أنا كان “فكة” بتسد ديونك؟.. امك وأختك في عيني وعلى راسي، بس مش على حساب كرامتي ولا على حساب تعب سنين بحرم نفسي فيها عشان البيت، والبيت اللي بتقول “هيمشي”، ما بقاش يمشي ببركتك، ده بيمشي بدمي وبأعصابي اللي نشفت.”
سكت شوية، حسيت إن الكلام معاه في اللحظة دي بيضيع وقت، دخلت أوضتي وقفلت الباب بالمفتاح، لأول مرة أعملها. قعدت على طرف السرير
صوته طلع من ورا الباب ببرود أعصاب لا يطاق: “انتي بتعملي إيه؟ افتحي الباب ده، مفيش واحدة محترمة تقفل بابها في وش جوزها!”
ما رديتش عليه، فضلت قاعدة على طرف السرير، بلملم شتات نفسي. قلبي كان بيدق بسرعة، مش من الخوف، لكن من إحساس بالمرارة لأول مرة يسيطر عليا. قفلة الباب دي ما كانتش بس عشان أهرب من صوته، دي كانت “وقفة” مع النفس.. وقفة علشان أقرر إمتى هينتهي دور “الضحية” اللي بيضحي بكل حاجة عشان غيره مش حاسس.
قعدت أفكر.. هو فاكر إني هفتح الباب عشان انا بعدى ومابزعلش بسرعه ؟ فاكر إني هنسى الفلوس اللي أخدها، وأهون على نفسي، وأقوم أجهز الغدا وكأن شيئاً لم يكن؟
دماغي كانت بتلف.. العزومات اللي كنت مخططة لها، والطلبات اللي كنت هجيبها عشان العيد.. كل ده بقى كوم، وكبريائي اللي اتكسر بكلمته “انتي بتغيري” بقى كوم تاني خالص.
سمعت صوت خطواته وهو بيبعد عن الباب، وبعدها سمعت صوت خروجه من الشقة. قمت وقفت، مسحت وشي، وبصيت في المراية.. شوفت غالية تانية، غالية اللي قررت إنها مش هتكون “الجوكر” اللي بيسد أي عجز في ميزانية العائلة الكبيرة، غالية اللي قررت إن تعبها وشقاها ليهم تمن، وإنه مش مسموح لأي حد -حتى لو كان جوزها- إنه يتصرف في حياتها ببرود وكأنها مجرد رقم في المعادلة.
فتحت الدولاب تاني، بس المرة دي مش عشان أدور على الفلوس اللي ضاعت
ما استنيتش رجوعه. عرفت إن المواجهة في البيت مش هتجيب نتيجة، والبيت بقى خانقني بكل ركن فيه. فتحت شنطة السفر الكبيرة، وبدأت ألم هدومي وهدوم الولاد في هدوء تام، كأنني بلملم سنين عمري اللي ضاعت في “الترضية” ومحاولة إرضاء الكل.
خدت الشنط ووقفت في الصالة للحظة، بصيت للبيت اللي بنيته طوبة طوبة، وحسيت بغصة.. بس مسحتها بسرعة. نزلت من البيت، والقرار كان أقوى من أي تردد. في الطريق، دخلت السوبر ماركت، وبكل الفلوس اللي كانت باقية معايا في محفظتي الشخصية، اشتريت “أكل يكفينا” لأيام.. اشتريت كل الحاجات اللي كنت ناوية أجيبها للعزومات، بس المرة دي لينا إحنا، عشان أروح بيت أهلي “بواجبنا” وما أكونش تقيلة على حد، ولا أمد إيدي لأي حد فيهم.
وصلت بيت أهلي، وفتحت الباب بالمفتاح اللي معايا. أمي طلعتلي بخضة: “غالية؟ في إيه يا بنتي؟ وايه الشنط دي؟”
بصيت لها وابتسمت ابتسامة باهتة، وقلت لها: “مفيش يا أمي، بس محتاجة أقعد معاكم كام يوم، غيرت جو البيت.”
دخلت الأوضة اللي اتربيت فيها، فرشت هدومي، وقعدت مع الولاد ناكل اللي اشتريته، كنت باكل وأنا حاسة بمرارة، بس لأول مرة من سنين، حاسة بكرامة.
تليفوني رن، كان هو.. رديت ببرود بعد ما سيبت التليفون يرن كتير.
صوته كان عالي ومخنوق: “انتي فين يا ولية؟ والبيت فاضي ليه؟ ده أنا رجعت لقيت الدولاب ناقص هدومك.. أنتي اتجننتي؟ ارجعي البيت حالا!”
رديت عليه بصوت ثابت، لأول مرة مبيترعش:
ـ “أنا عند أهلي.. ومش راجعة. والبيت اللي كنت بتتصرف فيه ببرود، مش هتدخله تاني ولا هتشوفني فيه، إلا لما الفلوس اللي خدتها من ورا ضهري تكون في إيدي تاني. الفلوس دي مش لرفاهية، دي حق الولاد وحقي، والبيت اللي كنت بتقول هيمشي، خليه يمشي بقى من غيري.”
قفلت السكة في وشه قبل ما يلحق يرد.. رميت التليفون على السرير، وغمضت عيني، وأنا مستنية أشوف.. هو هيجيلها بنفسه؟ ولا كبريائه هيمنعه؟
في بيت أهلي، الأيام كانت بتمشي بهدوء وسكينة، هدوء ما عرفتوش من سنين. أهلي، من أول يوم، حلفوا عليا بالطلاق ما أمد إيدي في مصروف البيت ولا أستخدم حاجة من اللي اشتريتها. أمي كانت بتقولي بابتسامة: “يا بنتي ده بيتك، والقرش اللي معاكي خبيه ليكي ولعيالك، إحنا هنا إيه؟ إحنا سترك وغطاكِ”.
كنت بشوف في عيونهم خوف وقلق عليا، بس خوف فيه محبة مش “استغلال”. كانوا بيراعوني في كل صغيرة وكبيرة، بيحاولوا يخرجوني من حالة الانكسار اللي جيت بيها. يوم العيد، دخل عليا أخويا، كان شايل في إيده لبس جديد لأولادي وعيدية ليا، بص لي بحنية وقالي: “يا غالية، يا ست الكل، اللي فات مات، واليوم ده يوم فرحة، والفلوس دي حقك، افرحي وافرحي ولادك، وما تشيليش هم أي حد في الدنيا، إحنا سندك”.
قضيت العيد وسط ضحك ولادي، ولأول مرة كنت بحس بطعم اللمة الحقيقي. كنت باكل وأنا حاسة بـ “عزة نفس” مكنتش عارفة إنها لسه موجودة جوايا. كل ما كنت أفتكر البيت اللي خرجت منه، كنت بحمد ربنا إن الشنط اللي شلتها ما كانتش بس هدوم، دي كانت “كرامتي” اللي استرديتها.
في اللحظة دي، كنت حاسة إني فعلاً “غالية”، مش بس بالاسم، لكن بقيمتي اللي رجعت أحس بيها وسط الناس اللي بيحبوني من غير مقابل.
مرت أيام العيد على حمزة ثقيلة كأنها دهور، وفي كل لحظة كان بيحس فيها بالخسارة بتزيد. قعد في صالة بيت أهله وسط دوشة العيد وضحك إخواته، كان بيشوفهم داخلين يتبختروا بشنط هداياهم ولبسهم الجديد ودهبهم اللي بيلمع في إيديهم، وكأنهم في استعراض مش في زيارة صلة رحم.
كان قاعد بيراقب أمه وهي بتستقبلهم بابتسامة تانية خالص، ابتسامة ما شافهاش منه وهو بيسحب مني فلوس الجمعية. عينيه كانت فضحاه وهو بيشوفها بتقوم تدخل المطبخ، مش بس عشان تجهز الأكل، لأ.. عشان تلم أحلى الأصناف وتخبيها في أطباق مخصصة لبنتها، وكأن الفلوس اللي هو دفعها كانت مجرد ضريبة عشان يخدمهم ويشوفهم مبسوطين، وهو قاعد في الآخر “ضيف” ملوش قيمة عندهم.
