الم الفراق

 

هربت منه وهي حامل بطفله لما سمعته ييتريق عليها في اجتماع عائلي وبعد سنين من العذاب بيدور عليها شافها وفي ايدها طفل .. ناداها ردت قالتله “عفوا انا معرفكش..”

كانت حذاءا الطفل الصغيرة ما تزال داخل حقيبتها عندما خرجت ياسمين عبد الرحمن من شقة آدم المنصوري الفارهة.

حذاءان صغيران من القطن الأصفر. ناعمان لدرجة أنهما يمكن أن يُطويا داخل كف واحدة. ما زالا ملفوفين بورق حريري بجوار اختبار الحمل الإيجابي وصورة الأشعة التي حملتها طوال اليوم ..

كانت قد تدربت على الجملة طوال الطريق في السيارة.

“آدم… أريد أن أخبرك بشيء.””أنت ستصبح أبًا.”

كانت قد تخيلت ملامحه. ليس بدقة كاملة. فآدم لم يكن رجلًا يسهل تخيل دهشته. كان شديد التحكم بنفسه، شديد الأناقة، معتادًا على القاعات الفخمة والأشخاص الذين يزنون كلماتهم قبل أن ينطقوا بها. لكنها تخيلت ذلك التغير الصغير في عينيه، ذلك الدفء الذي يظهر أحيانًا عندما ينسى أن يكون رجل الأعمال الصارم الذي يعرفه الجميع.

 

وصلت إلى بنايته وهي سعيدة.

 

وكان هذا الجزء الذي ستكره تذكره أكثر من أي شيء آخر.

لأنها عندما خرجت بعد ذلك، بدا هواء القاهرة البارد كالسكاكين داخل صدرها، بينما آدم المنصوري، الرجل الذي أحبته بكل ما فيها، لم يكن يعلم أنها حامل.

 

وربما لن يعلم أبدًا…قبل ساعتين فقط كانت ياسمين تقف أمام محل صغير ، تضحك على نفسها لأنها اشترت حذاء طفل من سيدة مسنة بالكاد تعرف القراءة، لكنها فهمت كل شيء بمجرد أن رأت عينيها.

سألتها السيدة بابتسامة:أول بيبي؟

هزّت ياسمين رأسها بالإيجاب قبل أن تتمكن من منع نفسها.

ثم دفعت الثمن بسرعة وغادرت، لأنها شعرت أن مجرد لطف غريبة معها قد يجعلها تبكي وسط الشارع.

 

كانت في الخامسة والعشرين من عمرها، من الإسكندرية، وانتقلت إلى القاهرة قبل ستة أشهر للعمل في شركة تصميم داخلي كبيرة.

لم تنتقل إلى القاهرة لتقع في حب آدم المنصوري، وريث واحدة من أكبر شركات التطوير العقاري في مصر، الرجل الذي كانت الأبواب تُفتح باسمه قبل أن يصل إليها.

لكن الحب حدث.

في البداية كان مجرد عميل يتحدث قليلًا ويلاحظ كل شيء.رحلة قصيرة إلى الساحل الشمالي…قربت كل شيء واسفرت عن زواج سري..

يده كانت تبحث عن يدها تحت الطاولة عندما تصبح الاجتماعات رسمية أكثر مما ينبغي…لم يقل يومًا: “أحبك.”

وهنا كانت المشكلة.

فقد عاشا كعاشقين.

 

وتلامسا كعاشقين.

 

وتشاجرا كعاشقين.

 

لكنّهما لم يمنحا علاقتهما اسمًا حقيقيًا…الا انهم تمادوا للزواج السري.

 

قبل أربعة أيام أجرت ياسمين اختبار حمل في السابعة صباحًا داخل شقتها الصغيرة.

 

كانت تتوقع خطًا واحدًا.

 

مرهقة، مضغوطة، تنام قليلًا وتأكل أقل.

 

وكان لدى جسدها ألف سبب للتأخر.

 

لكن الخطين ظهرا فورًا.واضحين.ورديين.ولا مجال لإنكارهما.

 

جلست على أرضية الحمام أربعين دقيقة كاملة.

