عاصفه المنشاوي
أول صباح بعد فرحنا، جوزي ضربني بالقلم قلم على وشي قدام عيلته كلها عشان معرفتش أرضيهم. معيطتش، وماترجيتش حد، ولا حتى حاولت أشرح.
بصيت له بصة واحدة باردة ومشيت.
محدش فيهم كان يعرف إني ههد كل اللي حيلتهم في يوم واحد بس.
الكلام ده حصل على سفرة الفطار الطويلة في بيت عيلة المنشاوي برة القاهرة.
الشمس كانت طالعة من الشبابيك الطويلة، والفضية بتلمع على السفرة.
والدته، كاميليا المنشاوي، كانت قاعدة في رأس السفرة وكأنها هي اللي شارية الشمس دي لنفسها.
أنا كنت نايمة تلات ساعات بس بعد قاعة الفرح اللي خلصت بعد نص الليل.
#حكايات_شروق_خالد
ومع ذلك، نزلت ولابسة فستان أوف وايت، وابتسمت بكل ذوق، وساعدت الشغالة وهي بتصب القهوة لأن كاميليا كانت لسه رامية كلمة سم عن إن “العروسة الجديدة لازم تعرف مكانها وحجمها”.
بعدها داقت الأومليت اللي أنا عملته وحطت الشوكة من إيدها.
وقالت: “مالح أوي”.
حازم، اللي هو جوزي، ضحك بتوتر.
أخته، نيرمين، بصت لي من فوق لتحت وقالت: “يمكن هي بتفهم في توقيع العقود أكتر من الطبخ”.
الكل ضحك بسخرية، إلا أنا.
والد حازم، رأفت، طبق الجرنان اللي في إيده وقال: “ست بيت من عيلة المنشاوي لازم تتقبل النقد بذكاء”.
حطيت براد القهوة من إيدي وقلت: “وست بيت من عيلة المنشاوي المفروض ميتعاملش معاها كأنها من الشغالين”.
الأوضة كلها سكتت صدمة.
بوز كاميليا اتلوى وقالت: “أفندم؟ بتقولي إيه؟”.
بصيت لها في عينها وقلت: “سمعتيني كويس”.
حازم وقف بسرعة لدرجة إن الكرسي اتجر على الأرض الرخام وعمل صوت عالي. وشه بقى دم، مش بس من الغضب، لأ من الكسوف كمان.
بقاله ست شهور بيمثل إنه مختلف عنهم؛ إنه حنين، ومتحضر، وسند ليا.
الماسك ده وقع في أقل من 12 ساعة.
زعق وقال: “أنتِ متكلميش أمي بالطريقة دي!”.
رديت عليه: “أنا بكلم الناس بالطريقة اللي يستاهلوها”.
وقبل ما حد يتحرك، القلم علم على وشي.
في ثانية واحدة، البيت كله اتجمد في مكانه.
خدي كان بيولع نار، ودبلة الجواز في صباعي حسيت فجأة إنها تقلت أوي.
حازم كان نفسه عالي، وبيبص لي وكأنه مستني دموع، أو اعتذار، أو خضوع.
بس أنا مبصتلوش غير ببرود تام.
مش صدمة، ولا خوف.
كانت نظرة معرفة وتأكيد.
#حكايات_شروق_خالد
لأنه في اللحظة دي، أكد لي كل ورقة وكل ملف وكل تحذير وكل بند سري أنا كنت مأمنة نفسي بيه قبل ما أمشي معاه في الممر وأمضي على قسيمة الجواز.
كاميليا رجعت بضهرها لورا وهي مرتاحة ومبسوطة، ورأفت رجع يقرأ الجرنان تاني، ونيرمين ابتسمت بشماتة.
افتكروا إنهم ذلوا واحدة ملهاش عيلة قوية تدافع عنها.
افتكروا إني مجرد نادين، البنت الهادية بنت المدرس الغلبان اللي مات في طنطا، وإني محظوظة إني اتمسحت في عيلتهم وشركاتهم.
مكانوش يعرفوا إني أسست مكتب التحقيقات الخاص بتاعي وعملته باسم شريك ليا.
مكانوش يعرفوا إن شركة حازم واقفة على تلات عقود ومشاريع كبيرة أنا اللي بمشيها وبتحكم فيها من ورا الستار عن طريق شركات وهمية.
مكانوش يعرفوا إن معايا تسجيلات، وكشوفات حسابات بنكية، وموافقات مجلس إدارة متزورة، وتنازلات ممضية من موظفين هما خربوا بيوتهم قبل كده.
والأهم من كل ده، مكانوش يعرفوا إن عقد مؤخر الصداق والشروط اللي حازم صمم إني أمضي عليها كان فيها بند محامي عيلتهم مخدش باله منه.
بند بيقول إن أي اعتداء جسدي أو منزلي بيلغي كل شروط حمايته وحقوقه.
قلعت الدبلة وحطيتها جنب الطبق بتاعي اللي ملمستوش.
حازم بربش بعينه وقال: “أنتِ بتعملي إيه؟”.
أخدت شنطتي وقلت له: “بنهي عيلتك”.
ولفيت ضهري ومشيت…
#حكايات_شروق_خالد
خرجتُ من قصر عيلة المنشاوي والدم بيغلي في عروقي، بس مكنش غليان قهر.. كان غليان رغبة في الانتقام اللي جه وقته. ركبت عربيتي، وبدلاً من ما أروح شقتي القديمة أو أقعد أعيط، طلعت على مكتب شريكي ومسؤول الإدارة الظاهري لمكتب التحقيقات بتاعي، “أستاذ فريد”.
أول ما دخلت، فريد اتخض من شكل وشي المحمر مكان القلم، ولسه هيتكلم رفعت إيدي وقلت له ببرود مخيف: “حازم المنشاوي فعل البند الانتحاري بنفسه.. افتح ملف (عاصفة المنشاوي) حالا”.
في خلال ساعتين، كنا شغالين زي خليه النحل. البند اللي في عقد الجواز مكنش مجرد إلغاء لحقوقه، ده كان بيديلي الحق القانوني في سحب وإلغاء تلات عقود شراكة حيوية لشركتهم، العقود دي كانت متمثلة في توريدات ومشاريع بنية تحتية ضخمة، والمنشاوي جروب واخدين قروض بضمانها!
الساعة 12 الظهر بالظبط، أرسلت الإخطارات الرسمية من الشركات الوهمية اللي بملكها بفسخ العقود فوراً نظراً لإخلال الشريك بالبند الأخلاقي المتفق عليه قانونياً، ومرفق مع الإخطار تقرير طبي رسمي بحالة الاعتداء اللي أثبتها في المستشفى أول ما خرجت من عندهم.
على الساعة 2 بعد الظهر، بدأت الكارثة الكبرى تقع فوق دماغهم؛ البنوك لما عرفت بفسخ العقود الكبيرة، حجزت على الحسابات الجارية لشركات المنشاوي بشكل تحفظي لتأمين القروض، والشيكات اللي حازم كان ماضيها للموردين بدأت تترفض واحد ورا التاني.
في نفس اللحظة، فريد بعت ملفات الفساد والتزوير، اللي جمعتها على مدار ست شهور، لجهات التحقيق الرسمية والمصالح الضريبية؛ ملفات فيها مستندات بتهرب ضريبي بالملايين، وتنازلات مجبر عليها الموظفين الغلابة اللي رفدوهم من غير حقوقهم.
تليفوني بدأ ينفجر مكالمات؛ حازم.. رأفت بيه.. نيرمين.. وحتى كاميليا! مردتش على ولا مكالمة. سبتهم يشوفوا الإمبراطورية اللي بنوها بالظلم وهي بقع حتة حتة في كام ساعة.
على الساعة 8 بالليل، كنت قاعدة في كافيه هادي على النيل بشرب قهوتي، لما لقيت حازم داخل عليا زي المجنون، وشه كان أصفر ومخطوف، والغرور اللي كان مالي عينه الصبح اتمسح تماماً.
قعد قدامي وإيده بترتعش وقال بصوت حزين ومكسور: “نادين.. أرجوكي ارحمينا! الشركات بتقفل، وأبويا جاله جلطة خفيفة ونقلوه المستشفى لما عرف إن الحسابات اتجمدت، والمحامين بيقولوا إن فيه قضايا تزوير وتهرب هترفع علينا بكره الصبح.. كل ده عشان قلم؟!”.
بصيت له بكل برود، حطيت فنجان القهوة، وقلت له بنبرة هزت طوله: “القلم ده كان تمن قناع الغش اللي لبسته ست شهور.. والقلم ده هو اللي صحاك عشان تشوف نادين الحقيقية. أنت وعيلتك دايماً بتدوسوا على الناس وفاكرين إن الفلوس والنفوذ بتحميكم، وكنتوا فاكرين إني البنت اليتيمة اللي هتربوها وتذلوها في بيتكم”.
وقف وهو هيبكي وقال: “أنا مستعد أعتذر لك قدام العيلة كلها، وهكتب لك نص أملاكي.. بس وقفي المهزلة دي.. إحنا بنضيع!”.
وقفت، لبست نظارتي الشمسية، وأخدت شنطتي وبصيت له لآخر مرة وقلت: “المنشاوي جروب انتهت يا حازم.. وبكره الصبح لما النيابة تطلبك، ابقى خلي مامتك تعملك أومليت مظبوط الملح.. بس في السجن”.
سبته وخرجت، وأنا حاسة بنسمة الهوا بتاعة النيل بترد فيا الروح، وعرفت إن الحق لما بيرجع بيبقى أقوى من أي نفوذ في الدنيا.
حكايات شروق خالد