حس ببرود مشاعرهم، فهم ساعتها إن اللي ضحى باستقرار بيته عشانهم، هما نفسهم اللي مش مقدرين ولا تعبه ولا حتى وجوده. قعدته وسطهم كشفت له الغربة اللي هو فيها، وبدأ يلمح في نظراتهم تجاهل واضح، وكأن الفلوس اللي أخدوها مني هي “تمن” للي بيعملوه، مش “جبر خاطر”. قعد يقلب بصره في الوشوش اللي حواليه، وبدأ يحس بمرارة الندم وهو بيشوف الفرحة اللي كان بانيها في بيته بتنهار، وبيدرك بوضوح إن السند الحقيقي اللي كان شايله على كتافه، هو اللي فرط فيه ببرود.
في وسط اللمة دي، حمزة كان قاعد بيسمع تعليقات إخواته على لبس ولادهم الجديد، والذهب اللي بيلمع في إيد أخته، والفلوس اللي كانت في ظرف الجمعية بقت هي اللي بتغطي كل المصاريف دي. أمه قامت بكل بساطة، شالت أحلى طبق محشي وأصناف العيد وخبته في “النيش” عشان تطلعه لأخته وهي ماشية، وحمزة قاعد بيبص لها، ومحدش حتى سأله “أنت كلت؟” أو “العيال ناقصهم حاجة؟”.
حس إن كل لقمة بياكلها في بيت أهله بقت تقيلة على قلبه، وكأنها بتفكره باللقمة اللي اتحرمت منها أنا وولادي عشان خاطرهم. بدأ يراجع شريط الأيام اللي فاتت، افتكر صوتي لما كنت بقوله “الجمعية دي شقاي”، وافتكر بروده لما قالي “الستات بتتصرف”. الموقف اللي كان فاكر إنه فيه “راجل” بيوصل رحمه، اتحول في نظره لصورة واحد مخدوع باع بيته ومراته اللي شايلين همه، عشان يشتري مكانة في بيت أهله، وفي الآخر طلع هو “الخارج” من الحسابات.
بص في الساعة، الوقت كان بيعدي ببطء، والبيوت التانية كلها كانت بتتهنى بالعيد، إلا بيته هو.. بيته اللي بقى خاوي، والهدوء اللي فيه دلوقتي بقى بيخوفه أكتر من صوت خناقاتنا. قام وقف فجأة، ومن غير ما يستنى “إذن” من حد، لبس جزمته وخرج من بيت أهله. كان ماشي في الشارع والهدوء بيحاوطه، مفيش في دماغه غير صورتي وأنا بلم هدومي، وصوت قفلة الباب اللي كانت أول جرس إنذار حقيقي في حياتنا، وإحساسه بالخيبة اللي لأول مرة يعترف بيه لنفسه إنه فعلاً “ضيع أغلى حاجة”.
مشي ناحية بيت أهلي، وعيونه كانت بتدور على شباك الأوضة اللي أنا قاعدة فيها، كان بيحاول يجمع شجاعته عشان يواجهني، بس لأول مرة، كان عارف ومدرك إنه مش رايح “يأمر” ولا “ينهي”، هو رايح “يترجى” غالية ترجع للبيت.
وقفت قدام باب بيت أهلي، وسمعت صوت خطواته المترددة على السلم. لما فتحت الباب، لقيته واقف، ملامحه مهدودة، وعيونه بتدور على أي بصيص أمل في عيوني. دخل وقعد بكسرة، وبدأ يترجاني: “يا غالية، ارجعي البيت، البيت وحش من غيرك.. أنا غلطت ومش هعمل كدة تاني، ارجعي وهعوضك عن كل لحظة زعل.”
بصيت له ببرود، الوجع اللي كان جوايا مش كلامه اللي هيمحيه، رديت بصوت واثق:
ـ “آسفك ملوش مكان دلوقتي يا حمزة.. أسفك هيفيدني بإيه؟ هيرجع لي التعب اللي شقيته طول الشهور اللي فاتت عشان ألم قرش على قرش في الجمعية؟ كنت بحلم بليلة عيد أفرح فيها في بيتي، وبكلمة منك ضيعت كل ده. أنا مش مجرد ست بتنظف وتطبخ، أنا شريكة، وكرامتي قبل فلوسي.”
حاول يبرر، وقال بنبرة مكسورة: “أنا عارف إني غلطت، وأوعدك إني هتصرف وأجيب لك فلوسك دي، حتى لو هروح لأمي أستلف منها اللي هي خدته، المهم ترجعي.”
ضحكت ضحكة فيها مرارة، وقلت له:
ـ “تستلف من أمك؟ أنت فاكر إنها هتديك مليم؟ ده هي اللي شالت الفلوس عشان بنتها، أنت لسه مش عايز تصدق؟ أمك مش هتديك حاجة، وأنا مش هستنى فضل من حد، ولا هستنى تستلف من حد عشان ترد لي حقي. أنت اللي اتصرفت من ورا ضهري، أنت اللي تدبر نفسك.”
بص لي بذهول، كان متخيل إني ممكن ألين بمجرد ما يفتح سيرة “الاستلاف” من أهله، بس هو ما كانش عارف إن السكينة اللي في قلبي خلتني أشوف الأمور بوضوح، وشافت إنه لسه بيحاول يهرب من المسؤولية برمي الكرة في ملعب أهله، بدل ما يواجه هو نتيجة غلطه.
خرج من عندي وهو في حالة تشتت، وراح لأمه وهو بيجر أذيال الخيبة، محمل بالأمل الأخير إنها تفهمه وتساعده يرجعني. دخل عليها، وحكى لها اللي حصل، وطلب منها المبلغ اللي أخدته “عشان يجبر بخاطر أخته”، عشان يرجعه لي وأنا أرضى أرجع.
بصت له أمه ببرود، وقالت بصوت حاد: “استلف؟ تستلف إيه يا ابني؟ الفلوس دي راحت في صلة الرحم، وأختك كانت محتاجة، والفلوس اللي بتدخل بيت الأم مابترجعش تاني. وبعدين أنت جاي تطلب مني فلوس عشان مراتك؟ دي اللي سابت البيت ومشيَت؟ خليها تتربى!”
في اللحظة دي، نزل الكلام على حمزة زي الصاعقة. لأول مرة، قناع “البر” اللي كان مداري بيه كل حاجة اتكسر. بص لأمه، وشاف لأول مرة الأنانية اللي كان بيبررها سنين، وشاف إنها فعلاً مش شايفة غير مصلحة بنتها، وهو بالنسبة لها مجرد “مصدر دخل”.
وقف وبص لها بعينين مكسورة بس فيها لمعة تمرد، وقال لها بصوت رجولي حازم: “بما إن الفلوس راحت ومافيش حل، فأنا عرفت دلوقتي مين اللي بيحبني ومين اللي بيحب جيبي. اسمعي يا أمي، المصروف الشهري اللي كنت ببعتهولك من ورا مراتي، ده هيتوقف من الشهر ده. بيتي أولى بيه، وعيالي أولى بالقرش ده. معاشك بيكفيكي، واللي فات من دعمي ليكي ولأختي كفاية أوي.. أنا من هنا ورايح هصرف نفسي وأبني بيتي اللي هدمته بإيدي عشان أرضيكم.”
صدمة أمه كانت واضحة على وشها، فتحت بقها من الذهول وكأنها مش مصدقة إن “الابن المطيع” اللي كان بيديها كل حاجة من ورا مراته، واقف دلوقتي بيحط حد لكل ده. ملامحها اتغيرت من الكبرياء للغضب، بس حمزة ما استناش رد، سابها وخرج.. ولأول مرة، كان حاسس إنه “راجل” قرر يصحح مساره،
خرج حمزة من بيت أمه وهو بيغلي من جوه، مش بس من رد فعلها، لكن من إدراكه المتأخر لحجم الغلط اللي ارتكبه في حقي وفي حق بيته. مشي في الشوارع التايهة، لحد ما وقف قدام بيت صاحبه المقرب، “سيد”، الشخص الوحيد اللي كان بيثق في رأيه.
دخل عليه، ومن غير مقدمات، حكى له كل اللي حصل، حكى له عن “غالية” اللي سابت البيت، وعن أمه اللي خذلته، وعن المبلغ اللي راح في العزومات. بص لصاحبه بضعف وقال: “أنا لازم أرجعها يا سيد، والفلوس دي لازم ترجع، بس مش عارف أتصرف.”
سيد، بعد ما سمع القصة، رتب له الخطة: “اسمع يا حمزة، احنا زمايل في الشغل، هنعمل جمعية كبيرة بيننا، وأنا هضمنك عند الباقيين، المبلغ اللي هتقبضه يسد المبلغ اللي راح، وأنت من ناحيتك، المبلغ اللي كنت بتديه لأمك كل شهر، هتدفعه قسط في الجمعية دي، كدة لا بيتك هيتأثر، ولا هتمد إيدك لحد، ولا هتحتاج تضغط على ميزانية البيت.”
حمزة حس إن الدنيا بدأت تفتح أبوابها تاني. وافق فوراً، وبدأوا يلموا عدد من الصحابه الموثوقين، وعملوا جمعية بمبلغ محترم. في نفس الوقت، بدأ حمزة يطبق قراره بقطع المصروف عن أمه، وبقى المبلغ ده هو “طوق النجاة” اللي هيسد بيه أقساط الجمعية الجديدة من غير ما يضطر ينقص من ميزانية البيت اللي بيحطها لي.
رجع حمزة لبيت أهلي تاني يوم، كان واقف تحت الشباك، بس المرة دي مكنش داخل يترجى، كان داخل ومعاه “خطة” عملية يثبت لي فيها إنه اتغير. طلع لي، وكان باين عليه الإرهاق بس في عينيه لمعة عزم. قال لي بصوت هادي: “يا غالية، أنا مش جاي بكلام، أنا جاي أقولك إن الفلوس اللي ضاعت مني، رجعتها من حر مالي، ومن غير ما أقرب لقرش واحد من اللي كنتي بتدبريه للبيت.. دي جمعية عملتها مع صحابي، وهسددها من الجزء اللي كنت بدفعه لأهلي، يعني بيتي وطلباته ومصاريفه هتفضل زي ما هي، بالعكس، دي هتبقى زيادة كمان.”
بصيت له، وكنت لسه متمسكة بموقفي، بس كلامه المرة دي كان فيه “أفعال” مش بس وعود، وده كان أول خيط في طريق المصالحة.
سكت للحظات، كنت بحاول أقرأ في عينيه صدق كلامه. كان باين عليه التعب من كتر التفكير، ومن كتر ما بيحاول يصلح اللي كسره.
بصيت له وقولت بهدوء:
ـ “حمزة، الموضوع مش بس فلوس، الموضوع إن الثقة اتكسرت. أنا محتاجة أحس إن بيتي ليه حرمة عندك، وإني شريكة ليك مش مجرد وسيلة بتسد بيها عجزك.”
نزل راسه، وقال بنبرة مكسورة:
ـ “أنا عارف إني غلطت، وأنا مش طالب منك تسامحيني دلوقت، أنا بس عايزك تدينا فرصة تانية، فرصة أثبتلك فيها إن بيتك هو أولويتي اللي مش هفرط فيها تاني.”
لقيت نفسي ببص للولاد اللي كانوا بيسمعونا، وشوفت في عينيهم الشوق لأبوهم ولبيتهم. حسيت إن “حمزة” اللي قدامي فعلاً اتغير، وإن التجربة دي كانت قاسية علينا إحنا الاتنين، بس كانت درس ما يتنسيش.
وقفت، وقولت له بنبرة حازمة بس فيها حنية:
ـ “هرجع معاك يا حمزة، بس بشرط.. البيت من هنا ورايح مش “مشاع” لأي حد، وأي قرار يخص بيتنا أو ميزانيتنا لازم نكون سوا فيه، لا أنا اللي أتفاجئ، ولا أنت اللي تتصرف من ورا ضهري.”
مسح الدموع اللي كانت بدأت تلمع في عينيه، وقال بامتنان:
ـ “موافق، ومستعد لكل شروطك. البيت بيتك، والقرار قرارك، وأنا اللي هبني الثقة دي من أول وجديد.”
لميت هدومي اللي كنت لسه ما فرشتهاش كويس، وخرجت معاه من بيت أهلي. الطريق للبيت كان هادي، بس كان فيه شعور جديد.. شعور إني راجعة مش عشان “أخدم” وأسكت، أنا راجعة وأنا عارفة قيمتي كويس، ومحدش تاني هيقدر يتخطى حدوده معايا. فتحت باب شقتي، ودخلت، وحسيت إن العيد الحقيقي بدأ النهاردة، مش بالفلوس، لكن بالقرار اللي خدناه سوا.