 

ثم اتصلت بصديقتها المقربة مريم في الإسكندرية فقط لتسمع صوتًا مألوفًا.

 

قالت مريم:

 

“مالك؟ صوتك غريب.”

 

أجابت ياسمين:

 

“مفيش… بس وحشتيني.”

 

وتحدثتا عن كل شيء.

 

إلا الحقيقة.

 

لم تستطع أن تقول:

 

“أنا حامل.”

 

لم تستطع بعد.

 

وبحلول اليوم الرابع أصبح الصمت أثقل من الخوف.

 

في ذلك المساء أرسل آدم رسالة قصيرة:

 

“تعالي الليلة…”

 

كان يطبخ نادرًا وبشكل كارثي، لكنه كان يحاول من أجلها.

 

فابتسمت.

 

وضعت اختبار الحمل وصورة الأشعة والحذاءين الصغيرين داخل حقيبتها.

 

وركبت سيارة وهي تضع يدها على بطنها وتسمح لنفسها بتخيل شيء مجنون.

 

ربما يمكن أن تكون هذه بداية عائلة.

 

كان حارس العقار يعرفها.

 

فبعد ستة أشهر من الدخول والخروج تصبح جزءًا من المكان.

 

ابتسم لها.

 

فابتسمت له.

 

استقلت المصعد إلى الطابق العشرين وأدخلت الرمز السري.

 

تاريخ ميلاد آدم.

 

كانت قد سخرت منه مرة بسبب ذلك.

 

قالت:

 

“بالنسبة لواحد مهووس بالأمان، دي حركة مضحكة جدًا.”

 

فرد:

 

“وبالنسبة لواحدة بتنسى شنطتها في عربيتي كل أسبوع، إنتِ بتتكلمي كتير.”

 

كانت الذكرى ما تزال دافئة داخل قلبها عندما انفتح الباب.

 

ثم سمعت أصواتًا.

 

عدة أصوات.

 

ضحكات.

 

أكواب تُوضع على الطاولة.

 

وأحاديث قادمة من غرفة المعيشة.

 

تجمدت في مكانها.

 

آدم لم يخبرها أن لديه ضيوفًا.

 

كادت تنادي اسمه.

 

كلمة واحدة فقط.

 

وكان كل شيء ربما سيتغير.

 

لكنها سمعت اسمها.

 

“ياسمين.”

 

قالتها نادية المنصوري، عمة آدم.

 

المرأة التي لم تحبها يومًا.

 

المرأة التي كانت تنظر إليها دائمًا وكأنها فتاة دخلت مكانًا لا يخصها.

 

قالت نادية بسخرية واضحة:

 

“ستة شهور يا آدم؟ ولسه بتقول إنها علاقة عابرة؟”

 

انطلقت ضحكات حول الطاولة.

 

ثم جاء صوت آدم.

 

هادئًا.

 

باردًا.

 

واثقًا.

 

“طبعًا.”

 

ضجت الغرفة بالضحك.

 

وشدت ياسمين قبضتها حول حقيبتها.

 

قال آدم:

 

“هي لطيفة. مرحة. وصحبتها ممتعة. لكن عمر الموضوع ما كان جدي. وأنتم عارفين كده.”

 

شعرت وكأن الجدران تضيق حولها.

 

ثم سأل رجل أكبر سنًا:

 

“والبنت دي تعرف ؟ تعرف إن عيلتنا عمرها ما هتوافق عليها أصلًا؟”

 

صمت قصير.

 

ثم جاء رد آدم…

سأل الرجل الأكبر سنًا:

“والبنت دي تعرف؟ تعرف إن عيلتنا عمرها ما هتوافق عليها أصلًا؟”

ساد الصمت لثانية واحدة فقط.

ثم جاء صوت آدم.

باردًا.

هادئًا.

وقاتلًا.

“ولو عرفت هتعمل إيه يعني؟”

ضحك أحدهم.

وقال آخر:

“شكلها متعلقة بيك فعلًا.”

رد آدم وهو يرتشف من كأسه:

“وده مش ذنبي.”

ثم أضاف بجملة ستظل تطارد ياسمين لسنوات طويلة:

“كل واحد لازم يعرف حجمه.”

لم تسمع شيئًا بعد ذلك.

اختفت الأصوات.

اختفت الضحكات.

اختفى العالم كله.

كانت يدها ترتجف حول حقيبتها الصغيرة.

داخل الحقيبة كان اختبار الحمل.

وصورة الأشعة.

وحذاء الطفل الأصفر.

أشياء كانت قبل دقائق تمثل أجمل خبر في حياتها.

أما الآن…

فصارت أثقل من أن تحملها.

استدارت ببطء.

ومشت نحو المصعد.

لم تسمع أحدًا يناديها.

لم يراها أحد أصلًا.

كانت مجرد ظل دخل وخرج دون أن يلاحظه أحد.

وعندما أغلقت أبواب المصعد أمامها انهارت.

لأول مرة منذ وفاة والدها قبل سبع سنوات.

بكت.

بكت حتى عجزت عن التنفس.

وعندما وصلت إلى الشارع كانت قد اتخذت قرارها.

قرارًا سيغير حياة ثلاثة أشخاص إلى الأبد.

هي.

وآدم.

والطفل الذي لم يولد بعد.

في صباح اليوم التالي كانت شقتها فارغة.

المالك تسلم المفاتيح.

والهاتف القديم أُغلق.

ورقمها اختفى.

أما ياسمين عبد الرحمن فقد ركبت حافلة متجهة إلى الإسكندرية ومعها حقيبة واحدة فقط.

لم تترك رسالة.

لم تترك تفسيرًا.

لم تترك شيئًا.

حتى مريم صديقتها لم تعرف الحقيقة كاملة.

كل ما قالته لها عبر الهاتف:

“محتاجة أبدأ من جديد.”

بعد ثلاثة أيام جنّ آدم.

في البداية ظن أنها غاضبة.

ثم ظن أنها تتعمد تجاهله.

ثم ظن أنها تريد أن تعاقبه.

لكن بعد أسبوع كامل دون رد بدأ القلق.

وبعد أسبوعين بدأ الخوف.

وبعد شهر بدأ يبحث.

ذهب إلى شركتها.

فعرف أنها استقالت.

ذهب إلى شقتها.

فعرف أنها رحلت.

اتصل بكل شخص يعرفه.

لم يجد أحدًا.

حتى مريم رفضت إخباره بأي شيء.

رغم أنها كانت تعلم أكثر مما تقول.

قال لها بغضب:

“هي فين؟”

فردت ببرود:

“لأول مرة في حياتك تسأل السؤال ده متأخر يا آدم.”

وأغلقت الهاتف.

مرت الأشهر.

كبر بطن ياسمين.

واختارت شقة صغيرة في حي هادئ بالإسكندرية.

شقة تطل على البحر.

ليست فاخرة.

وليست جميلة.

لكنها كانت آمنة.

وكان هذا كل ما تحتاجه.

في الليالي كانت تجلس أمام النافذة وتضع يدها على بطنها.

وتهمس:

“أنا آسفة.”

لا تعرف هل تعتذر لطفلها.

أم لنفسها.

أم للرجل الذي لم يعرف أبدًا أنه سيصبح أبًا.

لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا.

أنها لن تسمح لطفلها أن يكبر وهو يسمع أحدًا يقول لأمه:

“اعرفي حجمك.”

عندما جاء المخاض كانت وحدها.

استمر الألم عشر ساعات كاملة.

عشر ساعات من الصراخ والخوف والدموع.

وفي النهاية خرج طفل صغير إلى العالم.

بعيون داكنة.

وشعر أسود كثيف.

وأصابع طويلة تشبه أصابع آدم بشكل مرعب.

عندما وضعه الطبيب بين ذراعيها بكت.

لكن هذه المرة لم تكن دموع ألم.

كانت دموع نجاة.

قال الطبيب مبتسمًا:

“هتسميه إيه؟”

نظرت إلى الطفل طويلًا.

ثم قالت:

“عمر.”

مرت سنة.

ثم سنتان.

ثم ثلاث.

ثم خمس.

كبر عمر.

وكان ذكيًا بشكل يثير الدهشة.

يعشق السيارات.

ويكره النوم.

ويطرح ألف سؤال يوميًا.

وفي كل مرة يضحك فيها كانت ترى آدم.

وفي كل مرة يغضب كانت ترى آدم.

وفي كل مرة ينظر إليها بعينيه الواسعتين كانت تشعر بقلبها ينكمش.

لأن نصف الطفل كان ينتمي لرجل لا يعرف حتى بوجوده.

أما آدم…

فلم يتوقف عن البحث.

في البداية كان الأمر بسبب الغضب.

ثم بسبب الحيرة.

ثم تحول إلى هوس.

شيء داخله لم يتقبل اختفاءها.

خصوصًا بعد أن اكتشف ما حدث تلك الليلة.

فقد أخبره حارس العقار بعد شهور:

“الآنسة ياسمين كانت هنا يا فندم.”

تجمد آدم.

“إمتى؟”

“يوم العزومة العائلية.”

وتحول وجهه إلى اللون الأبيض.

لأنه تذكر كل كلمة قالها.

كل ضحكة.

كل إهانة.

كل جملة نطق بها ليثبت شيئًا لعائلته.

وفي تلك اللحظة فقط فهم.

لقد سمعته.

سمعت كل شيء.

ومنذ ذلك اليوم بدأ الندم الحقيقي.

لكنه كان متأخرًا جدًا.

بعد سبع سنوات كاملة…

كان آدم يسير في أحد شوارع الإسكندرية القديمة بعد اجتماع عمل.

كان المطر خفيفًا.

والجو باردًا.

وكان ذهنه مشغولًا بعشرات الأمور.

حتى رأى امرأة تعبر الشارع.

فتجمد مكانه.

نفس الشعر الأسود.

نفس الطريقة في المشي.

نفس الكتفان النحيلتان.

شعر أن قلبه توقف.

همس:

“ياسمين…”

ثم تحولت الهمسة إلى صرخة.

“ياسمين!”

استدارت المرأة.

ورفعت عينيها نحوه.

فتوقف الزمن.

كانت هي.

أكبر قليلًا.

أنضج.

أقوى.

لكنها هي.

أما الصدمة الحقيقية…

فكانت الطفل الذي يمسك يدها.

ولد في السابعة تقريبًا.

بعينين يعرفهما آدم جيدًا.

عينيه هو.

تجمد الدم داخل عروقه.

ونظر إلى الطفل.

ثم إليها.

ثم إلى الطفل مرة أخرى.

وهمس بصوت مرتجف:

“يا… ياسمين؟”

اقترب خطوة.

ثم خطوتين.

أما هي فبقيت ساكنة.

هادئة بشكل مخيف.

نظر إليها وكأن العالم كله ينهار حوله.

وقال:

“كنت بدور عليكي سبع سنين.”

نظرت إليه للحظات طويلة.

ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة لا تحمل أي دفء.

وأجا

دبت:

“عفوًا…”

تعلقت أنفاسه.

وأكملت بهدوء:

“أنا معرفكش.”

ثم أمسكت يد الطفل بقوة.

واستدارت لتكمل طريقها.

بينما وقف آدم المنصوري وسط المطر…

يشاهد حياته كلها تبتعد عنه للمرة الثانية.

يتبع

وقف آدم مكانه وكأن أحدهم انتزع الهواء من رئتيه.

المارة كانوا يتحركون حوله.

السيارات تمر.

أصوات الباعة تملأ الشارع.

لكن كل شيء بدا بعيدًا.

بعيدًا جدًا.

لم يكن يرى سوى ظهر ياسمين وهي تمسك يد الطفل وتبتعد.

والطفل…

الطفل الذي كان نسخة مصغرة منه.

نفس طريقة المشي.

نفس ميل الرأس عندما ينظر حوله.

حتى الغمازة الخفيفة التي ظهرت للحظة عندما ابتسم لشيء قالته أمه.

تحرك آدم أخيرًا.

وقال بصوت مرتفع:

“ياسمين… استني.”

لكنها لم تتوقف.

زاد خطواته حتى أصبح خلفها مباشرة.

ثم قال:

“لو بتكرهيني أنا أستحق ده… لكن متعمليش كأنك متعرفنيش.”

توقفت هذه المرة.

استدارت ببطء.

وعيناها كانتا باردتين بشكل لم يره فيهما من قبل.

قالت:

“حضرتك غلطان في الشخص.”

ثم نظرت إلى الطفل.

“يلا يا عمر.”

تجمد آدم.

شعر بالأرض تميد تحته.

عمر.

لا يعرف لماذا هزّه الاسم بهذا الشكل.

ربما لأنه لأول مرة يسمع اسم ابنه.

رغم أنه لم يكن متأكدًا بعد.

أو ربما لأنه كان متأكدًا أكثر مما ينبغي.

اقترب أكثر.

وقال بصوت خافت:

“عمر ابني؟”

ارتعشت أصابع ياسمين للحظة.

مجرد لحظة صغيرة.

لكنها كانت كافية.

رآها.

لاحظها.

وفهم.

أما الطفل فرفع رأسه وسأل ببراءة:

“ماما… مين الراجل ده؟”

شعرت ياسمين وكأن سكي..نًا غُرس في صدرها.

سبع سنوات كانت تستعد لهذا السؤال.

ومع ذلك لم تكن مستعدة له.

قالت وهي تجبر نفسها على الابتسام:

“حد متعرفوش يا حبيبي.”

لكن آدم ركع أمام الطفل دون أن يشعر.

كانت عيناه تمتلئان بالدموع لأول مرة منذ سنوات طويلة.

نظر إلى الصغير.

وقال:

“اسمك عمر؟”

هز الطفل رأسه.

“آه.”

“عندك كام سنة؟”

“سبعة.”

أغلق آدم عينيه.

سبعة.

بالضبط.

سبعة.

نفس المدة التي اختفت فيها ياسمين.

لم يعد هناك مجال للشك.

رفع رأسه إليها.

وكان وجهه شاحبًا.

“ليه؟”

لم ترد.

“ليه يا ياسمين؟”

صمتت.

“ليه حرمتي ابني مني؟”

وهنا انفجرت.

سبع سنوات من الصمت.

وسبع سنوات من الوجع.

وسبع سنوات من محاولة التظاهر بالقوة.

كلها خرجت دفعة واحدة.

قالت بصوت مرتجف:

“حرمتك منه؟”

ضحكت ضحكة قصيرة مؤلمة.

“إنت فاكر إني صحيت يوم وقررت أهرب؟”

بدأ المارة يلتفتون إليهم.

لكنها لم تهتم.

لأول مرة لم تهتم.

قالت:

“أنا جيتلك يومها.”

تجمد آدم.

“كنت جاية أقولك إنك هتبقى أب.”

ارتجفت شفتاه.

أما هي فأكملت:

“كنت شايلة اختبار الحمل في شنطتي.”

دمعة نزلت من عينها.

“وشايلة صورة الأشعة.”

ثم أخرجت نفسًا مرتعشًا.

“وشايلة حذاء طفل أصفر صغير.”

شعر آدم بقلبه ينكمش.

لأنه فهم ما سيأتي.

فهمه قبل أن تقوله.

قالت:

“وبعدين سمعتك.”

أغمض عينيه.

“سمعت كل كلمة.”

لم يستطع النظر إليها.

“سمعتك وإنت بتقول إني مجرد علاقة عابرة.”

سقط رأسه للأسفل.

“سمعتك وإنت بتضحك مع عيلتك.”

بدأت دموعها تنهمر.

“سمعتك وإنت بتقول إني لازم أعرف حجمي.”

أغلق آدم عينيه بقوة.

وكأن الكلمات ما زالت تضربه بعد سبع سنوات.

قال بصوت مكسور:

“كنت غبي.”

“لأ.”

رفعت رأسها.

“كنت جبان.”

سكت.

لأنه لم يكن يملك حق الاعتراض.

قالت:

“كنت مستعد تبيعني عشان ترضي عيلتك.”

ثم أشارت إلى عمر.

“وأنا أقسمت إن ابني عمره ما هيعيش الإهانة اللي عشتها.”

كان عمر ينظر بينهما بحيرة.

لا يفهم شيئًا.

لكنّه يشعر أن شيئًا كبيرًا يحدث.

اقترب من أمه.

وأمسك يدها.

فانحنت وقبّلت رأسه.

أما آدم فكان يراقبهما وكأن قلبه يتمزق.

ثم قال بصوت خافت:

“كنت هتجوزك.”

ضحكت ياسمين مرة أخرى.

لكن هذه المرة كانت ضحكة ساخرة.

“بعد ما عرفت إني حامل؟”

لم يرد.

“بعد ما اضطريت؟”

ظل صامتًا.

فهمت الإجابة.

وفهم هو أيضًا.

مرت لحظات طويلة.

ثم قال:

“أنا آسف.”

كانت أول مرة تسمعها منه.

وأغرب ما في الأمر أنها لم تشعر بأي شيء.

لا راحة.

ولا انتصار.

ولا حتى غضب.

فقط تعب.

تعب شديد.

قالت بهدوء:

“أنا قضيت سبع سنين مستنية الجملة دي.”

نظر إليها.

“ودلوقتي؟”

أجابت:

“دلوقتي مبقتش تفرق.”

ثم أمسكت يد عمر.

واستدارت لتغادر.

لكن هذه المرة لم يوقفها.

لأنه أدرك أخيرًا أن بعض الخسائر لا يمكن إصلاحها باعتذار.

إلا أن عمر توقف فجأة.

التفت إلى آدم.

ونظر إليه طويلًا.

ثم قال ببراءة:

“إنت زعلان؟”

ارتجف آدم.

وأومأ برأسه.

“آه.”

فكر الطفل لثوانٍ.

ثم أخرج من جيبه الصغير قطعة شوكولاتة نصف مذابة.

ومدها له.

قائلًا:

“خد دي.”

توقفت ياسمين مكانها.

أما آدم فشعر أن روحه كلها انهارت في تلك اللحظة.

لأن الطفل الذي لم يربّه يومًا…

كان أول شخص يحاول مواساته.

نظر آدم إلى قطعة الشوكولاتة الصغيرة في يد عمر.

كانت ذائبة قليلًا بسبب حرارة الجو.

ومغلفة بورق ملون رخيص.

شيء بسيط جدًا.

لكنها كانت أثمن شيء أمسكه في حياته.

مد يده ببطء وأخذها.

ثم قال بصوت مبحوح:

“شكرًا يا بطل.”

ابتسم عمر ابتسامة واسعة.

تلك الابتسامة نفسها.

ابتسامته هو عندما كان طفلًا.

شعر آدم بوخزة حادة داخل صدره.

أما ياسمين فكانت تراقب المشهد بصمت.

كانت تعرف أن عمر طيب القلب.

يعطي ألعابه للأطفال.

ويقاسم طعامه مع زملائه.

ويعود إلى المنزل أحيانًا دون مصروفه لأنه أنفقه على قطة جائعة أو طفل نسي نقوده.

لكنها لم تتوقع أن يمنح جزءًا من قلبه للرجل الذي تسبب في كل هذا الألم.

قال عمر فجأة:

“ماما… إحنا هنتأخر.”

هزت رأسها.

“عندك حق.”

ثم نظرت إلى آدم للمرة الأخيرة.

وقالت بهدوء:

“خلي بالك من نفسك.”

واستدارت.

وغادرت.

هذه المرة فعلًا.

وبقي آدم واقفًا وحده تحت المطر.

يحمل قطعة شوكولاتة صغيرة.

وينظر إلى الطريق الفارغ.

في تلك الليلة لم ينم.

جلس في جناحه بالفندق المطل على البحر.

والشوكولاتة موضوعة أمامه على الطاولة.

كأنها دليل مادي على أن ما حدث لم يكن حلمًا.

ابنه موجود.

ابنه حي.

كبر.

وتعلم المشي والكلام والضحك.

وتعرض للحمى.

وسقط أثناء اللعب.

ودخل المدرسة.

وفقد أول سن من أسنانه.

وكل ذلك حدث بدونه.

سبع سنوات كاملة.

سبع سنوات لن تعود أبدًا.

عند الثالثة فجرًا اتخذ قرارًا.

في الصباح التالي اتصل بمحاميه.

ثم ألغى جميع اجتماعاته.

ثم بدأ البحث.

لكن هذه المرة لم يكن يبحث عن ياسمين.

كان يبحث عن الحقيقة.

بعد أسبوع عرف كل شيء تقريبًا.

عرف عنوان شقتها.

وعرف المدرسة التي يدرس فيها عمر.

وعرف المستشفى الذي وُلد فيه.

وعرف أن ياسمين كانت تعمل ليلًا ونهارًا حتى توفر له حياة كريمة.

وعرف شيئًا آخر.

شيئًا جعله ينهار للمرة الثانية.

ففي ملف المستشفى كانت هناك خانة باسم الأب.

فارغة.

خط مستقيم فقط.

لا اسم.

لا توقيع.

لا وجود.

ظل ينظر إلى الورقة دقائق طويلة.

ثم أغمض عينيه.

لأن هذا الخط الفارغ كان أكبر حكم صدر ضده في حياته.

مرت أسابيع.

ثم شهر.

ثم شهران.

لم يقترب من عمر.

لم يذهب إلى المدرسة.

لم يحاول مفاجأته.

ولم يرسل محامين.

لأنه فهم أخيرًا أن الأبوة ليست حقًا قانونيًا فقط.

الأبوة ثقة.

والثقة كانت الشيء الوحيد الذي دمّره بيديه.

لكنّه بدأ يرسل شيئًا آخر.

كل شهر.

بشكل مجهول.

تبرعات لمكتبة المدرسة.

أجهزة كمبيوتر جديدة.

منح للأطفال المحتاجين.

رحلات مدرسية مجانية.

دون أن يحمل أي شيء اسمه.

فقط لأنه عرف أن ابنه يدرس هناك.

وفي أحد الأيام عادت ياسمين من العمل لتجد عمر متحمسًا بشكل غير طبيعي.

قال وهو يقفز:

“ماما! المدرسة جابت مكتبة جديدة!”

ابتسمت.

“حلو.”

“وفي راجل متبرع بكل ده.”

تجمدت يدها للحظة.

لكنها لم تقل شيئًا.

ثم أضاف عمر:

“والمدير بيقول إنه مش عايز حد يعرف اسمه.”

هنا فقط فهمت.

وأغمضت عينيها.

مرت شهور أخرى.

حتى جاء يوم عيد ميلاد عمر الثامن.

كانت حفلة صغيرة.

في مطعم هادئ على البحر.

أصدقاؤه.

بعض الأقارب.

ومريم التي أصبحت بالنسبة له خالة حقيقية.

وكان كل شيء يسير طبيعيًا.

حتى دخل أحد العاملين.

وسلم عمر صندوقًا صغيرًا.

وقال:

“حد طلب أوصله ليك.”

فتح عمر الصندوق بحماس.

فوجد داخله سيارة سباق مصغرة نادرة.

كان قد شاهدها في الإنترنت قبل أشهر.

وتمنى امتلاكها.

لكن ثمنها كان كبيرًا.

وتحتها بطاقة صغيرة.

مكتوب عليها:

“إلى البطل عمر…

استمر في الابتسام.

من صديق.”

تجمدت ياسمين.

لأنها عرفت الخط.

عرفته فورًا.

بعد ثماني سنوات ما زالت تعرفه.

أما عمر فكان سعيدًا جدًا.

قال:

“مين الصديق ده؟”

أجابت بهدوء:

“مش عارفة.”

لكن قلبها كان يعرف.

وفي تلك الليلة.

بعد أن نام عمر.

خرجت إلى الشرفة.

وكان البحر هادئًا.

والهواء باردًا.

وفجأة وجدت رسالة على هاتفها.

رقم غير محفوظ.

لكنها عرفت صاحبها قبل أن تفتحها.

آدم.

لم تكن الرسالة طويلة.

سطران فقط.

“أنا مش بطلب أسامحيني.”

“أنا بس بطلب فرصة أبقى أب.”

وقفت ياسمين طويلًا تنظر إلى الشاشة.

بينما أمواج البحر تتكسر في الظلام.

ولأول مرة منذ سبع سنوات…

لم تحذف الرسالة.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *