مرات ابني

مرات ابني شغاله ومرتبها كبير قوي، وعرفت من ناس بره إنها ناوية تطلع أمها وأبوها عمرة من غير ما تقوللي ولا تاخد رأيي.

كلمت ابني وقلتله:

“سمعت إن مراتك هتطلع أهلها عمرة من فلوس البيت، مش احنا أولى بالفلوس دي؟ أو على الأقل كانت تطلعني أنا.”

البيت كان هس هس، وصوت تكتكة الساعة في الصالة كانت مسموعة وبتدب في الودان زي دقات الطبول. “الحاجة فاطمة” كانت قاعدة على الكنبة الكبيرة، عينيها مش فارقة شاشة التليفون اللي قايدة في ضلمة الأوضة، صوابعها كانت بتفرك في السبحة بعنف مش متعودة عليه، وكل ما تفتكر مكالمة “أم أحمد” جارتها من ساعتين، الدم يفور في عروقها.

“أم أحمد” مالت عليها بعد صلاة العصر وقالتلها بضحكة صفرا: *”مبروك يا حاجة فاطمة، عقبالك كده لما تفرحي.. سمعت إن ست الحُسن والجمال، مروة مرات ابنك، حجزت عمرة لـ حماها وحماتها الشهر الجاي، طيران وفندق خمس نجوم على الحرم علطول! عقبال ما تفتكرك يا حبيبتي.”*

الكلمة نزلت على قلب فاطمة زي المية المغلية. مروة، مرات ابنها “محمود”، الموظفة الكبيرة في الشركة الإنترناشونال، اللي مرتبها وبدلاتها يعدوا الشئ الفلاني، بتعمل كل ده من ورا ظهرها؟ تطلع أبوها وأمها عمرة، وماتقولش لحماتها؟ ولا حتى تاخد رأيها في البيت اللي هي كبيرة فيه؟

فاطمة مأستنتش كتير. أول ما سمعت صوت مفتاح محمود بيتحط في الباب، قامت وقفت. محمود دخل والتعب باين على وشه من شقا طول النهار في معمل التحاليل اللي شغال فيه. قبل ما يقعد ولا يغير هدومه، لقى أمه واقفة قدامه وعينيها بتطلع شرار.

فاطمة بصوت حاد ومكتوم عشان مروة متمسكش عليها غلطة:

“سمعت إن مراتك هتطلع أهلها عمرة من فلوسها.. مش إنتوا أولى بالفلوس دي يا محمود؟ البيت أولى بقرش، والعيال مدارسهم ومصاريفهم بتقطم الظهر.. أو على الأقل، لو الفلوس فايضة معاها قوي كده، كانت تطلعني أنا! أنا اللي شقيت وربيت، مش أبوها وأمها اللي قاعدين متهنيين!”

محمود اتسمر في مكانه، الشنطة وقعت من إيده على الكرسّي، وبص لأمه بذهول:

“عمرة إيه يا أمي؟ وفلوس إيه؟ مروة مقالتليش حاجة عن الموضوع ده خالص!”

فاطمة ضحكت بسخرية ولفت وشها:

“تصدق وتأمن بالله؟ إنت آخر من يعلم في البيت ده يا قلب أمك! الهانم بتخطط وتنفذ من ورا ظهرك، وعرفت من ناس بره.. ناس بره غُرب يعرفوا، وأنا وأنت يا عيني علينا قاعدين في غفلة!”

محمود أحاسيسه اتلخبطت.. الغضب عمى عينيه، مش بس عشان الفلوس، عشان شكل رجولته قدام أمه، وإزاي حاجة بالحجم ده تحصل من ورا ظهره؟

دخل شقته في الدور الفوقاني وفجر البركان. مروة كانت واقفة في المطبخ بتجهز العشا، دخل عليها وعينيه حمرا:

“بقى بتخبي عليا يا مروة؟ بتحجزي عمرة لأبوكي وأمك بمبالغ وقدرها وإنتِ عارفة إننا داخلين على مصاريف مدارس وأقساط؟ ومن ورايا؟ هو أنا ماليش كلمة في البيت ده ولا كيس جوافة؟”

مروة اتخضت، سابت المعلقة من إيدها وبصتله بصدمة، لكن ملامحها اتحولت بسرعة لثبات وقوة متعودة عليهم من صغرها:

“جرى إيه يا محمود؟ بتكلمني كده ليه؟ ومين قالك الكلام ده؟”

محمود صرخ:

“مش مهم مين قالي! الكلام ده صح ولا لأ؟ حجزتي ولا محجزتيش؟”

مروة أخدت نفس طويل، ربّعت إيديها وقالت بكل برود وثقة:

“آه يا محمود، حجزت. الشهر الجاي إن شاء الله طالعين. ودي فلوسي، تعبي وشقايا وشغلي طول السنة، ومن حقي أفرح أبويا وأمك اللي كبروني وعلموني لحد ما بقيت في المكانة دي.. إنت مالك ومال فلوسي؟”

محمود حس إن الكلمة ضـ,ـربت كرامته في مقتـ,ـل:

“مالي ومال فلوسك؟ إنتِ مراتي! وبيتك وعيالك أولى بكل مليم، وأمي.. أمي أولى ببرك لو عندك بر!”

مروة ضحكت بوجع وسخرية:

“أنا مش مقصرة في بيتي يا محمود، ومصاريف عيالك إنت المسؤول عنها الأول، وأنا بساعدك بـ يـدّي الشقا برضايا مش غصب عني. أما أمك.. فـ أمك عندها ولادها يبروها، أنا ببر أبويا وأمّي من مالي الخاص.. ولا هي الحكاية إن الحيزبونة نقلتلك الكلام وسخنتك؟”

في اللحظة دي، الباب اتفتح بعنف. فاطمة كانت واقفة على العتبة، وشها جايب ألوان من الغيظ، وكانت سامعة كل كلمة من ورا الباب.

فاطمة دخلت بنبرة تهز الحيطة:

“مين هي اللي حيزبونة يا ست مروة؟ أنا حيزبونة عشان بفتح عين ابني المغفل اللي مش عارف مراته بتودي فلوسها فين؟ يا خسارة تربيتي فيك يا محمود لما تسيبها تغلط فيا في بيتي!”

مروة مراجعتش خطوة لورا، بصت لـ حماها “الحما” وقالتلها وعينيها حادة زي الموس:

“أنا مغلطتش يا حاجة، بس اللي يدخل في اللي ملوش فيه، يسمع اللي ميرضيهوش. دي فلوس شغلي، وأنا حرة فيها.. ومش هسمح لمخلوق يتحكم في قرشي!”

محمود صوته هز البيت كله، ورفع صباعه في وش مروة وهو بيترعش من الغضب:

“لحد هنا وكفاية يا مروة! أمي خط أحمر.. وفلوسك دي لو مكنش بيتي وأمي ليهم نصيب فيها بالرضا، يبقى مفيش عيش وملح بينا، والظاهر إن القعدة في البيت ده كترت عليكي!”

مروة بصتله بنظرة غريبة جداً.. مكنش فيها خوف، كان فيها تحدي مرعب، وابتسامة غامضة اترسمت على وشها وهي بتبص لـ حماها وليه.

مروة قالت بصوت واطي ومخيف:

#الكاتب_رومانى_مكرم

“ماشي يا محمود.. إنت وأمك اللي اخترتوا تفتحوا الباب ده.. ومادام دخلنا في الحسابات والفلوس، يبقى من بكرة كل حاجة ه تتغير في البيت ده.. وهتشوفوا مروة تانية خالص!”

سابتهم ودخلت الأوضة وقفت الباب وراها بالمفتاح، وسابت محمود وأمه في الصالة، الأنفاس عالية، والشر اللي اتمكن من القلوب فتح أبواب للي جاي.. وجاي كتير قوي.

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

الجزء الثاني:

الليل عدا على البيت وكأنه سنة كاملة، مفيش عين داقِت النوم. محمود كان قاعد في الصالة تحت، حاطط راسه بين إيديه، وصوت تكتكة الساعة لسه شغال في ودنه زي المطرقة. أمه، الحاجة فاطمة، كانت رايحة جاية في الممر، تسبح بسبحتها وتنفخ بنار قايدة جواها، وكل شوية تبص لسقف الأوضة الفوقانية وتقول بصوت مكتوم: “ماشي يا بنت مروة.. بتكسري كلمة ابني في بيت أمه؟ وحياة شقايا وتعب السنين ما هعديلك الكلمة دي.”

أول ما شقشَق نور الصبح، البيت صحي على هدوء غريب ومريب، الهدوء اللي بيسبق العاصفة الشديدة. محمود قام بتثاقل، لبس هدومه عشان يروح معمل التحاليل، ونزل المطبخ يشوف لقمة يأكلها قبل ما ينزل. لقى أمه واقفة بتعمل شاي، وبصتله بعينين كلها لوم وعتاب: “هتنزل من غير ما تكسر مناخيرها يا محمود؟ هتمشي وتسيبها تفتكر إنها غلبتنا بفلوسها؟” محمود نفخ بضيق وقال: “يا أمي سيبيني في اللي أنا فيه، دماغي هتنفجر، لما أرجع من الشغل هشوف هعمل إيه.”

في اللحظة دي، مروة نزلت من على السلم. كانت لابسة طقم الشغل بكامل أناقتها، حاطة ميكب خفيف، ووشها مفيش فيه أي أثر للدموع أو التعب، بالعكس، ملامحها كانت باردة وناشفة زي الحجر. دخلت المطبخ بخطوات واثقة، متجنبتش النظر ليهم، وبصت لمحمود وقالت بنبرة خالية من أي مشاعر: “محمود.. الفيزا كارد بتاعتي اللي كانت معاك عشان مصاريف البيت والطلبات، أنا وقفتها من الصبح. ومن بكرة، مفيش مليم واحد هيدخل البيت ده من تعبي. مصاريف المدارس الإنترناشونال بتاعة ولادك، وقسط العربية اللي باسمك وأنا كنت بدفع نصه، والشغالة اللي بتيجي تساعد في ترويق الشقة.. كل ده اتمسح من أجندتي. شيل شيلتك يا ابن الحاجة فاطمة، وريني بقى رجولتك اللي اتهزت عشان عمرة أبويا وأمّي هتوكلك عيش إزاي.”

الحاجة فاطمة لوت بوزها وصوتت بصوت واطي: “سامع يا محمود؟ بتذلنا بقرشينها! بتلوي دراعك في بيتك!” محمود وشه جاب ألوان، الغضب عماه ونطق من غير ما يفكر: “أعلى ما في خيلك اركبيه يا مروة! فلوسك دي بليها واشربي ميتها، وولادي أنا أصرف عليهم من عرقي، والمدارس الغالية دي مش عاوزها، هحولهم مدارس حكومة، والقرش اللي كنتِ بتدفعيه بالمن والأذى، الله الغني عنه! وأقساطي هسدها لو هشتغل ليل مع نهار!”

مروة ابتسمت نفس الابتسامة الغامضة والمخيفة بتاعت بالليل، وقالت: “تمام.. المدارس هتحولها؟ وماله، روح حول لولادك ووريني شكلهم قدام زمايلهم هيبقى إيه. بس قبل ما تنزل، خد دي.” طلعت ورقة من شنطتها رمتها على الترابيزة. محمود مسك الورقة وبص فيها، لقاها إنذار رسمي من المحامي بدفع مؤخر الصداق وقيمة التلفيات والمصاغ اللي اتكتب في القايمة، ومطالبة بحقها الشgroupي في الشقة الفوقانية اللي هي مشاركة في تمنها بالنص وومعاها عقود تثبت ده.

مروة بصت لـ الحما وقالت: “البيت ده أنا دافعة في طوله وعرضه، والشقة الفوقانية دي تمنها نصه من شقايا في الغربة قبل ما أتجوز ابنك. لو محمود مش عاجبه القعدة معايا، يتفضل يطلقني ويديني حقي مليم ينطح مليم، أو يوريني هيعيش هنا إزاي وهو مديون لطوب الأرض.”

فاطمة صرخت: “إنتِ بتطردي ابني من بيته يا فاجرة؟ يا جاحَدة! ده بيت أبويا وأنا الكبيرة هنا!” مروة ردت ببرود قاتل وهي بتتفحص ضوافرها: “الكبيرة على نفسك يا حاجة فاطمة، مش عليا. أنا احترمتك كتير عشان خاطر ابنك، لكن لما تدخلي في مالي وشقايا وتسخني جوزي عليا وتسميني حيزبونة -وأنتِ فعلاً كده- يبقى مفيش احترام. ومن هنا ورايح، الأكل والشرب والخدمة والنور والمية.. كل حاجة بالنص. اللقمة اللي هتدخل بوق ولادي أنا دافعة تمنها، وإنتوا برة حساباتي.”

محمود حس إن الأرض بتلف بيه. الديون والأقساط اللي كانت مروة بتشيلها عنه من سكات ظهرت فجأة زي الجبل فوق كتافه. لقى نفسه عاجز، مش قادر يمد إيده عليها عشان القانون معاها، ومش قادر يزعق لأن كلامها فيه حقايق بتوجع. بص لأمه اللي كانت بتفرك في إيديها بغيظ وعجز، وبص لمروة وقال بصوت متحشرج: “إنتِ بتبيعيني يا مروة؟ عشان قرشين؟ عشان كلمة قلتها في وقت غضب؟”

مروة لبست نظارتها الشمسية، مسكت شنطتها، وبصتله نظرة أخيرة من فوق لتحت وقالت قبل ما تفتح الباب: “أنا مابعتش يا محمود.. إنت اللي بعت رجولتك وأسرار بيتك لأمك، وخليت الغرب يتفرجوا علينا. اشبع بقى ببر أمك، ووريني هتحجز لها عمرة إزاي من مرتب المعمل.”

خرجت مروة ورزعت الباب وراها، وسابت البيت في حالة غليان مشتعلة. الحاجة فاطمة قعدت على الكنبة تولول: “شفت يا محمود؟ شفت الحرباية؟ دي كانت مستنية لنا على غلطة! دي عاوزة تكسرك وتكسرني!” محمود ساب أمه بتتكلم ونزل على السلم يجري وهو مش عارف هيروح فين، دماغه بتلف في حسابات الأقساط، وصدمته في مراته اللي اتحولت في ليلة وضحاها من ست بيت طيبة لوحش كاسر بيطالب بحقه بالورقة والقلم.

العصر أذن، ومروة مرجعتش البيت. اتصلت بأبوها وأمها وقالتلهم: “جهزوا نفسكم يا جماعة، الشنط تتلم، العمرة في ميعادها، وكل حاجة مدفوعة ومأمنة.” أبوها قالها بقلق: “يا بنتي، وجوزك محمود؟ مش عاوزين مشاكل بسببنا.” مروة ردت بقوة: “محمود ملوش دعوة، دي فلوسي وأنا حرة، ادعولي بس يا بابا.”

على الجانب التاني، محمود كان قاعد في مكتب مدير المعمل بيطلب سلفة بضمان المرتب، والمدير بيبص له بأسف ويقوله: “يا محمود إنت واخد سلفة من شهرين، المعمل ميمشيش كده، مفيش سيولة.” الدنيا اسودت في عين محمود، وكلمات مروة كانت بترن في ودنه: “شيل شيلتك يا ابن الحاجة فاطمة.”

لما رجع البيت بالليل، لقى الشقة الفوقانية ضلمة، مروة مكنتش هناك، أخدت العيال وراحت عند أهلها، وسابت له الشقة فاضية مفيهاش غير ورقة تانية على السفرة. محمود مسك الورقة بإيد بتترعش، وقبل ما يقرأها، سمع صوت خطوات أمه طالعة على السلم، ووشها أصفر وعينيها مليانة خوف لأول مرة. فاطمة دخلت وقالت بصوت مرعوب: “محمود.. الحقني.. المحضرين تحت البيت ومعاهم أمر حجز!”

الجزء الثالث:

المحضرين واقفين في مدخل البيت، وصوتهم العالي لم الجيران في الشارع. محمود نزل السلم جري وركبته بتخبط في بعضها، وأمه الحاجة فاطمة وراه بتصرخ وتلطم على خدودها: “يا فضيحتنا وسط الناس! يا خراب بيتك يا محمود يا ابني!”
لما محمود وصل للباب، لقى المحضر ماسك في إيده دفتر كبير ومعاه اتنين عمال، وبص لمحمود وقال بلهجة ميرميش فيها المية: “أنت الأستاذ محمود؟ معانا أمر تنفيذ حكم بالحجز على المنقولات وبند من بنود الشقة الفوقانية بناءً على طلب المدعية، الأستاذة مروة، لعدم سداد الإيصالات والشيكات الخاصة بقسط الشقة المتأخر، واليوم هو ميعاد التنفيذ الجبري.”

محمود حس بضـ,ـربة في نفوخه، اتلفت حواليه لقى جاره “أبو أحمد” وجيران تانيين واقفين يتفرجوا ويهمسوا، ونظرات الشماتة في عينيهم قـ,ـتلاه. زعق في المحضر وهو صوته بيترعش: “حجز إيه يا فندم؟ دي مراتي! والبيت ده بيتنا، والشقة دي شقتي!” المحضر رد ببرود وهو بيفتح الورق: “كانت مراتك يا أستاذ، الورق اللي معايا بيقول إن الشقة دي باسمها واسمك بالنص، وإنت ما سددتش نصيبك في الأقساط الأخيرة اللي هي دفعتاها من معاها بموجب تحويلات بنكية، وهي رافعة قضية بفك الشراكة والحجز التحفظي لحد ما تدفع اللي عليك. اتفضل معانا من غير شوشرة عشان العمال يثبتوا الحالة.”

الحاجة فاطمة قعدت على عتبة الباب وتصرخ: “يا ناس يا عالم! شوفوا الست المفترية بتطرد ابني من شقته! بتستقوى علينا بفلوسها ووظيفتها!” لكن مفيش حد من الجيران دخل، الكل كان عارف إن مروة هي اللي شايلة البيت من زمان، وإن محمود وأمه كانوا بيتعاملوا معاها بفوقية.

في وسط الزيطة دي، عربية تاكسي وقفت قدام البيت. الباب اتفتح ونزلت منها مروة، ومعاها محامي لابس بدلة شيك ومقفل في إيده شنطة جلد. مروة نزلت من التاكسي بكل ثقة، نظرتها كانت حادة ومفيش فيها أي تراجع. مشيت وسط الجيران ولما وصلت عند محمود وأمه، المحامي بتاعها اتكلم: “أستاذ محمود، إحنا مش جايين نعمل فضايح، إحنا بننفذ القانون. الأستاذة مروة عرضت عليك حل ودي بالانفصال وتاخد حقها وتديك حقك، وإنت ركبت راسك وقلت أعلى ما في خيلك اركبيه. أهو الخيل وصل وجاهز.”

محمود بص لمروة وعينيه مليانة دموع من القهر والغضب، وقال بصوت مكتوم: “بقى بتعملي فيا كده يا مروة؟ بتلمي عليا الناس والمحاضرين؟ عشان فلوس؟”

مروة قربت منه خطوتين، وقفت قدامه وبصت في عينيه وقالت بنبرة واطية وقوية هزت كيانه: “لأ يا محمود، مش عشان فلوس. عشان الكرامة اللي إنت وأمك دوستوا عليها. عشان الليلة اللي وقفتوا فيها تذلوني وتقولوا لي ماليش كلمة في البيت وإني كيس جوافة. الفلوس بتروح وتيجي، بس الست اللي تتكسر كرامتها في بيت جوزها، ميرجعهاش غير القانون. أنا مش هطردك، أنا هاخد حقي بالمليم، والشقة دي هتتقفل بالشمع الأحمر لحد ما المحكمة تبيعها في المزاد وناخد حقنا، وريني بقى هتقعد فين إنت والحاجة فاطمة.”

فاطمة قامت وقفت وفضلت تشاور بصباعها في وش مروة: “يا حرباية! مفكرة نفسك هتكسبينا؟ محمود راجل وهيفضل راجل، وهيتجوز ست سيدك بكرة!”

مروة ضحكت بسخرية وقالت: “خليه يتجوز يا حاجة، بس يوريني هيصرف عليها منين وهو من بكرة مرتبه في المعمل كله هيتحجز عليه نفقة للعيال ومصاريف المدارس اللي مش هتنازل إنهم يفضلوا فيها، لأنهم ولاد مروة، ومروة ولادها ميبقوش أقل من حد.”

المحضر بدأ يدخل الشقة الفوقانية ويكتب في الدفتر، وكل حتة عفش كان بيمسكها محمود كان بيحس إن حتة من قلبه بتتخلع. البيت اللي بناه في سنين، بيتهد في لحظة بسبب عناد وسخونية كلام أمه. محمود اتلفت لأمه وبص لها بنظرة كلها عتاب وندم، فاطمة حست بالنظرة دي ولفت وشها الناحية التانية وهي بتبرطم.

مروة سابتهم مع المحامي وركبت العربية مع محاميها ومشيت، وراحت على بيت أهلها عشان تقفل الشنط الأخيرة لعمرة أبوها وأمها. أمها كانت قاعدة بتعيط وقالت لها: “يا بنتي، قلبي مش مطمن، خايفة نكون ظلمنا محمود والبيت يتخرب.” مروة قعدت تحت رجل أمها وبست إيدها وقالت: “يا أمي، محمود مش صغير، محمود ساب أمه تمشيه وتهينني. لو كنت سكت المرة دي، كنت هعيش طول عمري جارية في البيت ده ماليش ثمن. ادعيلي يا أمي في الحرم، ادعيلي ربنا يقويني على اللي جاي.”

الشمس غابت، والهدوء رجع للبيت تاني، بس كان هدوء حزين وموحش. الشقة الفوقانية اتقفلت، ومحمود قعد في شقة أمه تحت، عاجز، مكسور، وحواليه ديون وقضايا ومطالبات بنفقات مش هيقدر يدفع ربعها من مرتب المعمل.

فاطمة كانت قاعدة جنبه وبتحاول تهون عليه: “ولا تزعل يا واد، غارت في داهية، بكرة ربنا يرزقك بالأحسن منها.” محمود قام وقف وصرخ في أمه لأول مرة في حياته بصوت زلزل الأوضة: “أحسن منها فين يا أمي؟! مروة كانت شايلاني وشايلة بيتي وعيالي ومخلية ليا قيمة وسط الناس! إنتِ اللي خربتي بيتي بكلامك وسخنيتك! إنتِ اللي قعدتي تقوليلي رجولتك وكرامتك لحد ما ضيعتيني وضيعتي عيالي!”

سأب أمه في صدمتها وخرج يجري في الشوارع، مش عارف يعمل إيه، ومبقاش قدامه غير حل واحد مر، إنه يروح لبيت أهل مروة ويحاول يرجعها قبل ما تسافر العمرة وتضيع منه كل حاجة.

وصل محمود تحت بيت أهل مروة والساعة كانت داخلة على نص الليل، بص لفوق لقى النور قايد والشغالة بتنزل الشنط الكبيرة في مدخل العمارة. محمود دخل بسرعة ووقف قدام الشنط، وفي اللحظة دي نزلت مروة ومعاها أبوها وأمها ولابسين لبس الإحرام الأبيض.. مروة بصت لمحمود ببرود، وأبوها وقف في النص وقال: “عايز إيه يا محمود في وقت زي ده؟”

محمود اترمى على إيد أبو مروة وبكى: “يا عمي، أنا جيت أصلح كل حاجة، أنا أسف، مروة متسافريش وتسبيني كده، بيتي اتخرب.”

مروة قربت منه وطلعت من شنطتها ورقة تالتة، وقالت له بصوت ناشف: “خلاص يا محمود، القطر فات.. ودي ورقة…”

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

الجزء الرابع:

وقف الزمان في مدخل العمارة، ونظرات الحاضرين كلها اتعلقت بالورقة اللي مروة مادت بيها إيدها لمحمود. أبوها وأمها واقفين بملابس الإحرام البيضا اللي كانت بتعكس نقاء قلبهم، في مقابل السواد والكسرة اللي كانوا باينين في عين محمود.

محمود مسك الورقة بإيد بتترعش، ونزل عينيه يقرأ السطور. مكنتش ورقة طلاق زي ما جه في باله، مكنتش نهاية.. كانت حاجة أصعب بكتير وأقسى على كرامته. مروة كانت كاتبة “تنازل رسمي وإقرار”؛ تنازل منه عن كل سلطة ليه في البيت، وإقرار بجدولة الديون اللي عليه ليها بالمليم، مع شرط جزائي يخليه يروح ورا الشمس لو فكر يوم يدخل أمه في حياتهم أو يرفع صوته في البيت تاني.

advertisement

محمود رفع عينه ليها والدموع غرقاها: “إنتِ بتمضيني على مـ,ـوتي يا مروة؟ عايزاني أبقى مجرد خيال مآتة في بيتي؟”

مروة عدلت نضارتها بكل برود وقالت: “ده لو عاوز يفضل ليك بيت من الأساس يا محمود. الورقة دي هي تمن رجوعك للشقة الفوقانية لما أرجع من العمرة، وهي الضمان الوحيد إن ولادك يفضلوا في حضنك وفي مدارسهم. مش عاجبك؟ المحامي بتاعي بكره الصبح هيكمل إجراءات النفقة والحجز على مرتبك، والطلاق هيحصل بحكم محكمة. قدامك لحد ما أرجع من بيت الله الحرام تفكر.. وتمضي، أو تسيب الورقة وتنسى إن كان ليك زوجة اسمها مروة.”

أبو مروة طبَطب على كتف محمود وقال بنبرة هادية بس مليانة لوم: “يا ابني، إحنا ياما شيلناك، وبنتي عمرها ما قصرت معاك ولا استخسرت فيك لقمة، لكن تشمت فيها الغريب وتقوم أمك عليها عشان بتبرنا؟ ده جزاء الإحسان؟ سيبنا بقى نروح لربنا بقلوب صافية، وفكر في حالك.”

مروة شاورت للسواق يشيل الشنط، وركبت العربية مع أبوها وأمها من غير ما تلتفت وراها، وسابت محمود واقف بطوله في ضلمة الشارع، ماسك الورقة في إيده وكأنها جمرة نار بتلسع صوابعه.

رجع محمود البيت وهو بيجر رجليه جر. الشارع كان هس هس، وصوت جزمته على الأرض كان بيعمل صدى صوت مرعب. دخل شقة أمه تحت، لقى الحاجة فاطمة قاعدة على السرير، عينيها حمرة من العياط والغيظ، أول ما شافته دخل، قامت وقفت وسألته بلهفة: “عملت إيه يا محمود؟ طردت الحرباية وأهلها؟ وريتها قيمتها؟”

محمود بص لأمه بنظرة خالية من أي تعبير، نظرة ميت بيحاكي حي. رمى الورقة على السرير قدامها وقال بصوت واطي ومبحوح: “شوفي قيمتي إنتِ يا أمي.. شوفي قيمتي اللي ضاعت بسببك. الهانم سافرت العمرة، وسايبالي الورقة دي.. إما أمضي وأبقى عبد ليها ولشروطها، أو أترمي في السجن والديون تاكلني ولادي يضيعوا مني.”

فاطمة مسكت الورقة وقرأت كلام المحامي، وشها جاب ألوان وصوتت: “يا مصيبتي! عايزة تكسر راجلي؟ عايزة تلغي وجودك؟ أوعى تمضي يا محمود! تمـ,ـوت جوع ولا تمضي على ذل نفسك لست!”

محمود ضحك بوجع وسخرية عالية هزت حيطان الأوضة، ونزل على ركبه قدام أمه وصرخ: “أمـ,ـوت جوع لوحدي يا أمي؟! ولا أمـ,ـوت مديون ومفضوح وسط الناس والمحاضرين تحت بيتي؟! المدارس اللي بتقولوا عليها فاشخرة دي، تمن ترم واحد فيها يعدي مرتب المعمل بتاعي في سنة! قسط العربية اللي راكبها وبقول أنا صاحب عربية، مروة اللي كانت بتدفعه من شقاها في الشركة الإنترناشونال! أنا مكنتش راجل بفلوسي يا أمي، أنا كنت راجل بسترها ليا ولبيتي، وإنتِ جيتي بايدك وهديتي الستر ده!”

فاطمة اتصدمت من كلام ابنها وطريقتة، قعدت على السرير وخبّت وشها بإيديها وهي بتعيط، لأول مرة تحس إنها بغرورها وحشرية مناخيرها في ماليّة مرات ابنها، دمرت مستقبل ابنها الوحيد وسندها في الدنيا.

مرت الأيام تقيلة وزي الحجر على البيت. الشقة الفوقانية مقفولة ومطفي نورها، ومحمود عايش في شقة أمه كأنه شبح، بيروح المعمل ويرجع، وعينه مابتفارقش الموبايل، بيتابع صور مروة وأهلها في الحرم من بعيد لبعيد.. يشوف أبوها وأمها وهما بيدعوا قدام الكعبة، ووشوشهم منورة بالفرحة، ويشوف مروة واقفة بقوتها وجمالها بملابس الإحرام، يحس بنغزة في قلبه.. الست دي كانت في بيته، وكانت شيلّاه، وهو اللي رخصها عشان كلام جارتهم أم أحمد.

بعد أسبوعين، تليفون محمود رن. كان رقم مروة. محمود رد بلهفة وسرعة وهو نفسه مقطوع: “ألو.. مروة! حمد الله على السلامة، إنتِ رجعتي؟”

صوت مروة جه من الناحية التانية، بس مكنش فيه العصبية والبرود بتوع زمان، كان صوت هادي جداً، وهدوءه ده هو اللي رعب محمود أكتر. قالت له: “أنا في المطار يا محمود، وراجعة على بيت أبويا، مش هأرجع الشقة الفوقانية دلوقتي. أنا بكلمك عشان أقولك إن مهلتك خلصت. بكره الساعة ١٢ الظهر، لو مكنتش في مكتب المحامي ومضيت على الورقة، الإجراءات القانونية هتبدأ، والمرة دي مفيش تراجع.”

محمود بلع ريقه وصوته بيترعش: “مروة.. عشان خاطر العيال.. بلاش المكتب والمحامين، تعالي نتفاهم في بيتنا.”

مروة ردت بكلمة واحدة: “الميعاد بكره يا محمود، سلام.” وقفلت السكة.

محمود قفل الموبايل وبص لأمه اللي كانت واقفة وراه وسمعت كل حاجة. فاطمة بصت لابنها والدموع في عينيها وقالت بنبرة مكسورة: “امضي يا محمود يا ابني.. امضي وعيش، أنا مش هتدخل بينكم تاني، بس متضيعش نفسك.”

تاني يوم، الساعة دقت ١١ ونص الصبح. محمود كان واقف قدام باب مكتب المحامي الشيك في وسط البلد. أخد نفس طويل، وقلبه بيدق زي الطبول. دخل المكتب، لقى مروة قاعدة على الكرسي الجلد، وبكامل أناقتها وثقتها، وجنبها المحامي بتاعها وحاطط القلم والورقة على المكتب.

محمود قرب وقعد على الكرسي المقابل ليها. المحامي زق الورقة قدامه وقال: “اتفضل يا أستاذ محمود، اقرأ وشوف شروط الأستاذة مروة الأخيرة قبل الإمضاء.”

محمود مسك القلم، وإيده بتترعش، وبص لمروة وقال: “لو مضيت.. كل حاجة هترجع زي الأول؟”

مروة بصت له وعينيها فيها نظرة غموض مرعبة، وابتسمت وقالت: “امضي الأول يا محمود.. عشان اللي جاي في البيت ده، م يخطرش على بال حد!”

محمود حط السن على الورقة وبدأ يكتب اسمه، وفي اللحظة دي، تليفون المحامي رن، المحامي رد وش ملامحه اتقلبت تماماً وبص لمحمود ومروة بصدمة وقال: “مش ممكن! الكلام ده بجد؟!”

#الكاتب_رومانى_مكرم
الجزء الخامس:

اتسمرت إيد محمود والقلم على الورقة، وعينيه اتعلقت بوش المحامي اللي اتقلب في ثانية وجاب ألوان. مروة كمان برودها اتهز لأول مرة، ولمت حواجبها وبصت للمحامي بنظرة حادة وقالت: “في إيه يا أستاذ؟ مين بيتكلم؟”

المحامي حط إيده على المايك بتاع التليفون وبص لمحمود بذهول وصدمة وقال: “ده الأستاذ وائل المحامي زميلنا من أسيوط.. بيقول إن الحاجة فاطمة والدتك، راحت من ساعتين الشهر العقاري هناك، ومعاها عقود تنازل وبيع نهائي لشقة الدور الأرضي والبيت كله باسمك يا محمود! مش بس كده.. دي بعتت له صور العقود وبتقول إنها عملت ده عشان ترفع عنك أي مديونية أو تهديد من مروة!”

محمود القلم وقع من إيده على المكتب، وبص للمحامي وهو مش مصدق: “أمي؟ أمي تنازلت ليا عن البيت كله؟”

المحامي كمل كلامه وهو بيبص في الموبايل: “والأخطر من كده.. الأستاذ وائل بيقول إن الحاجة فاطمة لما رجعت البيت، لقت “أم أحمد” الجارة واقفة على الباب بتبارك لها برضه بضحكة صفرا وتقولها إن مروة مكنتش بتحجز عمرة لأهلها من فلوسها.. دي باعت دهبها اللي محمود جابهولها في شبكتها وفي أيام جوازهم الأولى عشان تسفر أبوها وأمها!”

الكلمة نزلت على محمود ومروة زي الصاعقة. مروة وشها اتقلب وبان عليه التوتر، ومحمود قام وقف على حيله، عينيه كانت بتطلع شرار، وبص لمروة بنظرة ميكس بين الصدمة والانتصار وقال بصوت جهوري هز المكتب: “بِعتي دهبي يا مروة؟ دهبي اللي طافح فيه الدم في الغربة ومعامل التحاليل عشان أجيبهولك؟ بتبيعيه من ورايا ومن غير علمي عشان تسفري أهلك؟ وتعملي فيها الست الإنترناشونال اللي بتصرف من جيبها وتلوي دراعي بالقوانين والمحاضرين؟”

مروة وقفت بكل قوتها وحاولت تداري تترها وقالت بصوت عالي: “الدهب ده بتاعي! شرعاً وقانوناً دهب الست ملكها، وتعمل فيه اللي هي عايزاه! ومحدش ليه شوق في حاجة!”

محمود ضحك بسخرية ووجع، ومسك ورقة الشروط اللي كان هيمضيها وفضّلها حتت وراها في وشها وقال: “بتاعك لما تبيعيه في زنقة بيتك وعيالك! مش تبيعيه من ورا جوزك عشان تظهري قدام الناس إنك ست هانم وتكسري كرامتي وكرامة أمي! أمي اللي كنتِ بتقولي عليها حيزبونة وبتطردينا من شقتنا، نزلت النهاردة الصبح وكتبت لي البيت كله باسمي عشان تحميني منك ومن قضاياكِ! البيت اللي إنتِ دافعة نص الشقة الفوقانية فيه.. الأرض اللي واقفة عليها دي كلها بقت ملكي أنا! يعني المحضرين بتوعك دول يبلوا ورقهم ويشربوا ميته، ومفيش مخلوق يقدر يهوب ناحية البيت ده!”

المحامي بتاع مروة لم الورق بسرعة وحطه في الشنطة وقال: “أستاذة مروة.. الموقف القانوني اتغير تماماً دلوقتي. الحجز التحفظي وفك الشراكة على الشقة الفوقانية هيبقى صعب جداً لأن الأرض والعقار كله بقى ملك الأستاذ محمود، وده بيدخّلنا في قضايا تانية هتاخد سنين في المحاكم.”

مروة بصت لمحمود بنظرة كلها غل وتحدي، وقالت له: “فاكر نفسك كسبت يا محمود؟ البيت ده أنا مش هعتبة تاني، وولادك مش هتشوفهم إلا بحكم رؤية في نادي، والشركات الإنترناشونال والمحامين بتوعي هيعرفوا يربوك من أول وجديد في قضايا النفقة.. هخليك تدفع دم قلبك.”

محمود قرب منها وبص في عينيها بثقة لأول مرة من يوم الأزمة وقال: “أعلى ما في خيلك وخيل محامينك اركبيه يا ست مروة. النفقة هدفعها لولادي بـ يـدّي ورجلي فوق رقبتي لأنهم ولادي، بس إنتِ.. مبقاش ليكي مكان في حياتي ولا في بيتي. القطر فات فعلاً.. بس فات عليكي إنتِ.”

سابها محمود في المكتب واقفة بتغلي من الغيظ، ونزل جري على الشارع. ركب أول مواصلة ورجع على بيته في أسيوط. كان حاسس إن جبل انشال من على كتافه، بس جواه وجع كبير من مروة اللي هانت عشرتهم وباعت دهبه من وراه.

وصل البيت، دخل لقى الصالة منورة، والحاجة فاطمة قاعدة على الكنبة الكبيرة، ماسكة سبحتها وبتسبح بهدوء، ووشها كان رايق ومفيش فيه الخوف والكسرة بتوع الأيام اللي فاتت. محمود جري عليها، اترمي تحت رجليها وفضل يبوس إيدها وراسه وهو بيعيط: “سامحيني يا أمي.. أنا ظلمتك وقلت إنك خربتي بيتي، وإنتِ اللي صنتيني وحميتيني في الآخر.”

فاطمة طبطبت على راسه وقالت بحنان: “يا قلب أمك، الأم بتزعل من ابنها بس عمرها ما تكرهه ولا تسيبه يتكسر قدام الغريب. البيت بيتك يا محمود، والارض أرضك، ورأسك تفضل مرفوعة وسط الناس. مروة افتكرت إن فلوسها تعليها علينا، وماتعرفش إن الأصول والدم مبيتمنوش بفلوس.”

في اللحظة دي، تليفون محمود رن تاني.. بص في الشاشة لقى رقم غريب، رد وقال: “ألو.. مين معايا؟”

صوت راجل غريب وجاد جه من الناحية التانية وقال: “أنت الأستاذ محمود جوز الأستاذة مروة؟”

محمود قال بنبرة ناشفة: “أيوا أنا، خير؟”

الراجل قال: “أنا مدير الشؤون القانونية في الشركة الإنترناشونال اللي مدام مروة شغال فيها.. بنبلغك إن الأستاذة مروة موقوفة عن العمل من ساعة وجاري التحقيق معاها بتهمة اختلاس مبالغ كبيرة من حسابات الشركة، وفي قوة من مباحث الأموال العامة بتدور عليها دلوقتي!”

محمود وقف ومبقاش سامع صوت تكتكة الساعة.. وبص لأمه بذهول ورعب، والورق اللي في إيده اتهز..

#الكاتب_رومانى_مكرم

الجزء السادس:

الدنيا لفت بمحمود، والخط قطع. فضل حاطط الموبايل على ودنه وهو مش سامع غير صوت صفير في دماغه، وصوت دقات قلبه اللي بقت أسرع من تكتكة الساعة اللي في الصالة. الحاجة فاطمة وقفت بخضة، سابت السبحة من إيدها وقربت منه وهزت كفته: “في إيه يا محمود؟ وشك اتخطف ليه يا ابني؟ الراجل ده قالك إيه؟”

محمود بلع ريقه بصعوبة، وبص لأمه بعينين مبرقة من الصدمة: “مروة يا أمي.. مروة موقوفة عن الشغل، وبتوع الأموال العامة بيدوروا عليها بتهمة اختلاس مبالغ كبيرة من الشركة!”

فاطمة شهقت وحطت إيدها على صدرها: “يا مصيبتي! اختلاس؟ يعني سرقة؟ الهانم اللي كانت بتتنطط علينا بفلوسها وشغلها والشركات الإنترناشونال، طلعت بتاكل حرام؟”

في اللحظة دي، تليفون محمود رن تاني، بس المرة دي كان رقم أبو مروة. محمود رد بسرعة: “ألو.. يا عمي.”

صوت أبو مروة جه مخنوق وبيعياط ومرعوب: “الحقني يا محمود يا ابني.. إحنا في البيت لسه راجعين من المطار، ولقينا الشرطة واقفة تحت العمارة ومعاهم أمر ضبط وإحضار لمروة! مروة منهارة وفاقدة النطق وجالها انهيار عصبي.. تعالى ارجوك، مهما كان دي مراتك وأم عيالك، إحنا ملناش غيرك في المحنة دي!”

محمود اتلخبط، الغضب اللي كان جواه من لوي الدراع والتهديد اتمسح فجأة وحل محله الخوف على ولاده وعلى اسم بيته. بص لأمه، فاطمة لقت في عينه نظرة الحيرة، لوت بوزها وقالت بنبرة حازمة: “إياك تروح يا محمود! إياك تروح ترمي نفسك في النار عشان وحدة بغت عليك ودمرت بيتك وكانت عايزة ترميك في السجن! ربنا جابلك حقك لحد عندك، سيبها تتدبر في اللي عملته.”

محمود مسك إيد أمه وقال بوجع: “يا أمي، ولادي! عيالي هناك وشايفين أمهم والبوليس بياخدها! اسمي واسم ولادي هيتمرمط في الأرض! أنا لازم أروح أشوف العيال على الأقل.”

ساب محمود أمه ونزل يجري، ركب أول عربية وطلع على بيت أهل مروة. لما وصل، لقى الشارع مقلوب، وعربية البوكس واقفة قدام العمارة والناس متجمعة بتتفرج. محمود زق الناس ودخل بسرعة، طلع الشقة لقى الباب مفتوح، وأبو مروة قاعد على الكرسي حاطط راسه بين إيديه وبيعيط، وأمها نايمة في الأرض ومغمى عليها من الصدمة.

مروة كانت واقفة في النص، بس مكنتش مروة بتاعة الصبح.. مكنتش الست الأنيقة القوية اللي بترفع حاجبها وتتحدّى بالورقة والقلم. كانت لابسة عباية بيتي بسيطة، شعرها منكوش، وعينيها مليانة رعب ودموع، وإيدها بتترعش والكلابشات الحديد بتتحط في إيدها من عساكر المباحث.

أول ما عينيها جت في عين محمود، صرخت بأعلى صوتها وارتمت عليه والحديد في إيدها: “محمود! الحقني يا محمود! والله العظيم مظلومة! هما اللي لبسوني القضية في الشركة عشان يداروا على الحيتان الكبيرة! متسيبنيش يا محمود عشان خاطر عيالك!”

محمود بصلها بوجع وقهر، الست اللي من كام ساعة كانت بتمضيه على قرار إلغاء وجوده، دلوقتي بتستنجد بيه وبتتمسح في رجولته. الضابط بص لمحمود وقال: “أنت جوزها يا أستاذ؟” محمود قال: “أيوة يا فندم.” الضابط قال: “المدام متهمة بتحويل مبالغ ضخمة لحسابات برة مصر، وفي عقود وشيكات باسمها ثبت إنها مزورة. اتفضل معانا على القسم لو عاوز تتابع الإجراءات.”

محمود بص على أوضة الأطفال، لقى عياله قاعدين في الركن بيبكوا وركبهم في سدرهم من الخوف. جري عليهم وأخذهم في حضنه وفضل يبوس فيهم، ودموعه نازلة على وشوشهم. مروة أخدوها العساكر ونزلوا بيها وسط زفة من همس وتفرج الجيران، المشهد كان كفيل يكسر أي حد.

عدت ساعات الليل في القسم تقيلة كأنها دهور. محمود وقف مع المحامين، وعياله أخذهم معاه وروح بيهم على بيت أمه في أسيوط عشان يبعّدهم عن الفضيحة.

لما دخل البيت والعيال نايمين في حضنه، الحاجة فاطمة أول ما شافت عيال ابنها، قلبها حن، جريت عليهم وأخذتهم في حضنها وقعدت تعيط: “يا حبيبي يا واد أنت وهي.. ذنبكم إيه في اللعبة دي؟” بصت لمحمود وقالت: “المحامين قالوا إيه يا محمود؟”

محمود قعد على الكنبة بتعب وهلاك: “الموضوع كبير قوي يا أمي.. مروة باعت الدهب عشان تكمل الفلوس اللي كانت ناقصة من العهدة اللي تحت إيدها في الشركة عشان تداري على العجز قبل ما تسافر العمرة، بس المراجعة السنوية للشركة الإنترناشونال كشفت كل حاجة في نفس اليوم اللي سافرت فيه. يعني العمرة دي كانت هروب وتغطية، مش بر بأبوها وأمها!”

فاطمة لطمت على صدرها: “يا مري! يعني كانت بتلعب بينا وكل القوة والورق اللي عملته ده عشان تداري على مصيبتها؟”

محمود أخد نفس طويل، وبص للورقة القديمة اللي كانت مروة مقطعاها في مكتب المحامي، ولقى في جيبه ورقة تانية الضابط ادهالها كانت مروة كاتباها بخط إيدها وهي في الحجز وبتبعت هاله مع العسكري..

محمود فتح الورقة يقرأها، ولتاني مرة في نفس اليوم، ملامح وشه اتقلبت بس المرة دي مكنش خوف.. كانت صدمة من سر جديد مروة مخبياه ومكتوب في السطور.. سر لو طلع للنور، هيقلب كيان البيت كله من تاني!

#الكاتب_رومانى_مكرم

الجزء السابع:

الورقة كانت مكرمشة، ومكتوبة بخط إيد مرعوش، والحبر جاف وممسوح في بعض الحتت من دموع مروة. محمود فتحها وهو حاسس إن جواه بركان هادي ومستني شرارة. عينيه جت على السطور، ومكتوب فيها:

*”محمود.. أنا عارفة إني دوست عليك وعلى طنط فاطمة، وعارفة إن السجن اللي أنا فيه دلوقتي هو ذنب الكسرة اللي كسرتها لكرامتك. بس وحياة أولادنا اسمعني للآخر وماترميش الورقة دي. الفلوس اللي اختلستها من الشركة أنا ما أخدتهاش لنفسي ولا سفرت بيها بابا وماما.. الفلوس دي أنا سددت بيها وصلات أمانة وشيكات قديمة على أخوك ‘أحمد’! أحمد كان مضحوك عليه في صفقة استيراد من سنة، وكان هيتحبس، وجالي وعيط تحت رجلي وقال لي ألحقيه من الفضيحة ومن الحبس ومن طنط فاطمة عشان قلبها ميتكسرش عليه.. أنا أخدت الفلوس دي وحميت أخوك يا محمود! ودهبي بعته عشان أسدد العجز اللي عليا لما الشركة بدأت تراجع الحسابات.. أخوك هو السبب في كل اللي أنا فيه، وهو اللي سابني أواجه مصيري لوحدي وسافر برة مصر من أسبوع! اسأله واسأل طنط فاطمة لو كانت تعرف.. أرجوك يا محمود متسيبنيش.”*

محمود حس إن النفس اتقطع من صدره. الورقة وقعت من إيده على الأرض كأنها حتة جمر. لف وشه وبص لأمه، الحاجة فاطمة، اللي كانت قاعدة بتطبطب على العيال وهما نايمين. النظرة اللي في عين محمود كانت مرعبة، نظرة شك وقهر وعتاب ملوش آخر.

قرب من أمه بخطوات بطيئة، نبرة صوته كانت واطية وناشفة لدرجة تخوف: “أمي.. أحمد أخويا فين؟”

فاطمة اتخضت من نبرة صوته، ولفت وشها الناحية التانية وقالت بتوتر باين في صوتها: “أخوك؟ ما أنت عارف يا محمود، سافر الإمارات من أسبوع عشان جاله عقد شغل هناك.. ربنا يرزقه ويصلح حاله.”

محمود وطى على الأرض، جاب الورقة من تحت السرير، وحطها في وش أمه: “اقري يا حاجة فاطمة.. اقري شقا عمر مرات ابنك راح فين! اقري الست اللي كنتِ بتقولي عليها حرباية وحيزبونة وحرامية، شالت فضيحة ابنك الكبير إزاي!”

فاطمة مسكت الورقة، وأول ما عينيها جت على اسم “أحمد”، وشها اتقلب وبقى أبيض زي الورقة. فضلت تبرطم بكلام مش مفهوم، والسبحة وقعت من إيدها واتفرطت حباتها على الأرض، وصوت دبات الحبات على البلاط كان زي دقات الطبول في ودن محمود.

محمود صرخ بصوت هز جدران البيت: “كنتِ عارفة يا أمي؟! كنتِ عارفة إن أحمد مديون وإن مروة هي اللي شالته؟!”

فاطمة عيطت ودارت وشها: “يا ابني.. أحمد جالي وكان هيروح في داهية، و قالي إن مروة ساعدته من معاها.. مكنتش أعرف إنها سارقة الفلوس من شركتها! مكنتش أعرف إن الموضوع هيوصل للأموال العامة والحبس! أنا كنت فاكرة إنها بتعايرنا بفلوسها وشغلها، فقلت أكسر مناخيرها عشان متذلش أخوك وتذلّك!”

محمود قعد على الأرض، حط راسه بين ركبه وفضل يضحك بوجع ومرارة: “تكسري مناخيرها؟ دي كانت بتلوي دراعي عشان مديونة ومكسورة! دي كانت بتعمل شروط وقضايا عشان تخليني أقف جنبها وأحميها من الشركة لما الموضوع يتكشف! دي كانت بتستنجد بيا بطريقتها الناشفة وعنادها اللي اتعودت عليه من صغرها.. وإحنا قعدنا ندوس عليها ونشمت فيها الجيران!”

البيت كله بقى في حالة ذهول. الحقيقة ظهرت، بس بعد ما كل حاجة اتهدت. مروة محبوسة بتهمة اختلاس، وأحمد هربان برة البلد، والحاجة فاطمة قاعدة وسط حبات سبحتها المفرطة وهي حاسة بذنب خربان بيت ابنها الوحيد اللي صانها وصان أخوه.

محمود قام وقف، مسح دموعه، وبص لأمه بنظرة أخيرة وقال: “البيت اللي كتبتيه باسم الصبح يا أمي.. أنا هرهنه بكرة في البنك عشان أجيب كفالة لمروة وأسدد جزء من مبالغ الشركة عشان القضية تتحول من اختلاس لجنحة وتاخد براءة أو مع إيقاف التنفيذ.. وشقا عمرك وعمري هيروح في تمن غلطة ابنك اللي فضلتيه عليا طول عمرك.”

فاطمة صرخت: “بيت أبويا يا محمود؟ ترهنه للبنك عشانها؟”

محمود رد وهو بيفتح باب الشقة: “عشان الشرف والأصول والدم اللي قلتِ لي مبيتمنوش بفلوس يا أمي.. مروة صانت شرف أخويا، وأنا هصون شرفها وشرف ولادي.. حتى لو هعيش طول عمري ماليش مأوى.”

خرج محمود من البيت والليل كان في آخره، طلع على القاهرة ووصل قدام مبنى النيابة الصبح بدري، ومعاه المحامي بتاعه وورق رهن البيت والشيكات الجديدة.

دخل المحامي، وبعد ساعتين خرج ومعه مروة..

مروة كانت خارجة، عينيها ذبلانة، والكسرة باينة في خطواتها، وأول ما شافت محمود واقف مستنيها ومعاه شنطة هدوم نظيفة، وقفت ومقرتش تتحرك خطوة..

محمود قرب منها، قلع جاكت البدلة بتاعه وحطه على كتافها وقال: “حمد الله على السلامة يا أمي ولادي.. بيتك وشقتك مستنيينك.”

مروة بصت له والدموع نازلة زي المطر، وقالت بصوت مكسور ومبحوح: “محمود.. أنا..”

وقبل ما تكمل كلمتها، لفت عربية سودا شيك جداً ووقفت قدام باب النيابة، ونزل منها راجل لابس نظارة شمسية، وبص لمروة ومحمود وقال بنبرة مليانة تهديد جديد: “مفتكرتش إن الخروج بالسهولة دي يا مدام مروة.. الفلوس اللي سددتوها دي جزء من حسابات مصر.. بس الحسابات اللي برة مصر.. لسه حسابها مجاش!”

#الكاتب_رومانى_مكرم

الجزء الثامن:

الراجل صاحب العربية السودا وقف وبص لمروة بنظرة غامضة، النظارة الشمسية كانت مخبية عينيه لكن نبرة صوته كانت كفيلة تخلي الدم يتجمد في عروق محمود ومروة. المحامي بتاع مروة قرب بسرعة ووقف في النص وقال بنبرة جادة: “أنت مين يا فندم؟ وبأي صفة بتكلم موكلتي؟ النيابة أفرجت عنها بكفالة والشركة استلمت جزء من المبالغ.”

الراجل قلع النظارة الشمسية، وبان في عينيه لؤم وذكاء ثعلب، وطلع كارنيه من جيبه ولمحه للمحامي وقال: “أنا الأستاذ شريف، المستشار القانوني الإقليمي للمجموعة الإنترناشونال في الشرق الأوسط. الفلوس اللي جوزها الأستاذ محمود سددها برهن البيت دي تخص فرع الشركة في مصر، ودي خلت النيابة هنا تفرج عنها على ذمة القضية.. لكن التحويلات اللي تمت لفرع الشركة في دبي باسم أخوك يا أستاذ محمود، ‘أحمد’، دي قضية تانية خالص ومرفوعة في دولة الإمارات، وهناك مفيش هزار.”

محمود حس إن الأرض بتهتز تحت رجليه من تاني، بص لمروة اللي رجعت لورا خطوة ووشها بقى زي الليمونة من الخوف، ومسكت في دراع محمود بقوة وهي بتترعش: “محمود.. أنا معرفش حاجة عن حسابات دبي! والله العظيم أحمد هو اللي طلب مني أعمل التحويل ده من السيستم الداخلي للشركة وقال لي إنه حساب عميل، معرفش إنه حسابه الشخصي!”

شريف ضحك بسخرية وهو بيلبس نظارته تاني: “القانون لا يحمي المغفلين يا مدام مروة. التوقيع الإلكتروني والـ IP اللي استخدم في التحويل يخص جهازك وباسوردك إنتِ. وأخو جوزك، الأستاذ أحمد، أول ما وصل دبي سحب الفلوس كاش واختفى، والإنتربول الدولي دلوقتي جاري إخطاره. قدامكم ٤٨ ساعة بالعدد، لو الفلوس اللي برة مرجعتش، أمر الضبط والإحضار هيتحول لطلب تسليم دولي، والمرة دي مش هتشوفي النور.”

ركب شريف عربيته السودا ومشي، وسابهم في وسط الشارع والشمس الحامية بتحرق في نفوخهم. محمود بص لمروة وقال بصوت مكتوم ومليان مرار: “أحمد عمل كل ده؟ سرق الشركة هنا وهناك؟ وهرب وسابك في المدفعة؟”

مروة قعدت على الرصيف وفضلت تعيط بحرقة: “أنا غبية يا محمود.. غبية! وثقت فيه عشان خاطر طنط فاطمة وعشان متهدش بيتك، وهو استغل إني ماسكة السيستم والتحويلات الإقليمية ووداني ورا الشمس!”

المحامي أخد محمود على جنب وقال له: “يا أستاذ محمود، الموقف بقى جحيم. رهن البيت غطى قضية مصر، لكن قضية دبي مبالغها بالدولار، ولو الإنتربول دخل في الموضوع، مروة هتتسجن هنا أو تترحل، والبيت اللي إنت رهنته هيضيع لو مدفعناش أقساط البنك. لازم نوصل لأخوك أحمد في أسرع وقت.”

محمود مأستناش، أخد مروة وركبوا العربية ورجعوا على أسيوط. طول الطريق مفيش مخلوق نطق بكلمة، الصمت كان أتقل من الجبال. مروة كانت بتبص من الشباك والدموع مابتفارقش عينها، ومحمود إيده على الدريكسيون وعقله بيلف في ساقية مابتوقفش.. إزاي أخوه من دمه يبيعه ويبيع مراته ويخرب بيته بالشكل ده؟

وصلوا البيت على المغربية. أول ما دخلوا من الباب، العيال جريوا على مروة وفضلوا يحضنوا فيها ويعيطوا: “ماما.. وحشتينا يا ماما! كنتِ فين؟” مروة ارتمت في الأرض وأخذتهم في حضنها وفضلت تبوس فيهم وهي منهارة.

الحاجة فاطمة كانت واقفة في الصالة، وشها كان باين عليه العجز والندم، بصت لمروة بعينين مكسورة، وقربت منها بخطوات ثقيلة وقالت بصوت مرعوش: “حمد الله على السلامة يا بنتي.. حقك عليا يا مروة، أنا ظلمتك.”

مروة بصت لـ الحما ونزلت عينيها الأرض وقالت بتعب: “الله يسامحك يا حاجة فاطمة.. إحنا بيتنا اتهد خلاص، وأحمد ابنك مسبش لينا حاجة نبكي عليها.”

محمود دخل الصالة وهو ماسك الموبايل وبيحاول يتصل على رقم أحمد الدولي، لكن الخط كان دايماً مقفول أو غير متاح. رمى الموبايل على السفرة بعنف وصاح في أمه: “أخويا الحنين.. ابنك الغالي يا حاجة فاطمة! طلع سارق ملايين وهربان في دبي، ومروة والبيت كله هيروحوا في داهية بسببه! اتصلي بيه.. شوفي أي طريقة توصلي له بيها قبل ما الإنتربول يجيبه!”

فاطمة قعدت تلطم على وشها وبكت: “والله العظيم ما معايا ليه رقم يا محمود! ده قالي إنه رايح يشتغل بعقد حلال! يا واد خيبتي فيك يا أحمد.. يا فضيحتنا وسط الناس يا ابني!”

في وسط الصريخ والدموع، تليفون محمود اللي على السفرة رن بنغمة غريبة.. مكنش اتصال عادي، ده كان اتصال فيديو من رقم دولي مخفي. محمود جِري على التليفون وفتح الخط بسرعة، وظهرت الشاشة..

كان أحمد! قاعد في مكان شبه الكافيهات الفخمة في دبي، لابس قميص شيك، بس ملامح وشه مكنتش ملامح واحد هربان ومبسوط، كان باين في عينه الرعب، وفيه صوت دوشة وحركة غريبة وراه في الكادر.

محمود صرخ في الشاشة: “أحمد! يا خاين يا حرامي! بعتني وبعت مراتي وخربت بيتي؟ مروة كانت هتحبس بسببك والبيت اترهن!”

أحمد بكى في التليفون وقال بصوت يترعش: “محمود! الحقني يا محمود! الفلوس مش معايا.. الفلوس أخدوها مني هنا!”

محمود اتصدم وقال: “أخدوها منك مين؟! أنت بتقول إيه؟”

أحمد لف الكاميرا بتاعة الموبايل بسرعة، وظهر في الكادر اتنين رجالة بجسم ضخم ولابسين بدلات سودا واقفين وحاوطينه، وواحد منهم قرب من الكاميرا، ووشه مكنش غريب على محمود ومروة.. ده كان نفس الراجل صاحب العربية السودا، “شريف”، المستشار القانوني للشركة!

شريف ابتسم في الكاميرا وقال لمحمود ومروة بكل برود: “قلت لكم الحسابات اللي برة مصر لسه حسابها مجاش.. الأستاذ أحمد شرفنا هنا والفلوس رجعت لخزنة الشركة في دبي بالكامل.. بس اللعبة لسه مخلصتش يا أستاذ محمود.. لأن أخوك مضى هنا على ورق جديد، يخليك إنت ومروة تعملوا اللي هقولكم عليه بالظبط.. وإلا أحمد مش هيرجع مصر تاني واصل!”

محمود ومروة وبصوا للشاشة بذهول ورعب، والحاجة فاطمة وقعت من طولها على الأرض وأغمى عليها..

#الكاتب_رومانى_مكرم

الجزء التاسع:

الدنيا اسودت في عين محمود، وصوت صرخة أمه وهي بتقع على الأرض ملأ الأوضة. مروة جريت على الحاجة فاطمة تفوقها، والعيال بدأوا يصرخوا من الرعب. محمود كان ماسك الموبايل وإيده بترمى زي اللي ماسك كهربا، وعينيه مثبتة على شاشة الفيديو.. على وش شريف اللي باين وراه ملامح أحمد وهو مكلبش ومكسور وسط رجالة دبي.

محمود صرخ في التليفون وصوته شرخ من القهر: “شريف! أنت مين بالظبط؟ وداخل بيتي وحياتي بصفتك إيه؟ مادام الفلوس رجعت للشركة في دبي، عايز مننا إيه تاني؟ وورق إيه اللي مضيت أخويا عليه؟”

شريف ضحك ضحكة باردة رجعت الصدى في ودن محمود، وقال وهو بيعدل ياقة جاكته: “أنا الساطور اللي الشركة بتنزله لما الحسابات تلعب يا أستاذ محمود. الفلوس اللي رجعت دي حق الشركة، لكن أخوك الجاهل ده وهو بيحول المبالغ من السيستم في مصر لدبي، استخدم أكواد سرية تخص صفقات دمج واستحواذ للمجموعة مع مستثمرين أجانب.. يعني القضية مبقتش مجرد اختلاس قرشين، دي بقت قضية تسريب أسرار شركات وجاسوسية اقتصادية! وأخوك البطل مضى هنا على إقرار إن مروة هي اللي أدته الأكواد دي بالاتفاق معاه عشان يبيعوها لشركة منافسة!”

مروة سابت الحاجة فاطمة وقامت وقفت، وجريت على التليفون وصرخت وعينيها طالعة لبرة من الصدمة: “كذاب! والله العظيم كذاب يا شريف! أحمد جالي باكي ومكسور وقال لي ساعديني في وصلات أمانة، وميعرفش حاجة عن الأكواد دي ولا أنا أعرف! أنت بتلبسنا قضية أمن دولة عشان تداري على الحرامية الكبار اللي في الإدارة الإقليمية!”

شريف صباعه ظهر في الكاميرا وهو بيشاور ليهم بتحذير: “صوتك ميعلاش يا مدام مروة.. الحيتان الكبيرة اللي بتتكلمي عنهم هما اللي باعتني أقفل الملف ده باللي فيه. الورق اللي معاي يوديكِ أنتِ وأخو جوزك ورا الشمس في قضية ملهاش قومة. لكن أنا راجل عملي.. وبحب الصفقات.”

محمود بلع ريقه وحس بمرارة في حِلقه، وبص لأحمد اللي كان بيبكي في الشاشة ويقول: “ببوس رجلك يا محمود.. امضي على اللي هيقولك عليه.. هيمـ,ـوتوني هنا يا محمود!”

محمود قال لشريف بنبرة مكسورة وميتة: “عايز إيه يا شريف؟ اخلص وقول شروطك.. مبقاش عندنا حاجة نخسرها.”

شريف عدل الكاميرا وظهر وشه بالكامل وقال بكل جديّة: “الشركة الكبيرة المنافسة لينا عارضة منصب إقليمي كبير في فرع القاهرة، والمنصب ده محتاجين حد يكون عينه جواها.. حد زيك يا مدام مروة! أنتِ هترجعي الشغل في شركتنا عادي، وهتوافقي على العرض اللي هيجيلك من الشركة المنافسة الأسبوع الجاي، وتشتغلي معاهم.. بس لحسابنا إحنا! تنقلي لنا كل خطوة وكل صفقة بيخططوا ليها في السوق المصري. وفي المقابل.. ورق أحمد هيفضل في درج مكتبي، ومروة هتاخد براءة في قضية مصر، وأخوك هيرجع بكرة على أول طيارة.”

مروة رجعت لورا خطوتين وحطت إيدها على بوقها: “عايزني أشتغل جاسوسة؟ عايزني أبقى حجر شطرنج في حربكم القذرة وتلوا دراعي بأخو جوزي؟”

شريف ابتسم وقال: “تقدري تسميها ‘مستشارة معلومات’، والوقت بيجري.. قدامكم لحد بكرة الصبح، يا مروة تيجى مكتب القاهرة وتمضي عقد ‘المهمة الجديدة’.. يا إما الإنتربول هيتحرك، والقضية هتنزل في الجرايد بكرة بالليل باسم عيلتكم الكريمة.. فكروا كويس.”

الخط قطع، والشاشة اسودت.

الأوضة رجعت هس هس تاني، بس كان هدوء مرعب، ملوش أول من آخر. الحاجة فاطمة بدأت تفوق وتئن وهي بتفتح عينيها بتعب، وبصت لمحمود وقالت بصوت ضعيف ومبحوح: “أحمد.. أحمد حابسوه يا محمود؟ هيمـ,ـوتوه في الغربة؟”

محمود مبصش لأمه، كان باصص لمروة اللي كانت واقفة في نص الصالة، مكسورة وضايعة، والنور بتاع الشارع عاكس على وشها اللي تاهت منه كل ملامح القوة.

محمود قرب منها، مسك إيدها اللي كانت بتترعش وقال بصوت حنين وموجوع: “مروة.. أنا رهنت البيت وضيعت شقا أمي وشقايا عشان أحميكِ.. ودلوقتي هما عايزين يرهنوا شرفك وشغلك عشان يحموا أخويا الخاين. أنا مش هجبرك على حاجة.. دي حياتك ودي كرامتك، وإنتِ اللي تختاري.”

مروة بصت لمحمود، ولأول مرة من يوم ما بدأت الحكاية، نظرة التحدي والعناد والبرود اختفت تماماً من عينيها.. وحل مكانها نظرة ست لقت سندها في الوقت اللي الكل باعها فيه. نزلت دمعة سخنة على خدها، وبصت لـ الحما “الحاجة فاطمة” اللي كانت بتبكي على السرير، وقالت بصوت واطي وثابت:

“أنا هسافر القاهرة الصبح يا محمود.. وهروح لشريف.”

محمود اتصدم وقال: “هتوافقي تبقي معاهم؟”

مروة ابتسمت ابتسامة غامضة جداً، بس مكنتش مخيفة زي بتاعة زمان.. كانت ابتسامة ذكاء وقوة راجعة من وسط الرماد، وقالت: “مروة مابتتكسرش يا محمود.. وشريف فاكر إنه ماسك خيوط اللعبة، ومايعرفش إن اللي بيشتغل في الشركات الإنترناشونال السنين دي كلها، بيبقى معاه نسخ من كل ملف.. حتى الملفات اللي شريف فاكر إنه داراها! هروح ومضى.. بس اللعبة من بكرة هتديرها مروة.. وعلى طريقتي أنا!”

الحاجة فاطمة قامت وقفت على رجليها ببطء، وقربت من مروة، ولأول مرة في حياتها، أخدت مرات ابنها في حضنها وفضلت تبكي وتقول: “سامحيني يا بنتي.. صوني بيتك وصوني إخوات محمود، وأنا من بكرة هكون تحت رجليكي.”

الشمس بدأت تشقشق وتعلن عن يوم جديد، محمود ومروة كانوا واقفين في البلكونة بيبصوا على الشارع.. عارفين إن الرحلة للقاهرة الصبح مش هتبقى مجرد إمضاء ورق.. دي بداية حرب تكسير عظام مع حيتان مابترحمش.

القطر صوته صفر في المحطة، ومروة شنطتها في إيدها، ومحمود جنبها كتفه في كتفها..

وصلوا قدام برج الشركة الكبير في وسط البلد الساعة ٩ الصبح، طلعوا الأدوار العالية ودخلوا مكتب شريف..

شريف كان قاعد وراه مكتبه الفخم، وحاطط العقد والقلم، وبص لهم بانتصار وقال: “كنت عارف إنكم بتفهموا في الأصول.. اتفضلي يا مدام مروة، امضي.”

مروة قربت من المكتب، مسكت القلم، وقبل ما تحط السن على الورقة، باب المكتب اتفتح بعنف، ودخل تلات رجالة هيبتهم تملأ المكان، ولابسين بدلات رسمية، وواحد منهم بص لشريف وقال بنبرة هزت حيطان المكتب: “أستاذ شريف.. أنت مقبوض عليك بتهمة التواطؤ وتسهيل الاستيلاء على أموال المجموعة بالاشتراك مع أطراف أجنبية.. وبناءً على البلاغ المقدم من الأستاذة مروة!”

شريف وقف وشه بقى زي الجدار، وبص لمروة بذهول ورعب.. ومروة سابت القلم من إيدها، وبصت له بكل ثقة وقالت: “قلت لك يا شريف.. اللعبة من النهاردة.. مروة هي اللي هتديرها!”

وفي اللحظة دي، تليفون محمود رن تاني من دبي.. وظهرت رسالة على الشاشة قلبت كل التوقعات من جديد!

#الكاتب_رومانى_مكرم

تابعو صفحه رومانى مكرم ليصلك كل القصص الكامله

الجزء العاشر (وقبل الأخير):

وقع الخبر على شريف كأنه قنبلة، وشه جاب ألوان وفقد النطق وهو شايف رجال الرقابة الإدارية والشؤون القانونية للمجموعة بيطوقوا المكتب. بص لمروة بعينين مليانة غل وذهول وقال بصوت متحشرج: “أنتِ؟ أنتِ اللي بلغتي عني؟ إزاي وفين؟ ده أنا ماسك كل الخيوط في إيدي وأخو جوزك تحت ضرسنا في دبي!”

مروة رجعت لورا خطوة، وعدلت جاكت بدلتها الشيك بكل ثقة وبرود، والابتسامة رجعت تنور وشها من تاني وقالت: “فاكرني مغفلة يا شريف؟ فاكر لما تخليني أوقع إلكتروني بالـ IP بتاعي على صفقات مشبوهة وتقول لي دي أوامر الإدارة الإقليمية إني مش هأمن نفسي؟ أنا من سنة كاملة، من يوم ما أحمد أخو محمود بدأ يلمح لي إنه واقع في ضيقة، وأنا عارفة إن فيه عين من جوة الشركة بتوجّهه وبتسهل له الطريق عشان يقع، ولما وقع، جيت أنت عشان تلبسني أنا وهو القضية وتداري على الحيتان الكبيرة.. أنا باعتة ملفات الأكواد والتحويلات السرية كلها لفرع الشركة الرئيسي في نيويورك من تلات أيام.. والرد جه النهاردة الصبح بالقبض عليك وفصلك!”

الظابط شاور لرجاله، وأخدوا شريف مكلبش وسط نظرات الذهول من كل الموظفين في الشركة اللي كانوا واقفين يتفرجوا على سقوط الحوت الكبير اللي كان بيمشي بكلمته على الكل.

محمود كان واقف ورا مروة، بيبص لها بفخر ملوش أول من آخر، حس إن مراته دي بمليون راجل، وإنها بذكائها وسكوتها السنين اللي فاتت كانت بتقرأ الملعب كله من بعيد لبعيد. قرب منها ومسك إيدها وقال: “يا بنت الايه يا مروة! كل ده ومخبية عليا؟ كنتِ سايباني أمـ,ـوت في جلدي وخايف عليكي؟”

مروة بصت لمحمود وعينيها لمعت بالدموع: “كان لازم أسكت يا محمود.. لو كنت قلت لك، كنت هتتصرف بعاطفتك وتتصل بأخوك وأمك وتخرب الطبخة قبل ما تستوي. كان لازم الكل يصدق إني مكسورة عشان شريف يطمن ويجيب آخره.”

وفي وسط الفرحة دي والانتصار، رن تليفون محمود بنغمة الرسائل. محمود افتكر الرسالة اللي جت له من دبي أول ما دخلوا المكتب. فتح الشاشة وهو بيوجّه الموبايل لمروة عشان يقرأوا مع بعض.. والرسالة كانت صدمة جديدة قلبت الفرحة لخوف من تاني.

الرسالة كانت مبعوتة من رقم أحمد، ومكتوب فيها بالعامية الإماراتية:

*”الأستاذ محمود.. الأستاذ أحمد أخوك مش معانا في حجز الشركة، شريف كان بيمثل عليكم بالفيديو من مكتب قديم.. أحمد هرب مننا في مطار دبي أول ما حس إن اللعبة اتكشفت، وهو دلوقتي راكب طيارة وراجع مصر باسم مزور وجواز سفر تاني.. ومستلف تليفون من حد بعت لنا منه رسالة بتهديد إنه راجع ينتقم من مروة ومنكم كلكم لأنها ضيعت مستقبله برة وجوه مصر! خذوا حذركم.. أحمد مابقاش عنده حاجة يخاف عليها وهو في طريقه ليكم دلوقتي!”*

محمود وشه اتخطف ومسك دراع مروة بقوة: “أحمد هربان وراجع مصر؟ وراجع ينتقم؟”

مروة حست بنغزة في قلبها، مكنتش خايفة من أحمد، بس خايفة من الغدر.. واحد ضاع مستقبله واتكشف حقيقته قدام أهله وبقى مطارد من الإنتربول، ممكن يعمل أي حاجة من غير ما يفكر.

المحامي بتاع مروة قال بسرعة: “يا أستاذ محمود، لازم نتحرك فوراً على أسيوط.. الحاجة فاطمة والعيال هناك بطولهم، وأحمد لو وصل هناك قبلنا وهو في الحالة دي، ممكن يعمل مصيبة في البيت!”

ركب محمود ومروة العربية، وطاروا بيها على طريق الصعيد. الطريق كان طويل جداً ومحمود كان بيدوس على البنزين بأقصى سرعة عنده، وعينه مابتفارقش الطريق، ومروة عمالة تتصل على الحاجة فاطمة في البيت، لكن الخط كان دايماً بيدّي “جاري الاتصال” ومحدش بيرد!

“ردي يا حاجة فاطمة.. أرجوكي ردي!” مروة كانت بتفرك في إيدها بتوتر، والخوف على العيال وعلى الحما اللي لسه مصالحاها ومحتضناها بدأ يأكل في قلبها.

وصلوا على مشارف أسيوط والليل كان بدأ يدخل، والشوارع كانت هادية. أول ما العربية دخلت الشارع بتاعهم، محمود لقى لمت ناس غريبة قدام البيت.. الجيران كلهم واقفين، وصوت صريخ طالع من شقة الدور الأرضي!

محمود فرمل العربية بعنف، ونزل هو ومروة بيجروا وسط الناس. محمود زق جاره أبو أحمد وصاح فيه: “في إيه يا أبو أحمد؟ عيالي وأمي مالهم؟”

أبو أحمد بص لمحمود بوش أصفر وعينين مليانة رعب وقال: “الحق يا محمود.. أخوك أحمد جه من ساعة، وكان داخل زي المجنون، وشايل في إيده سلاح.. وقفل باب الشقة على أمه وعلى عيالك وسامعين صوت ضـ,ـرب وتكسير جوة ومحدش قادر يدخل!”

مروة صرخت بأعلى صوتها وجريت على الباب الحديد بتاع البيت وفضلت تخبط بكل قوتها: “أحمد! افتح الباب يا أحمد! ولادي ملهمش ذنب! أنا اللي عملت كل حاجة.. افتح لي أنا!”

ومن وراء الباب الخشب السميك بتاع الشقة، طلع صوت أحمد.. بس مكنش صوت أحمد الأخ الطيب الهادي.. كان صوت وحش كاسر، صوته مليان غل وضياع وهو بيصرخ:

“مش هفتح يا مروة! أنتِ ضيعتيني وفضحتيني وخليتي أمي تبيع البيت لمحمود وتكتب له كل حاجة وتسبني في الغربة ماليش تمن! لو حد قرب من الباب ده، هخلص على العيال وعلى أمي وعلى نفسي.. والبيت ده هيهد فوق دماغ الكل النهاردة!”

الحاجة فاطمة كانت بتصرخ من جوة: “يا محمود! الحقني يا ابني! أخوك اتجنن وعايز يقـ,ـتلنا ويقـ,ـتل العيال!”

محمود رجع لورا خطوتين، وعينيه جت في عين مروة.. نظرة الفراق الأخير.. محمود أخد نفس طويل، وبص لجيرانه وقال: “ساعدوني نكسر الباب!” وفضل يضـ,ـرب بكتفه في الباب الحديد بكل قوته وهو سامع صوت تكتكة غريبة جوة الشقة.. مكنتش تكتكة الساعة القديمة.. دي كانت تكتكة سلاح بيتحضر للضـ,ـرب!

وفي اللحظة اللي الباب بدأ يتخلع فيها من مكانه.. طلعت صرخة من جوة الشقة هزت المنطقة كلها، تلاها صوت ضـ,ـرب نار قوي..

#الكاتب_رومانى_مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

الجزء العاشر والأخير:

مع دوي الرصاصة اللي هزت حيطان البيت وقلوب كل اللي واقفين في الشارع، الزمن وقف تماماً. مروة صرخت صرخة شرخت سما أسيوط وهي بترمى بكل عزمها على الباب، ومحمود، بقوة ميعرفش طلعتله منين، ضـ,ـرب الباب الحديد بكتفه ورجليه لحد ما المفصلات اتخلعت واتهد الباب ووقع على الأرض وعمل رزع زلزل المكان.

دخل محمود ومروة يجيروا وسط الغبار والدخان، وعينيهم بتدور على العيال وعلى الحاجة فاطمة. الأوضة الجوانية كانت مقلوبة، النور مطفي، وفي الركن كانت الحاجة فاطمة حاضنة العيال بجسمها ومخبياهم ورا الكنبة، والعيال كاتمين صرختهم في حجرها وهما بيترعشوا. محمود جري عليهم ولقاهم بخير ومفيش فيهم خدش، لكن الرصاصة كانت رايحة في مكان تاني خالص.

في نص الصالة، كان أحمد واقع على الأرض، السلاح مرمي بعيد عن إيده، والدم غرقان عبايته من كتفه. أحمد مكنش قاصد يقتـ,ـل أمه ولا العيال، هو كان داخل في حالة جنح وضياع، ولما سمع صوت كسر الباب، إيده اترعشت والطلقة طلعت منه غلط وجت في كتفه وسقط من طوله وهو بيبكي بنشيج مرير زي الأطفال.

مروة أول ما شافت المشهد، مقفتش تتفرج ولا تشمت. طلعت جري على المطبخ جابت قماشة نظيفة وجريت على أحمد، قعدت في الأرض وضغطت على جرحه بكل قوتها عشان توقف النزيف، وبصت لمحمود وقالت بزعاق: “اطلب الإسعاف بسرعة يا محمود! أخوك هينزف!”

أحمد رفع عينيه الذبلانة والمكسورة لمروة، وشافها وهي بتنقذ حياته بعد كل اللي عمله فيها، فضل يعيط ويقول بصوت مخنوق: “سامحيني يا مروة.. أنا ضعت، وضيعتكم معايا.. الغل أعمى عيني لما حسيت إن كل حاجة راحت مني.”

الجيران دخلوا وشالوا أحمد مع محمود وأخدته الإسعاف على المستشفى تحت حراسة الشرطة، عشان ينال جزاءه القانوني عن الاختلاس والدخول بجواز سفر مزور، بس المرة دي الجرح اللي في جسمه هيمـ,ـوت الغل اللي كان في قلبه.

مرت سنة كاملة على الليلة دي.. سنة غيرت نفوس وتبدلت فيها أحوال.

البيت في أسيوط رجع له الهدوء تاني، بس مكنش هدوء الخوف والمكائد، كان هدوء الرضا والأصول. الشقة الفوقانية اتفتحت ونورها قاد من تاني، ومروة رجعت لمنصبها الإقليمي في الشركة الإنترناشونال بعد ما الإدارة الرئيسية في نيويورك كرمتها على أمانتها وشجاعتها في كشف الفساد.

محمود سدد قروض البنك وفك رهن البيت من عرق شقاه في المعمل، وبمساعدة مروة اللي رجعت تشيل معاه كتف بكتف بس بالرضا والحب، مش بلوي الدراع والشروط.

وفي العصر الفاخر من يوم جمعة، كانت الصالة منورة بنور الشمس الدافي. “الحاجة فاطمة” كانت قاعدة على الكنبة الكبيرة، بتسبح بهدوء ووشها منور، ومروة قاعدة جنبها بتشرب معاها الشاي وبيتضحكوا. مروة مالت على حماتها “الحما” وبست راسها وقالت لها: “جاهزة يا حاجة فاطمة؟ الشنط قفلتها، وتأشيرة العمرة طلعت، وطيارتنا الفجر إن شاء الله.. أنا ومحمود وإنتِ علطول على الحرم.”

الحاجة فاطمة دموعها نزلت على خدها وأخدت مروة في حضنها وقالت بصوت كله خشوع: “ربنا يبارك لي فيكِ يا بنتي ويصونك.. أنا مكانش ليا حق أتدخل في قرشك ولا في بيتك، وإنتِ صنتي عرضنا وشيلتي ولادي في وقت الشدة. ربنا يكتبلك بكل مليم دفعتيه قصر في الجنة.”

محمود دخل عليهم الصالة وشاف اللقطة دي، ابتسم وراحت من ودنه تكتكة الساعة القديمة وحل محلها صوت ضحكات عياله اللي بيلعبوا في البلكونة. قرب من مراته وبص في عينيها وقال بنبرة كلها حب واحترام: “تسلم إيدك يا ست مروة.. صنتي الأصول، فصُنتي البيت.”

### الحكمة من القصة:

**البيوت مابتتبنيش بالفلوس، البيوت بتبني بالستر والرضا والأصول.**

* **الحكمة الأولى (للأزواج):** أسرار بيتك خط أحمر، والراجل اللي يسيب ودنه لكلام برة -حتى لو من أقرب الناس ليه- بيهد سقف بيته بيده. الستر بين الزوجين هو الحصن اللي بيحمي العيلة من غدر الزمان.

* **الحكمة الثانية (للحموات والأهل):** مال الزوجة وشقاها هو حقها الخاص شرعاً وقانوناً، التدخل فيه بنية الفرض أو الغيرة بيولد الغل ويخرب العمار. الكبيرة في البيت هي اللي تلم وتستر، مش اللي تسخن وتفرق.

* **الحكمة الثالثة (في الأصول والمعادن):** الست الأصيلة الذكية مبتتكسرش بالتهديد، ومبتنساش الفضل. مروة لما حبت تاخد حقها أخدته بالقانون والأصول، ولما لقت جوزها صانها ووقف في ضهرها، شالت عيلته كلها فوق راسها. الفلوس بتروح وتيجي.. بس المعدن النظيف بيفضل يلمع في الضلمة.

#الكاتب_رومانى_مكرم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *