ضلع مكسور
الفصل الأول
إعتدلت سماح فى جلستها وهي تضع هاتفها على أذنها قائلة بلهفة:
-حبييى يامجد ..أخبارك إيه..وصلت بالسلامة؟؟
أشار لها زوجها حسام بالصمت حانقا، واضعا سبابة يده على فمه بينما يشير بيده الأخرى إلى التلفاز الذى يشاهد عليه مباراة اليوم والتى يتابعها منذ برهة ومستغرق فيها بالكامل.. لتشير إليه بيدها بدورها مهدئة وهي تنهض من جواره وتتجه بهاتفها إلى حجرتها تستمع لصوت أخيها مجد وهو يقول:
-الحمد لله وصلت وبكلمك من الشقة كمان.
ولجت إلى الغرفة تغلق بابها خلفها وهي تبتسم قائلة:
-الحمد لله..طمنتنى،قوللى أخبار حسن إيه؟
تنهد قائلا:
-جيت ملقتوش ..وتليفونه كمان مقفول.
قالت سماح بحنق:
-حسن هيفضل حسن،ومش هيتغير..ربنا يهديه بقى..متنساش تقوله يامجد إنى زعلانة منه عشان مبيسألش علية.
إبتسم مجد قائلا:
-حقك علية أنا ياستى ..بس إنتى عارفة حسن،ولسة قايلاها ..مش هيتغير، طول النهار مابين الجامعة والنادى وصحابه..مقضيها بالطول والعرض ولا على باله حد..ده تلاقيه حتى نسي إنى جاي النهاردة..عموما.. أنا جيتله أهو وهظبطه ..متقلقيش.
إتسعت إبتسامة سماح قائلة:
-ربنا يخليك لينا يامجد..وميحرمناش منك.. خد بالك منه.
قال مجد بإبتسامة ظهرت فى صوته:
-فى عيونى ياموحة.
قالت سماح فى حنان:
-تسلملى عيونك ياقلب موحة..قوللى أخبار زوزا إي…..
قطعت كلامها وهي تشهق واضعة يدها على فمها تدرك أنها تُذَكَّره بغباءها بمأساته ..ليؤكد مجد ظنها القاتم بصمته بدوره ..تدرك أنه ربما الآن يغمض عيناه ألما ويتذكرها..يتذكر صاحبة ذلك الإسم..ويتذكر تلك الأيام التى كانت تنير فيها حياته ..لتقول بهمسة مرتجفة:
-مجد …
قال مجد بنبرات صوت تخللها الحزن :
-معاكى ياسماح.
أغمضت عينيها بألم تدرك مشاعره الحزينة ..فمن مِن المحيطين بمجد قد يشعر به أكثر منها ؟فلطالما أعدت نفسها كأم ثانية له ولأخواتها جميعا رغم أن فارق السن بينهم ليس كبيرا إلى هذا الحد،إنهم فقط بضع سنوات، ولكنها تحملت مسئوليتهم باكرا بعد وفاة والدتها بأزمة قلبية ثانية بعد تلك تلك الأزمة الأولى والتى تعرضت لها إثر معرفتها بأن والد سماح قد تزوج بالخارج وأنه لن يعود مجددا ،فتركت سماح دراستها الجامعية لتراعيهم ،وهي تدرك أنها ليست فقط أختهم الكبيرة ،بل هي الأم والأب أيضا.. قالت بصوت تهدج ألما:
-أنا آسفة ياحبيبى..سؤال وخرج منى من التعود مش أكتر.
قال مجد بصوت حاول جعله ثابتا قدر الإمكان وهو يلاحظ نبرات أخته الحزينة من أجله ومحاولا إنهاء المكالمة دون ان تشعر بهذا الألم الذى مزق خافقه:
-ولا يهمك ياحبيبتى..أنا لازم أتعود على فكرة إنها مبقتش موجودة فى حياتى،المهم..أنا هروح بقى عشان عايز ألحق أظبط الشقة اللى تحتنا وأفرشها.
قالت سماح بتساؤل:
-هم جايين خلاص الشقة بكرة؟
قال مؤكدا:
-أيوة ،جايين بكرة..متنسيش تسلميلى على مراد وحسام.
قالت سماح :
-حاضر.
ثم إستطردت بنبرات حزينة:
-كان نفسى أبقى معاك دلوقتى ،وأظبط كل حاجة بنفسى ،بس إنت عارف.
إبتسم مجد بحنان قائلا:
-متشيليش نفسك فوق طاقتها ياسماح،ياما شيلتينا وإتحملتى همومنا،جه الوقت اللى تعيشى فيه لنفسك ولجوزك وإبنك ياحبيبتى، وبعدين إحنا عارفين حسام وتحكماته ومقدرين،متقلقيش علينا.. إحنا كبرنا ونقدر نشيل هم نفسنا بنفسنا.
قالت سماح بصوت تخنقه العبرات:
-ربنا يحميكم يارب.
قال مجد بحنان :
-ويخليكى لينا،خدى بالك من نفسك ياموحة،وابقى طمنينى عليكى ،أنا مش هعرف أنزل القاهرة قبل…
قاطعته قائلة برقة:
-عارفة يامجد عارفة،ربنا يعينك.
كاد مجد أن ينهى المكالمة حين قالت سماح بتردد:
-مجد !
عقد مجد حاجبيه وهو يشعر بترددها ليقول بإستفهام:
-خير ياسماح !
قالت سماح:
-حسام مش وحش،هو بس….
صمتت لا تدرى كيف تصف زوجها وتعنته فى بعض الأحيان ،بل فى كثير من الأحيان،رفضه القاطع لخروجها للعمل على سبيل المثال أو إيصال طفلها للمدرسة،بل إنه يرفض أن تتواصل مع صديقة طفولتها ماجى ،لمجرد أنها لا تروق له..
فإكتفت سماح مرغمة بإتصالات هاتفية مسترقة وزيارات ماجى لها ،عندما تأتى من الأسكندرية فى إجازة مع زوجها يوسف والتى بالطبع لا يعلم عنها شيئا،أفاقت من أفكارها على صوت مجد الذى قال بهدوء:
-عارف ياسماح،حسام بيحبك وبيخاف ويغير عليكى،كلنا عارفين ياحبيبتى..ومتفهمين وضعه.
غشيت عيونها الدموع قائلة:
-طيب متنساش تسلملى على حسن وتقوله يكلمنى.
قال لها :
-وإنتى كمان سلميلى على سمر وطمنيها انى وصلت اسكندرية، بكلمها بس مع الأسف تليفونها مغلق.
قالت سماح وهي تحاول أن تتمالك نفسها :
-هتلاقيها جوة أوضة العمليات دلوقتى ،متنساش يامجد تاخد بالك من أخت الدكتور هادى،هو رضى إن هاجر تسكن معاكم فى نفس العمارة بس عشان واثق فيكم وفى إنكم هتاخدوا بالكم منها.
قال مجد بثقة:
-متقلقيش ،أخته هاجر هتكون زيكم تمام،وهاخد بالى منها زيك وزي سمر،أنا مش ممكن أنسى جميل الدكتور هادى ووقفته جنبى فى محنتى.
قالت سماح بتأكيد:
-فعلا إنسان نبيل، ربنا يحققله أحلامه.
لتقول فى نفسها بحنق:
-ويلين قلب أختك وترضى عنه،الراجل واضح أوى إنه بيحبها بس هي ولا فى دماغها أساسا.
أفاقت على صوت مجد وهو يقول:
-يارب..لا إله إلا الله .
قالت سماح :
-محمد رسول الله.
ثم أغلقت الهاتف وضمته إلى صدرها،لتخرج منها تنهيدة حارة عبرت عن شوقها العميق لأخيها منذ الآن،لقد سافر إلى الإسكندرية كما نصحه الطبيب النفسي هادى ليبتعد عن جو القاهرة المشحون بالذكريات المريرة،وذهب يعيش مع أخيهم حسن فى شقتهما الرابضة فى تلك البناية التى يمتلكونها بالإسكندرية ،بعد أن كانوا قد تركوها جميعا ليعيشوا بجوار سماح فى القاهرة عندما تزوجت وإنتقلت إلى القاهرة مع حسام زوجها،حيث كانت هناك شقة فارغة فى نفس البناية التى يقطنون بها فكانت أكثر من مناسبة لكي لا يفترقون عن بعضهم البعض..نقلت سمر دراستها إلى كلية الطب بجامعة القاهرة ثم تخرجت وعملت بتلك المستشفى الخاصة والتى يمتلكها أستاذها فى الجامعة الذى توسم فيها التفوق والمهارة والذكاء والإخلاص فى العمل،فإستقرت سمر بدورها وراقت لها القاهرة كثيرا فلم تفكر فى العودة إلى الأسكندرية مجددا،بينما عاد أخاهم حسن إلى الأسكندرية للدراسة فى جامعتها بعدما مر بتجربة عاطفية سيئة هنا.
أما مجد فتزوج بفتاة تقطن بجوارهم ..بعد قصة حب رائعة وإنتقل للسكن معها فى المبنى المقابل لهم بعد سفر أختها لبلدتهم الصغيرة،وكانت الحياة جميلة ومستقرة حقا لهم جميعا..فكانت سماح إلى جوار أخواتها وكأنها بينهم تماما، تراهم يوميا وتطمئن عليهم فيما عدا حسن الذى تراه فى الإجازات فقط،حتى كانت تلك الحادثة المشئومة،والتى قضت كلية على هذا الذى تُعِدَّهُ دعامتها فى تلك الحياة-أخاها مجد-هذا الذى جعلته تلك الحادثة ظلا لرجل، ليس بميت ولا هو على قيد الحياة .
ولكنها تأمل فى سفره الآن أن يعود الأمل لنبضاته والرغبة مجددا فى تلك الحياة التى إفتقدها مع رحيل (زوزا)-زوجته-وصديقتها الرقيقة الجميلة التى تفتقدها بشدة،نزلت من عيونها دمعة مع تدفق الذكريات،لتترك الهاتف جانبا وهي تمد يدها تمسح دمعتها برقة قبل أن تتنهد مجددا وتخرج من الغرفة،تتجه إلى حيث زوجها…حسام.
********************
جلست سماح بجوار حسام،تبدو حقا وكأنها تشاهد معه المباراة على التلفاز ولكنها كانت شاردة فى عالم آخر،عالم ملئ بذكرياتها التى حاولت أن تواريها فى أعماق النسيان ولكنها تدفقت الآن و لا تدرى سببا لتدفقها…
إنتفضت على صوت حسام وهو يلعن الحكم لإعطاءه خطأ على لاعب الفريق الذى ينتمى إليه زوجها ويكاد يكون متعصبا له،لتنظر إليه وهو يطالع التلفاز بإنتباه شديد وتحفز،ترجوه بعينيها وقلبها أن ينظر إليها مرة واحدة كالماضى ،يرنوا إليها بنظرة عشق تسعد قلب أضناه الزمن وأنهكته الوحدة.
عقدت حاجبيها تتساءل عن فتور علاقتهما سويا بعد أن كان عشقهما بالماضى ملتهبا ،حتى أنها لم تفكر للحظة وهي تتزوجه وتتبعه إلى القاهرة ،فى مكان لا تعرف فيه أحد على الاطلاق،تخاطر بالإبتعاد عن أخواتها من أجله ولولا حظها الحسن الذى سهل إنتقال أخواتها معها لظلت بعيدة عنهم،مجددا من أجله،وتراهم فى المناسبات فقط.
وقد كان هو متيما بها بدوره،لا يفارقها أبدا ،يغمرها بكلمات العشق وهمساته،حتى فى أصعب لحظاتهم وحين كانا يتشاجران بقوة ،كانت تبكى فيقوم بإحتضانها على الفور معتذرا عن تفوهه بكلمات لا يعنيها حقا فيزول غضبها منه وكأنه لم يكن وتنسى حزنها من أفعاله،وتعنته معها فى كل شئ فقط بين أحضانه،لتعود حياتها معه وردية كما كانت،ولكنه فى الآونة الأخيرة لم يعد حقا كما كان .
لقد بات لا مباليا بها..عصبيا،منشغلا عنها بعمله الجديد وحتى عندما يكون بالمنزل،يصبح محور إهتمامه التلفاز وبرامج الرياضة المتنوعة على قنواته،أو هاتفه الذى يضع عيونه على شاشته طوال الوقت،حتى باتت تشعر أنه كزوجة ثانية لها،تغار من هاتفه وبشدة..
رجعت بذاكرتها قليلا إلى الوراء….
لقد تزوجته فى سن الواحدة و العشرون،وعاشت معه قصة حب تتذكرها بأدق تفاصيلها حتى تزوجا وأنجبا مراد ،وحتى بعد إنجابها لطفلها لم تنضب مشاعرهما كما كانت تسمع عن المتزوجون الذين تفتر مشاعرهم بعد الإنجاب،بل ظلا عاشقان رغم كل المشاكل التى كانت تحدث بينهما، فكلمة طيبة منه كانت تمحى كل أحزان قلبها،نعم هي طيبة القلب وربما ساذجة فى علاقتها بحسام كما تدعوها ماجى، ولكن يكفيها أنها بتلك الطيبة كانت تعيش بسعادة مع زوجها، حتى بضعة اعوام مضت،حين قرر زوجها أن يترك وظيفته ويفتتح عمله الحر،ومن وقتها تباعد عنها رويدا رويدا ،تحاول هي بكل جهدها أن تقترب منه فيقابل كل محاولاتها برد فعل سلبي إحتارت فى تفسيره،وها هي على مشارف الثانية والثلاثون،ربما تبدو أصغر من سنها وربما هي حقا مازالت صغيرة السن ولكنها تشعر من داخلها بأنها إمرأة عجوز،إكتفت من الحياة حتى ملتها ،كم كانت لديها من الآمال الكثير،آمال كادت أن تغتيل بقسوة على يد حسام معللا رفضه الدائم لتحقيق آمالها بأنه يحبها ويغار عليها بجنون،لترضخ هي وتتنازل عن أحلامها واحدا تلو الآخر حتى….
إنتفضت مجددا على لعنات زوجها لحارس المرمى التابع لناديه والذى لم يستطع صد هدف من الفريق المنافس،لتدرك أن تلك الليلة لن تمر مرور الكرام فزوجها يظل عابسا حين يخسر ناديه وحين تواسيه ينفجر فيها متهما إياها بالتحيز لفريقها ،و أنها تشجع الفريق المنافس ،وهو الفريق الفائز بالطبع،لذا لابد وأنها لا تشعر به وبما يعانيه،وكأن الكرة هي حياته ،وليست هواية أو رياضة تحتمل الفوز والخسارة ..تبا..كم باتت تكره حتى الرياضة.
أفاقت من أفكارها مجددا على صوت مراد الذى خرج من غرفته متجها إليها،يحمل فى يده كتاب القصة الإنجليزية المقررة عليه فى المدرسة قائلا وهو يشير إلى قطعة فى الكتاب:
-ماما من فضلك مش فاهم الباراجراف ده كله ،كلماته صعبة وتقيلة والمستر مشرحهاش.
كادت أن تقول شيئا،ولكن صوت حسام قاطعها قائلا بحنق:
-قومى ياسماح مع إبنك الله يباركلك وروحوا الأوضة بتاعته ذاكروا،وسيبونى أركز مع الماتش،أنا مش عارف هلاقيها منكم ولا من الحكم ولا من اللاعيبة ولا من الحارس الحمار ده.
نهضت سماح بسرعة مشيرة لمراد أن يسبقها على الحجرة فذهب على الفور ،لتميل سماح على حسام قائلة بصوت هامس يشوبه الحنق:
-ياريت تهذب ألفاظك شوية أدام الولد ياحسام.
ثم تركته وإتجهت إلى الغرفة يتابعها بعيون حانقة قبل أن يعود بعينيه إلى المباراة حين علا هتاف الجماهير معلنا عن هدف التعادل،ليصفق حسام بقوة متناسيا غضبه من تقريعها له……مؤقتا.
****************
تراجعت سمر فى مقعدها تستند إليه بظهرها وتغمض عيناها بإرتياح،فلقد كانت مجددا وداخل غرفة العمليات ،تنقذ حياة.
لقد كان اليوم رجلا كاد أن يفقد حياته فى حادث سيارة ،ولكنه نجا بفضل الله،ليصارع الحياة مجددا معها فى غرفة العمليات ويكاد ان توافيه المنية أكثر من مرة ولكن إرادة الله وفضله مع إصرارها وبراعتها أبوا أن يدعوه يرحل لينجو مجددا من الموت على يدها فتشكر الله لتسخيره إياها فى إنقاذ حياة إنسان،دائما هي هكذا منذ أن إتخذت الطب مهنة،وعملت بتلك المستشفى.
تشعر أنها فى صراع دائم بين الحياة والموت،غالبا وبفضل الله ماتفوز ولكن عندما تخسر،تفقد جزء من روحها مع تلك الخسارة لتشعر بأنها ربما تكون صغيرة السن ولكن بداخلها تقبع عجوز فى السبعين على وشك الموت ،لا تشعر مجددا بالحياة سوى هناك..فى غرفة العمليات.
أفاقت من أفكارها على صوت طرقات على الباب لتفتح عيونها وتعتدل طالبة من الطارق الدخول،ليطل هادى برأسه مبتسما بهدوء قائلا:
-فاضية شوية؟
إبتسمت بهدوء وهي تومئ برأسها وتشير إليه بالإقتراب..ليدلف إلى الغرفة ثم يغلق الباب خلفه ويتقدم بإتجاهها يلاحظ ملامحها الحزينة دائما والتى أصبحت جزءا منها ،جذبته تلك الملامح الحزينة إليها منذ اليوم الأول لعملها فى تلك المستشفى،ذلك الحزن الذى لاتدرى عنه شيئا ولا تلاحظه فى تلك الإبتسامة التى تعلو ثغرها ولكن لا تصل أبدا إلى عينيها التى يقبع فيهما هذا الحزن،والذى تمنى مع إزدياد مشاعره تجاهها ان يسبر أغواره ويمحيه من تكوينها لتشرق عينيها الجميلتين بالسعادة والحياة..
شعرت سمر بالإرتباك من تأمله الصامت لها،ينتابها إضطراب لا تشعر به سوى فى حضوره تتعجب فى نفسها عن ذلك الإضطراب الذى يعتريها حين يطالعها بنظراته المتأملة ولكنها دائما ما تنفض تساؤلاتها وتخبر نفسها أنها طبيعتها التى تخشى الرجال .
بل وتحمل لهم بعض الشعور بالإزدراء أحيانا ولكنها تستثنى منهم أخواتها وهذا الرجل الذى يقف أمامها والذى رغما عنها تكن له الإحترام وبعض الود خاصة بعد موقفه الأخير معها ومساندة اخاها بكل كيانه،وربما لولاه لتطورت الأمور إلى إنتحار ثان يقضى على حياة أخاها بالكامل….
توقفت عن التفكير وهي تتمالك نفسها قائلة :
-خير يادكتور هادى؟
أفاق من شروده فى ملامحها وهو يعدل نظارته الطبية بحرج قائلا بإرتباك وهو يتقدم بإتجاه المكتب:
-إحمم..الحقيقة أنا كنت جاي أستشيرك فى مسألة كدة..يعنى..تقدر تقولى عليها خاصة.
عقدت حاجبيها وهي تنظر إليه يجلس أمامها ويطالعها بترقب ،تتعجب من رغبته لتدخلها فى أموره الشخصية ولكنها نحت تعجبها جانبا وهي تقول بجدية:
-خير يادكتور؟إتفضل ..أنا سامعاك.
شعر بالإرتباك أكثر من جديتها فى الحديث..ليسعل بخفة يجلى حلقه واضعا يده على فمه،ثم ناظرا إليها وهو يقول:
-إنتى عارفة إن فرح الدكتور محمود والممرضة حنان بكرة والحقيقة كنت حابب أجيبلهم هدية ،وأنا مليش فى موضوع الهدايا ده إطلاقا واللى كانت بتساعدنى فيه أختى هاجر وللأسف وزي ما إنتى عارفة أختى ..يعنى..سافرت إسكندرية النهاردة عشان دراستها وكدة،فلو وقتك يسمح يعنى..لو ممكن….
وصمت يشعر بالإضطراب لتقول سمر بهدوء:
-عايزنى أجيبلك أنا الهدية ،مش كدة؟تمام مفيش مشكلة،هخلص الشيفت بتاعى وأخرج أختارهالك علطول.
عدل هادى من وضع نظارته الطبية مجددا يشعر بالإضطراب وهو يقول:
-هو يعنى.. لو أمكن.. ممكن نروح مع بعض ..يعنى ممكن أختارها معاكى؟
شعرت بالإضطراب على الفور لإقتراحه ذلك ،وطلبه الخروج معها لإختيار الهدية،لا تدرى سببا لخوفها ،سوى خشيتها التعرف عليه أكثر ،فلم تقترب أبدا من رجل جيدا لتتعرف عليه،كانت تصد جميع محاولاتهم للتعرف إليها،ولكن هذا الطبيب هادى يتسلل إلى حياتها رغما عنها ،تارة من خلال عملها معه فى المستشفى ورؤيتها الدائمة له ،يحيطها بإهتمامه رغم أنها لم تلق بالا بالسابق ،لأنها أدركت أن هذه طبيعته المحبة للإهتمام بالجميع وخاصة أن تلك المستشفى خاصة بعمه وهو المسئول عنها كلية بتفويض منه..وتارة كطبيب نفسي؟فمنذ حادثة أخاها مجد وهي تشعر به يتسلل إلى حياتها أكثر ،يصل لخباياها التى تواريها عن الجميع،يتسلل إلى نفسها التى حرصت على إبعادها عن كل ما يحمل لقب مذكر.
تخشاه حقا..فكلما نظر إليها كما ينظر إليها الآن شعرت بتلك النفس التى تمتلكها عارية أمامه تماما ،يصل لكل أسرارها بيسر،ودون جهد يذكر.
ورغم شعورها ذلك إلا أنها وجدت نفسها عاجزة عن رفض طلبه للذهاب معها ،فبم ستفسر له سبب رفضها؟
طمأنت نفسها القلقة بأن الموضوع لا يستأهل كل هذا القلق،وأنها ستخرج معه تحضر الهدية بهدوء وعملية ثم يفترقان ،هكذا إذا…..
لا إرتباط..لا تقارب..لا شئ مطلقا.
لتهز رأسها موافقة على إقتراحه بهدوء،لتشعر بالندم على الفور وهي ترى أساريره التى إنفرجت وعيونه التى لمعت خلف نظاراته..وهو ينهض قائلا:
-متشكر أوى يادكتورة،هستناكى بإذن الله بعد المستشفى فى العربية،سلام.
قالت بصوت خافت مضطرب:
-سلام.
إتجه إلى خارج الغرفة بخطوات واسعة مغلقا باب الغرفة،لتزفر سمر بقوة ثم تتراجع فى مقعدها تستند مجددا إلى ظهره وتغمض عيناها قائلة بهمس :
-شكلك غلطى ياسمر،بس فات الأوان ومش هتقدرى تتراجعى فى كلمتك اللى إديتيهاله،وشكل ظنك كان فى محله،فحاولى ياسمر،حاولى تقفلى الباب اللى مصر هو يفتحه،حتى لو قفلتيه بالجرح،هيكون جرح بسيط ويقدر يلم بسرعة،لكن لو فضلتى فاتحة الباب ده،هينتهى بجرح خطير وملوش علاج،وآخرته..آخرته هتكون… الموت.
لتفتح عينيها تظهر فيهما نظرة تصميم رافضة لتلك النهاية،ومصرة على تغييرها …..كلية.
الفصل الثانى
كان هادى يضع يده على مقود السيارة ،يدق بسبابته عليه فى توتر إمتزج بلهفة ،
فبعد دقائق ستكون سمر إلى جواره فى السيارة فى أول لقاء لهم خارج جدران تلك المستشفى،إنه لقاء إنتظره منذ أن تسللت إلى وجدانه وأحبها،وصار يتمناها بكل كيانه….
عملية هي ،ملتزمة ،لا تقبل بأي تجاوز من زملائها،ولا تسمح بأن يكون الحوار بينها وبينهم خارج نطاق العمل.
وهذا ماجذبه إليها كلية وأثار إعجابه بها منذ البداية،ولولا أزمة أخاها الأخيرة ما إقترب منها إنشا واحدا ،ولظل بالنسبة إليها طبيب المستشفى النفسي والمسئول عنها فقط ،تكتفى بتحية مقتضبة منها حين تقابله صدفة فى طرقات المستشفى،أو حين يستدعيها لحالة طارئة.
حاول كثيرا أن يلمح لها عن مشاعره فلم يجد منها قط ما قد يمنحه تلك الفرصة، ليصمم على خلق تلك الفرص من لاشئ والتعبير لها عن مشاعره،فلم يجد غير زواج زملائهما حجة مناسبة ليبدأ بها.
قاطع أفكاره خروجها من باب المستشفى ليتجمد كلية وتحتبس أنفاسه داخل صدره وهي تتقدم من سيارته بخطواتها الرشيقة.
جميلة هي ،يعرف،رائعة الملامح والشخصية،لا تدرك جمال تكوينها الذى يخطف أنفاسه ويوقف دقات قلبه ويتركه متوسلا عشقها كي تمنحه الحياة من جديد،أفاق من أفكاره وهو يترجل من سيارته بسرعة يستقبلها بإبتسامة،لتقابله بتحية مقتضبة أحبطته، ولكنه أسرع إلى جانب السيارة الآخر يفتح لها الباب برقة، فولجت إلى السيارة بهدوء.
أغلق الباب خلفها وأسرع إلى مكانه خلف المقود قائلا:
-أنا متأسف جدا..عارف ان الوقت متأخر وانتى أكيد تعبانة بس…..
قاطعته قائلة:
-مش مشكلة ،بس ياريت نخلص بسرعة لإن فعلا الوقت متأخر.
أومأ برأسه وهو يقود سيارته بإتجاه ذلك المول التجاري المعروف،يشعر بدقاته تعود إلى الحياة بقوة وتمنحه شعورا رائعا بالسعادة ،فقط لكونها…. بجواره.
بينما كانا غافلين عن عيون رصدت هذا المشهد لتقول صاحبتهما بحقد:
-آل وعاملالى الشريفة العفيفة اللى بتصد كل معجبينها من دكاترة المستشفى،وأتاريها راسمة على تقيل وحاطة عنيها ع الراس الكبيرة،أنا عارفة إيه بس اللى عاجبهم فيها ؟دى حتى كشرية ومعصعصة،ماشى ياست سمر،بكرة تلاقى فضيحتك على كل لسان فى المستشفى ،مبقاش أنا تهانى إن ما خليتك تحطى وشك فى الأرض وعينك متجيش فى عينى تانى، ولا تزعقيلى كل شوية على الفاضية والمليانة،ومش بعيد تستقيلى خالص وتريحينا من وشك يادكتورة.
لترتسم إبتسامة خبيثة على وجهها وهي تطالع هذا الفيديو الصغير الذى صورته بعدسة هاتفها،تقوم بإرساله إلى كل العاملين بالمستشفى….بلا إستثناء.
*******************
ألقى مجد نظرة شاملة على الشقة يتأكد من أنه لا شئ ينقصها مطلقا،فقد إختار كل شئ بعناية،تأمل محتويات المكان ليدرك فى ألم أنه إختار كل شئ كما كانت تحبه زوجته تماما،ورتبها كما كانت لترغب بالضبط.
ورغم اعتراضه بالماضى على تدقيقها فى كل الأمور حتى فى ترتيب أثاث المنزل ووجوب أن يكون كل شئ فى مكانه الصحيح،تكاد أن يكون لديها هوسا بذلك..إلا أنه الآن يراه شيئا مميزا بها،فقد أدرك الآن فى حزن أنه حتى هوسها ذلك قد عشقه دون أن يدرى، وها هو الآن يفعل كل ما كانت تفعله راغبا محبا،بعد ان كان معترضا،ولكن للأسف بعد فوات الأوان.
أغمض عينيه متنهدا قبل أن يفتحهما مجددا يلقى نظرة أخيرة على الشقة قبل أن يتجه إلى الباب بخطوات بطيئة ،حزينة …..ونادمة.
********************
كانت سمر تقف فى الركن الخاص بهدايا الزفاف تتنقل عيناها على الهدايا بروية،عاقدة حاجبيها بتركيز بينما يقف هادى بجوارها ينظر فقط إليها،يشعر بقربها الشديد منه لأول مرة،يتسلل إليه عطرها الرقيق فيثير حواسه،يرى تفاصيلها عن قرب لأول مرة.
خصلات شعرها البنية الناعمة والتى يتخللها خصلات ذهبية قليلة،قرنيتها البنية الرائعة يظلل حوافها أيضا ذلك اللون الذهبي اللامع،والذى يلاحظه أيضا لأول مرة،أذنها الصغيرة الناعمة والتى يتدلى منها قرط فضي رقيق تفركه بيدها الآن فى تفكير،لتنظر إليه فجأة وهي تقول:
-إيه رأيك …..
توقفت عن الكلام وهي تراه يطالعها بنظرته تلك والتى أربكت كيانها بالكامل ،ليشعر هو بالخجل لضبطها إياه متلبسا بتأملها،تنحنح وهو يعدل من وضع نظارته الطبية فى حركة باتت تدركها جيدا وتدرك أنه يلجأ إليها فقط حين يشعر بالتوتر او القلق،لينظر بإرتباك إلى الهدايا قائلا بنبرات حاول جعلها ثابتة قدر ما إستطاع:
-رأيى فى إيه؟
تجاهلت سمر مشاعرها المرتبكة فى محاولة منها لتكون عملية كما إعتادت دائما وهي تشير إلى تحفة رائعة على شكل بيانو،يجلس أمامه عازف وسيم..تابع هادى إشارتها ليرى إختيارها، تعجب قليلا من هذا الإختيار ليترجم شعوره إلى كلمات وهو يقول:
-وإشمعنى دى اللى عجبتك؟
هزت سمر كتفيها قائلة:
-مش عارفة،يمكن لأنى عارفة ان الممرضة حنان بتحب الموسيقى والعازف ده شبه دكتور محمود إلى حد ما،فيعنى ..حسيتها تليق بيهم.
تأمل هادى تلك الهدية التى إختارتها قليلا ليدرك أن لديها فعلا وجهة نظر أعجبته ،رغم تلك النيران التى إشتعلت فى خافقه لإدراكها التشابه الفعلي بين ملامح محمود وملامح ذلك العازف،يتساءل بصمت..
ترى هل يمكنها أن تدرك ملامحه هو أيضا إن رأت شبيه له فى أي شئ حتى لو كان تمثال جامدا كهذا التمثال؟لينفض غيرته وهو يقول بإبتسامة هادئة:
-الحقيقة إختيار موفق جدا؟رغم انى مكنتش متوقع إنك هتختارى هدية رومانسية زي دى،توقعت يعنى تختارى حاجة عملية أكتر.
إعتلت حمرة الخجل وجنتيها ،ربما لأول مرة منذ أن عرفها هادى،ليزداد هو إعجابا بها ..بينما قالت هي بإضطراب:
-فعلا الحقيقة أنا لو بختار لنفسى كنت هختار دى.
تابع إشارتها إلى حافظة أقلام توضع على المكاتب على شكل برج إيفل..ليعود بنظراته إليها وهي تستطرد قائلة:
-بسيطة وعملية زيي بالظبط،بس لما بنختار هدية لازم نفكر فى ذوق اللى هنهاديه بيها ،مش بنكتفى بذوقنا وبس.
أومأ برأسه موافقا،وهو ينظر إليها بإبتسامة أربكتها ..لتقول بإضطراب،تتعجل إفتراقها عنه:
-لو موافق على إختيارى يبقى كدة تمام،تروح تحاسب وأنا همشى..لإنى بجد إتأخرت.
عقد حاجبيه لا يريد رحيلها بتلك السرعة،يقول بلهفة عجز عن إخفاؤها:
-طيب إستنى هوصلك فى طريقى.
قالت بلهجة نافية،قاطعة:
-مش هينفع،إحنا فى منطقة الكل عارف فيها التانى ولو شافونى راجعة مع حضرتك وخصوصا فى الوقت ده،مش هترحم من لسانهم.
نظر إليها بإحباط يدرك منطقية كلماتها،ولكنه يخشى أن تعود للمنزل فى هذا الوقت المتأخر دون أن يكون معها لحمايتها..لذا قال بهدوء:
-طيب إستنى ،على الأقل هوقفلك تاكسى وهمشى وراكى بالعربية.
كادت أن تقاطعه ليقول فى حزم:
-أنا مصر ،من فضلك مترفضيش.
تنهدت قائلة:
-تمام هستناك برة.
أومأ برأسه موافقا فغادرت بهدوء تتبعها عيناه بقلة حيلة فقد أمل أن يقترب منها أكثر ولكنها مازالت تضع له حواجز وحدود تريد بها أن تصد مشاعره ومازالت تنجح رغم محاولاته ،ولكنه ابدا لن يستسلم وسيحاول بكل قوته أن يزيلها كلها،ليتنهد وهو يمسك بتلك الهدية التى إختارتها للعروسان،قبل أن تلمع عيناه وهو ينظر إلى إختيارها ….هي.
********************
دلف حسن إلى منزله بهدوء مغلقا الباب خلفه لينتفض ملقيا بهذا الكيس الذى يمسكه أرضا حين وصل إليه صوت أخاه مجد الساخر وهو يقول:
-حمد الله على السلامة ياسى حسن،ما لسة بدرى.
نظر حسن إلى مجد الواقف على عتبة حجرته مستندا إلى بابها فى دهشة قائلا:
-مجد !
إقترب مجد منه قائلا بسخرية:
-أيوة مجد،مجد اللى قايلك إنه جاي النهاردة بس إنت ولا على بالك طبعا وأكيد نسيت.
إبتسم حسن وهو يقترب منه قائلا بنبرة آسفة:
-معلش ياأبو الأمجاد حقك علية،أنا فعلا نسيت ..بس والله كان يوم مشحون نسانى حتى إسمى.
إقترب منه يسلم عليه ،راغبا فى أن يأخذه بين أحضانه ليوقفه مجد قائلا بحزم:
-لا هسلم عليك ولا هحضنك قبل ما أعرف كنت فين وإتأخرت ده كله ليه،ولا إنت متعود على كدة بقى وإحنا فى القاهرة نايمين على ودانا.
إتسعت إبتسامة حسن وكتف ذراعيه أمام صدره قائلا:
-والله أنا لو متجوز ،مراتى ما هتعاملنى بالشكل ده،ولا هسمحلها أصلا..عموما ياسيدى، لأ ، مش متعود، وكنت مع واحد صاحبى بنتبرع بالدم لوالد واحد تانى من أصحابنا، ولو إنى مش مجبر أبرهنلك بالدليل على كلامى،لإنك المفروض تصدقنى..بس إتفضل ياسيدى.
وأخرج من جيب بنطاله الهاتف ومده بإتجاهه قائلا:
– إتصل بآخر رقم على التليفون ،ده رقم صاحبى اللى اتبرعنا لوالده بالدم..تقدر تتصل بيه وتسأله.
لم يكن فعلا مجد بحاجة لأن يتصل بأحد ليتأكد من صحة كلام أخيه،فإن كان حسن شابا يعيش الحياة بطولها وعرضها إلا أنه أبدا لا يكذب ولا يخون ولا يفعل ما يغضب الله من كبائر،فقط بعض الأخطاء الصغيرة والتى سيحرص مجد على تقويمها وحث أخيه على تركها طوال إقامته الجبرية معه،ليبعد مجد يد أخيه الممسكة بالهاتف وهو يحتضن حسن قائلا بحب:
-وحشتنى ياأبو على.
ضمه حسن بدوره قائلا بمزاح ساخر:
-بعد إيه بقى،ما كان من الأول.
وكزه مجد قائلا:
-ماتتلم بقى،مش كفاية نسيتنى، وسبتنى طول اليوم بجهز فى الشقة لوحدى.
خرج حسن من أحضان أخيه يضرب رأسه بخفة قائلا:
-أيوووه ياجدعان،فى دى عندك حق وأنا غلطان بس والله اللى حصل النهاردة لبخنى،حقك علية يامجد.
وكزه مجد مجددا بخفه فى كتفه قائلا بإبتسامة :
-ولا يهمك ياأبو على.
تفحص حسن ملامح أخاه قائلا:
-إنت كويس يامجد؟
بهتت إبتسامة مجد للحظة قبل أن يقول بثبات:
-هبقى كويس ياحسن ،هبقى كويس.
ربت حسن على كتف أخاه مشجعا،ليربت مجد على يد أخاه يخبره بنظراته أن كل شئ على مايرام..ليومئ حسن برأسه قبل أن يقول :
-ها ..إتعشيت ولا مستنينى؟
تنهد مجد قائلا:
-مليش نفس.
إتسعت عينا حسن قائلا:
-ملكش نفس إيه بس؟ده انت ابن حلال وأنا جايب معايا كباب .
ثم ذهب إلى الكيس الذى ألقاه أرضا وإلتقطه قائلا بحنق:
-هو صحيح بقى كفتة ،بس هيتاكل بعون الله.
ليتقدم بإتجاه أخيه يتوقف أمامه وهو يرفع الكيس أمام وجهه قائلا:
-معايا ولا هضربه لوحدى؟
إبتسم مجد قائلا:
-معاك طبعا،زي بعضه..كفتة كفتة.
إبتسم حسن قائلا:
-إشطة ياكبير ،هو ده الكلام.
ضربه مجد على رأسه بخفة قائلا:
-ما تتعدل فى كلامك بقى،إيه اللى إنت بتقوله ده؟
فرك حسن رأسه قائلا بحنق:
-بهزر معاك ،على فكرة إيدك تقيلة وأنا مش هسكت.
رفع مجد حاجبه الأيسر قائلا بتحدى:
-هتعمل إيه يعنى؟
حرك حسن حاجبيه صعودا وهبوطا قائلا:
-هروح أحضر الأكل طبعا.
ليتقدم بإتجاه الطاولة تتبعه عينا مجد لترتسم على وجهه إبتسامة خالصة لأول مرة…. منذ شهور.
******************
قالت ماجى برقة:
-صباح الورد ياموحة.
إبتسمت موحة بحب قائلة:
-صباح الفل ياقلب موحة،أخبارك إيه ياقلبى؟
قالت ماجى بملل :
-العادى،أنا هتجنن من جيسى والصراع الأبدى ما بين دراستها ولعبها الجمباز فى النادى واللى طبعا أهم عندها من المدرسة والمدرسين ومامى ذات نفسها ،ولا حماتى دى كمان.. ربنا يسامحها بقى، لسة بتزن على يوسف عشان تخلينى أجيب بيبى كمان ،ومن يومين سمعتها بتقوله إنى كبرت فى السن ولازم ألحق أخلف قبل ما العضمة تكبر ومقدرش أفرحها بحفيد جديد.
ضحكت سماح بقوة لتستطرد ماجى قائلة:
-إضحكى ياأختى إضحكى،ماهو إنتى معندكيش حما محسساكى إنك خلاص داخلة على سن اليأس ومش هتخلفى تانى.
ظهر الحزن فجأة فى عيون سماح وهي تقول:
-أعذريها يا ماجى ،إحنا فعلا مبقيناش صغيرين وبقينا فى التلاتينات “وفرصنا فى الحمل بتقل.
أغمضت ماجى عيناها تلعن لسانها الزالف والذى لابد وأنه آلم صديقتها التى تحاول الإنجاب منذ سنوات ،ولكنها لم توفق،فقد حملت فى مراد بمعجزة كما قال الطبيب،رغم أن فحوصات كل من سماح وحسام سليمة وليس بهما اي عيب يمنعهما من الانجاب، ومنذ أن كبر مراد قليلا وهي تحاول الإنجاب دون جدوى،لتقول بصوت نادم:
-أنا آسفة،والله ما خدت بالى…
قاطعتها سماح قائلة:
-عارفة ياميجو،المهم قوليلى يوسف عامل إيه؟
قالت ماجى بتنهيدة:
-يوسف مشغول اليومين دول مع صاحبه اللى قلتلك عليه،بيظبطوا أوراق الشركة اللى هيفتحوها مع بعض..تقريبا مبقتش أشوفه.
قالت سماح بإحباط:
-يعنى مش هتيجوا القاهرة قريب عشان أشوفك؟
قالت ماجى:
-والله لسة مش باين ،بس فيه أوراق هيسافر يوسف القاهرة عشان يخلصها،هحاول أزن عليه كست مصرية أصيلة عشان يخلينى آجى معاه وساعتها أكيد هشوفك..وإنتى بقى مش ناوية تزنى زيي وتيجى إسكندرية.
تنهدت سماح قائلة:
-والله نفسى وخصوصا عشان عايزة أشوف أخواتى ،بس إنتى عارفة حسام..مبينفعش معاه الزن أبدا.
قالت ماجى بحنق:
-حسام ده مبينفعش معاه حاجة خالص،ربنا يعينك عليه،أنا منساش أبدا رفضه الغريب إنك تكملى تعليمك بعد الجواز..وإحراجه لية لما حاولت أكلمه.
قالت سماح بإبتسامة:
-بس إنتى مستسلمتيش وقدمتيلى من وراه،ورغم إنه قلب الدنيا ساعتها بس لما عرف إنى مش هروح الجامعة..إضطر يوافق،وبقيت أذاكر وأروح الإمتحانات بالعافية.
قالت ماجى بسخرية:
-ما هو من ساعتها مبيطيقش سيرتى وخصوصا إنك إتفوقتى وجبتى تقدير حلو جدا كمان.
قالت سماح بحب:
-كانت خطوة ريحتنى اوى والفضل الوحيد فيها كان ليكى إنتى ياماجى،لولا إيمانك بية وتشجيعك أنا مكنتش أبدا هحقق حلمى ده،ده غير السيديهات اللى بعتهالى لما عرفتى حبى للغات وخليتينى أتعلمها وأنا جوة البيت.
قالت ماجى بصوت متهدج:
-إنتى طيبة ياموحة وتستاهلى كل خير ده غير إنك طموحة وكلنا كنا بنتنبألك بمستقبل حلو أوى،لولا بقى الله يسامحه.
تنهدت سماح قائلة :
-كل شئ قسمة ونصيب وكل واحد بيحب بطريقته ياماجى،ودى طريقة حسام فى الحب،عايزنى بس مهتمش بحاجة فى الدنيا دى غيره ،عايز كل تفكيرى يكون فيه هو وبس،وحواليه هو وبس.
قالت ماجى فى نفسها
“هل تطلقين على الأنانية حبا؟والله ما هذا بحب أبدا..وإن كان ولابد أن نطلق عليه حبا،فالأحرى أن نقول أنه حب التملك،حب مرضي يودى بأطرافه إلى حتفهما”
أفاقت من أفكارها على صوت سماح وهي تقول:
-إنتى لسة معايا ياماجى؟
قالت ماجى بسرعة :
-أيوة معاكى ياحبيبتى بس سيبك من سيرة حسام ،بتقفلى يومى، وقوليلى أخوكى مجد عمل إيه؟
تنهدت سماح قائلة:
-هقولك ياماجى..هقولك.
رواية ضلع مكسور سينجبر.
بقلم شاهندة.
الفصل الثالث
دلفت سمر إلى المستشفى وهي فى عجلة من أمرها، فقد تأخرت فى الاستيقاظ اليوم ،ولولا أختها سماح التى هبطت من شقتها لتوقظها خصيصا ،ما إستيقظت ولربما إضطرت لتأجيل العملية وهذا ما لم تفعله أبدا طوال فترة عملها بالمستشفى،فقد قضت ليلة مؤرقة لم تذق فيها طعم النوم إلا لماما،تفكر فيما شعرت به من نظرات الطبيب هادى وإهتمامه بها ، تشعر بداخلها بأنه إهتمام شخصي يقلقها بشدة ،ويجعلها تنتوى فى المستقبل العودة إلى التعامل برسمية شديدة معه ، أو ربما تجاهله بالكامل رغم صعوبة ذلك ولكن التجاهل هو أسلم الحلول فى هذا الوضع بالتحديد…
رأت فى طريقها بعض الممرضات يقفن على جنب ينظرن نحوها وهن يتهامسن،لم تعرهن اهتماما،ولكن نظرة الطبيب سامر بإتجاهها مع إبتسامته الساخرة تلك،جعلتها تعقد حاجبيها بحيرة متسائلة عن سر تلك الإبتسامة، فرغم أنه لطالما أزعجها بنظرات الإعجاب والكلمات التى توحى برغبته فى التقرب منها،ولكن نظرته تلك وإبتسامته أثارت حنقها حقا،ولكنها أيضا لم تعره إهتمامها،وهي تسرع بخطواتها،تنقى أفكارها وهي تستعد لتلك العملية التى ستقوم بها بعد قليل.
********************
كان مجد يقف فى شرفة منزله فى توتر،يضع يده على حافة تلك الشرفة ،يقبض عليها بقوة ،ثم يبعدها وهو يفرك جانب شعره بيده بينما ينظر لساعة يده بإضطراب.
يدرك أنهما قد تأخرا كثيرا عن موعد وصولهما الذى أخبره به الطبيب هادى ،توقف عن الحركة تماما وهو يرى وصول تلك السيارة الذهبية التى توقفت تحت البناية ،والتى أخبره أيضا هادى عنها ،ليسرع بالهبوط إلى الشارع وإستقبالهما .
وما إن خرج من باب تلك البناية،حتى وجدهما قد ترجلا منها ،تقفان جنبا إلى جنب تتطلعان إلى البناية بترقب،حاول أن يغض الطرف عنهما فأطرق برأسه وهو يقول بهدوء:
-أهلا وسهلا ..نورتونا.
قالت هاجر برقة:
-شكرا..حضرتك أستاذ مجد؟
أومأ مجد برأسه قائلا :
-أيوة أنا،إتأخرتوا ليه؟
قالت هاجر بهدوء:
-العربية عملتها معانا وإضطرينا نستنى حد يزقها،كان موال الحقيقة ،وللأسف رقم حضرتك مكنش معايا عشان أبلغك.
رفع وجهه يواجه بعينيه عيون هاجر قائلا:
-هبقى أديه لحضرتك،عموما حصل خير..الشقة جاهزة وتحت أمركم،إتفضلوا.
أومأت هاجر برأسها قائلة:
-تمام،بس ياريت تشوفلنا ميكانيكى ياخد العربية يصلحها،عشان متعملهاش معانا تانى.
قال بهدوء:
-بسيطة..اتفضلوا.
توجهت هاجر بكلماتها لتلك الفتاة بجوارها قائلة:
-يلا بينا ياسمر.
نظر مجد إلى سمر التى ظلت صامتة طوال الحديث،تتجاهله وتشيح بوجهها عنه،بدا عليها التردد للحظات وهي تنظر إلى هاجر،لتمسك هاجر بيدها،تشجعها بعينيها ،لتتمسك سمر بيدها بقوة.
شعر مجد وقتها بأنها تشعر بالضعف والقلق وربما بعض الخوف كما أخبره الطبيب هادى عن حالتها،تحتاج فقط إلى من يؤازرها معنويا،أدرك أنها مثله تمر بأسوأ حالة نفسية قد عرفها الإنسان يوما ،فقدان الأمل والرغبة فى الحياة،وهنا لابد أن يكون هناك من يستطيع أن يمنح الأمل لمن لديه تلك الحالة وإلا سيكون المصير قاتم ..وربما أودت تلك الحالة بصاحبها لأحضان الموت..
أراد أن يمنح لها يده تتمسك بها ،يطمئنها أنها ستكون بخير ولكنه أدرك أنها لا تعرفه ،هو مجهول تماما بالنسبة إليها وربما أخافها أكثر وزاد من حالتها إن حاول منحها هذا الأمل،ليغض بصره عنها مجددا وهو يتقدمهما بصمت،غافلا عن نظرات مترددة منحتها سمر إليه ،فهذا المجد يشعرها بالقلق ..التوتر ..وشعورا آخر لم تدرى كنهه.
********************
أنهت سمر تلك العملية بنجاح لتزفر براحة وهي تزيل قفازات يدها،تغسل يديها بهدوء،وهي تحمد ربها فى سرها أنها إستطاعت إنقاذ روح أخرى من براثن الموت،طمأنت زويه على حالته بإختصار..قبل أن تتجه إلى حجرة مكتبها ليتناهى إلى مسامعها حديث جانبي .
توقفت وقد أصابها الجمود وصوت الممرضة نهى يتناهى إلى مسامعها قائلة لزميلتها الأخرى:
-والله الدكتورة سمر دى بجحة أوى ،أنا لو مكانها هحط وشى فى الأرض أو أستقيل،آل وعاملالنا فيها ست الناظرة اللى محدش يقدر ييجى ناحيتها..فعلا ياما تحت الساهى دواهى.
كادت سمر أن تتجه إليها وتواجهها ،تطالبها بتفسير لكلماتها المقيتة تلك ولكن صوت الطبيب هادى منعها من فعل ذلك، وهو يقول بحزم:
-دكتورة سمر،من فضلك عايزك فى مكتبى حالا.
نقلت سمر بصرها بين هادى ونهى التى رمقتها بسخرية،قبل أن يتغلب عقلها على حنقها وهي تتجاهل الأخيرة وتتجه خلف الطبيب هادى إلى مكتبه…بصمت.
*******************
توقف مجد عند عتبة الباب بينما تأملت كل من هاجر وسمر الشقة بإعجاب بدا على ملامحهما،ليشعر مجد بقليل من الإرتياح خاصة عندما إلتفتت إليه هاجر قائلة :
-الشقة حلوة أوى ياأستاذ مجد.
قال مجد براحة :
-الحمد لله.
ثم ألقى نظرة على سمر التى كانت تتلمس تلك الورود فى المزهرية التى توجد على الطاولة برقة،لترق عيناه وهو يقول:
-مش محتاجين حاجة تانية؟
رغما عنها نظرت إليه عندما تناهت إليها نبراته الحانية ،لتتلاقى نظراتهما..لا تدرى لما دق خافقها بتلك السرعة ولم شعرت بالتوتر يغزو جسدها،لم تستطع الإشاحة بناظريها عنه ولم يستطع بدوره أن يبعد عينيه عن عيونها،تلك العيون الدخانية الحزينة،أفاقت من سحر نظراته..على صوت هاجر وهي تقول:
-لأ ..كل حاجة تمام،إحنا متشكرين أوى.
رآها تعدل حجابها بتوتر قبل أن يشيح بناظريه عنها قائلا لهاجر:
-لا شكر على واجب.
ليخرج من جيبه كارتا منحه لهاجر قائلا:
-ده الكارت بتاعى وعليه رقم تليفونى،لو إحتجتوا أي حاجة كلمونى..عن إذنكم.
إبتسمت هاجر وهي تأخذه منه بإمتنان شاكرة إياه،ليخرج من المنزل مغلقا الباب خلفه بهدوء،ولكن بداخله إشتعلت نيران من الأحاسيس يدرك بكل قوة أنه سيعانى طوال الليل وهو يحاول إخمادها ..دون جدوى.
********************
ألقت سمر بهاتف الطبيب هادى بعد أن رأت الفيديو على مكتبه قائلة بعصبية:
-يعنى إيه الكلام ده يادكتور؟وإزاي سكت على حاجة زي دى؟إزاي سمحت بالمهزلة دى تحصل أساسا؟
قال هادى بتوتر:
-الحقيقة أنا لسة عارف بالموضوع ده دلوقتى من دكتور نبيل،المستشفى من الصبح ملهاش سيرة غير الفيديو ده و خروجك معايا بالليل ،وكأنها خطيئة كبرى ،غلطة ومسكوها علينا..مع إنها حاجة عادية جدا ومتستاهلش كل اللى عاملينه ده.
نهضت سمر قائلة بحدة:
-حاجة عادية بالنسبة لك يادكتور بس مش بالنسبة لى،أنا من أول ما إشتغلت فى المكان ده وأنا فى حالى وماشية جنب الحيط،محدش فيهم كان يقدر يدوسلى على طرف،محدش فيهم كان يقدر يجيب سيرتى بكلمة،جيت إنت وبوظت كل حاجة،وإديتلهم فرصة يعلقولى المشانق،إديتلهم فرصة يمسوا سمعتى بالزور..
لتغشى عيونها الدموع وهي تجلس مجددا مرددة بمرارة:
-ياريتنى ما سمعت كلامك ،ياريتنى ما شيلت جميلك مع أخويا فوق راسى ،ووافقت أخرج معاك.
أطرق برأسه فى حزن،فرغم ألمه الشديد من كلماتها ولكنه يدرك أن لديها كل الحق فى غضبها ومرارتها،فلقد أضر دون قصد بسمعتها فى المستشفى والتى حافظت عليها منذ أن خطت أولى خطواتها فيها وحتى البارحة ..حين صورت له أنانيته أنه قد يستطيع الخروج معها والتقرب منها دون أن يفكر فى عواقب ذلك الأمر عليها ،بسبب هؤلاء الذين يتصيدون لها الأخطاء ويتربصون بها فقط لأنها أفضل منهم.
ليرفع رأسه قائلا فى ثبات:
-أنا عارف إنى السبب فى كل اللى حصل وحقيقى آسف ولو أقدر أمحى إمبارح من حياتنا كنت همحيه،بس مع الأسف اللى حصل حصل ومفيش أدامنا دلوقتى غير حل واحد.
نظرت إليه فى ترقب ليقابل نظراتها بقوة قائلا بحزم:
-أخطبك حالا.
إتسعت عيناها فى صدمة لتنهض قائلة بإستنكار:
-إنت بتقول إيه؟لأ طبعا ..مستحيل.
نهض بدوره قائلا بهدوء:
-إهدى بس وإسمعينى،الخطوبة دى هتبقى مؤقتة،حاجة كدة هنكتم بيها لسانهم ،فترة وهنعلن إن إحنا متفقناش وفسخنا الخطوبة ،وساعتها الكل هيعتبرها تجربة وفشلت، والأزمة هتعدى.
قالت سمر بحنق:
-إنت بتصلح غلطة بمصيبة يادكتور،أنا أحسنلى أقدم إستقالتى وأسيب المستشفى.
مزقت كلماتها نياط قلبه،ألهذه الدرجة تمقت فكرة الإرتباط به،وتفضل عليها الإستقالة؟ولكنه نحى شعوره جانبا وهو يحاول إقناعها بفكرته لينقذ سمعتها التى أحدث بها ضررا دون قصد ،ويحقق فى نفس الوقت أمنية أنانية بحتة فى الإرتباط بها ،حتى وإن كان إرتباطا مؤقتا..ليقول بثبات:
-يادكتورة،قلتلك الإرتباط هيكون لفترة قصيرة،هتقدرى من خلالها تحافظى على سمعتك اللى هي أكيد مهمة عندك،وفى نفس الوقت تحافظى على مكانتك فى المستشفى واللى تعبتى عشان توصليلها..
منطقية كلماته التى ربما ترفضها كلية بداخلها،إلا أنها لا تنكر أنها قد تكون الحل الوحيد لتلك المعضلة التى يواجهانها الآن.. كادت أن تعترض بالرغم من ذلك ولكن صوت الطبيب هادى قاطعها قائلا برجاء:
-أرجوكى يادكتورة، وافقى وأوعدك مش هتندمى.
نظرت إليه للحظات بتردد قبل أن تومئ له برأسها موافقة..كادت إبتسامة واسعة أن تتسلل إلى ثغره ولكنه أسرع بإخفائها وهو يومئ برأسه قبل أن يقول:
-كدة فاضل خطوة واحدة.
ليتجه إلى خزانة مكتبه وسط حيرتها،ويفتحها بهدوء مخرجا منها علبة مجوهرات صغيرة وهو يغلق الخزنة مجددا ومتجها إلى سمر بهدوء يقف امامها تماما..وهو يفتح العلبة قائلا:
-دول دبل الخطوبة ،الحقيقة هم يخصوا والدى ووالدتى..ياريت تقبلى تلبسى الدبلة دى مؤقتا عشان نأكد الخبر،لغاية يعنى ما الموضوع ده ينتهى وساعتها تقدرى ترجعيهالى من تانى.
نظرت إلى تلك الدبلة من الألماس فى تردد،ثم لم تلبث أن هزت رأسها بهدوء موافقة ،منحها دبلتها لتلبسها بتوتر وقد ناسبت إصبعها البنصر تماما،بينما إرتدى دبلته بهدوء..كم ود لو ألبسها تلك الدبلة بنفسه خاصة وقد عدلها خصيصا لتناسب مقاسها منذ أن أرادها زوجة له..وإحتفظ بها فى خزانته حتى الوقت المناسب،ولكنه يعلم أن خطبتهما تلك ليست خطبة عادية وأن الوقت المناسب لم يحن بعد..نظر لها مترددا لثوان قبل أن يحسم رأيه ويمسك يدها بهدوء كادت أن تفلتها بعصبية ليتمسك بها قائلا بحزم:
-هتفضلى ماسكاها،وهنمشى قصادهم كلهم وإيدينا فى إيدين بعض،الخطوة دى صعبة ..عارف ..ويمكن مش مقبولة بالنسبة لك،بس صدقينى كل حاجة هتعدى،ومفيش حاجة هتأثر فيكى،لإنك الدكتورة سمر..اللى وصلت للى هم إتمنوه ومعرفوش يوصلوله.
لم تدرك سمر ما يقصده هادى ،هل يقصد مكانتها الرفيعة بتلك المستشفى الخاص والمشهورة ؟أم يقصد نفسه بكلماته؟فكليهما حلم كل فتاة أو طبيبة قد تعرفهم..هي تمنت حقا الأولى ونأت بجانبها عن الثانية،لا تدرى حقا أيهما يقصد بكلماته..ولكن تظل كلماته تلك ولمسة يده المطمئنة من جعلاها ترفع رأسها وتمشى بقوة ،ترفع عيناها فى مواجهة عيون الجميع الذين رأوا أيديهم المتشابكة وتلك الدبل التى تزين أصابعهما،لتخرس الألسنة ….تماما.
الفصل الرابع
قالت سماح برجاء:
-ياحسام إفهمنى،إخواتى وحشونى وإنت عارف ظروف مجد،مفيهاش حاجة يعنى لو سيبتنى أسافرلهم يوم واحد وهرجع علطول..والله ما هتأخر.
هز حسام رأسه رافضا وهو يقول:
-آسف مش هينفع..إخواتك مش أهم عندك من جوزك وإبنك اللى ميقدروش يستغنوا عنك اليوم الواحد ده.
قالت سماح برجاء:
-تقدروا تسافروا معايا.
هز حسام رأسه رافضا مجددا وهو يقول:
-برده مش هينفع.
قالت سماح بنفاذ صبر:
-كل حاجة مش هينفع ..مش هينفع،يعنى ده آخر كلام عندك؟
إقترب منها يمسك يدها بهدوء..حاولت إفلات يدها بعصبية فتمسك بها قائلا وهو ينظر إلى عينيها:
-ياسماح إفهمينى ،أنا بحبك وبغير عليكى ،وانتى عارفة كدة من زمان،إخواتك.. ويومين كدة وييجوا القاهرة ،وساعتها ياستى هتشوفيهم.
لم تلن ملامحها لكلماته كعادتها معه،بل ظلت مكفهرة الملامح..ليمد يده ويقرص وجنتها بخفة قائلا:
-طيب ،فكيها حبة وورينى إبتسامتك الحلوة،أقولك حاجة..لو مجوش كمان يومين،هفضى نفسى وآخدك ونروحلهم..إيه رأيك بقى؟
إنفرجت أساريرها على الفور لتندفع إلى حضنه قائلة بسعادة:
-ودى فيها رأي ؟ فرحانة طبعا..ربنا يخليك لية.
ربت حسام على ظهرها وهو يطبع قبلة على قمة شعرها قائلا بحنان:
-ويخليكى لية ياحبيبتى.
ثم أخرجها من حضنه قائلا:
-ممكن بقى مراتى الحلوة تعملنا كوبايتين شاي بإيديها الحلوين دول،وتيجى نقعد مع بعض شوية نتكلم كلمتين.
لمعت عيناها وهي تقول بسعادة:
-طبعا،هواااا..
لتسرع بإتجاه المطبخ وهي تشعر بأن حسام قد عاد إليها مجددا الرجل الحانى الذى تزوجته بعد أن شغلته الحياة عنها وأبعدته عن بيته وزوجته وطفله فى الآونة الأخيرة،بينما تابع حسام مغادرتها بعيون ظهر فيهما الذنب… واضحا.
********************
قالت ماجى بحنان:
-خلاص ياجيسى حصل خير ياقلبى،زي ما قلتلك إنتى غلطى لما سكتى عن الغلط،وده خلى الغلط يمسك من غير ذنب،الرسول صل الله عليه وسلم قال…..
رددت إبنتها قائلة:
-عليه الصلاة والسلام.
لتقول ماجى بإبتسامة:
-من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه..فإن لم يستطع فبقلبه وهذا أضعف الإيمان.
قالت إبنتها بندم:
-صدق رسول الله،معاك حق يامامى..أنا غلطت فعلا.
قالت ماجى بحنان:
-كان لازم لما تطلب منك نهلة تغششيها ،مش بس ترفضى، لأ ..وتنصحيها كمان ،ده غير إنك تطلبى نقلك لمكان تانى ..عموما ياقلبى متقلقيش،كل شئ ممكن يتصلح،و كويس إنك قلتيلى ..عشان أقدر أتصرف.
إحتضنتها إبنتها بسعادة قائلة:
-إنتى أحسن مامى فى الدنيا ياميجو.
أغمضت ماجى عيناها وهي تضمها بدورها قائلة:
-وإنتى أحسن بنوتة ياعمرى أنا.
ثم فتحت عيناها قائلة وهي تخرجها من أحضانها قائلة:
-يلا بقى روحى ذاكرى كويس عشان هيكون فيه تيست تانى بكرة بإذن الله،بدل التيست اللى رفضته مس سوزى،لما مسكت الكتاب اللى نهلة كانت بتغش منه ،وافتكرتك بتغشى معاها.
ظهرت الفرحة على وجه الطفلة الجميلة وهي تقول بسعادة:
-حاضر..هروح حالا.
ثم إلتفتت الفتاة مغادرة لتتوقف لدى مشاهدة والدها يقف على عتبة الباب..لتندفع إليه وهي تحتضنه قائلة :
-بابى إنت جيت إمتى؟
ضمها بذراعه قائلا :
-حالا ياحبيبتى.
خرجت من حضنه قائلة:
-هتتعشى معانا؟
أومأ برأسه لتصيح مهللة وهي تقول :
-تمام ،هروح أخلص مذاكرة بسرعة عشان نتعشى..سلام .
وإندفعت مغادرة الحجرة لينظرا فى إثرها بحنان قبل أن يلتفت يوسف إلى ماجى قائلا بعتاب:
-على فكرة ياماجى إنتى مدلعة ياسمين أوى،ومخلياها معتمدة عليكى فى كل حاجة ،وده هيسببلها مشاكل كتير أوى فى المستقبل.
تقدمت منه ماجى حتى توقفت أمامه تماما قائلة بإبتسامة هادئة:
-على فكرة بقى،إنت اللى بتكرر كلام مامتك يايوسف من غير ما تكون أصلا مقتنع بيه،إنت عارف ومتأكد إنى مش مدلعة جيسى..كل الموضوع إنى من يوم ما كبرت وأنا بعاملها زي صاحبتى ،مش مخلياها تخاف منى ،بالعكس،بتحكيلى كل صغيرة وكبيرة عن حياتها، وده بيخلينى أقدر أنصحها صح،مبتضطرش تلجأ لحد عشان ينصحها ،وياعالم هتكون النصيحة صح أو غلط،وإنت عارف برده من جواك إن أسلوبى فى تربيتها خلى عندها شخصية قوية ومستقلة..وخلاها البنت اللى بتفتخر بيها فى كل مكان.
كان يوسف يدرك صحة كلماتها ولكنه عاند قلبه المقتنع بحديثها قائلا:
-بس ياماجى..
وضعت إصبعها على فمه قائلة بعيون ظهر بهما عتابا :
-بس مامتك كلمتك وقالتلك إنى مرتبطة بياسمين زيادة عن اللزوم وإنى بكدة بدلعها وبخليها محتاجالى فى كل كبيرة وصغيرة فى حياتها، وإن الحل الوحيد إنى أخلف طفل تانى يشغلنى شوية عنها ويقلل إرتباطى بيها واللى هي معتبراه إرتباط مرضى ..مش كدة؟
لم يستطع تحمل نظراتها المعاتبة وهو يشعر بالذنب، خاصة و أنها أدركت الحديث الذى دار بينها وبين والدتها حرفيا..ليبعد إصبعها عن فمه وهو يشيح بناظريه عنها يشعر بالخجل ،لتبتسم وهي تمد يدها تمسك بذقنه تعيد نظراته إليها قائلة بحنان:
-أنا مش معترضة على إننا نجيب طفل تانى،يمكن كنت خايفة من الخطوة دى عشان كنت مقلقة زي ماإنت عارف..ده غير إنى خفت من إنها تشغلنى عن تربية ياسمين التربية اللى نفسى أربيهالها،لكن جيسى دلوقتى كبرت وتقدر تعتمد على نفسها وأنا مستعدة يايوسف،مستعدة نقوم بالخطوة دى لو بجد هتسعدك.
لمعت عيونه بالسعادة وهو يقول:
-بجد ياميجو؟بجد مستعدة نجيب طفل تانى ؟
اومأت برأسها بحنان وهي ترى سعادته الجلية على ملامحه ليحملها ويدور بها فى الأرجاء بسعادة،تلك السعادة التى من أجلها قد تفعل أي شئ على الإطلاق،حتى لو تحملت كلمات حماتها السامة ومعاملتها الغريبة لها منذ أن علمت بأنها السبب فى تأجيل الإنجاب،من أجل سعادته قد تنجب مرة وإثنان وثلاث،رغم خوفها المرضي من لحظة الولادة والتى توفت أثنائها والدتها حين أنجبتها،من أجل سعادته ستتغلب على خوفها..بالتأكيد.
أنزلها ببطئ يتأمل ملامحها بوجه عاشق قبل أن يميل مقتربا من وجهها تلفحهها أنفاسه الساخنة وهو يقول:
-طيب بما إن مولاتى تكرمت بالموافقة على المشروع الخطير ده، فإيه رأيك نبدأ التنفيذ حالا؟
إبتلعت ريقها فى صعوبة وهو يثير أحاسيسها بلمسات يديه على يديها العاريتين،صعودا وهبوطا ..لتقول بإضطراب شمل جميع حواسها:
-طيب و العشا ..قصدى..لسة يعنى..هحضره.
مال أمام شفتيها هامسا:
-تحضريه إيه بس؟هنجيب أكل جاهز طبعا.
كادت أن تتفوه بشئ ما ..لم تعد تذكره تماما وهو يأخذها فى جولة عشق ..سارعت من دقات قلبها وسحرتها …كلية.
********************
كانت سماح تقف فى شرفة شقتها تتناول كوب الشاي فى حنق ،فقد جاءت مكالمة هاتفية لحسام وإضطر للنزول بسرعة من أجل شئ يخص العمل ،بعد أن كان وعدها بالمكوث معها والتحدث قليلا،فمنذ وقت طويل لم يجلسا سويا ويتحدثا فى أمور حياتهما كالماضى،تنهدت وهي ترفع وجهها تنظر إلى البعيد ..إلى وقت كانت فيه حقا سعيدة..ربما صاحبت علاقتهما العديد من الخلافات فى وجهات النظر والعديد من الإضطرابات والمشاكل، وفى بعض الأحيان قليل من الخصام ولكن فى النهاية كان لحياتهما نبض و لعلاقتهما روح،أما الآن فحياتهما باردة ..شاحبة كالموتى..لا نبض ولا روح..تتمنى فقط لو عادت حياتهما للسابق حتى لو تخللتها العديد من الصراعات .
تنهدت مجددا وهي تنظر إلى الشارع ،لتعقد حاجبيها وهي تلاحظ هبوط أختها من سيارة غريبة ،ودلوفها المنزل مطأطأة الرأس بإنكسار،تركت الكوب من يدها وأسرعت إلى باب شقتها مغادرة إياها تتجه إلى شقة أختها بالطابق الأسفل ،لتدلف إليها بسرعة،تطالع أختها التى جلست على الأريكة باكية فى قلق نهش قلبها ..لتقول بجزع:
-مالك ياسمر فيكى إيه؟
رفعت سمر يدها إلى سماح لترى سماح تلك الدبلة الماسية وأختها تقول بصوت حزين:
-إتخطبت ياسماح.
عقدت سماح حاجبيها وهي تنظر إلى عيون أختها الحزينة ..لتتسع عيناها بصدمة وأختها تقص عليها ماحدث لها منذ الأمس،وحتى تلك اللحظة التى تشعر فيها سمر بإنهيار جميع أحلامها…..كلية.
********************
جلست سمر أمام التلفاز تنظر إليه وهي تضم ركبتيها بيديها إلى صدرها تستند بذقنها عليهما ،ربما تبدو لمن ينظر إليها مستغرقة كلية فى مشاهدة هذا المسلسل التركي ..ولكنها كانت فى مكان آخر بأفكارها،تشرد فى ماض يؤرقها ويقض مضجعها..أغمضت عيناها عن تلك الصور التى تتراءى لها..تشعر بالألم..تود لو محتها من ذاكرتها،ولم لا؟
وهي تسبب لها الألم الشديد،لقد وافقت على إقتراح الطبيب هادى بالابتعاد عن القاهرة والحضور إلى الإسكندرية خصيصا لتتجاهل تلك الصور التى تلوح فى عقلها بإستمرار منذ أن بدأت جلساتها معه،لم تخبره عنها شيئا،فهي تخيفها بقوة،تجعلها راغبة فى أن تظل فى غياهب عقلها ..لا تريد أبدا أن توقظها من سباتها القهري،كفاها ما تشعر به من ألم ووحدة ليضم قلبها شعور جديد لا ترغبه أبدا،خوفا يهدد كيانها المريض..وياله من شعور.
إنتفضت على لمسة ليديها لتفتح عينيها بقوة وتجدها هاجر التى إقتربت منها دون أن تشعر وجلست بجوارها..تنظر إليها بحنان قائلة:
-متحاوليش تفكرى فى اللى فات،فكرى بس فى اللى جاي وهو هيحللك كل مشاكل الماضى،إنتى مش لوحدك..أنا معاكى وهادى معاكى ،وواحدة واحدة هتعدى من أزمتك ..صدقينى ياسمسم.
غشيت عيون سمر الدموع لتحتضن هاجر بقوة تترك لدموعها العنان قائلة بهمس:
-مش عارفة من غيركم كنت هعمل إيه ياهاجر،ربنا بعتكم لية عشان تقفوا جنبى فى وقت ملقتش فيه حد يقف جنبى..إنتوا هدية من ربنا لية.
قالت هاجر بعيون غشيتها الدموع بدورها:
-وإنتى هديتنا..الأخت اللى ربنا رزقنا بيها.
لتخرجها من حضنها قائلة بإبتسامة حانية وهي تمسح دموع سمر من على وجنتيها بيديها:
-بس إحنا قلنا نبطل نبكى،عشان أنا شكلى بيبقى وحش أوى لما بعيط..
رغما عنها وجدت سمر نفسها تبتسم قائلة:
-إنتى قمر حتى لما بتبكى ياجوجو.
إتسعت إبتسامة هاجر وهي تقرصها فى وجنتها قائلة:
-أهو إنتى اللى قمر بعيونك الملونة دى،بقولك إيه ..ما تيجى نعملنا كوبايتين كابتشينو ونقعد فى البلكونة،ده حتى وقت الغروب وأكيد المنظر يجنن من هناك.
أومأت سمر برأسها موافقة،فنهضا سويا يتجهان للمطبخ ..حين تناهى إلى مسامعهما صوت جرس الباب ..لتسرع سمر بأخذ حجابها ولفه حول رأسها بينما إتجهت هاجر إلى الباب لتفتحه،فلم تجد أحدا،عقدت حاجبيها وكادت أن تغلق الباب حين رأت ورقة بيضاء مطوية على الأرض ،إنحنت لتأخذها ثم إعتدلت مغلقة الباب خلفها ، ومتجهة إلى سمر التى تجمدت تماما وهي ترى تلك الورقة المطوية فى يدها..تخشى فى وجل أن تقبع كلمات جديدة من هذا المعجب المجهول بتلك الرسالة ،ذلك المعجب الذى طاردها برسائله اليومية بالمستشفى،ويبدوا أنه تتبعها حتى الأسكندرية وعرف مكانها ولن يرحمها من تلك الرسائل …على مايبدو.
********************
قالت سماح بهدوء:
-ممكن بس تهدى وتبطلى بكا..وكل حاجة هتتصلح.
مسحت سمر وجهها بكمها فبدت كالأطفال تماما..وهي تقول بصوت تهدج حزنا:
-حتى لو هديت وبطلت بكا،مفييش حاجة هتتغير..أنا سمعتى إتمست ياسماح ،ودى حاجة لا يمكن تتصلح.
ربتت سماح على يد سمر قائلة:
-اللى حصل حصل ..انتى صحيح غلطتى لما خرجتى فى وقت متأخر مع رجل مهما كان غريب عنك،حتى لو قدرتى اللى عمله مع أخوكى،واعتبرتي ان مساعدتك ليه رد لجزء من جميله علينا،لكن ده ميمنعش من إن خروجك معاه من الأساس سمح لناس نفوسها مش كويسة إنها تجيب سيرتك بالباطل،لكن تصرف دكتور هادى أنقذ الموقف،وزي ما قال ..ده حل مؤقت،شوية وكل واحد هيروح لحاله..ونخلص من الموضوع ده كله.
قالت سمر بحزن:
-لكن….
قاطعتها سماح قائلة بحزم:
-من غير لكن..قلتلك اللى حصل حصل،وكويس إنها جت على أد كدة،وإن دكتور هادى إنسان محترم مستغلش اللى حصل بطريقة مش كويسة..بالعكس عرض عليكى إرتباط أدام الكل ولبسك دبلة والدته اللى أكيد ليها معزة كبيرة فى قلبه،وده كله أكيد لأنه بيحترمك ويقدرك..وأكيد مرضاش يكون السبب فى أذيتك.
نظرت سمر إلى بنصرها الأيمن بتفكير وهي تلمسه بيدها اليسرى،بينما لمعت عيون سماح وهي تشعر بأن ما حدث رغم حزنه قد صب فى صالح أختها التى ماكانت لتوافق أبدا على خطبتها من الطبيب هادى لولا ماحدث،بل ما كانت لتوافق على خطبتها لأي رجل من الأساس،فقد كرهت الرجال وفقدت الثقة بهم تماما بسبب والدهم سامحه الله..توقن أن لله تدابيره فى كل شئ ،وربما ما نظنه شرا لنا قد يكون خيرا إن رأينا فيه حكمة الله.
********************
فتحت سمر تلك الورقة بيد مرتجفة لتمر عيونها على سطورها التى تقول…
(حبيبتى…نعم حبيبتى..أعترف بها أمامك..وأمام نفسى..بل أرغب أن أصرخ بها عاليا ..أعترف بها أمام جميع البشر من حولنا..تحدونى تلك الرغبة مرارا وتكرارا وما يمنعنى عن تحقيقها هو أنت..نعم أنت..أريد أن أقر بها أمامك قبل الجميع ..أن أركع طالبا يدك فتمنحينى إياها بعشق يظهر فى تلك العيون الدخانية التى سحرتنى منذ أول مرة إلتقت فيها بعيني..ليتساقط شعرك الطويل الناعم وتتسلل إلي رائحة الياسمين تغمرنى بنشوة العشق ..هذا الشعر البني الناعم ذو الخصلات الذهبية والذى أمد يدى لتتخلل ثناياه..أقربك إلي أكثر لأنهل من شهد شفتيك اللتان إشتقت إليهما كإشتياق مسافر فى الصحراء لشربة ماء تحييه .. عشقتك ،نعم أعترف أمام نفسى أننى لطالما عشقتك..ويوما ما بدورك ستقرين بعشقى..فإنتظرينى..فنحن على موعد مع العشق..موعد مع الحياة ..فإلى لقاء قريب…
ز ا م)
سقطت منها الورقة وهي تجلس مكانها بنظرات زائغة لتقترب منها هاجر على الفور تنحنى لتمسك الورقة تقرأ محتوياتها بسرعة قبل أن تجلس بجوارها قائلة فى قلق:
-سمر،إنتى كويسة..أتصل بهادى؟
قالت سمر بهذيان:
-الحكاية مبقتش معجب مجهول ياهاجر،الموضوع بقى أكبر من كدة،ده حد عارفنى كويس،وعارف عنى حاجات شخصية،عارف ان شعرى لونه بني وطويل وإنى بستعمل شامبو بريحة الياسمين..وبيقول إنه باسنى ،إنتى فاهمة الكلام ده معناه إيه؟
قالت هاجر بشفقة:
-إهدى بس يا سمر،وخلينا نفهم بالراحة.
نهضت سمر قائلة بمرارة :
-نفهم إيه بس ياهاجر؟الكلام اللى قريته فى الورقة ده يخوف،أنا خايفة صدقينى..خايفة أوى،مبقتش مرتاحة للى بيحصل الظاهر إننا لما جينا إسكندرية كانت غلطة،غلطة كبيرة أوى.. ولازم تتصلح حالا.
قالت هاجر فى قلق:
-قصدك إيه ياسمر؟
قالت سمر بحزم:
-قصدى إنى لازم أرجع القاهرة عشان أحس من تانى بالأمان ياهاجر..وحالا.
لتتسع عينا هاجر….. فى صدمة
رواية ضلع مكسور سينجبر.
بقلم شاهندة.
الفصل الخامس
قالت هاجر :
-تفتكرى لو رجعتى القاهرة هترتاحى ياسمر؟معتقدش،إنتى ناسية حالتك النفسية كانت عاملة إزاي هناك؟
زاغت عيون سمر،لتزفر هاجر مستطردة:
-بصى..أنا مش معاكى فى قرار رجوعنا القاهرة بالسرعة دى ،خلينا هنا شوية ونشوف ،لو مرتاحتيش هنرجع،بس مش هنستسلم بسهولة كدة،وبعدين إيه اللى مخوفك بالشكل ده..كل الموضوع شوية رسايل من معجب مجهول؟
زفرت سمر بقوة قائلة:
-ده مش أي معجب،ده حد عارفنى كويس وعارف لون شعرى كمان.
قالت هاجر :
-مش شرط يكون بيعرفك ،لون شعرك ممكن يكون شافه وإنتى داخلة المستشفى أو خارجة من العمليات وخصوصا ان الرسايل ابتدت تجيلك بعد دخولك المستشفى،وممكن يكون عرف لون شعرك من لون حواجبك مثلا أو رموشك،يعنى جايز يكون تخمين كويس وبس ..الإحتمالات كتيرة على فكرة،وإفرضى ياستى إنه يعرفك،تفتكرى لو رجعتى القاهرة هيحل عنك ويسيبك فى حالك،مفتكرش..هيفضل وراكى من مكان لمكان.
جلست سمر تقول بقلة حيلة :
-طب وإيه العمل دلوقتى؟
لمعت عيون هاجر وهي تقول:
-إيه رأيك نستشير أستاذ مجد،اللى عرفته من أخويا إنه محامى وممكن فى الموضوع ده يفيدنا..ويقولنا نقدر نعمل إيه؟
ظهر التردد على وجه سمر وهي تقول :
-مفيش حل تانى؟
عقدت هاجر حاجبيها قائلة:
-وماله الحل ده بس؟
هزت سمر كتفيها قائلة:
-مش عارفة،مش حابة نحكى لحد غريب حكايتى،وخصوصا اللى إسمه مجد ده.
إزداد إنعقاد حاجبي هاجر قائلة:
-غريبة..ماله الأستاذ مجد؟ ده حتى إنسان محترم ومشفناش منه حاجة وحشة.
فكرت سمر….
نعم هو يبدوا إنسانا ملتزما ..وقورا ..وذو أخلاق ،ولكن نظراته إليها تربكها،تشعرها بمشاعر غريبة ،بل متناقضة للغاية،أفاقت من أفكارها على صوت هاجر التى قالت بقلق:
-سمر..ماله الأستاذ مجد؟قلقانة منه ليه؟
قالت سمر بإضطراب:
-مش قلقانة ياهاجر..أنا بس مش مرتاحة..يعنى هو….أنا….
لتتنهد مستطردة بيأس:
-بصى..اللى تشوفيه صح ياهاجر إعمليه.
ظهر الإرتياح على ملامح هاجر ..قبل أن تبتسم قائلة:
-تمام..هكلمه حالا.
ثم أمسكت هاتفها تتصل بالرقم الخاص بأمجد وعيون سمر تتابعها ……بقلق.
********************
طرق مجد باب الشقة ثم تنحى جانبا،لتفتح له هاجر على الفور..قال بهدوء:
-خير ياآنسة هاجر..فيه حاجة؟
قالت هاجر بسرعة:
-إتفضل أدخل ياأستاذ مجد.
عقد مجد حاجبيه يتساءل عن سر توتر صوت هاجر ليدلف إلى الشقة وتقع عيناه على سمر التى مدت يدها بحركتها المعتادة تتأكد من أن حجابها يحجب شعرها بالكامل عنه،فلا تتسلل منه خصلاتها،كاد أن يبتسم على فعلتها تلك..ولكن ملامحها المتوترة حجبت تلك الإبتسامة وهو ينقل بصره بينها وبين هاجر قائلا بتوتر إنتقل إليه على الفور:
-خير ياجماعة..فيه إيه؟
أطرقت سمر برأسها أرضا بينما قالت هاجر:
-الحقيقة ياأستاذ مجد..إنت عارف إن إحنا جينا إسكندرية عشان جامعتى ودراستى، وعشان سمر تبعد عن جو القاهرة وتلاقى مكان هادى تريح فيه أعصابها.
أومأ مجد برأسه وهو يلقى نظرة على سمر التى رفعت عيونها إليه فى تلك اللحظة وإلتقت بعينيه،ليتوقف الزمن.
شعرت سمر بأنها أسيرة تلك العينان الخضراوتان،اللتان رقت نظراتهما الآن لتسحبان أنفاسها كلية،حاولت الإشاحة بناظريها عنهما فلم تستطع..تجذبها إليه قوة أكبر منها ومن خوفها الفطري من الجنس الآخر،فكان هو أول من قطع تواصلهما البصري هذا رغما عنه وهو يلتفت لهاجر التى قالت :
-كان فيه رسايل بتوصل لسمر فى المستشفى لما كانت بتتعالج،رسايل فيها يعنى..كلام عن مشاعر وأحاسيس ليها من واحد مجهول ،ودايما كان بيمضى بالحروف( ز ا م)..الحقيقة ده كان من أكتر الحاجات اللى ضايقت سمر وخليتها ترضى تسافر معايا،كنا فاكرين إن كدة خلاص،المعجب المجهول هينساها ويبطل يبعت رسايل وهنخلص من الموضوع ده..لكن للأسف مبطلش.
لترفع يدها بورقة مطوية تقول بهدوء:
-لسة باعت رسالة حالا..والرسالة دى قلقت سمر أوى وكانت هتخليها ترجع القاهرة لإن فيها معلومات شخصية جدا عنها.
عقد مجد حاجبيه وهو يقول :
-ممكن أشوف الرسالة دى؟
قالت سمر بسرعة:
-لأ مش ممكن.
نظر إليها يدرك أنها لأول مرة تخرج عن صمتها منذ دلوفه الشقة،بل لأول مرة على الإطلاق تتوجه إليه بكلماتها..لتستطرد هي قائلة بتلعثم:
-قالتلك يعنى..إن فيها حاجات شخصية عنى،يعنى مش هينفع تقراها.
تفهم مجد الأمر ولكنه قال:
-طب إزاي هفهم الموضوع لو مقريتش الرسالة؟
قالت سمر بعصبية:
-مش مهم تفهم ..أقولك ..خليك برة الموضوع ده أحسن لو سمحت.
عقد مجد حاجبيه بينما قالت هاجر برجاء:
-إهدى بس ياسمر،أستاذ مجد مغلطش فى حاجة..هو…
قاطعها مجد قائلا بهدوء:
-لأ ،هي معاها حق..الظاهر إنه موضوع شخصى وأنا فعلا مينفعش أتدخل.
ثم نظر إلى سمر قائلا:
-أنا آسف يا آنسة سمر..أنا كان كل قصدى إنى أفهم الموضوع كويس عشان أقدر أعرف هنتصرف إزاي.
قالت بحنق موجه لنفسها لتسرعها بالرد عليه بحدة ..وما قصد حقا سوى مساعدتها:
-مدام.
عقد حاجبيه قائلا:
-أفندم؟
نظرت مباشرة إلى عينيه قائلة:
-أنا مدام مش آنسة.
ليدق قلبه ………بقوة.
*******************
بعض مرور بعض الوقت…
قال مجد بهدوء:
-أنا كدة فهمت الموضوع..والسؤال هنا هو عن إحساسك يامدام سمر عن الشخص ده،تفتكرى ده حد يعرفك؟
قالت سمر بتوتر:
-مش عارفة ..بيتهيألى أيوة.
نظر مجد إليها مباشرة وهو يقول:
-مش بيتهيألك..المعجب المجهول ده أكيد يعرفك والدليل على كدة إنك قلتى إنه ذكر لون شعرك فى رسالته الأخيرة،وإنه بيمضى بالحروف التلاتة كل مرة ،وده مالوش غير معنى واحد ..إنه يعرفك وإن الرموز دى مميزة بينكم..ممكن تبقى حروف إسمه أو امضته اللى إنتى عارفاه بيها،بس أكيد مش فاكراها دلوقتى..لكن لو دورتى جوة ذاكرتك كويس،أكيد هتفتكريها..وهتفتكرى مدلولها والشخص اللى وراها كمان.
أغروقت عيناها بالدموع قائلة:
-تفتكر محاولتش؟!تفتكر مفكرتش ألف مرة فى الرسايل وصاحبها؟ وإيه ممكن يكون معنى التلات حروف دول..فكرت ،وللأسف موصلتش لحاجة أبدا غير شعور بالخوف بيوقف قلبى كل ما بشوف رسالة منه بتوصلى.
أحس مجد بضلوعه تنتفض لوعة عليها بسبب هذا الألم الذى ظهر بوجهها وبصوتها وإرتعاشة يديها ليقول على الفور:
-طب إهدى يامدام سمر..إهدى وكل شئ ليه حل.
مدت يدها برقة تمسح دموعها التى سالت على خدودها رغما عنها.. قائلة بمرارة:
-وإيه بس الحل؟
قال مجد بحزم:
-هنحط كاميرا قصاد الشقة..وساعتها لو حد وصل رسالة تانية ،أكيد هنعرفه ونوصله.
قالت هاجر بسعادة:
-فكرة هايلة ياأستاذ مجد..إزاي بس مخطرتش على بالى.
إكتفى مجد بإبتسامة باهتة..لينهض قائلا:
-أنا هتصل بعادل،ده واحد صاحبى..هييجى ويركب الكاميرا علطول..
لينظر إلى سمر قائلا بثبات:
-أنا مش عايزك تخافى أبدا،ولا تقلقى..قريب اوى هنعرف مين اللى بيبعت الرسايل دى يامدام سمر،قريب أوى هترتاحى.
نظرت إليه بعيون ظهر بهما شعور لأول مرة يتسلل إليه..إمتنانا إستقر بعينيها،وإمتزج بسحر خلب لبه ولمس قلبه على الفور لتعود إليه على الفور ذكرى نظرات مشابهة رمقته بها زوزا،زوجته الحبيبة حين أنقذها من هؤلاء الذين كانوا يضايقونها وهي فى طريق العودة إلى المنزل من عملها،نعم..رمقته بتلك النظرة تماما والتى سارعت من دقات قلبه ليدرك وقتها أنه عاشق لأول مرة،وها هي سمر ترمقه بنفس النظرة ،ليدق قلبه بقوة،معلنا..إنك تقع فى الحب…..مجددا.
********************
كانت تجلس فى حجرتها على سريرها،تدير محبسها حول بنصرها..تفكر فى كلمات أختها عن هادى وما فعله من أجلها،تتساءل حقا عن السبب ..هل يشعر بالذنب لأنه هو السبب فيما حدث؟أم هل حقا يهتم لأمرها ويخشى عليها من أن تتأذى؟على الأرجح الإحتمال الأخير هو الأصح.
فهو يبدو مهتما بها بالفعل،وقد لاحظت إهتمامه منذ فترة ولكنها تجاهلت الأمر كلية،كما كانت تفعل طوال عمرها..يكفيها ما رأته من والدها لتثق كلية فى أن الرجال كاذبون..مخادعون..لا أمان لهم..ربما هناك البعض منهم صادقون…لا…لا…ليس هناك من هو صادق منهم،فقط أخاها مجد هو من يختلف عن باقى الرجال،أما الجميع فهم على شاكلة أبيها.
خلعت محبسها من يدها بغضب وكادت أن تلقيه أرضا ولكنها تذكرت أهميته لدى هادى،فهو ذكرى من والدته لتوقفها تلك الفكرة فقط..مدت يدها إلى الكومود بجوارها تفتح درجه العلوي وتضعه بداخله ،ليرن الهاتف الخاص بها ..تناولته وهي تنظر إلى شاشته، لتعقد حاجبيها حين رأت رقم غريب..ردت عليه قائلة بحذر:
-ألو.
جاءها صوت رجل ليس بغريب عليها..رجل أضحى اليوم فقط خطيبها،وهو يقول بإضطراب بدا واضحا فى صوته:
-سمر.
إعتدلت عاقدة حاجبيها قائلة فى حيرة:
-هادى..
أسعده أنها تعرفت عليه على الفور وأطربت أذنيه نبراتها وهي تنطق بحروف إسمه..ولكن بهتت سعادته مع إستطرادها بلهجة باردة:
-خير يادكتور هادى ..فيه حاجة؟ ممكن أعرف بتكلمنى فى الوقت ده ليه؟وجبت رقمى منين؟
إرتبكت نبراته وهو يقول:
-أنا جبت رقمك من مجد.. كلمته وحكيتله اللى حصل ،كان لازم يكون موافق على التصرف اللى قمت بيه،حتى لو كانت مكالمتى ليه متأخرة شوية.
أغمضت سمر عيناها وهي تضرب على رأسها بخفة..كيف غاب عن بالها أخاها مجد وإخباره بما حدث،وهي تدرك أنه يحادث دكتور هادى يوميا ..لم تستطع إنكار إعجابها بتصرف الطبيب هادى ومصارحة أخاها بكل شئ بل والحصول على مباركته أيضا ،ولكن ..هل وافق أخاها بالفعل على تصرف هادى؟أم ثار جنونه..ليجيب هادى تساؤلاتها قائلا:
-والحقيقة هو قدر الموقف..وكلمك عشان يطمن عليكى بس إنتى مردتيش.
أدركت سمر أنه ربما حادثها وهي تجلس مع سماح بالردهة فلم تسمع رنين هاتفها الذى تركته داخل حقيبتها والتى ألقت بها بعيدا عند دلوفها إلى الشقة،وبحثت عنها بعد صعود سماح إلى شقتها..أفاقت من أفكارها على صوت هادى القلق وهو يقول:
-سمر..إنتى معايا؟
قالت سمر بهدوء:
-معاك يادكتور.
ذكرته مجددا بأنه هادى الطبيب وليس هذا الرجل الذى يضع محبسه فى يدها..وكأنها توضح له بالضبط مكانته لديها..لذا..فقد تنحنح قائلا:
-إحمم..أنا آسف فعلا إنى كلمتك فى وقت متأخر زي ده،بس معرفتش أنام قبل ما أطمن عليكى.
ليصمت للحظة قبل أن يستطرد قائلا بنبرة حانية:
-إنتى كويسة دلوقتى..يعنى قدرتى تتقبلى الوضع؟
عقدت سمر حاجبيها..لقد هاتفها ليطمأن على حالها..يدرك صعوبة الوضع عليها..ترى هل سبر أغوارها بتلك السهولة؟هل صار يشعر بها؟دق قلبها بقوة وشعرت به يلين..لتنفض مشاعرها جانبا وهي تقول بحدة رافضة هذا الضعف الذى تسلل إلى كيانها:
-إنت شايف إن ده وضع ممكن أتقبله؟شايف إن الناس لما تجيب سيرتى بالباطل حاجة ممكن تعدى علية بسهولة كدة؟أو إنى أكون فى وضع غصب عنى ومش بإرادتى، أضطر فيه أكون مخطوبة ليك أدام الناس وده مش حقيقى حاجة عادية ممكن أرضى بيها ؟للأسف يادكتور ..لأ..لا أنا كويسة ولا قادرة أتقبل الوضع.
رغم كلامها الجارح إلا أنه أدرك المرارة بداخل صوتها ..يرجع ثورتها إلى إضطرارها للقبول بإقتران إسمها برجل ،أي رجل..وليس بشخصه هو..فمن خلال محادثته اليوم مع مجد..أدرك ماضيها الذى جعله يدرك سر تصرفاتها شبه العدوانية تجاه الرجال بصفة عامة..فقد نشأت تظن أن كل الرجال يماثلون أباها غدرا ويشبهونه طبعا وعليه فقط أن يثبت لها عكس ذلك ولكن برفق..بهدوء….و بحب.
ليقول بثبات:
-أنا طبعا عارف إن الوضع صعب بالنسبة لك ومقدر حساسيته،بس غصب عننا لازم نتقبله عشان نقدر نعدى اليومين الجايين دول من غير ما حد يشك فينا..بالعكس لازم نظهر كاتنين بجد مقبلين على الجواز..
ليأخذ نفسا عميقا قبل أن يقول مستطردا:
-سمر..أنا مش ضدك..ولا فى جبهة معادية ليكى،بالعكس أنا فى صفك ومعاكى..وصدقينى عمرى ما هسمح بحاجة تانى تمسك أو تإذيكى.
أغمضت عيناها يدرك قلبها الصدق فى صوته وكلماته ولكن عقلها يأبى تصديقه..يتمسك بكل قوة بحواجزه ودفاعاته..لتفتح عينيها على صوته الذى ردد بهمس:
-سمر.
قالت بصوت ظهرت به حيرتها..تحاول أن تسيطر على حواسها التى إنتفضت لدى سماعه نبراته الهامسة بإسمها:
-معاك يادكتور.
ظهرت إبتسامة فى صوته رغما عنه وهو يقول:
-هاجى آخدك بكرة من البيت.
عقدت حاجبيها قائلة بسرعة:
-لأ..أنا….
قاطعها قائلا بحزم:
-قلتلك لازم نبان أدام الكل زي إتنين طبيعيين هيتجوزوا..حاولى تتقبلى ده ياسمر،من فضلك.
صمتت ،ليستطرد قائلا:
-إتفقنا؟
قالت موافقة رغما عنها:
-إتفقنا.
إبتسم قائلا:
-تمام..هسيبك دلوقتى ترتاحى..تصبحى على خير.
رغما عنها وجدت نفسها تقول برقة:
-تلاقى الخير.
لتتسع عيناها بصدمة تنظر إلى الهاتف قبل أن تغلقه بقوة وتضرب به رأسها بخفة قائلة:
-غبية ..غبية..غبية.
ثم لم تلبث أن تركت الهاتف من يدها تأخذ نفسا عميقا..وهي تشعر أن تحيتها بدت عادية ولم يظهر بها ضعفها الذى شعرت به فى كل كيانها،تنهدت ثم نظرت إلى الكومود لتفتح درجه العلوي ..تأخذ منه محبسها ..رفعته أمام عينيها تتأمله..لتنظر إلى تلك الكلمات الإنجليزية بداخله..تراها لأول مرة..تقرأها بهدوء وتترجمها (..Together For Ever H)..(معا إلى الأبد .. ه).
يالها من ثلاث كلمات دق لهم قلبها بقوة ..تتأمل حرف الهاء ..وهي تتساءل فى حيرة..هل هذا إختصارا لإسمه..ترى هل يقصدها بتلك الكلمات؟لتضرب رأسها بخفة قائلة فى نفسها،أن المحبس يخص والدته وأن حرف الهاء لابد وأنه يرمز لإسم أباه..هشام،تبا..إن أفكارها اليوم مرتبكة..وغريبة عليها..وربما ستودى بها إلى الجنون..لذا فقد أعادت المحبس إلى الدرج..وأغلقته..ثم إضجعت على جانبها الأيمن..تغمض عيناها بقوة وتحاول بكل كيانها أن تستسلم للنوم..نوم تعلم أنه لن يراود أجفانها تلك الليلة…نهائيا.
********************
دلف حسام بخطوات حذرة إلى حجرة نومه، لتعتدل سماح فى سريرها تنير الأباجورة المجاورة لسريرها ..قائلة بهدوء:
-حمد الله على السلامة ياحسام.
قال حسام بإرتباك:
-الله يسلمك ياحبيبتى..إنتى لسة صاحية لغاية دلوقتى ليه؟
نظرت سماح إلى الساعة التى تشير إلى الثانية عشرة..ثم نظرت إليه قائلة:
-مستنياك ياحسام.
حاول أن يرسم على شفتيه إبتسامة وهو يقترب منها ويجلس بجوارها يقرص وجنتها برقة قائلا:
-وأميرتى الحلوة مستنيانى ليه؟
نظرت إلى إبتسامته ولمسته وكلامه المعسول لتدرك بصدمة أنها لم تعد تتأثر بهم..فمازالت غاضبة منه ومازال يثير حنقها..لتنهض وهي تقول بعصبية:
-حسام ..مبقاش ينفع كدة،أنا بجد زهقت..إنت علطول مشغول ،مشغول فى الشغل..مشغول حتى فى البيت،مبنخرجش مع بعض ولا بقينا حتى بنتكلم مع بعض،و لو صدف وقعدت فى البيت .. يابتقعد أدام الماتش ياماسك التليفون..وجودك فى حياة إبنك تقريبا بقى معدوم،إذا كان وجودك فى حياتى نفسها بقى معدوم..
لتلوح بيدها مستطردة:
-أنا إتخنقت..بجد إتخنقت..عايزة حسام بتاع زمان..حسام اللى كانت سماح بالنسبة له أول إهتماماته،نفسى أعرف إيه بس اللى غيرك ..إيه اللى آخدك منى؟
نهض حسام بدوره مقتربا منها وهو يقف أمامها تماما يمسكها من كتفيها بيديه قائلا:
-ياحبيبتى..أنا زي ما أنا متغيرتش،لسة بحبك ولسة أهم حد عندى هو إنتى..أنا لو بعدت شوية فده عشان بس الشغل لسة جديد وآخد كل وقتى.
لم تقتنع بكلماته وهي تنظر إليه بعتاب..ليقول بإصرار:
-صدقينى أنا زي ما أنا..هي بس أمور الشغل وإلتزاماته اللى أخدونى حبة منك لكن أنا أهو،قريب منك..ومعاكى ياموحتى.
أحست بقلبها يلين لكلماته مجددا..خاصة ويداه تتسللان إلى خصرها يضمها إليه ويقربها منه أكثر ..يقول أمام شفتيها:
-وحشتينى ياحبيبتى..بجد وحشتينى أوى.
قالت بصوت تهدجت نبراته تأثرا من قربه..ولكن ظلت نبراتها تمتزج بالعتاب:
-لو وحشتك بجد مك…..
إبتلع كلماتها بين شفتيه يجتاح شفتيها بقبلاته..لتصمت تماما وهي تستسلم لمشاعرها التى إشتاقت لقربه طويلا حتى كادت أن تيأس كلية ،ظنا منها أنه ما عاد مهتما بها كأنثى..وأنه ربما قد مل منها،ولكنه يثبت لها الآن وبكل مشاعره أنها مازالت…. أنثاه.
الفصل السادس
قالت هاجر بحدة موجهة حديثها لأمين مكتبة الجامعة:
-يعنى إيه حضرتك الكتاب محجوز؟المفروض إن إحنا فى مكتبة الجامعة ،يعنى اللى يحب يستعير كتاب بيستعيره علطول..مش أفضل أسأل عليه لمدة ٣ أيام تقولى الكتاب محجوز،لما البنى آدم اللى حجزه نفسه يقراه أوى كدة ،مخدوش ليه لحد دلوقتى؟ولا أنا عشان أقراه هضطر أستنى حضرته لما يتكرم علينا وياخده وبعدين يرجعه،والله أعلم ده هيكون السنة دى ولا …..
قاطعها صوت ساخر يقول:
-والله أنا موجود، وتقدرى تسألينى بنفسك.
إلتفتت إليه بحدة تطالعه بثبات..فتأمل ملامحها الجميلة بوقاحة ظهرت على ملامحه،لتقول بحنق:
-وحضرتك تبقى…
وتركت جملتها معلقة..لتزداد إبتسامته سخرية وهو يقول :
-أنا البنى آدم اللى كنتى بتتريأى عليه من شوية.
إبتسمت ببرود قائلة :
-تشرفنا.
أومأ برأسه وقد إرتفع جانب شفتاه بسخرية لتختفى إبتسامتها الباردة تماما وهي تقول بحنق:
-سعادتك بقى هتتكرم علينا وتاخد الكتاب ولا لأ؟
إقترب بهدوء منها حتى وقف أمامها تماما،مال عليها فجأة فتراجعت تلقائيا ترتطم بالطاولة خلفها..فإتسعت إبتسامته الساخرة وهو يمد يده يأخذ الكتاب من على الطاولة خلفها معتدلا..ثم ناظرا لأمين المكتبة غامزا وهو يقول:
-الكتاب ده عندى ياإتش،وغالبا هجدد إستعارته.
لينظر إلى هاجر مستطردا بسخرية:
-أصلى بطيئ أوى فى القراية.
عقدت حاجبيها فى غضب بينما إلتفت هو مغادرا لتقول هامسة بحنق:
-إنسان بارد ومستفز.
توقف وقد تسللت إلى مسامعه كلماتها..ليلتفت رامقا إياه بسخرية..قائلا ببرود:
-وقليل الذوق كمان..سلام .
ثم إلتفت مغادرا بهدوء،تتابعه عيناها بحنق غمر كيانها بالكامل ،تشعر لأول مرة بأنها تمقت إنسانا ..والأدهى أنه إنسان لا تعرفه،ولا تود أن تتعرف إليه….أبدا.
********************
قال عادل بإبتسامة:
-كدة الكاميرا أدام الباب بالظبط وبطريقة متبانش خالص،ولو قطة حتى عدت من أدامها هترصدها،وأنا فهمتك إزاي تفرغ الشرايط وإزاي تبدلها..كدة تمام ياكبير؟
إبتسم مجد قائلا:
-تمام ياعادل..تسلم.
إتسعت إبتسامة عادل وهو يقول:
-طيب هستأذن بقى عشان سايب المحل فى عهدة صفوت ،وإنت عارف صفوت.
أومأ مجد برأسه وهو يقول بإبتسامة:
-سلملى عليه.
قال عادل بغمزة :
-يوصل..بالإذن.
ثم غادر لينظر مجد إلى الباب المغلق للحظات قبل أن يتنهد ثم يطرق الباب بهدوء..ليفتح الباب على الفور وتطل هي بوجهها الملائكي تنظر إليه بتساؤل،ليقول لها بحنق:
-مش قلتلك قبل كدة متفتحيش الباب لحد قبل ما تسألى هو مين..وتبصى من العين السحرية كمان؟
إتسعت عيناها بإستنكار من كلماته،لينظر بدوره إليها فى صدمة،يدرك أنها ليست زوجته زوزا..بل هي فقط سمر جارته..وربما أخافها الآن بكلماته الغريبة تلك،ليطرق برأسه على الفور قائلا بأسف:
-إحمم..أنا متأسف جدا يامدام سمر،الحقيقة غصب عنى قلتلك الكلام ده،بس إنتى دلوقتى فى مكانة ….
ليصمت للحظة قبل أن يرفع رأسه ينظر إلى عينيها قائلا بحنان امتزج بحزن:
-أخواتى البنات..والحقيقة أنا دايما كنت بنبه على إخواتى ميفتحوش الباب لحد من غير ما يتأكدوا من هويته،وخصوصا يعنى أختى الصغيرة ..واللى فكرتينى بيها حالا.
لانت ملامحها وهي تدرك سبب ثورته عليها..لتبتسم بهدوء قائلة:
-ربنا يخليلك إخواتك،عموما حصل خير..كنت عايز حاجة؟
قال بإرتباك:
-إحمم..أنا كنت..يعنى..بطمنك إن الكاميرا إتركبت،ومبقاش حد يقدر يضايقك تانى.
إتسعت إبتسامتها وهي تقول بإمتنان:
-الحقيقة ،أنا مش عارفة أشكرك إزاي.
تطلع إلى عينيها الدخانيتين للحظات ،شعر فيهم بالغرق حرفيا..فقد مرت فى تلك اللحظات ذكريات شبيهة بما يمر به الآن وإن إختلفت الظروف بالطبع،لكنه نفض أفكاره وهو يقول بإبتسامة هادئة:
-لا شكر على واجب..لو إحتجتى أي حاجة تانية،كلمينى وهتلاقينى جنبك،قصدى يعنى فى خدمتك..وزي ما قلتلك إنتى والآنسة هاجر زي إخواتى بالظبط،وتقدروا تعتبرونى أخ ليكم زي الدكتور هادى تمام.
إكتفت بإبتسامة هادئة وإيماءة بسيطة من رأسها ،ليقول بإرتباك:
-إحمم..هستأذن أنا..سلام عليكم.
رددت بهدوء:
-وعليكم السلام.
نظر إليها نظرة طويلة أربكتها قبل أن يلتفت مغادرا وصاعدا إلى شقته بالدور العلوي،بينما أغلقت سمر الباب وإستندت إليه بظهرها،ترفع يدها تضعها على خافقها..تتساءل بحيرة عن سر دقات قلبها المتسارعة والتى تتسارع فقط فى حضوره خاصة عندما يطالعها بنظراته الحانية تلك، والتى تثير الإضطراب فى كيانها بالكامل..لتعقد حاجبيها بشدة وهي تجد نفسها لأول مرة ترغب فى معرفة المزيد عن هذا الرجل.
********************
ترجلت سمر من سيارة هادى يتبعها هو بإحباط ،فقد ظلت صامتة طوال الطريق..ترد عليه بإقتضاب عندما يتوجه إليها بالحديث،وكأنها تحذره من التمادى معها أكثر،تخبره بكل وضوح أن إرتباطهما هو إرتباط صوري..ويجب ان يظل هكذا،كادت أن تبتعد متجهة إلى بوابة المستشفى ليوقفها ندائه بإسمها مجردا،لتلتفت إليه بملامح جامدة..إقترب منها حتى توقف أمامها تماما،لينظر إلى عينيها مباشرة وهو يقول بثبات:
-عارف إن إرتباطنا أدام الناس ،بس كمان لازم نظهر أدامهم كأي إتنين مرتبطين ومفيش إتنين مرتبطين مبيمشوش وإيديهم فى إيدين بعض،كمان مفيش إتنين مرتبطين ملامحهم بتبقى بالشكل ده ،وكأن حد ميت عندهم ..ولا إيه؟
رمقته للحظات بتحدى،قبل أن تلين ملامحها..ليمد يده فى تلك اللحظة ويمسك بيدها دون أن يحيد بنظراته عنها فلم تمنعه،ليومئ برأسه إيماءة خفيفة ..قبل أن يتجها سويا إلى بوابة المستشفى،لتصل إليه نبراتها الهامسة وهي تقول:
-هانت كلها يومين والمسرحية السخيفة دى تخلص..وساعتها كل واحد هيروح لحاله يادكتور.
إبتسم بداخله لروحها المتمردة والتى مازالت تقاومه بكل قوة وظهرت إبتسامته تلك على وجهه وهو يحيي كل من يصادفهم فى طريقه،ليظهر كأسعد رجل بالعالم..وهذا ما يشعر به الآن ويده تحتضن يدها….تماما.
********************
توقفت هاجر بسيارة الأجرة قريبا من تلك البناية التى تقطن بها ثم ترجلت منها بهدوء يخالف هذا الحنق الذى ربض بكيانها،تتذكر هذا الرجل الوقح الذى أثار حنقها اليوم ومازالت حانقة حتى تلك اللحظة ..خاصة وأنها قد بحثت عن تلك الرواية فى كل مكتبة قد صادفتها فى الطريق فلم تجدها،ربما بدأ الأمر كعشق للكاتب ورغبة منها فى قراءة جميع مؤلفاته،فقد قرأت للعظيم يوسف السباعى..تقريبا جميع رواياته مثل (إنى راحلة وبين الأطلال ورد قلبى)..ولم يعد هناك سوى رواية (أرض النفاق) والتى تثق بأنها إبداع كباقى روايات الكاتب،ولكن الأمر الآن تعدى عشقها لروائع السباعى..وأصبح تحدى لهذا الرجل الذى حرمها قراءة الرواية،لتبرهن له فقط أنه لم يستطع أن يكسر أنفها،ولكن هاهي قد رجعت إلى المنزل بخفي حنين..وستضطر بالغد أن تنزل إلى مكتبة الأسكندرية لتبحث عن تلك الرواية،أفاقت من أفكارها على هذا الرجل الذى توقف أمامها فجأة يرمقها بملامح وقحة لم ترتح إليها أبدا..عقدت حاجبيها لتشعر أن ملامحه تبدو مألوفة،أدركت على الفور أين رأته بالسابق،فهو يمتلك هذا المتجر بجوار بنايتهم تلك..تراه كل يوم عند عودتها يرمقها بتلك النظرات الوقحة..ليظهر الغضب على وجهها حين حاولت أن تتجاوزه فوجدته يتحرك معها ليظل واقفا أمامها مجددا..رمقته بحدة قائلة:
-فيه حاجة ياأستاذ؟
إبتسم بسماجة قائلا:
-مرتضى ..إسمى مرتضى ياست الأستاذة.
قالت بنفاذ صبر:
-خير ياأستاذ مرتضى.
لمعت عيناه وهو يقول:
-كل خير ياست الأستاذة..أنا بس كنت عايزك تشرفينا فى المحل وتختارى حاجة من عندنا،ده إنتى هتنورينا والله.
حاولت أن تتجاوزه مجددا قائلة:
-لأ شكرا..مش عايزة حاجة.
تحرك معها مجددا لتقف متحفزة وهو يقول:
-طب بصى بس وخدى فكرة .
نظرت إليه بغضب قائلة بحدة:
-قلتلك مش عايزة ،هو إيه؟بالغصب؟لو سمحت إبعد من طريقى دلوقتى حالا،يا إما هصرخ وألم عليك الناس..مفهوم؟
ظهر الغضب على ملامحه وتحركت يداه بإتجاهها ولكنه مالبث ان تراجع وهو يفسح لها الطريق لتتجه بخطوات سريعة غاضبة بإتجاه المنزل..تاركة إياه يغلى من الغضب.
********************
كان حسام يجلس فى مكتبه،يراجع بعض التقارير..حين دلفت إليه نور سكرتيرته وهي تقول بملل:
-شركة الزيات مش موافقة على شروطنا وطالبة تراجع معاك بنود العقد من تانى.
رفع عيونه إليها قائلا بحنق:
-دول بيتلككوا بقى..دى تانى مرة يقولوا كدة،المرة اللى فاتت قعدنا وغيرنا الشروط وحطينا اللى هم عايزينه..طالبين إيه تانى؟
إقتربت منه حتى جلست أمامه تماما قائلة:
-طالبين ضمانات كمان..حاجات تخليهم يدخلوا معانا الصفقة بقلب جامد.
نهض حسام بعصبية وهو يتجه إلى تلك النافذة ينظر من خلالها قائلا :
-هيطلبوا إيه تانى ؟ أنا إديتلهم كل الضمانات اللى ممكن أقدمهالهم..مبقاش فيه حاجة تانية غير البيت اللى ساكن فيه أنا وعيلتى وده مستحيل أجازف بيه.
شعر بيديها تدلكان كتفيه برقة قائلة:
-طيب إهدى شوية وروق أعصابك المشدودة دى وكل حاجة وليها حل.
شعر بأعصابه فعلا تسترخى مع لمساتها ..يغمض عينيه ويدع هذا الشعور المريح يتغلغل إلى كيانه ولكنه لم يلبث أن فتح عيناه فجأة يبتعد عنها قائلا بجزع عندما شعر بيداها على بشرة عنقه العارية:
-نور إنتى بتعملى إيه ؟إحنا فى المكتب.
قالت نور فى ضجر:
-وفيها إيه يعنى؟واحد ومراته..محدش ليه عندنا حاجة على فكرة.
رمقها خالد بنظرة تحذيرية وهو يقول:
-محدش هنا يعرف إنك مراتى..وياريت توطى صوتك عشان لو وصل الكلام لسماح مش هيحصل طيب.
رمقته قائلة بسخرية:
-إنت لسة بتخاف من الهانم؟
قال حسام بإرتباك:
-لأ..مش خوف منها على فكرة،هو يعنى..تقدرى تقولى خوف على مشاعرها..أنا عمرى ما شفت منها غير كل خير ومش حابب أأذيها.
قالت نور بحنق:
-ولما هي كويسة أوى كدة..كنت بتتجوزنى ليه ياحسام؟
قال حسام بحدة:
-قلتلك وطى صوتك يانور.
رمقته نور بغضب دون أن تتحدث لتلين ملامحه وهو يقول مستطردا:
-ما إنتى عارفة إتجوزتك ليه ..سافرنا فى رحلة عمل وليلتها سكرت وحصل اللى حصل،وانتى بعدها قعدتى تعيطى وتقوليلى صلح غلطتك ياحسام فصلحت غلطتى وإتجوزتك تانى يوم..
قالت بحزن:
-يعنى جوازك منى مش اكتر من تصليح غلطة ياحسام.
إقترب منها حسام حتى توقف أمامها يمسك يديها بين يديه قائلا بحنان:
-فى الأول بس يانور..لكن بعد كدة أكيد حبيتك.
إبتسمت وعيونها تلمع بالسعادة..لتقول بحب:
-أنا كمان بحبك أوى ياحسام.
إبتسم وهو يرفع يديها إلى شفتيه يقبلهما برقة..ناظرا إلى عينيها..لتتسع إبتسامتها قبل أن تقول وهي تهز حاجبيها صعودا وهبوطا :
-بمناسبة جوازنا ياحسام..إيه رأيك لو نحوله من عرفى لرسمى؟
تجمدت ملامحه للحظة ثم ترك يديها قائلا بإرتباك بدا ملحوظا لها:
-أكيد هنحوله ياحبيبتى..بس لما يعنى..أقصد لما أقدر….
قالت بسخرية :
-لما تقدر تقول للهانم على موضوع جوازنا مش كدة؟
نظر إليها بثبات ..تصلها إجابته من خلال نظراته..لتقترب منه تعدل له رباط عنقه قائلة بمداهنة:
-مش مهم تعرف ياحبيبى..أنا ميهمنيش،أنا عايزة جوازنا يكون رسمى ياحسام،بينى وبينك بس،حاجة بس تطمنى إنك مش متجوزنى رغبة أو نزوة..وفى المقابل إعتبر شركة الزيات فى جيبك.
ظهرت اللهفة على وجه حسام وهو يقول بسرعة:
-بجد يانور؟!
نظرت إلى لهفته وبداخلها إرتسمت إبتسامة منتصرة لم تظهر على وجهها وهي تقترب مقبلة ثغره برقة قبل أن تقول:
-بجد ياقلب نور.
ليبتسم حسام بسعادة وهو يقول:
-ديل ياحبيبتى..
لتظهر إبتسامتها أخيرا على وجهها تخبره بسعادتها برضوخه….أخيرا.
الفصل السابع
قالت سمر بحنان:
-طب إهدى بس ياهاجر،ومتعصبيش نفسك بالشكل ده.
قالت هاجر بحنق وهي تتحرك جيئة وذهابا بعصبية:
-أهدى إزاي بس بعد اللى حكيتهولك ؟ أنا مش عارفة بس أنا ليه كل الرجالة الباردين والأغبيا ييجوا لحد عندى ويقفوا قصادى..مش عارفة أكره مين أكتر؟ البنى آدم اللى كان فى المكتبة الصبح ولا سى مرتضى ده كمان،واللى شكله هيحطنى فى دماغه ،وفى الرايحة والجاية هيقطع طريقى.
قالت سمر بقلق:
-لأ ..لو هيقطع طريقك يبقى نكلم أستاذ مجد يتصرف معاه.
توقفت هاجر وهي تنظر إلى سمر بدهشة للحظات قبل أن تقول:
-نكلم أستاذ مجد؟غريبة،مش ده اللى كنتى بتقوليلى بلاش تندهيله ياهاجر وتدخليه فى أمورنا الشخصية..دلوقتى بقى عادى كدة يتدخل؟
قالت سمر بإضطراب:
-لأ..أنا ..أصلى..يعنى…
إبتسمت هاجر لأول مرة فى هذا اليوم الغريب..وهي تقول:
-أنا بهزر،هي فكرة كويسة فعلا..لو ضايقنى تانى هكلم أستاذ مجد،هو فعلا رجل محترم وهيقدر يوقفه عند حده.
أومأت سمر برأسها بهدوء يختلف عن هذا الشعور الذى يجتاح كيانها الآن فقط لذكر إسم هذا الرجل الذى يربكها..تشعر بالأمان الكامل معه ومع ذلك تخشاه هو،أو ربما تخشى ما يجعلها تشعر به على الأرجح…
قالت هاجر:
-المهم ..عملتيلنا إيه على الغدا؟أنا هموت من الجوع.
إبتسمت سمر قائلة:
-عاملالك سبانخ باللحمة بس إيه ..تجنن..هتاكلى صوابعك وراها.
قالت هاجر بسعادة:
-وساكتة من الصبح ياشيخة،انتى عارفة انى بعشق أكلك، يلا بينا ناكل ياأحلى سمسمة فى الدنيا.
إبتسمت سمر وهي تبعث لها بقبلة هوائية،بادلتها إياها هاجر..قبل أن تتجه إلى المطبخ تتبعها الأخيرة بإبتسامة ….واسعة.
********************
أمسك مجد بألبوم الصور يجول بين جنباته بإبتسامة عاشقة حانية،يتلمس بعض الصور بحب،يتساءل بمرارة….
كيف لم ينتبه إلى أن عمله يأخذه بعيدا عنها،كيف كان يتأخر بالمكتب و يتركها وحيدة ؟بل أحيانا كان يحضر عمله معه إلى المنزل،وينشغل به عنها….
فلم تتذمر ولم تقل شيئا عن إبتعاده وتفانيه فى العمل،بل أحيانا كانت تشجعه أيضا،وحتى حين كان يعود من عمله بمشاكل العمل التى لا تنتهى،ويفرغ غضبه بالمنزل،فيتذمر وقتها من كل شئ تفعله ..كانت تصمت تماما حتى يهدأ،ثم تحادثه بكلماتها الرقيقة فتشعره بالذنب مرارا وتكرارا،كم كان غافلا عن أفعاله التى أبدا لم ترفق بها….
هي ….
من أحبته من كل قلبها،ورغم أنه بادلها هذا العشق إلا أنه إعتبرها دائما من ممتلكاته ونسي أن لها روحا،وما أفاق من غفلته سوى بعد فوات الأوان….
لقد كانت رائعة حقا حبيبته زوزا ،و لو عاد به الزمن لما فارقها يوما،بل لما فارقها لحظة.. ولمنحها كل ما حرمها منه….
أغمض عينيه وهو يتراجع بظهره للوراء،وصورة سمر تطل بذاكرته،كم تشبه حبيبته فى كل تصرفاتها..كم تجذبه مشاعره إليها،حتى أنه فى بعض الأحيان يود لو ضمها إليه بقوة،يتنفس الماضى شوقا وهي بين أضلعه،لدرجة أنه يتجه إليها بالفعل،ولكنه فى اللحظة التالية يتذكر أنه غريب كلية بالنسبة إليها..وأنها على الأرجح ستنفر منه ،بل وستتهمه بالجنون،وربما إبتعدت عنه للأبد….
وكم حقا يشعر بالجنون..فهو مجنون زوزا أو مجنون سمر..فى تلك اللحظة هو يشعر بأنهما أصبحا شخصا واحدا..يعشقه بجنون،وتبا كم يقتله هذا الشعور..فما هو بقادر على أن يضم زوجته زوزا إلى صدره ومن المستحيل أن يفعل ذلك مع سمر..جارته….
أفاق من أفكاره على صوت الباب يفتح ودلوف حسن من الباب،ففتح عيناه بسرعة وهو يمسح تلك العبرات التى سكنت بهما مغلقا الألبوم وواضعا إياه جانبا..ليقترب حسن منه ويجلس بجواره بهدوء وقد لاحظ إحمرار عيون اخيه وأنه كان يمسح شيئا من عينيه عند دخوله من الباب،على الأرجح عبرات،كما إنتبه إلى هذا الألبوم..والذى يدرك بكل يقين صور من القابعة به؟ليقول بشفقة:
-حاول تنسى يامجد،ومتقلبش فى اللى فات..اللى حصل حصل،ومش بإيدنا نرجع الوقت عشان نصلح غلطنا.
ليصمت للحظة قبل أن يستطرد بمرارة:
-كلنا غلطنا صحيح و دفعنا تمن غلطاتنا،بس كمان مبقاش يفيد الندم،اللى عدا خلاص دفناه،واللى جاي إتعلمنا فيه منكررش الغلط،وبإذن الله اللى جاي أحلى..صدقنى.
نظر إليه مجد بحزن دون أن ينطق..ليربت حسن على يد مجد قائلا بحنان:
-وبعدين مين بس كان يتوقع إن سحر تتجنن وتنتحر بالشكل ده؟
نهض مجد قائلا بعصبية إمتزجت بمرارة كالعلقم:
-خلاص ياحسن..أبوس إيديك،كفاية كلام فى الموضوع ده..أنا بحاول أنساه بكل تفاصيله،وأنسى إنها بإنتحارها ضيعتنى..و أخدت كل حاجة كانت حلوة فى حياتى ،أخدا زوزا وأخدت معاها حتى إبنى اللى كنت بحلم بيه كمان.
ظهرت الشفقة على ملامح حسن وهو ينهض بدوره قائلا:
-طيب إهدى بس يامجد وقوللى ..الجماعة اللى تحت عاملين إيه؟
زفر مجد وهو يجلس مجددا قائلا:
-كويسين..بس فيه حاجة حصلت ولازم أقولك عليها ،عشان تبقى عارف.
عقد حسن حاجبيه وهو يجلس مجددا قائلا:
حاجة إيه دى؟
نظر مجد لحسن للحظة فى تردد قبل أن يخبر أخاه ..بكل شئ.
*******************
كانت سماح تجلس فى الردهة تتابع مسلسلها التركي المفضل لديها على الإطلاق حين فوجئت بمراد يجلس بجوارها بهدوء..نظرت إليه لتلاحظ هذا التردد الذى يغلف ملامحه وهو ينظر إليها،لتمسك الريموت تغلق به التلفاز بهدوء قبل أن تعتدل ناظرة إليه وهي تقول :
-مالك يامراد..عايز تقول إيه؟
إبتلع مراد ريقه بصعوبة،يود أن يخبر والدته بما شاهده اليوم عند خروجه من الدرس..ولكنه يدرك أن والدته الرقيقة لن تتحمل هذا الخبر،فكيف يخبرها أنه شاهد أباه فى السيارة مع نور سكرتيرته ..ربما بدا الأمر طبيعيا لولا أنه لمحها تضع يدها على صدر والده بطريقة حميمية ..لا تفعلها أبدا إمرأة قد تكون مجرد سكرتيرة لرجل وتعمل لديه،بل يدرك مراد ورغم صغر سنه أن الأمر يتعدى ذلك ..ولكن كيف يخبر والدته بهذا الأمر دون أن يؤذى مشاعرها…
يتساءل فى حنق عن والده الذى إستطاع بكل سهولة أن يؤذى والدته،تلك التى يشعر بحبها لوالده فى كل عمل تفعله..حتى ولو كان مجرد إعداد وجبة يفضلها هذا الوالد الذى يبدو أنه إستبدلها بأخرى لن تكون أبدا كوالدته..أفاق من شروده على صوت والدته التى قالت فى قلق:
-مراد..مالك ياحبيبى؟
قال مراد بتردد:
-هو إنتى ليه ياماما..يعنى ..مبتشتغليش مع بابا؟
إبتسمت سماح بإرتياح وهي تقول:
-هو ده السؤال اللى شاغل بالك بالشكل ده؟بسيطة ياسيدى..إنت عارف باباك،مبيحبش شغل الستات ورافضه نهائي،ده غير إنه ميعرفش إنى إتعلمت لغات فى البيت،وأقدر أفيده فى شغله اللى بيجيبله مترجم مخصوص..وأنا خايفة أقوله يتخانق معايا،زي ما إتخانق معايا لما عرف إنى كملت تعليمى من وراه..وبطلت أطلب منه إنى أشتغل معاه من كتر ما رفض،وخلاص بقى.. إتعودت يامراد.
قال مراد بنبرة رغما عنه بدا الغضب بها:
-ولما هو رافض شغل الستات..مخلى نور سكرتيرته ليه؟
نظرت إليه سماح بدهشة قائلة:
-إسمها طنط نور يامراد..عيب تقول إسمها من غير ألقاب،وبعدين إنت متعصب كدة ليه؟بابا حر ياحبيبى..يشغل معاه اللى هو عايزه،وبعدين أنا ياسيدى اللى مش عايزة أشتغل..وعايزة أتفرغ للبيت ولبابا وليك ياحبيبى.
نهض مراد قائلا بعصبية:
-لأ مش صح..أنا سامعك وإنتى بتقولى لطنط ماجى إن كان نفسك تشتغلى بس بابا رافض،يعنى دى رغبتك الحقيقية ..مش كلام بتقوليهولى بس عشان تريحينى.
نهضت سماح قائلة بصدمة:
-مالك يامراد؟إيه اللى معصبك بالشكل ده..وإيه اللى خلاك تتكلم فى الموضوع ده دلوقتى؟
قال مراد بسرعة:
-عشان…عشان….
صمت وهو يرى ملامحها المتحفزة،ليطرق برأسه قائلا بحزن:
-عشان نفسى تحققى حاجة حلمتى بيها لنفسك ياماما،مش عايز يبقى كل همك تفكرى فى سعادتى وسعادة بابا وبس..نفسى تفكرى فى نفسك.
ليرفع وجهه وهو ينظر مباشرة إلى عينيها قائلا:
-فكرى فى سعادتك إنتى لمرة واحدة فى حياتك..زي ما غيرك فكر.
إبتسمت سماح بحنان وهي تقترب منه تمسكه من ذراعيه قائلة:
-وهو يعنى سعادتى وسعادتكم إيه يامراد؟ما هما الإتنين شئ واحد.
نفض مراد يديها عن ذراعيه قائلا بحدة:
-لأ مش شئ واحد ياماما..هتفهمى الكلام ده إمتى بس؟
نظرت إليه فى حيرة ليتحاشى هو نظراتها وهو لا يستطيع البوح لها بما فى جوفه من مرارة،قبل أن يلتفت مغادرا إلى حجرته،تتابعه عيناها بحيرة..كادت أن تتبعه ولكن صوت رنين هاتفها إستوقفها لتنظر إلى شاشة الهاتف وتجدها ماجى،فضغطت على زر الإيجاب وهي تتجه إلى حجرتها،تنوى أن تعود لمراد بعد إنهاء مكالمتها…بعد قليل.
********************
طرق هادى الباب قبل أن يفتحه بهدوء عندما سمع سمر تسمح للطارق بالدخول..ليطل بوجهه قائلا بإبتسامة:
-خلصتى شغل؟
أومأت برأسها بهدوء ليدلف إلى الحجرة قائلا:
-طيب إيه رأيك نروح….
قاطعته قائلة بحدة وهي تنهض بعصبية:
-لأ ما هو مش معنى إنى وافقت اتخطبلك إنك تفتكرها سايبة ،وكل شوية تطلب أخرج معاك،ولغاية المهزلة دى ما تخلص،فأكتر من مرة او إتنين توصلنى فيهم مش هسمح..مفهوم؟
تأملها بصمت للحظات بطريقة أربكتها ..ثم تقدم منها خطوات قليلة حتى توقف أمامها تماما..ليقول بهدوء:
-ومش معنى إنى ساكت على أسلوبك وكلامك الجارح،لإنى مقدر مشاعرك..فده يديكى إنطباع إنى ضعيف الشخصية أدامك،أو يديكى الحق تتمادى فى الكلام معايا..أنا آسف بجد لو إعتبرتى أخلاقى عيب فية أو ضعف،أنا جيتلك بس لما شفت إنك عملتى النهاردة عمليات مرهقة فعلا،وقلت أكيد حابة تشربى قهوتك معايا فى الكافيتريا..ده غير إنى فكرت إن ده هيدعم موقفنا أدام الكل هنا فى المستشفى بعد الكلام اللى وصلى عن مضايقة نهى ليكى الصبح،لكن الظاهر إنى طلعت من تانى غلطان.. فآسف إنى أزعجتك وأوعدك مكررهاش تانى.
أومأ لها برأسه بتحية مقتضبة وإستدار مغادرا بهدوء..لتنظر فى إثره بندم،تدرك وبكل قوة أن لديه كل الحق فى سخطه..وأنها حقا تخطت بسخافتها كل الحدود.
*******************
قالت هاجر عاقدة حاجبيها :
-معندناش كابتشينو ياسمر ..مقلتليش ليه بس؟
قالت سمر بإبتسامة:
-قلتلك ياهاجر وبعتلك رسالة على الواتس آب كمان..أنا عارفة إنك متقدريش تذاكرى من غيره،متقدريش تعيشى أصلا من غيره..بس إنتى اللى نسيتى.
ضربت هاجر على رأسها بخفة قائلة:
-صح ..إفتكرت..بس اللى حصل الصبح نسانى،عموما هنزل لحد السوبر ماركت أجيبه وآجى..مش عايزة حاجة تانية أجيبهالك معايا؟
قالت سمر:
-هاتى مكرونة عشان هطبخ بكرة نجرسكو..بس متتأخريش ياجوجو.
إبتسمت هاجر وهي تحضر حقيبتها متجهة إلى الباب قائلة:
-مش هتأخر ..مسافة السكة.
لتخرج قائلة:
-سلام ياسمسمة.
إرتطمت بأحدهم بعد أن أغلقت الباب وكادت أن تقع فأسندها هذا الشخص بسرعة،إعتدلت على الفور تشكر منقذها ظنا منها أنه مجد،ولكنها ما إن رأته حتى تحفزت ملامحها وهي تعقد حاجبيها بقوة فى صدمة،بينما تأملها هذا الشخص بنفس النظرة الساخرة التى أثارت حنقها أكثر …وأكثر.
*******************
تنهدت سماح قائلة:
-مش عارفة ياماجى..قلبى مش مرتاح،وكأن فيه حاجة غلط بتحصل فى حياتى بس مش قادرة أحدد إيه هي الحاجة دى.
قالت ماجى فى نفسها
“حياتك كلها غلط ياموحة ..وكلنا شايفين كدة..بس انتى اللى لسة عايشة فى العالم الوردى اللى رسمتيه لنفسك ومش قادرة تشوفى الحقيقة ..الحقيقة اللى أنا وإخواتك وكل اللى يعرفوكى شايفينها..والحقيقة دى إنك تستاهلى فرصة تانية تعيشى فيها لنفسك وبس..تبطلى تسعدى اللى حواليكى وتسعدى نفسك وبس..إنتى تستاهلى تبقى مبسوطة ياسماح”
أفاقت من أفكارها على صوت سماح وهي تقول بقلق:
-حتى مراد ياماجى..النهاردة مش طبيعى خالص،وبيقول كلام غريب.
عقدت ماجى حاجبيها وهي تقول:
-مراد؟قالك إيه مراد؟
أخبرتها سماح بما قاله لها مراد لتتوجس ماجى خيفة..ترى هل أصبح لدى مراد نفس الشك الذى أصبح يراود ماجى بالفترة الأخيرة؟خاصة وقد رأت صور لحسام مع نور على صفحة شركته..ونظرة نور لحسام التى لا تبشر أبدا بالخير،ولا تدرى ماجى كيف لا ترى سماح تلك النظرات وكيف تثق بها وبزوجها تلك الثقة العمياء؟طال صمتها لتفيق على صوت سماح تقول بقلق:
-روحتى فين ياماجى؟
قالت ماجى بإضطراب:
-انا هنا..مروحتش فى حتة..بسمعك ياموحة.
قالت سماح:
-طيب إيه رأيك..أفهم إزاي مراد إن انا مبسوطة بحياتى كدة،وراضية بيها بالشكل ده؟
قالت ماجى بهدوء:
-إزاي هتقنعيه باللى إنتى مش مقتنعة بيه أساسا؟
قالت سماح:
-يا ماجى أنا يمكن كان نفسى أعمل حاجات كتير ويمكن جوازى من حسام منعنى،بس ده مش معناه إنى مش مبسوطة بحياتى كدة،أنا عندى زوج طيب وبيحبنى وإبن ربنا يخليهولى وإخواتى كمان..هطلب إيه أكتر من كدة؟
قالت ماجى بتقرير:
-ناقصك تحققى طموحك وأحلامك اللى هم جزء منك،كمان ناقصك أهم حاجة فى الدنيا..ناقصك تعيشى ياسماح.
تنهدت سماح قائلة:
-ما أنا عايشة أهو.
قالت ماجى بهدوء:
إنتى عارفة كويس إنك مش عايشة وبتحاولى تاخدى منى كلام يأكد أوهام بتحاولى تقنعى بيها نفسك ،وأنا عمرى ما كدبت عليكى ياسماح ومش هبدأ دلوقتى،فكرى كويس فى كلام إبنك وكلامى،وياريت بعد ما تفكرى،تبدأى تشوفى اللى كلنا شايفينه من زمان.
أغمضت سماح عينيها بحزن..تدرك أنها بالفعل تدرك الحقيقة ولكنها تحاول إنكارها..بكل ما أوتيت من قوة.
********************
قالت هاجر بحنق:
-إنت تانى؟
إتسعت إبتسامته الساخرة وهو يقول:
-وإنتى تانى.
رمقته بحنق قائلة:
-طب حاسب من أدامى خلينى أعدى ولا هتفضل واقف فى طريقى كتير؟
تنحى جانبا قائلا:
-ودى تيجى..إتفضلى يابرنسيسة.
رمقته بحنق وهي تقترب منه تشير إليه بإصبعها قائلة بحدة:
-لأ ما هو مش عشان حضرتك ضيف أستاذ مجد ،يبقى هعديلك سخافتك دى..إلزم حدودك يابنى آدم إنت.
تجمدت ملامحه تماما وهو يقول ببرود:
-أولا أنا مش ضيفه ،أنا أخوه..ومش معنى إنك إنتى ضيفته يبقى هسمحلك تكلمينى بالأسلوب ده..مفهوم؟
رغما عنها تراجعت خطوة من ذلك الجليد الذى غلف كلماته فأرسل إلى جسدها قشعريرة باردة..لترمقه بحدة دون أن تنطق بكلمة قبل أن تتجه إلى الأسفل..تاركة إياه يتابعها بعيون إرتسم فيهم الغضب.
********************
كان يمرر سبابته على حافة فنجال القهوة الخاصة به ،يشعر بالضيق من موقفها المعادى له..لا تدرك أنه معها بكل دقة فى قلبه،وأنه لا يمكن أبدا أن يؤذيها..تجمد إصبعه وهو يسمعها تقول بنبرات نادمة:
-إنت معاك حق على فكرة.
رفع عيونه إليها ليرى الندم فى عيونها..تأملها فى صمت فجلست أمامه،تضع يديها فى حجرها ..تفركهما بتوتر وهي تقول مستطردة:
-إنت ملكش ذنب فى اللى حصل ومش من حقى أعاقبك عليه،بس صدقنى غصب عنى،أنا بس مش متعودة على حد يكون..حد يعنى..حد…
كاد أن يبتسم بداخله على تلعثمها الذى زادها جمالا..ليخفي إبتسامته بصدره وهي تستطرد قائلة:
-مش متعودة يعنى يكون حد قريب منى..زي ما قربت إنت منى،أكيد الموضوع ده موترنى،بس أوعدك إنى أحاول أتقبله وأتعامل معاه..فى الفترة اللى هنظهر فيها مرتبطين على الأقل..فإيه رأيك لو نبدأ من جديد؟
تأملها بصورة أربكتها قبل أن ينهض بهدوء ودون أن ينطق بكلمة..أطرقت برأسها بحزن تدرك أنها قد ندمت على تصرفاتها الحمقاء بعد فوات الأوان ،ولكنها مالبثت أن رفعت رأسها إليه عندما قال:
-قهوتك إيه؟
إبتسمت حين طالعها مبتسما لتقول بهدوء:
-مظبوط..بشربها مظبوط.
أومأ برأسه مغادرا بإتجاه النادل تتابعه عيناها وهي تتمسك بمحبسها بقوة ….دون أن تدرى.
رواية ضلع مكسور سينجبر.
بقلم شاهندة.
الفصل الثامن
كانت هاجر عائدة إلى المنزل تحمل بعض الأكياس بيدها..حين وجدت مرتضى يقف فى وجهها من جديد..يتأملها بتلك النظرة الوقحة،زفرت فى حنق ثم واجهته بعيون غاضبة وهي تقول:
-خير ..فيه حاجة تانى؟
إبتسم مرتضى بسماجة قائلا:
-أبدا ياست الأستاذة ،أنا بس كنت حابب أشيل عنك الأكياس دى..عيب يعنى أكون موجود وتشيليهم؟وبعدين لما تحتاجى حاجة ابقى عرفينى وأنا أجيبهم لحد عندك.
حاولت هاجر أن تهدئ أنفاسها الغاضبة كي لا تتهور..فأمثال هذا الرجل يحتاج إلى الروية فى التعامل وربما بعض البرود أيضا..لتقول بهدوء:
-من فضلك يامحترم..لو سمحت..خليك فى حالك وملكش دعوة بية،أشيل أكياس بقى أو لأ..أنا حرة..ومش محتاجة مساعدة ولو احتجت أكيد مش هطلبها منك انت..مفهوم..ولا انت من الناس اللى بيحتاجوا أعيدلهم الكلام أكتر من مرة؟
ظهر الغضب على ملامحه وهو يقول بحدة:
-إشمعنى يعنى..مالى؟مش عاجبك ليه ودايما مصدرالى الوش الخشب؟ناقص إيد يعنى ولا ناقص رجل؟
زفرت هاجر بقوة قبل أن تقول بنفاذ صبر:
-مش مفروض إن حضرتك تهمنى أساسا..أو يكون لية أي رأي فيك،وياتسيبنى فى حالى.. يابجد هتضطرنى أشتكيك.
عقد مرتضى حاجبيه بشدة وانتفخت أوداجه وهو يتقدم منها خطوة لتتراجع رغما عنها وقد شعرت بالرهبة..وهو يقول بغضب:
-الظاهر إنك مبتجيش بالذوق ولازم تيجى بال….
قاطعه صوت غاضب النبرات تعرفه هاجر جيدا جاء من خلفها وهو يقول بحدة:
-فيه حاجة يامرتضى؟
رمق مرتضى محدثه بحنق ثم قال بحدة:
-مفيش ..الحق علية ..حبيت أعمل بأصلى زي أي ابن بلد ميهونش عليه بنت شارعه تشيل تقيل وهو واقف…..
قاطعته هاجر قائلة بحدة:
-وأنا قلتلك خليك فى حالك..وملكش دعوة بية.
قال مرتضى بغضب:
-شايف ردها وأسلوبها معايا؟
قالت هاجر بغضب:
-وإنت مين انت….
قاطعها حسن وهو يتقدم أمامها مواجها مرتضى قائلا بصرامة:
-عرضت خدماتك عليها ورفضت..وقالتلك إنها فى غنى عنها،يبقى تخليك فى حالك زي ما قالتلك ومتحاولش تقربلها تانى..مفهوم يامرتضى؟
نظرت هاجر إلى ظهر حسن فى حيرة من موقفه.. وإتخاذه صفها بعد أن توقعت العكس تماما،ظنا منها أنه لخلافه معها سيؤازر هذا المرتضى..لتنفض حيرتها عندما قال مرتضى بعيون تطاير منها شرارة الغضب:
-والباشا آخد الموضوع على أعصابه كدة ليه..السنيورة دى تخصك فى حاجة؟
إقترب حسن منه بعيون ظهرت فيهم صرامة بالغة وهو يقول ببرود كالجليد:
-كلمة زيادة وقسما بالله ماهبقى على جيرة ولا عشرة..والبادى أظلم يامرتضى.
نظر إليه مرتضى للحظات بتحدى..قبل أن تظهر إبتسامة ساخرة على وجهه وهو يتنحى جانبا بصمت..بينما إسترخت ملامح حسن وهو ينظر إلى هاجر بعيون باردة قائلا:
-إتفضلى أدامى.
رغم نبراته المتسلطة..وحدة نظراته ،وحنقها منه إلا أنها أطاعته على الفور ترغب بالهرب من هذا المرتضى ودقات قلبها التى تسارعت خوفا لأول مرة فى حياتها من نظرات رجل وقح مثله..بينما تبعها حسن بهدوء وما أن ابتعدا قليلا حتى تحولت نظرات مرتضى الساخرة إلى نظرات حاقدة..وهو يقول بغل:
-بقى كدة ياحسن ،مبقاش مرتضى إبن الشيخ سالم،إن ما جبت عاليها واطيها ..والبادى حقيقى أظلم ياإبن الصعيدى.
********************
كانت سمر تتابع مسلسلها التركي بشغف..قد شغلتها تلك البطلة التى تعانى من تجاهل زوجها المطلق لها وتسلطه عليها،تلعن هذا الرجل الذى لا يدرى شيئا عن حزن زوجته وقلبها المنفطر دوما من تصرفاته معها،لتتجمد كلية حين رأت البطلة تضع ملحا فى قهوته وتقدمها له،ليتناول فنجاله منها وهو ينظر إلى هاتفه لا يحيد عنه..حتى وضع حافة الفنجال على شفتيه وتذوق القهوة ليبصقها بسرعة وهو يرمق البطلة بحنق..قبل ان ينهض ويصفعها بقوة….
لم تعد ترى الشاشة وذكرى أخرى تلوح فى الأفق لموقف مشابه تماما حدث لها، ولكن تصرف زوجها لم يكن كتصرف هذا البطل البغيض..هو فقط بصق القهوة وترك الفنجال من يده،تسمع صوته يأتيها من أعماق ذكرياتها بصعوبة مذبذب النبرات وهو يقول:
-إيه ده ؟
لتسمع صوتها بوضوح وهي تقول بقهر:
-معلش،حبيت ألفت إنتباهك وأحسسك إنى بنى آدمة موجودة ومهمة فى حياتك زي تليفونك وشغلك بالظبط،وبما إنى نجحت أخيرا فى إنى أشد إنتباهك لية،فحابة أعرفك إنى من النهاردة هكون زي القهوة دى،صحيح بتحبها ..بس ملحها مش هيخليك تقرب منها تانى.
أمسكت رأسها بشدة وهذا الصداع المؤلم يضربها بقوة،نهضت ببطئ وإتجهت إلى حجرتها لتتناول حبة من شريط الدواء الموضوع على الكومود بجوار سريرها ثم تشرب كوبا من الماء..تغمض عينيها لثوان ثم تفتحهما وهي تتنهد بحزن…
تبا لتلك الذكريات التى تطاردها من وقت لآخر،تؤكد لها أن زوجها كان رجل لا يستحق البكاء عليه والدليل على ذلك هو عدم بحثه عنها بعد هذا الحادث الذى تعرضت له،تتمنى فقط لو عرفته او حتى تذكرت ملامحه التى تظل فى عقلها الباطن مبهمة ،يظهر فى ذكرياتها ضبابي الشكل،ليتأكد لها مرارا وتكرارا أنها لابد وأنها كانت تكرهه بشدة لتنساه بهذا الشكل،عادت لمكانها تجلس أمام التلفاز تتابع المسلسل بحزن ..ترى البطلة وهي تطلب الطلاق من زوجها،لتشجعها من كل قلبها على قرار صحيح ،إتخذته فى الوقت المناسب..تتمنى لو كانت إتخذته بدورها ولكن يظل عليها أن تجده أولا لتفعل ذلك وتتحرر من إرتباط تثق بأنه بغيض تماما ،كذكرياتها معه.
********************
تلكأت هاجر قليلا عندما اقتربت من باب شقتها،ثم توقفت أمامه..تطالع بتردد هذا الرجل الصاعد على الدرج ،حتى مر من أمامها متجاهلا إياها كلية..ليوقفه صوتها المضطرب وهي تقول:
-لو سمحت.
إلتفت إليها يطالعها ببرود..لتنظر إليه بإرتباك حانق،ترغب فى لكمه على أنفه المتغطرس هذا ولكنها فى نفس الوقت لا تستطيع،يعجزها صنيعه معها..لذا فقد تغاضت عن حنقها وهي تقول على مضض:
-شكرا عشان اللى عملته معايا تحت.
مال فمه قليلا بسخرية وهو يقول:
-معملتوش عشان خاطرك..عملته عشان انتى ضيفة عيلة الصعيدى وضيوفنا محدش يقدر ولو للحظة بس يفكر يضايقهم ..ياإما هيواجهونى أنا.
تبا لغروره الذى فاق الحدود..أخذت نفسا عميقا تتمالك به نفسها قبل أن تقول ببرود:
-أيا كان السبب فالمهم عندى إنك خلصتنى من البنى آدم ده ..وعشان كدة لتانى مرة بشكر حضرتك وبتمنى محتاجش لخدماتك تانى..عن إذنك.
إلتفتت تفتح الباب بسرعة وتدلف إلى الداخل،بينما تابعها حسن بعينيه قبل أن يزفر ويلتفت صاعدا..يدرك بكل قوة أنه يجب أن يبتعد عن تلك الفتاة التى يرسلها القدر فى طريقه..لتشعل فى كل مرة جميع الإنذارات الحمراء برأسه.
********************
كانت هاجر عند دلوفها المنزل تتمتم بحنق :
-معملتوش عشان خاطرك..عملته عشان انتى ضيفة عيلة الصعيدى..إنسان مغرور وشايف حاله ..مش عارفة على إيه يعنى؟
نظرت إليها سمر فى دهشة وهي تضع الأكياس على الطاولة بحنق وتتقدم لتجلس بجوارها على الأريكة..عاقدة حاجبيها بغضب..لتقول سمر بحيرة:
-مالك ..ما انتى كنتى نازلة فى أمان الله؟راجعة بتبرطمى كدة ليه ؟
لتتسع عيناها فى إدراك وهي تقول:
-متقوليش..البنى آدم ده إتعرضلك تانى؟
أومأت هاجر برأسها قائلة :
-أيوة ..وتخيلى مين اللى وقفله؟
قالت سمر بإرتباك:
-مجد؟قصدى يعنى أستاذ مجد؟
هزت رأسها نفيا قائلة بحنق:
-لأ….أخوه.
عقدت سمر حاجبيها قائلة:
-هو ليه أخ؟
قالت هاجر بحنق:
-أيوة وتعرفى طلع مين؟
طالعتها بتساؤل لتستطرد قائلة:
-البنى آدم السمج اللى كنت بكلمك عنه الصبح.
اتسعت عينا سمر بدهشة وهي تقول:
-اللى أخد منك الكتاب؟
اومأت هاجر برأسها لتعقد سمر حاجبيها قائلة:
-طيب منين مكنش طايقك ومنين دافع عنك؟
هزت هاجر كتفيها قائلة:
-آل ايه احنا فى حماية عيلة الصعيدى وعشان كدة دافع عنى..
لتزفر قائلة:
-إنسان مغرور بشكل..اللى يشوفه.. مستحيل يقول انه أخو الأستاذ مجد .
شعرت سمر بالإضطراب يعتريها مجددا عند ذكر إسمه..تزداد دقات قلبها ووجهه يطل فى عقلها مع ذكره..لتأخذ نفسا عميقا تتمالك به نفسها وهي تقول:
-طيب سيبك منه دلوقتى وفكرى هنعمل إيه فى اللى إسمه مرتضى ده؟ما هو مش معقول هنفضل خايفين فى الرايحة والجاية يقطع طريقك وتحتاجى حماية.
تنهدت هاجر وهي تقول :
-الظاهر ان الحل الوحيد إنى أكلم أستاذ مجد زي ماقلتيلى قبل كدة ،وأشوف بقى هنعمل إيه.
على الرغم من أن تلك الفكرة تصيب جسدها بأكمله بالتوتر..إلا أن سمر أيقنت مثل هاجر أن هذا هو الحل الوحيد لمعضلتهما..والتى ربما تهدد وجودهما بهذا المكان…كلية.
********************
قال يوسف:
-يا ياماما ..قلتلك إن ماجى وافقت خلاص ..إدعيلنا إنتى بس ياحبيبتى.
إستمع إلى حديث والدته..ليمسك بإصبعيه السبابة والإبهام هذا الجسر ما بين حاجبيه..مغمضا عيناه فى ضيق قبل أن يزفر وهو يفتح عينيه قائلا بحدة:
-قلتلك ميت مرة ياماما..اللى بتقوليه ده أنا مستحيل هعمله..أنا بحب ماجى ومش عايز غيرها،أنا حقيقى مبقتش عارف مشكلتك مع الأحفاد ولا مع ماجى نفسها.
ليستمع إلى حديثها مجددا قبل أن يقاطعها قائلا:
-لأ ياماما..أنا مش جاي ومش هشوف حد..سلام دلوقتى.
أغلق هاتفه وهو يزفر بضيق ملتفتا ليتجمد تماما وهو يرى ماجى تقف أمامه تمسك بيديها صينية عليها فنجالين من القهوة..شاحبة كالموتى،وعيونها خالية من الحياة..لم يدرى ماذا يقول لها وقد أدرك أنها إستمعت إلى محادثته مع والدته،حاول أن يفتح ثغره ليقول أي شئ..أي شئ يعيد الروح إليها ولكنه وجدها تقول بهدوء :
-قهوتك يايوسف.
ثم وضعت الصينية على الطاولة القريبة منها..تأخذ أحد فناجيل القهوة وتستدير مغادرة،ليجد نبرات صوته التى بحث عنها كثيرا وهو يقول:
-رايحة فين؟مش هتشربى القهوة معايا؟
قالت دون أن تلتفت:
-جيسى عايزانى أحل معاها مسائل الماث..فهشربها فى أوضتها.
ثم تحركت مغادرة..بينما يتابعها يوسف بحزن،يدرك أنها تهرب بأحزانها إلى غرفتها متعللة بمذاكرة ياسمين إبنتهما..فقط كي تخفى عنه هذا الحزن الكامن بها لإدراكها ما تفعله والدته وإفتعالها دائما المشاكل رغبة دائمة منها فى التفرقة بينهما..فقط لإنه يوما رفض الزواج من إبنة خالته وتمسك بحبيبته ماجى،لينظر إلى فنجال قهوته قائلا بحزن:
-ربنا يسامحك ياماما..ربنا يسامحك.
********************
قال الشيخ سالم بدهشة:
-إنت متأكد من الكلام ده يامرتضى؟إنت متأكد إنهم مجد وحسن ولاد الحاج محمود الصعيدى؟
قال مرتضى وهو يتظاهر بالحزن:
-طبعا متأكد ياأبويا..أنا كنت ساكت لأجل العيش والملح اللى بينك وبين أبوهم الله يرحمه،بس بصراحة دمى ييغلى وأنا شايف اللى بيحصل كل يوم أدام عينى ومش قادر أتكلم.
أطرق الشيخ سالم بعصاه قائلا بصرامة:
-الساكت عن الحق شيطان أخرس ياإبنى..صحيح كان ابوهم راجل طيب وكان بينى وبينه عشرة وعيش وملح،وكنت فاكر ولاده زيه،بس لو إتغيروا وحادوا عن الطريق الصح،يبقى واجب علينا التقويم..وإن رفضوا حكمنا ،يبقوا يخرجوا من شارعنا ..إحنا طول عمرنا فى حالنا وملناش فى الشمال واللى حابب يمشى فى الشمال يخرج من شارعنا وربنا هو اللى هيحاسبه..ملناش إحنا صالح بيه.
أحس مرتضى بالإنتصار وهو يقول بعيون تلمع :
-يعنى هتعمل إيه ياحاج؟
قال سالم بعيون صارمة:
-هعمل اللى المفروض يتعمل ياإبنى وربنا يقدرنى عليه.
كاد مرتضى أن يظهر سعادته ولكنه أخفى إبتسامة الإنتصار بصعوبة وهو يقول بحزن مفتعل:
-وأنا معاك ياأبويا.
********************
رأى رقمها على الهاتف فإنتفض معتدلا..يقول بإضطراب:
-ألو.
قالت سماح بقلق:
-إنت فين ياحسام وتليفونك مقفول ليه؟قلقتنى عليك..انت مش مكلمنى من خمس ساعات تقولى إنك هتيجى تاخد أوراق مهمة للشغل؟
إبتلع حسام ريقه بصعوبة وهو ينهض من السرير يرتدى بنطاله على عجل..ناظرا إلى نور بأسف فإعتدلت بدورها تنظر إليه بحنق بينما أشاح بناظريه عنها وهو يمنحها ظهره قائلا بإرتباك:
-آه ..فعلا..ماهو أصل..يعنى..الميتنج إتأجل وجالى مشوار تانى مهم..فنسيت خالص موضوع الورق ده وفونى كمان فصل شحن ..عموما أنا جاي حالا فى الطريق..مش هتأخر.
تنهدت سماح قائلة:
-ماشى ياحسام..متسوقش بسرعة وخلى بالك من نفسك.
أغمض عينيه بإرتياح وهو يقول:
-حاضر ياحبيبتى..لا إله إلا الله.
قالت سماح :
-محمد رسول الله.
أغلق الهاتف وقد إرتدى ملابسه ملتفتا إلى نور التى نهضت من سريرها وتقدمت بإتجاهه لتتوقف أمامه تماما وهي تقول بحنق:
-أول ما كلمتك ..جري هتروحلها وكأن….
قاطعها واضعا يده على فمها قائلا:
-ده كان إتفاقنا ..إنتى عارفة هي بالنسبة لى إيه..وانا مخبيتش عليكى حاجة من الأول.
أزاحت يده بعصبية قائلة:
-طب وأنا..أنا بالنسبة لك إيه ياحسام؟
زفر حسام بقوة قائلا:
-مش هتكلم كل شوية فى الموضوع ده يانور..إنتى حبيبتى ومراتى زيها بالظبط،ومقدرش أخسرك بالظبط زي ما أنا كمان مقدرش أخسرها..انتى لما وافقتى تتجوزينى كنتى عارفة انى متجوز وراضية لكن هي لأ،لا عمرها هتتقبل ده ولا أنا أقدر أواجهها بيه،إحنا صحيح إتجوزنا رسمى بس جوازنا لازم يفضل فى السر وانتى وافقتى على كدة..ولا هترجعى فى كلامك دلوقت؟
تنهدت قائلة بحزن:
-لأ مش هرجع..بس ياريت متحسسنيش انها أهم عندك منى،لإنى مهما كنت بحبك مش هقبل أكون مجرد شئ إحتياطى فى حياتك .
إقترب منها يمرر يده على وجنتها بنعومة ناظرا إلى عينيها بشغف قبل أن يميل هامسا أمام شفتيها:
-إنتى مش ممكن تكونى شئ إحتياطى فى حياتى يانور..إنتى من الضروريات..وجودك فى حياتى زي النفس اللى بتنفسه بالظبط ..من غيره مقدرش أعيش.
تاهت تحت تأثير كلماته ليبتسم بنعومة وهو يرى مدى تأثرها به..ترتعش شفتاها مطالبة إياه بتأكيد تلك المشاعر التى تصلها من بين أنفاسه ليسرع بمنحها ماتريد..يقبلها بقوة ..برغبة ..بشغف..لتبادله قبلاته..تحل له أزرار قميصه ليدعها هو تفعل به ماتريد وقد غلبته رغبته وأنسته تلك التى تنتظره الآن بشوق ،زوجة غاب عنها زوجها قلبا وقالبا.
********************
كان مجد يجلس على الكرسي بالردهة يطرق بصمت..تواجهه هاجر وسمر الجالستان على الأريكة أمامه،تحترمان ذلك الصمت المطبق الذى أضحى مجد فيه منذ أن أخبرته هاجر بتعرض مرتضى لها أكثر من مرة ثم تصدي أخاه لمرتضى فى مواجهتها الأخيرة معه ..تأملت سمر هذا الرجل أمامها تدرك أنه غاضب للغاية ويحاول أن يتمالك نفسه ولكن قبضتاه المضمومتان بشدة..فضحت مشاعره..لا تدرى لماذا ودت لو خففت عنه أو ربما أمسكت بيديه تخبره أن يهدأ قليلا..لتنفض أفكارها التى صدمتها وهو يرفع إليهما وجهه وقد ظهر أمامهما بملامح صارمة قائلا:
-كدة مفيش أدامى غير حل واحد.
نظرا إليه بحيرة ..لتقول سمر بتردد:
-إيه هو..قصدى يعنى الحل ده؟
نظر إلى عيونها ..يشعر بالتردد قليلا ..ووصلها هذا الإحساس..ليحسم قراره ويظهر الحزم على وجهه وهو يقول:
-إنى….
قاطعه طرقات قوية سريعة على الباب..فنهض بسرعة وهو يتجه إلى الباب وسط قلق الفتاتان،المتسائلتان عن سر تلك الطرقات القوية..ليفتح مجد الباب ويظهر حسن الذى تعلو ملامحه القلق بدوره ناظرا إلى الفتاتين للحظة قبل ينظر إلى أخيه قائلا بتوتر:
-مرتضى والشيخ سالم وأهل الشارع جايين على هنا وشكلهم ميطمنش..أنا شفتهم من البلكونة..وجيت عشان أحذرك.
قبل أن يجيبه مجد..نظر إلى نقطة ما خلفه..ليستدير حسن ويرى الشيخ سالم ومعه بعض الرجال يصعدون الدرج،ليتوقف الشيخ سالم مطالعا إياهم بنظرة صارمة..هو وبعض أهل الشارع الذين ظهر الغضب على وجوههم،بينما اعتلت وجه مرتضى ملامح السخرية..ليطالعه حسن بحنق،حتى إمتلأ المكان بشحنات الغضب ليدرك الجميع أن تلك الليلة لن تمر على خير…..أبدا
الفصل التاسع
فتح الباب بهدوء ليتوقف متأملا تلك النائمة على سريرهما فى وضع الجنين تمنحه ظهرها الذى يهتز ببطئ يعلن بكل وضوح عن بكائها الذى تكتم صوته..آلمه حالها الذى كانت والدته سببا فيه..إقترب منها حتى توقف خلفها تماما ليقول بحزن:
-ماجى.
أسرعت ماجى تمسح بيديها دموعها المنهمرة على وجهها ثم إعتدلت جالسة تنظر إليه قائلة بصوت خرج منها رغما عنها حزينا:
-خير يايوسف.
جلس بجوارها ينظر إلى عيونها المنتفخة من البكاء قائلا بحنان حزين:
-تفتكرى لو خبيتى عنى دموعك مش هحس بيكى ياماجى؟ده أنا يوسف ..باباكى وأخوكى وجوزك وحبيبك.
غشيت عيونها الدموع فأسرعت تطرق برأسها،مد يده يرفع ذقنها لتقابله عيناها التى سقطت دموعها على وجنتيها ..ترسم نهرين متدفقين لم تستطع هي أن توقف تدفقهما اليوم ،بإدعاء حواجز اللامبالاة والهدوء،فقد طفح بها الكيل وهي تتحمل تصرفات والدته التى تبغى بها إستفزازا لها،وإظهارها كإمرأة لا تستحق أن تكون زوجة لوحيدها ..فاض بها حقا وهي تخبر نفسها مرارا وتكرارا أنها أم ترى ولدها كملكا متوجا بين الرجال يستحق الأفضل بين النساء كأميرته وهي بالتأكيد فى نظرها ليست الأفضل،بل إبنة شقيقتها من تستحقه،تلك الأميرة الشقراء المدللة والتى تليق بيوسف الشرقاوى..ولدها الوحيد.
أفاقت من أفكارها على يديه التى مسحت دموعها بحنان قائلا:
-أنا آسف،آسف على كلام سمعتيه …..
وضعت يدها على فمه تقاطعه قائلة:
-متتأسفش يايوسف..انت ملكش ذنب.
أزاح يدها قائلا فى مرارة:
-لأ ..لية..ذنبى إن والدتى مش قادرة تتقبلك وبتسمعك دايما كلام يحرق الدم وأنا واقف أتفرج ومش قادر أمنعها،خايف تغضب علية وأغضب ربنا بغضبها..ذنبى إنى مش قادر آخدك وآخد بنتى ونبعد عن هنا خالص لأن ده معناه إنى هبعد عنها هي كمان وده ممكن يقتلها لإنى إبنها الوحيد،ذنبى إنى واقف عاجز أدام دموعك ..مش قادر أوفى بوعدى ليكى لما قلتلك إنك مش هتدمعى تانى طول ماانا معاكى .
أغروقت عيناه بالدموع مع كلماته الأخيرة وتهدج صوته لتقول ماجى على الفور:
-ماتشيلش نفسك فوق طاقتها،حياتى معاك حلم بتمنى كل يوم مصحاش منه..أنا معاك مش بس أستحمل تصرفات بسيطة من مامتك،ده أنا مستعد أستحمل أكتر من كدة كمان..إيه يعنى كلمتين وقالتهم؟الكلام مبيموتش..الست اللى جابت وربت رجل زيك يايوسف،يتباس إيدها و تتشال على الراس ..وعلى فكرة بقى أنا مقدرة برك بيها ..وبحبك أكتر بسبب خوفك عليها.
نظر إليها بعيون عاشقة أغروقت بالدموع وهو يقول:
-ياريت ماما تسمعك..كانت عرفت إنى إخترتلها أحسن زوجة إبن فى العالم.
لتسقط من عيونه سهوا دمعة على وجنته أسرعت هي بإزالتها قائلة بعشق:
-وأنا محظوظة بإبنها يايوسف..أنا عايزاك تعرف حاجة واحدة بس،لو رجع بية الزمن هختارك إنت..وهحبك إنت..لإن اللى أنا عايشاه معاك مكنش ممكن أعيشه مع أي حد تانى.
إحتضنها بلهفة،مغمضا عينيه بقوة وهو يقول:
-بحبك أوى ياماجى..من أول يوم شفتك فيه لما كنتى طالبة عندى فى الكلية ولغاية النهاردة،بتبهرينى بجمالك من جوة زي برة بالظبط..جمالك كل يوم فى عينى بيزيد ياحبيبتى.
أغمضت عينيها تقول بدورها:
-وأنا كمان بحبك يايوسف..بحبك أوى.
********************
نفض مجد تلك الصدمة التى اعترته لدى مرأى الشيخ سالم وبقية الرجال ..وهو ينظر إلى الشيخ سالم بثبات قائلا:
-إتفضل ياشيخنا ،خطوة عزيزة ..أنا عارف إنى مقصر معاك بس والله لو عرفت ظروفى هتعذرنى.
تقدم الشيخ سالم صاعدا الدرج مع الرجال حتى توقف أمام مجد وحسن رامقا إياهما بصرامة قبل أن تستقر نظراته على مجد قائلا:
-فضونا من السلامات ياولاد الحاج محمود الصعيدى..وخلونا فى المهزلة اللى انتوا عاملينها دى،مش عيب ياولاد الراجل الطيب تنجسوا بيته بعد مماته.
ظهر الغضب على وجه حسن بينما قالت سمر فى حدة :
-إنت بتقول إيه ياراجل إنت….
قاطعها مجد قائلا بحزم:
-إسكتى إنتى ياسمر.
رغم نبرته الآمرة الحازمة..إلا أن سمر أطاعته و صمتت على الفور وهي ترى تلك النظرة فى عينيه والتى أخبرتها أن عليها حقا أن تستمع لأوامره فى تلك اللحظة..لتنظر إلى الجميع بحنق بينما إلتفت مجد إلى الشيخ سالم قائلا بهدوء:
-ومش حرام ياشيخنا تتهم حد من غير بينة.
ظهر الإرتباك قليلا على وجه الشيخ سالم..إلا أن وجهه إستعاد صرامته وولده مرتضى يستطرد بسخرية:
-ما البينة واضحة أهى..تقدروا يابهوات تقولولنا بتعملوا إيه هنا فى وقت متأخر زي ده؟
قال حسن بغضب:
-إخرس إنت خالص ولا نسيت إنت عملت إيه؟
قال مرتضى بقوة:
-شايف ياابا البجاحة.
أشار الشيخ سالم إلى ولده بالصمت قائلا:
-أسكت إنت يامرتضى.
ثم إلتفت إلى مجد قائلا:
-وإنت ياابن الصعيدى ..ما تجاوب على السؤال ..قوللى بتعمل إيه فى بيت البنات دول فى وقت زي ده؟
نظر مجد بثبات إلى الشيخ سالم قائلا :
-فيه حد برده يسأل راجل عن سبب وجوده فى بيته ومع مراته فى أي وقت..ده حتى تبقى عيب ياشيخنا.
إتسعت عينا مرتضى وظهرت الصدمة على وجه الشيخ سالم وبقية الرجال..بينما رمق حسن مرتضى بسخرية امتزجت بالغضب..غافلين عن تلك التى إتسعت عيونها بشدة من الصدمة لدى سماعها لكلمات مجد.
********************
كانت سمر تقف فى شرفة حجرتها تتأمل السماء أمامها فى شرود،تنهدت وهي تضع فنجال قهوتها على سور الشرفة..تنظر إليه..تلك القهوة التى تذكرها به ايضا،تماما ككل شئ يخصه..تتساءل عن سر إضطرابها كلما جالت كلمات هادى فى خاطرها وكلما تراءت لها صوره فى مخيلتها..لقد أعلنت اليوم إستسلامها لمنطقه..وأقرت بإختلافه عن فكرتها التى رسمتها عن الرجال،ولكنها فى نفس الوقت تخشى أن يكون إدراكها هذا خاطئا وأن يكون هادى هو صورة مصغرة من أبيها..فقد كان والدها طيبا حانيا،تماما مثل هادى ..حج بيت الله وكان يتقيه فى زوجته وأولاده..ولكنه ومنذ أن سافر بحثا عن فرصة عمل أفضل لتحسين مستوى معيشتهم..حتى تغير كلية..فلم يأخذ أجازة قط ،فى سعيه الدائم لجني المال ..ولم يعد يهتم بهم..او يهاتفهم بصورة دورية كما إعتاد أن يفعل..حتى أخبر والدتها ذات يوم بزواجه من أخرى..ليتوفى بعدها بفترة قليلة.. بعد أن ترك شرخا قاسيا فى علاقته بالجميع ..فبينما رضخت والدتها بمرارة لفعلة زوجها.. رفض كل من سماح ومجد الأمر ولكن رغما عنهما تقبلاه من أجل والدتهم..ليقابل حسن هذا الأمر بلامبالاة ظاهرية ولكنها تدرك أنه تأثر فى أعماقه..أما هي فقد كانت الأكثر تأثرا بينهم.. كانت مدللة أباها وصعب عليها تقبل خبر تفضيله إمرأة أخرى عليهم..لتظهر ثورتها ورفضها فى شكل نفور كلى من كل من يحمل لقب مذكر..ولن يكون هادى إستثناءا..ربما ظهر كأبيها فى النصف الأول من حياته..ولكن من يدرى ..ربما أصبح مثله فى النصف الأخير إن هي رضخت لمشاعرها تجاهه..لذا فعليها أن توأد تلك المشاعر فى مهدها..فهي فى غنى عن عذاب لا طاقة لها به،ستجنيه إن هي أحبت هذا المخلوق الذى تجده جذابا..خفيف الظل..وقور ..عملي..هادئ ورزين..تماما كما تحب أن يكون شريك حياتها..هذا إن هي فكرت يوما فى الإرتباط،وهي لن تفعل ….مطلقا.
******************
قال الشيخ سالم بدهشة:
-مراتك؟؟
قال مجد بهدوء:
-أيوة سمر تبقى مراتى وهاجر خطيبة أخويا..ومعايا الدليل على كلامى ياشيخ سالم.
كادت سمر أن تنفى هذا الأمر ولكن ضغطة يد هاجر على ساعدها جعلها تصمت مرغمة حتى ينتهى الأمر..بينما قال الشيخ سالم متطلعا بثبات إلى عيون مجد قائلا:
-ولما إنت إتجوزت يامجد مقلتلناش ليه؟
قال مرتضى بحدة وقد شعر بإنفلات الأمور من يديه:
-إنت هتصدق كلامه ياابا؟
قال مجد بصرامة:
-إنت بالذات تسكت خالص..انا ساكتلك من الصبح وعامل حساب لوالدك الشيخ سالم،لكن قسما بالله كلمة زيادة ومش هراعى أي شئ ولا حتى الجيرة اللى بينا.
تحفز مرتضى للرد ولكن صوت والده أخرسه تماما وهو ينهره قائلا:
-مسمعش صوتك يامرتضى..مفهوم؟
قال مرتضى بحنق:
-مفهوم ياابا.
قال مجد:
-ياشيخ سالم ربنا قال فى كتابه العزيز..(ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ان تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين).
قال الشيخ سالم:
-صدق الله العظيم.
ليرمق مجد مرتضى بنظرة صارمة قبل أن يلتفت للشيخ سالم قائلا:
-واللى وصلك السوء عننا ،انا قادر بعون الله أظهرلك كذبه وفساده بالدليل زي ما قلت..وحالا.
قال الشيخ سالم بهدوء:
-وفين الدليل ده ياإبنى؟
رمق مجد أخاه للحظة قبل أن يقول للشيخ سالم بحزم:
-معايا فى الشقة اللى فوق..بس معلش حضرتك بس اللى تتفضل معايا عشان أوريهولك،ده طبعا بعد إذن الكل واللى أكيد واثقين فيك ياشيخنا.
نظر الشيخ سالم إلى الجميع ليومأوا برءوسهم بصمت بينما كاد مرتضى ان يتحدث لولا أن أخرسته نظرة والده الصارمة ليشيح بوجهه بحنق..لينظر مجد إلى هاجر قائلا:
-خليكوا هنا واقفلوا الباب عليكم بالمفتاح ومتفتحوش لحد.
أومأت هاجر برأسها بصمت لينظر مجد إلى سمر نظرة طويلة حملت لها العديد من الأحاسيس التى لم تستطع أن تفهمها ولكنها أرسلت فى جسدها قشعريرة وسارعت من دقات قلبها بجنون..ليلتفت مغادرا..ومغلقا الباب خلفه بهدوء،لتتجمد سمر مكانها..وشعور بالخوف ينتابها على هذا الرجل الذى يثبت لها بصورة قاطعة أنه رجل بحق فى زمن قل به الرجال..رجل يثير بداخلها شعورا تدرك وبكل قوة أنه الوحيد القادر على إثارته بكيانها،بينما أسرعت هاجر إلى الباب تغلقه بالمفتاح وهي تغمض عينيها..تشعر بوجوب محادثتها لأخيها فقد أرهقها السكن بهذا المكان ..ربما إقتراح سمر بالعودة إلى القاهرة هو إقتراح صائب..وليذهب كل شئ آخر للجحيم.
********************
فتح حسام الباب..ودلف إلى منزله بهدوء ليتوقف وهو يرى سماح الجالسة بالردهة،متقوقعة فى مكانها تضم ركبتيها إلى صدرها بيديها وتستند بذقنها عليهما..لتعتدل ما إن رأته..ثم تنهض مقتربة منه قائلة بقلق:
-حسام..إتأخرت ليه؟وتليفونك إتقفل تانى ليه ..حرام عليك أنا أعصابى تعبت.
نظر إلى عيونها القلقة بإضطراب إمتزج بداخله بذلك الإحساس المريع بالذنب..ليأخذ نفسا عميقا قبل أن يمد يديه ويمسك بيديها قائلا بهدوء مفتعل:
-أنا آسف ياحبيبتى..بس بعد ما كلمتك لقيت عصام مقابلنى وكان مخنوق أوى..فإضطريت أفضل معاه شوية أخفف عنه حبة،إنتى عارفة مشاكله اللى ما بتخلصش مع نهاد..فمحستش بالوقت خالص إلا بعد ما وصلته البيت وبصيت على التليفون لقيته فصل شحن تانى..بعد اكيد ما إتصلتى بية كتير وأنا ناسيه جوة العربية.
بداخلها شكوك لا تحصى..تخشى أن تبوح لنفسها بها حتى..شكوك تصاعدت مع دلوفه اليوم إلى المنزل..تفوح رائحة نسائية منه الآن،لم تشتمها عليه من قبل..تخشى أن تصدق ظنونها فتنهار حياتها كلية..أو تكون ظالمة إياه بشكوكها..فيتضح أن تلك الرائحة خاصة بعميلة لديه أو ربما هكذا تتمنى..رمقته سماح قائلة بثبات لا تشعر به حقا:
-لحد إمتى ياحسام؟
عقد حاجبيه قائلا:
-ما قلتلك كنت معاه من ساعتها لحد دلوقت.
قالت سماح بنفاذ صبر:
-مبتكلمش عن صاحبك..أنا بتكلم عن حياتنا كلها .
إزداد إنعقاد حاجبيه وهو يقول:
-مالها حياتنا ياسماح؟
رمقته سماح بضيق:
-شايفها طبيعية؟أنا بقى مبقتش شايفاها طبيعية..حياتنا بقت غريبة ومملة،مبقتش مرتاحة ولا قادرة أحس براحة..بسأل نفسى كل يوم لحد إمتى هفضل أستحمل؟لحد إمتى هفضل ساكتة؟
أمسكها حسام من ذراعها يجذبها خلفه بقوة وهو يتجه إلى حجرتهما قائلا بحدة:
-عايزة تتخانقى آخر الليل..يبقى تتخانقى فى أوضتنا،إحنا مبقيناش صغيرين على تصرفات الأطفال دى.
ليفتح الباب ويجذبها معه إلى الداخل قبل أن يغلق الباب بقوة ،فتح مراد باب حجرته وخرج من الحجرة يقترب من حجرة والديه وكل ذرة فى كيانه ترتعش بعد أن إستمع لبعض من شجار والديه..يدرك خوفا فى أعماقه وقلقا من الآت.
********************
قال مجد بصوت شابه بعض الألم:
-أظن بعد اللى شوفته وسمعته..تقدر تبص فى عين أي حد فى الشارع وتقوله ولاد محمود الصعيدى مش ممكن يغلطوا أو يغضبوا ربنا ياشيخ سالم.
ترك الشيخ سالم تلك الأوراق من يده قائلا بحزن:
-صحيح..إن بعض الظن إثم.
ثم نظر إلى مجد الذى أطرق برأسه حزنا..قائلا بندم:
-أنا آسف ياإبنى بس اللى بلغنى كان بالنسبة لى ثقة ..ومكنش ممكن أشكك فى كلامه.
رفع مجد وجهه إليه قائلا:
-مرتضى ..مش كدة؟
صمت الشيخ سالم ليقول حسن بغضب:
-اللى إنت متعرفوش بقى ياحاج إن إبنك مرتضى قاطع طريق خطيبتى فى الرايحة والجاية..وإنى النهاردة إتصدتله ويمكن عشان كدة وصلك الموضوع بالطريقة دى.
ردد الشيخ سالم بحزن:
-لاحول ولا قوة الا بالله..لا حول ولا قوة الا بالله.
قال مجد بهدوء:
-بص ياشيخ سالم..أنا عارف إن مرتضى يبقى إبنك بس لو إتجاوز حدوده مرة تانية فأنا آسف..هضطر أتعامل معاه وطريقتى هتكون قاسية أوى مع اللى يتعرض لأهل بيتى.
قال الشيخ سالم بحزن وهو ينهض ببطئ:
-حقك ياإبنى..حقك..عن إذنك.
نهض مجد يتبعه إلى الخارج ليتوقف الشيخ سالم ويلتفت إلى مجد قائلا:
-مجد..أنا عارف ياإبنى إنك مريت بكتير ، وربنا يكون فى عونك..وعارف إن ولاد الحاج محمود الصعيدى فعلا ولاد أصول..والأصول بتقول إن هاجر مينفعش تقعد فى البيت وهي مش مرات أخوك..فياريت تكتبوا كتب الكتاب علطول..عشان نقطع أي لسان يمسكم بسوء.
رمق مجد حسن الذى أشاح بوجهه ليعود مجد بناظريه لسالم قائلا:
-معاك حق ياشيخنا..احنا هنكتب الكتاب علطول كمان شهرين بعد الامتحانات بإذن الله.
قال الشيخ سالم:
– عَجِّل ياإبنى، عَجِّل.
أومأ مجد برأسه بينما غادر الشيخ سالم ..ليغلق مجد الباب خلفه ويتجه إلى حسن الذى قال بحدة:
-كتب كتاب إيه….
أشار إليه مجد بالهدوء..فأخفض حسن نبراته ولكنها خرجت حادة رغما عنه وهو يقول:
-كتب كتاب إيه اللى هتعجل بيه ده يامجد؟
قال مجد بنفاذ صبر:
-هعمل إيه يعنى ياحسن؟ما انت شايف احنا كنا فى إيه..إضطريت أقول كدة.
قال حسن بحنق:
-كله بسبب اللى حصل بينك وبين زوزا…..
صمت وهو يرى الألم الذى إرتسم على وجه أخيه ليسرع بالإقتراب منه قائلا بندم:
-أنا آسف..آسف يامجد،أنا عارف إنك ملكش ذنب فى اللى حصل.
نظر مجد إلى عيون أخيه قائلا بمرارة:
-بالعكس ياحسن..الذنب فعلا ذنبى ولو يرجع الزمن صدقنى كانت حاجات كتير هتتغير..بس مع الأسف الزمن مبيرجعش،وأنا تعبت ..تعبت ياحسن ونفسى أرتاح.
ضمه حسن قائلا بحنان:
-بكرة ترتاح ياأخويا..أصبر بس وصدقنى مع الأيام هترتاح.
أغمض مجد عينيه يرغب براحة يدرك أنه لن ينالها إلا إذا كفر عن ذنوبه…. جميعا.
********************
نفضت سماح يدها من يده قائلة بعصبية:
-سيب إيدى ياحسام..وجعتنى.
نظر إليها قائلا بحدة:
-وانتى موجعتنيش بكلامك برة ده..يعنى ايه حياتنا بقت مملة؟ويعنى إيه مبقتيش قادرة تتحملى..قصدك إيه؟ها؟اوعى تكونى بتفكرى تنفصلى عنى..اوعى تكونى عايزة تسيبينى؟عشان ده مش ممكن يحصل أبدا.
إتسعت عيناها بصدمة قائلة :
-أنفصل إيه..وأسيبك ليه..إيه الكلام الغريب اللى انت بتقوله ده؟أنا بس مخنوقة وقلت أفضفض معاك يمكن أرتاح.
رمقها حسام بحدة قائلا:
-مخنوقة من إيه بس ياسماح؟إنتى عايشة حياة الكل بيحسدك عليها..عايزة إيه تانى؟
قالت سماح بمرارة:
-عايزة أحس إنى عايشة..آه صحيح عايشة عيشة الكل بيحسدنى عليها،عشان شايفينها من برة،معاشوش اللى انا عايشاه..معايا زوج بيحبنى آه،بس غيرته بتخنقنى..حابسنى جوة البيت..زي الراجل اللى حبس عصفورته فى قفص من دهب لغاية ما إتخنقت وماتت..مانعنى أعرف صاحباتى أو حتى جيرانى،حتى إنى أمارس هواياتى اللى بحبها ده شئ مرفوض..لو شفتنى خارجة أشم نفسى فى البلكونة شوية بتعكنن علية،ولو سمعتنى بغنى أو فرحانة من غيرك بتضايق وكأن مشاركتك لأي حاجة بعملها هي الحاجة الوحيدة اللى ممكن تسمحلى بيها ..قلت مش مشكلة أشاركك معايا مشاعرى واهتماماتى..لقيتك رافض تشاركنى غير مشاعرك واهتماماتك إنت،فضلت أتنازل وأتنازل لحد ما بقى محور حياتى انت وبس..انت وكل حاجة تخصك..إتعودت ومبقتش تفرق معايا..كل شوية أقول لنفسى إصبرى معلش،بيحبك وبيغير عليكى..رغم إحساسى بإنك بتبعد عنى حبة بحبة..وانى بالنسبة لك بقيت شئ مسلم بيه،حاجة ملكك وبس..بقيت بتسرح وأنا جنبك،ومبقتش تهتم بية زي الأول وأنا أقول معلش شغله الجديد آخده.. بكرة يستقر ويرجع حسام اللى حبتيه..بس لا انت بتستقر ولا بترجع.
قال حسام بعصبية:
-ايه ده كله ؟ده انتى شايلة فى قلبك بقالك كتير بقى..بس اشمعنى جاية النهاردة تقولى الكلام ده..ايه اللى فجر الثورة دى..شفتى ماجى النهاردة ولا كلمتيها؟
قالت سماح بحنق:
-مش عشان قلت كلمتين فى قلبى يبقى لازم حد يكون السبب..وماجى اللى انت حاططها فى دماغك دى ومانعنى عنها إنسانة محترمة جدا على فكرة..أنا مش عارفة ليه بتكرهها بالشكل ده؟
قال حسام بغضب:
-مش عارفة ليه؟مش ماجى دى كانت أخت حبيب القلب ولا نسيتى؟
إتسعت عينا سماح فى صدمة قائلة:
-ياااه ..إنت لسة فاكر؟
لتعقد حاجبيها فى غضب مستطردة:
-وبعدين فيها إيه لما أقولك إن عادل كان أول حب فى حياتى وكان حب من طرف واحد..يعنى لا هو عمره عرف ولا حس بية.
قال حسام بسخرية:
-لولا عمل حادثة ومات كنتى هتعرفيه وتبقوا مع بعض ..ولا إيه؟
قالت سماح فى غضب امتزج بالمرارة:
-الظاهر إنى لما حكيتلك عن عادل ..كانت غلطة كبيرة منى،كنت فاكراك أعقل من كدةومش هتغير من واحد ميت..لكن طلعت غلطانة.
أمسكها من ذراعيها بقسوة يقول:
-لو مكنتش عاقل فعلا كنت…
قاطعته قائلة بمرارة:
-كنت إيه ياحسام؟كنت طلقتنى؟
قال بغضب:
-أيوة كنت طلقتك ياسماح..بس أنا أهو أدامك..مطلقتكيش وانتى لسة على ذمتى.
قالت سماح بغضب:
-غلطة فى إيدك ياريت تصلحها ياحسام،طلقنى ياحسام.
صرخت فى ألم حين هوى بصفعة على وجهها ..لتنظر إليه بصدمة ..وبعيون غشيتها الدموع واضعة يدها على وجنتها،ليقبض على يده بقوة وفى عيونه ظهر الندم على الفور.. اقترب منها فابتعدت عنه بخوف..لينظر إلى هذا الخوف بعينيها بعيون آسفة قبل أن يلتفت مغادرا الحجرة بسرعة..ليتوقف متجمدا وعيون مراد تطالعه بنظرة أَنَََََّ لها قلبه..امتزج فيها الصدمة بالحزن ..إلى جانب خيبة الأمل،كاد أن يقول شيئا ولكنه لم يستطع أن يجد نبرات صوته..ليغادر المنزل بأكمله بخطوات مسرعة..بينما تابعه مراد بحزن..قبل أن يدلف إلى داخل حجرة والدته التى انهمرت دموعها بصمت وما إن رأته أمامها حتى ادركت أنه كان شاهدا على ماحدث لها،لتفتح ذراعيها له على مصراعيهما..أسرع إليها مراد يحتضنها بقوة مغمضا عينيه يشاركها دموعها،لتربت على ظهره ..تردد فى نفسها..أن كل شئ سيكون بخير،وفى قلبها توقن بأن لا شئ سيكون بخير ، فمنذ تلك اللحظة ..لا شئ أبدا سيعود كما كان.
رواية ضلع مكسور سينجبر.
بقلم شاهندة.
الفصل العاشر
كان مرتضى يزرع الصالة جيئة وذهابا فى حنق..فقد باءت خطته بالفشل،وإنقلب الوضع..وبعد أن ظن أنه سيحقق إنتقامه من تلك التى رفضت اهتمامه بها بكل وقاحة،وهذا الذى تصدى له بقوة كحارسها الشخصي..أصبح هو الآن المذنب أمام الجميع،ليحظى بنظرات التشفى من هذا البغيض حسن حين صرفه والده من جلستهم..وتبا كم يؤلمه كبرياؤه الآن.
فتح الباب ليظهر الشيخ سالم على عتبته..اقترب منه مرتضى قائلا بحنق:
-كدة ياابا ت…..
قاطع كلماته صفعة مدوية تلقاها من أبيه ..ليتراجع مرتضى ناظرا إلى والده بصدمة ،فتلك هي المرة الأولى التى يضربه فيها أباه..بينما تقدم منه والده يقول بصرامة:
-لأول مرة فى حياتى أظلم بنى آدم وأغضب ربنا والسبب إنى وثقت فيك..لأول مرة أظهر بمظهر وحش أدام الكل، والسبب يكون إبنى،لأول مرة أعرف حقيقى إنى معرفتش أربى .
قال مرتضى بحزن:
-ياابا…..
قاطعه الشيخ سالم هادرا بقوة:
-إنت تخرس خالص ومسمعش صوتك بينادينى..قسما عظما يامرتضى،إن ما خليتك فى حالك وبطلت تغضب ربنا..لا هتكون إبنى ولا هعرفك،اوعى تقرب من ولاد الصعيدى وأهلهم تانى..مفهوم؟ولو حصل منك أي حاجة تصغرنى..والله لهيكون عقابك بإيدى أنا ياإبن الناس الطيبين ،الناس اللى عمرهم ما ظلموا حد ولا أذو مخلوق ولا افتروا على ولايا..سمعتنى يامرتضى؟
أطرق مرتضى برأسه أرضا قائلا:
-سمعتك ياابا.
رمقه الشيخ سالم بغضب قبل أن يتجه إلى حجرته ينوى أن يبدل ملابسه ويتوضا ليصلى إلى الله ..يستغفره عن ظن السوء،يطلب منه الغفران لما فعله ولده اليوم وإشراكه بالأمر وإتباعه إياه دون أن يتأكد ويتقصى الحقيقة..
بينما رفع مرتضى رأسه ينظر إلى الأمام بغل وفى عيونه قد إرتسمت نظرة..لا تبشر بالخير ….أبدا.
*******************
زفرت هاجر قبل أن تقول :
-ياهادى إفهمنى..أنا عارفة إن وجودى مع سمر ضرورى عشان علاجها،ووجودنا فى المكان ده برده مهم عشانها،بس بصراحة أنا خايفة..صحيح كلام مجد هداهم وخلاهم يبعدوا عننا،بس انت مشفتش اللى إسمه مرتضى ده ولا شفت نظراته لينا.
قال هادى من خلال شاشة اللاب توب خاصتها :
-تمام ياهاجر..فهمتك..وهتكلم مع مجد وأشوف إحنا ممكن نعمل إيه فى الموضوع ده،أهم حاجة دلوقتى إنك تطمنى..أنا لو مكنتش واثق فى مجد وأخوه وإنهم يقدروا يحافظوا عليكم،مكنتش هخليكى تسكنى معاهم فى البيت..أصبرى بس وكل شئ هيبقى تمام.
قالت هاجر فى نفسها..ربما مجد بالفعل يستحق ثقتك أخى، لكن أخاه ،لا اظن..فهو من أخشاه حقا..وأخشى أيضا ما يثيره بكيانى من مشاعر حنق ولكنها رغما عنى إمتزجت بشئ لا أدرى كنهه.. مشاعر لا أفهمها..هل هى إعجاب أم إحترام؟لا أدرى حقا.
نفضت أفكارها وهي تتنهد قائلة:
-اللى تشوفه ياهادى.
قال هادى بحنان:
-طيب أسيبك دلوقتى تنامى..وخلى بالك من نفسك ياحبيبتى.
قالت بسرعة:
-إستنى بس..قوللى ..أخبارك إيه مع سمر؟
أطلت سمر أمامه بصورتها البهية على الفور حين ذكرتها أخته..ليتنهد بشوق قائلا:
-مش عارف يا هاجر..فى لحظة بحس إن ممكن يكون فيه أمل لعلاقتنا.. أمل بسيط تحس بية ،لكن فى اللحظة اللى بعدها بكون شبه متأكد من إنى كنت عايش وهم ،وإنها عمرها ما هتبقى لية.
قال هاجر فى شفقة:
-معلش ياهادى..أصبر عليها،إنت عارف اللى حصل زمان من باباها واللى أثر عليها هي بالذات زي ما مجد حكالك..بتهيألى الفرصة اللى ربنا إدهالك هتقربها منك وهتخليها تتأكد إنك بتحبها وإنك مبتتمناش فى الدنيا دى كلها غيرها ..وإنك لوحدك اللى هتقدر تسعدها.
تنهد هادى قائلا:
-ياريت ياهاجر ..ياريت.
إبتسمت هاجر بحنان وهي تقول:
-تصدق..وحشتنى ياهادى ووحشنى الكلام معاك.
إبتسم هادى قائلا:
-إنتى كمان وحشتينى ياهاجر..هانت ياحبيبتى ..كلها شهرين والترم يخلص وتيجى تقضى معايا الأجازة بس أكيد هجيلك إسكندرية قبلها..
إبتسمت وهي تشير إليه بسبابتها قائلة بمرح:
-أكيد.
إبتسم بدوره قائلا:
-تصبحى على خير.
قالت بحنان :
-تلاقى الخير.
ثم أغلقت محادثة الفيديو يتبعها جهاز اللاب توب الخاص بها..لتنتفض على صوت سمر التى قالت :
-قلقانة زيي..مش كدة؟
إلتفتت إليها هاجر تقول:
-خضتينى ياسمسمة..إنتى هنا من إمتى؟
إبتسمت سمر قائلة:
-لسة جاية حالا.
قالت هاجر بصوت شابه بعض الإرتياح :
-كويس.. قصدى يعنى أيوة قلقانة..بس الكلام مع هادى ريحنى شوية.
جلست سمر بجوارها قائلة :
-أنا كمان كلمته من شوية..وحكيتله على آخر التطورات فى حالتى والكلام معاه فعلا ريحنى..بس محكيتلوش عن اللى حصل النهاردة..سيبتك انتى تقوليله.
أومأت هاجر برأسها ..لتقول سمر بحيرة:
-تفتكرى مجد عمل إيه مع الشيخ سالم وإيه الدليل اللى وراهوله وخلاه يقتنع بكلامه؟
هزت هاجر كتفيها قائلة بصوت شابه بعض الإضطراب:
-مش عارفة ..عموما مجد ذكى وأكيد إتصرف..هادى قاللى كدة.
أومأت سمر برأسها تقر فعلا بذكائه..لتنظر إلى هاجر قائلة:
-بس تفتكرى صدقوا إنى يعنى.. ممكن أكون مرات مجد..وانتى خطيبة حسن.
مطت هاجر شفتيها قائلة:
-بتهيألى آه،وإلا مكانوش سابونا ومشيوا.
قالت سمر بإرتباك:
-يعنى ملقاش غير الكدبة دى يقولها.
قالت هاجر :
-مكنش ينفع يقول غير كدة..الناس جت ومجد معانا فى الشقة فى وقت متأخر..تفتكرى هنبررلهم وجوده بإيه ،وتفتكرى لو كنا قلنا الحقيقة كانوا هيصدقوا؟معتقدش..أعتقد ان ده كان الحل الوحيد قصادهم.
أومأت سمر برأسها موافقة..ثم نظرت إلى هاجر قائلة بإرتباك:
-إنتى قلتيلى ياهاجر إن مراته..يعنى ماتت..صح؟
أومأت هاجر برأسها موافقة لتستطرد سمر قائلة :
-تعرفى عنها إيه؟قصدى يعنى هادى قالك عنها إيه؟
لمعت عيون هاجر وهي تقول بإبتسامة:
-وإنتى عايزة تعرفى ليه؟
قالت سمر بإضطراب :
-أبدا يعنى..أصل ..إنتى مش جايلك نوم..وأنا كمان فقلت ندردش شوية.
نهضت هاجر تقول بنشاط:
-لأ..مادام فيها دردشة..يبقى نعمل كوبايتين كابتشينو..عشان السهرة هتحلو.
ثم توجهت إلى المطبخ تتابعها سمر بعينيها ..تدرك فى أعماقها أن رغبتها فى معرفة المزيد عن زوجة مجد ليس فضولا عاديا منها وإنما رغبة فى معرفة المزيد عن هذا الرجل الذى تزداد إعجابا به..يوما بعد يوم.
********************
قال حسام بصوت متهدج من البكاء:
-مكنتش عايز أعمل كدة..صدقينى هي اللى إستفزتنى بكلامها..مش عاجباها حياتنا..كان ناقص تقوللى طلقنى،لأ،دى قالتها فعلا.
ربتت نور عى رأسه الرابض على حجرها وعيونها تلتمع من السعادة ولكنها قالت بحزن مفتعل:
-معلش ياحبيبى متزعلش نفسك..إيه يعنى غلطت فى حقك وضربتها قلم؟ما إنت واجبك تربيها..هي فاكرة نفسها إيه يعنى ؟ملكة بريطانيا.
رفع وجهه على الفور إليها وهو يقول:
-لأ متظلمهاش..سماح متربية فعلا وعمرها ما غلطت فية..بالعكس طول حياتنا مع بعض وهي شايلانى فوق راسها،مستحملانى ومستحملة ظروفى..وعصبيتى..وقفت ورايا لغاية ما فتحت شركتى وبقالى إسم فى السوق،باعت دهبها واديتنى فلوسها اللى فى البنك..ومبخلتش علية بحاجة،سماح بجد الزوجة اللى أي حد بيتمناها ..وأنا عاذرها فى اللى قالته النهاردة..أنا فعلا قصرت معاها أوى لكن خوفى من إنها تسيبنى هو اللى خرجنى عن شعورى.
كانت نور تستمع إليه بحنق..وهو يمجد فى زوجته ويعدد مميزاتها،ولكن حنقها وصل للنهاية وتحول إلى غل من كلماته التى تخبرها بأنه يتمسك بها بقوة وأنه من المحال أن يتخلى عنها..لتنوى أن تفعل شيئا بخصوص ذلك..نفضت أفكارها مؤقتا..وهي تقول برقة:
-خلاص ياحسام إنسى..وهي كمان هتنسى والأمور هترجع طبيعى من تانى.
أمسك يديها بلهفة قائلا:
-تفتكرى يانور؟تفتكرى هتنسى اللى حصل ومتزعلش منى أو تفكر تسيبنى؟
رغم الحقد الذى ملأ قلبها فى تلك اللحظة لما ظهر من مشاعر حسام تجاه غريمتها إلا أنها إستطاعت أن ترسم بسمة على شفاهها وهي تقترب من شفاهه تهمس أمامهما قائلة:
-طبعا ياحبيبى..هي اللى عندها راجل زيك..تقدر تزعل منه أو تسيبه برده،متفكرش دلوقتى فى أي حاجة وسيبنى أنسيك الحزن والهم..وبكرة أكيد هيبقى أحلى.
لتميل مقبلة شفتيه بنعومة ليغمض عينيه يترك لها الحرية لتقود علاقتهم وتنسيه ماحدث اليوم..تثيره بلمساتها وقبلاتها وأنوثتها التى تدركها جيدا،لتستطيع بكل سهولة أن تجعله ينسى فعلته بشريكة حياته..بل ينسى شريكة حياته نفسها.
********************
قالت هاجر بصوت عال:
-أنا ماشية بقى ياسمسم..عشان إتأخرت على المحاضرة.
فأجابتها سمر من داخل المطبخ:
-ماشى ياجوجو..خلى بالك من نفسك.
سمعت هاجر طرقات على الباب..فعقدت حاجبيها وهي تتوجه إليه،تنظر من خلال العين السحرية الخاصة بالباب إلى الطارق..لتتسع عيونها بقوة وهي تلتفت تستند بظهرها على الباب..فأمام الباب وقف هذا الرجل الذى يثير بداخلها جميع المتناقضات،إنه الأخ الأصغر لمجد..ترى ماذا يريد الآن؟إلتفتت مجددا إلى الباب مع عودة الطرقات من جديد..لتأخذ نفسا عميقا ثم تفتح الباب تواجهه بكل هدوء.
تأملها لثانية ليظهر الارتياح قليلا على ملامحه من مظهرها المحتشم.. قبل أن يقول ببرود:
-هتفضلى واقفة كتير..مش ناوية تروحى الكلية ولا إيه؟
عقدت حاجبيها قائلة:
-رايحة طبعا بس حضرتك واقف قصادى ..خير عايز حاجة؟
ظهرت السخرية على ملامحه وهو يقول:
-عايز أوصل خطيبتى.
إنفرجت عقدة حاجبيها وهي تنظر إليه ببلاهة لثوان تتساءل عن معنى كلماته..لتعقد حاجبيها مع إدراكها لمقصده بينما إتسعت إبتسامته الساخرة وهي تقول:
-توصل مين..إنت صدقت نفسك ولا إيه؟
مال قليلا يقول بسخرية:
-مش أنا اللى المفروض أصدق..أهل الشارع اللى المفروض يصدقوا ان احنا مخطوبين..وبعدين معتقدش هيضر معاليكى لو لقيتى توصيلة مجانية كل يوم وخصوصا ان عربيتك لسة عند الميكانيكى زي مامجد قاللى،أنا هستناكى تحت..وإنتى بقى حرة.
إلتفت مغادرا يهبط الدرج بخفة غافلا عن عيون إتقدت شرارتها وصاحبتها تقول بحنق:
-إنسان مستفز وبارد.
إنتفضت على صوت سمر وهي تقول بحيرة:
-إنتى بتكلمى مين ياهاجر؟
إلتفتت إليها هاجر قائلة بحنق:
-بكلم نفسى.
ثم غادرت مغلقة الباب خلفها وسط دهشة سمر..بينما هبطت الدرج بخطوات حانقة،تدرك أن هذا الرجل يثير حنقها إلى أقصى حد ولكنه محقا..يحتاجان لإثبات صدق إدعائهم لكل أهل الشارع،إلى جانب أنها لابد وأن تعترف بأن ذهابها معه أفضل ألف مرة من المخاطرة بالمرور أمام محل هذا المرتضى وإضطرارها لرؤيته مجددا.
********************
هبطت هاجر من السيارة يتبعها حسن..وقفت تنتظره ،فرأته يغلق السيارة ثم يبتعد على الفور دون كلمة يوجهها إليها ..أصابها الحنق بشدة وكادت أن تتجاهله بدورها متجهة إلى محاضراتها ..خطوتين فقط وتوقفت منتبهة أنها نسيت كشكول المحاضرات على تابلوه السيارة من إرتباكها لوجودها إلى جواره طوال الطريق رغم أنه لم ينطق بحرف،لتلتفت بإتجاهه مجددا فوجدته قد إبتعد كثيرا..لتسرع خلفه تراه يتجه إلى أصدقائه على مايبدو،يسلمون عليه بحفاوة ..تمهلت فى خطواتها تشعر بالخجل ،خاصة من هؤلاء الفتيات اللاتى إلتفتن حوله إحداهن تضع يدها على كتفه بينما الأخرى تقترب منه بشدة وتكلمه بعيون تقبع فيهم نظرة جريئة ثم تعدل له ياقته بطريقة أثارت الحنق بداخل هاجر..شعور آخر أحرقها من الداخل..لا تدرى كنهه.
توقفت وهي تشعر بالإشمئزاز..ربما عليها أن تنسى كشكولها او تستغنى عنه اليوم..كادت أن تلتفت متراجعة ولكن صوت هذا الشاب من مجموعته جمدها وهو ينظر إليها بوقاحة قائلا:
-فيه حاجة ياآنسة؟
إلتفت حسن على الفور ليراها تطالعه بإرتباك..عقد حاجبيه وهو ينفض عنه يد تلك الفتاة،يبتعد عن الجميع بإتجاهها..يمسكها من يدها ويبعدها بدوره عنهم ..وما ان إبتعدوا بمسافة كافية حتى توقف قائلا لها بحنق:
-إيه اللى جابك ورايا؟مروحتيش على محاضراتك ليه؟
نفضت يدها عنه قائلة بغضب:
-أولا أنا مش جاية وراك..أنا كنت عايزة…
أخرستها نظرته الساخرة..لتنظر إليه بحنق قائلة:
-أقولك..أنا مش عايزة حاجة منك..وإنسى إنى أروح معاك أو يبقى لية أي علاقة بيك،إنت بجد إنسان مستفز..وأنا..أنا….
لم تستطع أن تبوح بما يتقافز على لسانها من كلمات الكره..لتضرب الأرض بقدمها وهي تنظر إليه بغضب قبل أن تبتعد بإتجاه محاضراتها،يتابعها هو بنظرات باردة..لم تلبث أن لانت قليلا..ولكن تلك الذكرى فى رأسه والتى أطلت بقوة الآن..أعادت إلى نظراته البرودة القارصة..ليلتفت عائدا إلى أصحابه وطوال طريقه،يمر شريط الذكريات المرير..يأبى أن يتركه وشأنه.
********************
قال رائف بسخرية:
-كان لازم لما عرضت الجواز على ماجى تقولها إنها مش هتتجوزك لوحدك..لأ هتتجوز معاك طنط سمية كمان.
قال يوسف بحنق:
-ما تلم لسانك يارائف..وبعدين إنت عايزنى بس أعمل إيه؟أبقى عاق وأزعل أمى عشان أرضى مراتى وأكون زوج كويس؟
نهض رائف من مقعده خلف مكتبه وإتجه إلى هذا المقعد المواجه لمقعد يوسف قائلا بهدوء:
-أنا مقلتش كدة بس كمان اللى بيحصل ده ميرضيش ربنا..انت كدة بتظلم طرف لحساب الطرف التانى.. كدة مش هينفع يايوسف،بيتك وسعادتك وحياتك كلها على المحك..مش معنى إن ماجى ساكتة وصابرة على اللى بيحصل يبقى إنت كمان تسكت وتسيب والدتك تتحكم فى حياتك بالشكل ده،لمجرد إنك خايف من غضبها عليك..حاول تفهمها إن اللى بتعمله ده بيضر حياتك،وإنها باللى بتعمله بتتعسك..حاول تعرفها إن لو لفت الدنيا دى كلها مش هتلاقى مرات إبن زي ماجى،خليها تراعى مشاعرها شوية وتتقبلها..ياسيدى مش علشان خاطرك على الأقل،عشان خاطر ياسمين..الحفيدة اللى مفيش أجمل ولا أرق منها.
نظر يوسف إلى رائف قائلا بمرارة:
-تفتكر محاولتش..صدقنى حاولت كتير،بس مفيش فايدة ..ماما أنا عارفها كويس ..مش هتهدى أو ترتاح غير لما أطلق ماجى وأتجوز علا،وده من رابع المستحيلات.
رمقه رائف قائلا:
-يبقى الموضوع كدة لازم له حل سريع والحل ده فى إيدينا يايوسف.
عقد يوسف حاجبيه قائلا:
-حل إيه ده؟
قال رائف وهو يستند إلى ظهر مقعده:
-ندور لعلا على عريس مناسب..وبكدة مامتك هتفقد الامل فى جوازك منها..وتبدأ تتقبل الأمر الواقع،وتتقبل ماجى..أو تديها فرصة.
لمعت عيون يوسف وهو يقول:
-والله فكرة حلوة..بس ندور ليه ما العريس موجود.
لم تعجب رائف نبرات يوسف وأدرك أن القادم لن يعجبه ليثق فى حدسه ويوسف يستطرد :
-إنت هتكون العريس ده يارائف.
نظر رائف إليه بإستنكار وهو ينهض قائلا:
-أنا..أنا إيه بس؟شكرا،أنا حرمت..كفاية أوى جوازتى الأولانية من واحدة بتشبه بنت خالتك بالظبط وكأنهم توأم..ولولا الموت أخدها ورحمنى كنت أنا بنفسى اللى قتلتها.
قهقه يوسف ضاحكا وهو يقول:
-الله يرحمها ..فعلا كانت شبه علا..ما علينا،يعنى مش هتخدمنى الخدمة دى يارائف؟
عاد رائف إلى مقعده خلف مكتبه وهو يقول:
-لأ..خلينى بعيد عن الموضوع ده ودور على حد تانى أنا إكتفيت والحمد لله..مبقتش أفكر فى الجواز ده نهائى،وكفاية علية شغلى و بيرى.
إبتسم يوسف قائلا:
-ربنا يخليهالك يارائف..صحيح مقلتليش..عملت إيه مع مربية الأطفال الأخرانية.
زفر رائف قائلا:
-طردتها طبعا..الهانم كانت حاطة عنيها علية أنا،مش على بنتى..ومن ساعتها وأنا بدور على واحدة تانية،ولولا وجودها مع ياسمين وماجى أغلب الوقت ..كنت بقيت فى ورطة حقيقية بجد.
إبتسم يوسف قائلا:
-ماجى بتحبها أوى وكمان ياسمين..البنت تجنن متقولش أبدا إنها بنتك.
رفع رائف حاجبيه قائلا:
-بقى كدة؟
ضحك يوسف قائلا:
-طب متزعلش..هي بنتك،دى حتى نسخة طبق الأصل منك.
إبتسم رائف..لينهض يوسف قائلا:
-أنا هقوم بقى أروح الجمارك أشوف الورق بتاعنا خلص ولا لأ.
قال رائف :
-طيب ..متنساش تكلمنى من هناك وتطمنى.
أومأ يوسف برأسه موافقا وإتجه إلى الخارج ليوقفه صوت رائف المنادى بإسمه..إلتفت يوسف إليه فقال رائف بإبتسامة واسعة:
-مكنتش أعرف إنك بتحبنى أوى كدة عشان ترشحنى للجواز من بنت خالتك.
إبتسم يوسف قائلا:
-عيب عليك..ده انت فى قلبى..فكر بس ومتتسرعش.
مال على الفور متفاديا هذا القلم الذى قذفه رائف تجاهه ليقول بحزن مفتعل:
-بتلقنى بالقلم الحبر يارائف،طيب كنت لقيتنى بالقلم الدهب..جرحت مشاعرى على فكرة.
ليسرع بالمغادرة ورائف يمسك بدباسة الورق يصوبها بإتجاهه..ليضعها مجددا على المكتب ترتسم على شفاهه إبتسامة واسعة بينما أطل يوسف بوجهه من الباب مجددا قائلا بإبتسامة:
-شفتك وإنت بتضحك.
ثم غادر مجددا قبل أن يقذفه رائف بالدباسة بالفعل.. ليهز رائف رأسه قائلا بإبتسامة:
-مجنون.
الفصل الحادى عشر
لا يعرف لماذا لم يستطع أن يظل مع أصدقائه ويقضى وقته برفقتهم كما إعتاد دائما ..ربما لأنهم ظلوا يتسائلون عن تلك الفتاة التى أخذته منهم لبعض الوقت،ينتابهم الفضول عنها،تذكرنها الفتيات بحقد بينما يصف الفتيان جمالها ورقتها ،شعرها البني المسترسل وعيونها العسلية ..أما غمازتيها فحدث ولا حرج…
غمازتيها هل لديها غمازات؟كيف لم يلاحظ ذلك ولاحظه هذا التعس صلاح؟ليتذكر أنه قال أنها زميلة أخته صافيناز وأنه يراها كلما ذهب ليصطحب أخته كي يعودا سويا إلى المنزل..اغتاظ لإنه عرف ذلك عنها من صديقه؟بينما هي خطيبته لا يعرف عنها أبسط الأشياء..ربما لإنها لا تبتسم أبدا فى وجهه…
توقف عن التفكير بصدمة..هل يعدها الآن خطيبته،هل جن؟تراجع فى مقعد سيارته يستند برأسه إليه مغمضا عيناه بإرهاق..يعترف بأن تلك الفتاة توتره،وتثير بداخله مشاعر يأبى أن يخضع لها..فلقد إحترق سابقا بنيران العشق ولن يسمح لنفسه أن ينساق مجددا وراء مشاعره،فجنس حواء يتشابه فى شئ واحد..عدم الوفاء..فلا عهد لهن ولا أمان،لذا فقد آمن بشئ واحد منذ أن ذاق مرارة الغدر..لا ثقة فى أحد..ولا أمان لمخلوق..ولا وجود للنساء فى حياته.
لذا عليه أن يذكر نفسه بجرح الغدر القديم،كلما شعر بنفسه ينساق تجاه مشاعره لإمرأة…
فتح عيونه يرتسم فيهما التصميم،كاد أن يقود السيارة عائدا للمنزل وتاركا إياها تعود وحدها ولن يبالى، لولا أن وقعت عيناه على هذا الدفتر الموضوع على تابلوه سيارته..مد يده إليه،يمسكه ويتأمل غلافه الرقيق لثوان..تردد قبل أن يحسم رأيه ويفتحه ليجد إسمها بداخله بخط منمق رقيق،هاجر عبد الفتاح..وبنهاية إسمها قلب صغير بسلسلة يتدلى منها مفتاح صغير.
قلب الصفحات ليرى بعض المحاضرات التى دونتها..يلاحظ تكرار هذا القلب المسلسل بمفتاح فى نهاية كل فقرة،كعلامة خاصة بها.
قرأ بعض الجمل التى دونتها فى أعلى بعض الصفحات.. بعضها يدل على مللها من المحاضر بتعبيرات ساخرة راقت له مثل(فاكر نفسك دمك خفيف..على فكرة يلطش)(خلص المحاضرة بقى قبل ما أشوفك حالة قلب مستعصية وأقوم أعملك عملية قلب مفتوح وأشيل القلب خاالص ،خلينا نرتاح)(٣ دقايق كمان وهيطلبولك انت الإسعاف)..(انا مش عارفنى..أنا تهت منى يادكترة) رغما عنه لانت ملامحه بإبتسامة فمن الواضح أنها لاتطيق هذا المحاضر الذى يعرفه جيدا،ويتفق معها كلية فى أن محاضراته مملة ولا تفيدهم بشئ البتة….
إتسعت إبتسامته حين قلب الصفحة ووجد عبارة بخط عريض(متنسيش تجيبى الكابتشينو ياجوجو وإنتى مروحة..ياإما هتتسوحى ومش هتعرفى تركزى وهتسقطى فى الكويز ياحاجة)،كاد أن يضحك ولكنه فجأة عقد حاجبيه قائلا:
-عشان كدة جت ورايا النهاردة..اكيد كانت عايزة كشكول محاضرتها،مش ماشية وراك زي ما كنت فاكر.
نظر فى ساعته ليدرك أنها على وشك المغادرة لينظر بإتجاه بوابة الجامعة..وجد بعض المغادرين ،هبط من السيارة ووقف بجوارها لتتضح له زاوية أوضح للرؤية..رآها تخرج من البوابة مع صديقتها التى يعرفها جيدا،صافيناز أخت صديقه صلاح..تجمدت عيونه على إبتسامتها التى زادتها إشراقة وجمالا وهي تتحدث إلى صديقتها ليرى تلك الغمازات التى أخبره عنها صديقه..هز رأسه ينفض ذلك السحر الذى ألقته عليه بإبتسامتها،لتتجمد تلك الإبتسامة ثم تختفى نهائيا مع تلاقى عيناها بعينيه..إقتربت منه ثم تجاهلته وهي تتجه مع صديقتها بإتجاه الشارع،أصابه الحنق لتجاهلها إياه ولكنه أسرع خلفها يقول بهدوء:
-هاجر.
توقفت وإلتفتت إليه مع صديقتها التى أومأت له برأسها محيية إياه فبادلها إيماءتها..ثم قال مستطردا:
-يلا بينا ياهاجر عشان نروح.
قالت صافيناز:
-ماشى ياهاجر..أنا كمان هروح لصلاح ..أكيد مستنينى ..أشوفك بكرة الصبح.
كادت هاجر أن تستوقفها ..تخشى أن تتركها وحيدة مع هذا الرجل الذى يربكها ولكنها لم تستطع..فقد ذهبت صافيناز سريعا دون ان تترك لها أي فرصة لمعارضتها ..نظرت إليه دون كلمة،تطالعه بجمود..إقترب منها حتى توقف أمامها تماما..يقول بهدوء:
-هنفضل واقفين كتير..بيتهيألى لازم نروح.
رمقته ببرود قائلة:
-روح لوحدك..أنا مش هروح معاك.
نظر إليها قائلا بغيظ:
-هاجر مش وقت لعب عيال على فكرة..يلا بينا.
ضربت قدمها بالأرض قائلة بحنق:
-أنا مش طفلة..وبطل تقول علية كدة.
نظر إليها بسخرية لتطالعه بغضب..تدرك أنها تتصرف حقا بطفولية..لتلتفت مغادرة..أسرع يمسك بذراعها مستوقفا إياها..قائلا :
-إستنى بس.
إلتفتت تنظر إليه ثم تنظر إلى يده الممسكة بذراعها..ليتركها على الفور وهو يرفع يديه قائلا:
-بلاش عناد..إحنا الاتنين رايحين على البيت ومش حلوة بجد الناس تشوفنا مروحين كل واحد لوحده،سيبى خلافاتنا على جنب..ويلا بينا.
نظرت إليه بحنق..تفكر لثوان..تدرك أن معه حق ورغم حنقها منه إلا أنها نظرت إليه بتحدى قبل أن تتركه وتغير إتجاهها بإتجاه سيارته تتجاوزه ببرود،لينظر فى إثرها وعلى شفتيه إرتسمت إبتسامة إعجاب…رغما عنه.
*******************
قال مراد بحزن:
-بقالها يومين ياخالى على حالها ده..لا بتاكل ولا بتشرب ،قافلة عليها أوضتها وبتعيط..خالتى سمر تعبت معاها كلام ومفيش فايدة.
عقد مجد حاجبيه قائلا:
-وده من إيه يامراد..حد زعلها؟حسام فين؟
قال مؤاد بإرتباك:
-بابا..مش عارف..قصدى..سافر.
أدرك مجد أن ما وضع أخته بتلك الحالة هو زوجها حسام..ليقول بهدوء:
-طيب إديها التليفون يامراد..خلينى أكلمها.
أومأ مراد برأسه متجها إلى غرفة والدته طارقا الباب قبل أن يدخل إلى الحجرة..ليراها جالسة على السرير تضم ركبتاها إلى صدرها تستند بذقنها عليهما تنظر للفراغ بعيون شاردة..إقترب منها قائلا:
-ماما..خالى مجد على التليفون وعايزك.
أفاقت من شرودها على ذكر إسم أخاها الحبيب..سندها فى هذه الدنيا التى تشعر فيها بأنها دمية لا حول لها ولا قوة..يتلاعب بها صاحبها بين يديه وهي خاضعة مستسلمة بلا إرادة،ترغب بإنتفاضة ولكنها تدرك أنها أضعف من أن تفعلها.
أخذت الهاتف من يد مراد ووضعته على أذنها..تجلى صوتها الذى تحشرج بداخلها يأبى الخروج وهي تقول:
-ألوو.
قال مجد على الفور:
-مالك ياسماح..فيكى إيه؟طمنينى عليكى.
قالت بإضطراب:
-أنا..كويسة..مفيش فية حاجة يامجد..شوية برد بس ..هاخد العلاج وشوية لمون وهبقى زي الفل.
قال مجد:
-الكلام ده تقوليه لحد تانى..أنا أخوكى ،أخوكى اللى حافظك وعارفك وأقدر أسمع مرارة صوتك وأعرف إن الموضوع أكبر من شوية برد ياسماح..متخبيش علية وقوليلى مالك ياإما هتلاقينى عندك وهعرف بطريقتى.
قالت بسرعة:
-لأ متجيش.
عقد مجد حاجبيه لتغمض عينيها وهي تحاول ان تجد ثباتها لتقنعه بكلماتها وهي تفتح عينيها قائلة:
-قصدى يعنى مينفعش تيجى، وانت عارف ليه؟
ليقول مجد :
-هتصرف ،ملكيش دعوة.
قالت سماح :
-خلاص خلاص هقولك..إتخانقت ياسيدى مع حسام..كان واعدنى بإنه يتفرغ لينا شوية ويخرجنا،وانت عارف شغله بقى واخد كل وقته وللأسف موفاش بوعده..
قال مجد دون إقتناع:
-عايزة تفهمينى إنك قافلة على نفسك الباب يومين لا أكل ولا شرب..بسبب خناقة مع حسام..ما ياما إتخانقتوا وعلى حاجات أصغر من كدة كمان،إيه الجديد ؟
قالت سماح وهي تشرد فى ما حدث من حسام تلك المرة الأخيرة ،رافعة يدها تتحسس وجنتها التى ماعادت تؤلمها جسديا ولكن ألمها النفسى مازال حيا:
-عندك حق،مفيش جديد..بس يمكن مليت شوية.
قال مجد:
-وذنب مراد إيه يا سماح؟الولد متأثر عشانك جدا..
نظرت سماح إلى مراد الواقف على مقربة منها يطرق رأسه بحزن..لتسمع مجد مستطردا:
-وبعدين حسام مسافر فين؟
قالت سماح بدهشة:
-مسافر؟!
رفع مراد عيونه إليها يومئ برأسه بقوة..لتدرك أنه أخبر خاله بتلك الكذبة ليبرر غياب حسام..ليقول مجد:
-هو مش مسافر ولا إيه؟
قالت بسرعة:
-لأ..مسافر طبعا المنصورة فى شغل..بس إستغربت إنت عرفت منين.
قال مجد:
-من مراد..الولد ده حساس أوى،وانتى بعيدة عنه وغرقانة فى حزنك..وهو تعبان علشانك..متخليش غلطاتنا تأثر على أكتر ناس بنحبهم،متعمليش زيي ياسماح ..فياتخرجى من اللى انتى فيه وتاخدى بالك من إبنك ،ياهجيلك من إسكندرية وأخدك معايا .. وأجبرك إذا لزم الأمر.
إبتسمت قائلة:
-مجنون وتعملها.
قال مجد:
-انا عشانك مستعد أعمل أي حاجة ياسماح.
غشيت عيونها الدموع وهي تقول بحنان:
-ربنا يخليك لية يامجد..وما يحرمنيش منك.
قال مجد بإبتسامة:
-ويخليكى لية يارب..يلا هسيبك دلوقتى تقومى تشوفى اللى وراكى وهكلمك بكرة أطمن عليكى..لا إله إلا الله.
قالت:
-محمد رسول الله.
ثم أغلقت الهاتف ووضعته جانبا تنظر إلى مراد وهي تبتسم بحنان..تفتح ذراعيها على مصراعيهما،ليسرع مراد إليها..يلقى بنفسه بين أحضانها،لتربت على ظهره بحنان ..تدرك بكل قوة وجوده كنعمة فى حياتها..تماما كأخواتها.
*******************
كانت سمر تجلس بجوار هاجر..التى تنظر إلى شاشة هاتفها بتركيز..لتقول سمر بملل:
-إيه رأيك ياجوجو نقوم نخرج شوية..نروح مثلا كارفور اللى بسمع عنه ده ومشفتوش من يوم ما جيت إسكندرية..أو أقولك ماتيجى نتمشى شوية على البحر.
قالت هاجر دون أن تحيد بناظريها عن شاشة الهاتف:
-ما بلاش النهاردة ياسمسمة..رجلى واجعانى من الوقفة النهاردة فى سيكشن دكتور عماد..خمس ساعات مقعدناش لحظة واحدة..ولولا حسن وصلنى أنا كنت قعدت على الرصيف لغاية ما يجيلى التاكسى لحد عندى.
قالت سمر بخبث:
-حسن ..قلتيلى..أخبارك إيه معاه؟
نظرت إليها هاجر على الفور قائلة بإرتباك:
-عادى يعنى..هو فى حاله وأنا فى حالى..بيوصلنى الصبح ويجيبنى بعد المحاضرات..
تفحصت سمر ملامحها المضطربة قائلة :
-يعنى مبتتكلموش فى أي حاجة وانتوا فى الطريق؟
شردت هاجر تتذكر صمته القاتل طوال الطريق فى الذهاب والإياب،ماعدا فى بعض الأحيان حين تسأله هي عن شئ فيرد عليها بإقتضاب..يثير حنقها بالتأكيد ولكنه رغما عنها يثير بداخلها شئ ما..ربما هو الفضول على مايبدو،أفاقت من شرودها على صوت سمر تناديها قائلة:
-ياهاجر..انتى يابنتى..روحتى فين؟
قالت هاجر بإضطراب:
-معاكى ياسمر أهو.
قالت سمر:
-معايا..طيب..مقلتليش مبتتكلموش مع بعض؟
قالت هاجر بحنق:
-لأ..أصلا مبيدنيش فرصة حتى أتنفس..محسسنى إنى حمل فوق راسه،والله لولا خوفى من مرتضى ومضايقته لية أنا كنت رفضت إنه يوصلنى.
قالت سمر :
-طيب اهدى وقوليلى عملتى ايه مع دكتور فتحى..قبل البحث بتاعك؟
أومأت هاجر برأسها قائلة:
-أيوة..بس طبعا ده بحث مبدأى وعشان يوافق عليه بشكل نهائي لازم أكتبه بالكامل .
عقدت سمر حاجبيها قائلة:
-وإيه المشكلة؟
قالت هاجر بحنق:
-المشكلة ياستى إنى هحتاج أروح مكتبة إسكندرية لإن الكتب اللى محتاجاها مش موجودة فى مكتبة الجامعة..وبكدة طبعا هضطر أقول لحسن يوصلنى .
قالت سمر:
-طب ماتاخدى تاكسى.
قالت هاجر:
-بصراحة خايفة..الأستاذ اللى إسمه مرتضى بصلى إمبارح بصة خفت منها.
قالت سمر بخبث:
-وحسن بقى الشخص الوحيد اللى بتحسى معاه بالأمان ..مش كدة؟
نظرت إليها هاجر قائلة بإرتباك:
-أيوة….لأ….قصدى مش الوحيد يعنى ..فيه مجد..بس مجد طول النهار فى الشغل ومش معقول هقلقه بالليل معايا كمان.
دق قلبها مجددا مع ذكر إسمه..لتحاول أن تغير مجرى الحديث وهي ترفع هاتفها قائلة :
-طيب قوليلى لو عايزة أعمل أكونت فى تطبيق الواتباد عشان أبقى أقرا روايات براحتى وانتى برة..أعمل إيه؟
إستطاعت بالفعل أن تشغل عقل هاجر عن ذكر اسم هذا الذى يثير الإضطراب فى روحها..وهي تتناول منها الهاتف قائلة:
-بسيطة ..هعملهولك.
لتفتح الهاتف ثم تفتح لها تطبيق الواتباد بسهولة قبل أن تناولها إياه قائلة:
-وآدى ياستى الأكونت بتاعك على التطبيق..إقرى روايات براحتك بقى،وسيبينى أخلص السيرش ده..
إبتسمت سمر وهي تفتح الهاتف كي ترى التطبيق..لتلاحظ وجود بعض الرسائل على تطبيق الماسينجر..فتحتهم بهدوء وقرأتهم واحدة تلو الأخرى تجيب عليهم بحب،فأغلب الرسائل من زميلاتها بالمستشفى حيث كانت تتعالج من آثار الحادثة..فتحت الرسائل التى لايكون أصحابها أصدقاء لديها على الفيس بوك..لتلاحظ أنها بعض الرسائل التافهة من أناس فارغى الرءوس والذين لديهم فقط وقت يضيعونه على ترهات..كادت أن تمسحها جميعها لولا أن لفت إنتباهها رسالة من شخص يضع إسم سمر توأم الروح على صورته الشخصية والخاصة بصفحته..فتحت الرسالة لتقرأها ومع حروفها إتسعت عيونها بصدمة.
********************
توقفت سمر لدى سماعها لتلك الممرضة تهانى تقول بسخرية لصديقتها:
-بقى الدكتور هادى بيحب واحدة زي سمر دى..مستحيل،ده أنا أقص شعرى من جدوره لو الكلام ده حقيقى.
إقتربت سمر من تهانى.. الموالية لها ظهرها فإتسعت عينا سوسن ..تلك الممرضة الأخرى بينما تستطرد تهانى قائلة:
-آه..متستغربيش كدة..تلاقيه زهق منها،ومن بوزها الشبرين دول..وعشان كدة مبقاش ييجى ولا يروح معاها،ولا حتى بيروحلها المكتب زي الأول…
قالت سمر مقاطعة إياها فى برود:
-شايفة إنك مركزة أوى معانا يا تهانى.
إلتفتت إليها تهانى تنظر إليها فى جزع لتستطرد سمر قائلة بسخرية:
-عموما..اللى مش عاجباكى دى تبقى الدكتورة سمر..سمر الصعيدى..اللى إختارها الدكتور هادى من بين كل البنات اللى حواليه،ومش معنى إن إحنا مش حابين نظهر مشاعرنا أدام الكل لإننا ناس محترمة ومتربيين يبقى كدة مبنحبش بعض..على فكرة ياحلوة،إنتى فاهمة الحب غلط..وقريب أوى هتقصى شعرك زي ما قلتى بالظبط.
ثم إستدارت مغادرة تتبعها عيون تهانى فى حقد ..لتلتفت عندما سمعت صوت مكتوم خلفها.. فإذا بها سوسن تكتم ضحكاتها بيدها..لتوكزها تهانى قائلة بحنق:
-هي ناقصاكى إنتى كمان.
قالت سوسن :
-وأنا مالى يااختى..هي هتغيظك انتى تقومى تطلعيه فية،أنا ماشية وسايبهالك مخضرة.
وتركتها بدورها مغادرة..لتنظر تهانى فى إثرها بحنق ثم تفكر فى تلك التى أهانتها وإبتعدت ببرود لتقول بغل:
-ماشى يادكتورة سمر ..
لتمسك بطرف شعرها مستطردة :
-وحياة مقصوصى الطاهر ده لهخليكى تندمى على الكلام اللى انتى قلتيه ده ياسمر .
ثم إرتسمت فى عينيها نظرة شيطانية…قاتلة.
********************
كانت تقرأها للمرة الثانية بعد أن هدأت قليلا..رسالة هذا المجهول إليها والتى بعثت فى نفسها اليوم شعور غريب طغى على رعبها الفطري من هذا الذى يعرف تفاصيلها كما يعرف تفاصيل كف يده..ففى داخل الرسالة قبع إعتذار وكأنه يدرك حالتها بعد قراءة تلك الرسائل..جرت عيونها على حروفها مجددا.
“حبيبتى سمر…
إشتقت إليك كإشتياق الروح لراحة أبدية..فأنا المسافر فى صحراء البعد أبغى شربة ماء من بين يديك تعيد إلي الحياة..الكون ما هو إلا فراغ مقيت دون إبتسامتك التى تنير صباحي بشمس لا تغيب،كم هي شاقة تلك الليالى التى أستيقظ فيها فلا أجد رأسك على صدرى..وكم هو مؤلم حين يستبد بى الحنين إليك فلا أستطيع أن أدفن رأسى فى تجويف عنقك،أشم رائحة الياسمين، تغمرنى ثناياكى..أمازلتى تحبين الياسمين؟أم غاب عنك هذا العشق الأبدي كما غاب طيفى عن قلبك ؟أي جنون هذا الذى أحياه وأنا أقرب إليك من نفسك ولا أستطيع أن أضمك إلى صدرى..يجرى دمى وعشقى فى شرايينك ولا أستطيع أن أمزج أنفاسى بأنفاسك؟أي جنون هذا الذى يجعلنى أبعث إليك بكلماتى عوضا عن مزج كيانى العاشق بكيانك الساحر؟إنه جنون العشق..فأنا عاشق حتى الثمالة..أصبحت مجنونك فإرحمى ضعفى ولا تخشينى،فأنا لا شئ سوى قلب يعشق ..ما أبقانى بعيدا عنك سوى أننى مجبر على البعد لأجلك وما قربنى منك سوى أننى مجبر على القرب لأجلى..ربما يوما ما أخبرك بأسبابى،فقط إن سمحتي لي..ولكنى سأظل قريب منك حتى تفعلين..سأظل قريبا منك لسلامة عقلى وقلبى،قلبى الذى يذوب عشقا..قلبى الذى يردد حروف إسمك كترنيمته..قلبى الذى تملكينه وحدك..سيدتى ومليكتى….
شردت مجددا فى تلك المشاعر التى كان لها صدى فى قلبها..تشعر بحنينه إليها يقطر من كل حرف،يهتز كيانها لأول مرة مع حروفه..لتدرك أنها حتما تعرفه،هو لابد وأن يكون زوجها..هذا الذى إستيقظت ترتدى محبسه ولكنها لا تحمل له أي ذكرى فى رأسها عنه،فقط طيف يأتى ويذهب دون صوت واضح..ودون ملامح….
أفاقت من أفكارها على صوت هاجر تقول فى قلق:
-ساكتة ليه ياسمر؟
نظرت إليها سمر بهدوء قائلة:
-وهقول إيه يعنى ياهاجر؟
قالت هاجر بقلق:
-تزعقى زي كل مرة..تقوليلى يلا نرجع القاهرة .
أصدرت سمر صوتا فى حلقها يعبر عن الرفض قائلة:
-وهيفيد بإيه الزعيق..أو إنى أرجع القاهرة..كدة كدة هييجى ورانا ومش هيسيبنى.
قاطعها صوت طرقات على الباب..لتنظر هاجر إلى سمر التى أسرعت بإرتداء حجابها بتوتر،تدرك من القادم من طرقاته التى باتت تعرفها ..لتنهض هاجر تفتح الباب،فوجدت مجد أمامها يقف مطأطأ الرأس قائلا:
-مساء الخير .
إبتسمت هاجر قائلة:
-مساء النور..إتفضل ياأستاذ مجد.
دلف مجد إلى المنزل..يبحث عنها بعينيه حتى إستقرتا عليها،يتأمل ملامحها بلهفة ظهرت عليه ..إنتابها التوتر من نظراته ولكنها لم تستطع قطع تواصل بصريهما حتى قطعه هو حين إلتفت إلى هاجر التى قالت:
-إنت إبن حلال على فكرة..كنت لسة هكلمك.
إبتسم قائلا:
-خير ياآنسة هاجر؟
قالت هاجر دون أن تلاحظ سمر التى رمقتها بتحذير..بينما لاحظ نظراتها مجد فلم يعلق:
-رسالة تانية جت لسمر من المعجب المجهول.
عقد مجد حاجبيه قائلا:
-هفرغ الشرايط وهنعرفه حالا.
هزت هاجر رأسها قائلة:
-مش هتلاقى حاجة..الرسالة جت على تليفونها.
نظر مجد إلى سمر التى إحمر وجهها خجلا ..كاد أن يبتسم لرقتها وجمالها اللذان شعا بوجهها حين أصابها الخجل ولكنه تمالك نفسه وهو يقول:
-ممكن أشوف الرسالة دى يا مدام سمر.
قالت سمر كاذبة:
-الحقيقة مش ممكن لإنى مسحتها.
أدرك كل من مجد وهاجر أنها تكذب من ملامحها الشفافة..فأدرك مجد أنها لا تبغى أن تريه فحواها بينما تعجبت هاجر من كذبة سمر التى لا ترى لها أي مبرر على الإطلاق..ليقول مجد بهدوء:
-ممكن أعرف ليه مسحتيها؟
قالت سمر وقد بلغ بها الخجل الحد الأقصى :
-فيها تفاصيل محبش حد يقراها غيرى.
أومأ برأسه متفهما بينما شعرت هاجر بالتوتر لتقول بإضطراب:
-عن إذنكم..هعملكم اتنين كابتشينو.
ثم غادرت مسرعة دون أن تأبه لنظرات سمر المستنجدة بها.. ليسألها مجد بعد مغادرة هاجر قائلا:
-طيب الرسالة دى فيها حاجة ضايقتك؟
هزت رأسها نفيا بصمت ..ليقترب مجد منها وهي تتابعه بعينيها بتوتر،تحبس أنفاسها مع إقترابه منها..حتى توقف أمامها تماما يقول بعيون متفحصة لسكناتها:
-وصاحب الرسالة..متضايقة منه؟
نظرت إلى عيونه تشعر أن بهما سحرا يجبرها على الإعتراف بمكنون قلبها ..دون مواربة ودون كذب..لتقول كالمسحورة:
-لأ..بالعكس..لأول مرة أحس إنه حد كان فعلا قريب منى،على الأغلب يبقى جوزى..بس اللى مش قادرة أفهمه أو أستوعبه هو بعده عنى طول الفترة اللى فاتت دى رغم مشاعره الواضحة فى رسالته.
أولاها ظهره يخفى إنفعالاته عنها..يغمض عينيه بقوة ويضم قبضته…ليستمع إلى صوتها الرقيق،ينادى قائلا:
-أستاذ مجد..
فتح عيونه ومد يده يمسح تلك الدموع التى إستقرت بهم..ليلتفت إليها قائلا بملامح لا تعكس مدى تأثره :
-الحقيقة أنا كنت بفكر..إيه اللى يمنعه عن التعبير عن مشاعره أدامك؟وليه بيعبر عنها من بعيد لبعيد..الحقيقة مش لاقى سبب واضح.
تنهدت سمر قائلة:
-ولا أنا..الظاهر إننا هنفضل مش عارفين،لغاية ما يظهر أو يتكلم بصراحة.
أومأ مجد برأسه قائلا:
-الظاهر كدة..
ليرمقها بتردد دام للحظات قبل أن يقول:
-وإنتى..إيه مشاعرك دلوقتى؟ أقصد يعنى من ناحيته.
زفرت قائلة:
-مش عارفة ..بعد ما كنت خايفة منه،شايفة إنى زي ما بتعذب من ماضى مجهول بالنسبة لى وعقل عبارة عن صفحة بيضا..هو كمان بيتعذب من بُعْد غصب عنه ومش بإرادته..والحقيقة حاليا بدأت أشفق عليه.
لا تدرى لم شعرت بداخل عيون مجد بأمل ينطفئ مع كلماتها..إنتابتها الحيرة ولكنها إستطردت قائلة بتوتر:
-عموما..الظاهر إنه هو مش ناوى يبعد وأكيد مع الأيام الألغاز هتتحل ورموزها هتتفك.
أومأ برأسه قائلا بجمود:
-فعلا مع الأيام كل حاجة هتبان.
دلفت هاجر فى تلك اللحظة تحمل صينية عليها هذا المشروب الساخن الذى أعدته..لترمق هذان الإثنان بحيرة فبينما إعتلى الجمود ملامح مجد..كانت سمر متوترة إلى الحد الأقصى،يعتريهما حالة من الصمت….القاتل.
********************
كان حسام يتجه إلى الخارج حين إستوقفه صوتها وهي تقول فى حدة:
-رايح فين ياحسام فى وقت متأخر زي ده؟
إلتفت إليها حسام قائلا:
-راجع لبيتى ومراتى يانور.
قالت نور بغضب:
-وأنا إيه..مش مراتك برده؟وبعدين خلاص مش قادر على بعد الهانم..راجعلها جري.
إقترب منها حسام يمسك ذراعها بقوة قائلا:
-وطى صوتك وإنتى بتكلمينى وخدى بالك من طريقتك فى الكلام عنها..سماح دى مراتى،أم إبنى ولما تتكلمى عنها تتكلمى بإحترام..مفهوم؟
لم تنطق وإنما رمقته بغضب ليشدد من قبضته على ذراعها قائلا:
-مفهوم يانور؟
تأوهت فى ألم قائلة بحنق:
-مفهوم ياحسام..مفهوم.
ترك ذراعها لتدلكه على الفور بألم وقد ظهرت علامات أصابعه على ذراعيها ..رمقها ببرود قبل أن يبتعد بإتجاه الباب،ليتوقف مواليا إياها ظهره قائلا بصرامة:
-أنا مش جاي الشغل بكرة..أجلى كل مواعيدى.
ثم فتح الباب وخرج مغلقا إياه خلفه..لتقول نور بغل:
-لسة بتحبها يا حسام ومتقدرش تستغنى عنها..بس مبقاش نور الجمال،إن ما خليتك تبعد عنها غصب عنك،مبقاش نور إن ما خليت الهانم بتاعتك تخرجك برة حياتها للأبد.
لتهدر قائلة بحقد:
-للأبد ياحسام.
الفصل الثانى عشر
قال أنور بحيرة:
-تصدق لغاية دلوقت أنا مش فاهمك..بقى مرتضى إبن الشيخ سالم الفيومى،اللى كل البنات بتترمى تحت رجليه..يبقى فى الحالة اللى أنا شايفها دى عشان حتة بت متساو….
قاطعه مرتضى وهو يمسكه من تلابيب عنقه..قائلا بغضب:
-لو سمعتك جايب سيرتها بكلمة وحشة هخلى راسك فى حتة وجتتك فى حتة تانية خالص مفهوم؟
ظهر الرعب على وجه أنور وهو يقول:
-مفهوم ياسيد الناس..مفهوم.
تركه مرتضى وهو يعتدل قائلا:
-أصلك عبيط ومتفهمش فى النسوان،هاجر دى حاجة تانية..مش بس بنت حلوة ،لأ..دى أحلى من الحلاوة نفسها،و كمان شخصيتها تبهرك..تهزك من جوة ،حاجة كدة ممرتش علية خالص،كان نفسى تكون من نصيبى..بس…
وصمت مرتضى..ليقول أنور يستحثه على الحديث:
-بس إيه؟
قال مرتضى بغل:
-ما إنت شفت بعنيك..طلعت مخطوبة لزفت الطين اللى إسمه حسن.
ظهر التفكير على وجه أنور قبل أن تلمع عيناه قائلا:
-طب ما دى بسيطة وفى إيدينا ياسيد الناس.
رمقه مرتضى قائلا بسخرية:
-هي إيه اللى بسيطة يابغل إنت؟
قال أنور بحنق:
-بس متقلش بغل..
إبتسم مرتضى بسخرية..ليتمالك أنور نفسه وهو يرى فى فكرته مالا كثيرا سيكسبه من هذا المرتضى الذى يعيش فى ظل خيره منذ زمن طويل، ولكنه سأم الذل والهوان..و إن نجحت فكرته ،سيكون هو سيد نفسه..لذا نظر فى عيون مرتضى قائلا بخبث:
-نفسخ الخطوبة ونجبر السنيورة تتجوزك.
إختفت إبتسامة مرتضى الساخرة على الفور ونظر إليه قائلا بلهفة:
-ودى نعملها إزاي؟
قال أنور وهو يتراجع بظهره إلى كرسيه قائلا:
-فى دماغى فكرة لو نفذناها..هتنول مرادك ياسيد الناس،بس الفكرة دى هتكلفك كتير.
قال مرتضى بسرعة:
-تتكلف أد ما تتكلف ..انشالله أبيع ورثى من أمى،المهم تكون من نصيبى.
إبتسم أنور بإنتصار وهو يميل على الطاولة مقتربا من مرتضى قائلا بنظرات شيطانية:
-يبقى نخطفها ياكبير.
لتتسع عيون مرتضى…..فى صدمة.
********************
الأب هو من يحمل همك ويسند ظهرك ويكون لك أمانا مطلقا..يمهد لك الطريق ويحميك من العثرات ،تثق تماما بأنك معه لن تضيع ولن يصيبك مكروه.
فإن غاب الأب،كان الأخ عوضا عنه..خاصة إذا كان جبلا شامخا فكن متأكدا من أنك معه قد تستطيع أن تواجه أعتى الرياح،ولن تنكسر..
وإن كسرت…كن على ثقة بأنه سيجبر كسرك.
كان حسن يتابع تلك المباراة الرياضية على التلفاز حين أحرز ناديه هدفا..لينظر إلى مجد يكاد أن يصيح فى سعادة،ولكن مالبثت إبتسامته أن خبت،وهو يرى شرود أخاه الحزين..ناداه فلم يستجب لنداءه،ليربت على يده قائلا فى حيرة:
-مجد.
أفاق مجد من شروده قائلا:
-أيوة ياحسن..فيه حاجة؟
قال حسن وهو يجلس بجانبه معتدلا ..يواجه أخاه قائلا:
-لأ..بالشكل ده فيه حاجات..مالك..سرحان فى إيه مزعلك بالشكل ده؟
زفر مجد قائلا:
-أنا مش زعلان..بس قلقان.
قال حسن:
-من ايه بس؟
قال مجد:
-قلقان على إخواتك البنات.
قال حسن فى حيرة:
-مالهم..أنا لسة مكلم سمر النهاردة وكانت كويسة..وسماح مكلمها من يومين وكانت برده كويسة،هي صحيح مردتش علية النهاردة ودى غريبة بس..
ليعقد حاجبيه مستطردا فى توجس:
-تكون سماح حصل معاها حاجة ..حسام ضايقها مثلا؟
تنهد مجد قائلا:
-الظاهر كدة..حسيت من صوتها وقلق مراد عليها،بس انت عارف أختك مش هتحكى حاجة..طول عمرها بتشيل همومها جواها وتحاول تبان أدام الكل سعيدة ومبسوطة ،بس صوتها وعينيها دايما بيكشفوها،صوتها فى العادى بيبقى مليان بالفرحة.. بالحياة.. وعيونها بيضحكوا لكن لما بتحزن ،صوتها بيهدى وعيونها بتنطفى..والنهاردة كان صوتها مفيهوش نبض..ده غير ان مراد قاللى ان باباه مسافر وانت عارف حسام لما بيسافر اختك مبتطيقش البيت ،وبتنزل تقعد معانا،لكن لما كلمتها كانت فى اوضة نومها ..سماح اللى بتقوم من النوم الفجر،نايمة فى سريرها لغاية العصر ..وبتقول عندها برد..تخيل؟بس لما حاصرتها قالتلى انها متضايقة بس منه لإنه وعدها يتفرغ لهم وموفاش بوعده.
قال حسن بتفكير:
-غريب فعلا الكلام اللى بتقوله ده..فيه حاجة متطمنش،مش سماح اللى تزعل من حسام وتبقى حالتها كدة بسبب تافه زي ده..أقولك،إحنا نروح القاهرة نطمن عليهم ونرجع.
قال مجد :
-إزاي؟ طب والبنات،أخاف نسافر..حد يضايقهم.
عقد حسن حاجبيه بقسوة قائلا:
-قصدك مرتضى؟
هز مجد رأسه بتأكيد دون أن ينطق..ليقول حسن مستطردا فى صرامة:
-يبقى تنزل إنت القاهرة تطمن على إخواتنا ..وترجع،أما البنات فإطمن انا هكون موجود،ولو حد بس فكر يقربلهم..هيلاقينى ليه بالمرصاد.
نظر مجد إلى حسن للحظات قبل أن يومئ برأسه وقد إقتنع أن هذا هو الحل السليم..سيسلم غدا بعض القضايا لزملاءه فى المكتب،ويسافر على الفور..فقلقه على أخواته البنات يقض مضجعه،يشعر بأنهما فى محنة..تحتاجان إليه.. ولا يدرى …كم كان صائبا.
*******************
إنتفض مرتضى واقفا وهو يقول بصدمة:
-كلام إيه اللى بتقوله ده يازفت إنت..إنت عايز تودينى فى داهية؟
قال انور وهو يتلفت يمينا وشمالا:
-أقعد بس وإسمع كلامى وإن معجبكش يبقى خلاص ..كإنى مقلتش حاجة.
جلس مرتضى قائلا فى حنق:
-وآدى قعدة..قول يامصيبة.
قال أنور:
-إيه اللى ممكن يخلى راجل يسيب خطيبته؟
قال مرتضى بسخرية:
-إيه ياعبقرى زمانك؟
إبتسم أنور بخبث قائلا:
-إنها تتمس من راجل تانى..بإرادتها بقى أو غصب عنها،مبتفرقش كتير..وإحنا هنخلى حسن يسيب السنيورة،وهنخلى أهلها كمان يترجوك عشان تتجوزها وتستر عليها.
فهم مرتضى مايرمى إليه أنور ليقول بقلق:
-أيوة بس انا كدة ممكن أروح فى داهية..لو قالت إنى انا اللى عملت العملة السودة دى.
أشعل أنور سيجارة محشوة بهذا السم الذى يذهب العقل وهو يأخذ منها نفسا عميقا..ثم يطلق دخانها.. يناولها إلى مرتضى قائلا :
-وهي بس هتعرف منين؟إحنا هنخطفها وناخدها على مكان متطرف وهناك نخدرها..تاخد مزاجك منها،وتسيبها ترجع بطريقتها،وساعتها بقى خطيبها اللى هي فرحانة بيه ده هيسيبها..أما إنت فهتكون الفارس،الرجل الأصيل اللى هيستر عليها،ده لو يعنى كنت لسة عايزها..رضت بيك.. كان بها،مرضتش..تبقى خدت غرضك منها وشفيت غليلك من حسن.
أخذ مرتضى نفسا عميقا من سيجارته وهو يفكر فى كلمات انور الشيطانية..تتراءى له هاجر فى صور جعلت قلبه يدق بشدة،تعرق جبينه وثقلت أنفاسه وقد بدأت تلك الخطة تروق له..ربما هي ليست فكرة سيئة على أية حال،لا..بل هي فكرة رائعة بالفعل،سينالها ثم يتزوجها..أم لن يفعل.
هي ونصيبها..ثم إنها المذنبة،هي من فعلت ذلك بنفسها ،لقد أرادها فى الحلال ولكن صدها له أحبطه،إذا هي التى جنت على نفسها،هكذا صور له عقله المريض الذى تسلل إليه هذا المخدر اللعين تزامنا مع كلمات الشيطان الذى يرافقه..شيطان الإنس الذى يشبه شيطان الجن،لا فرق بينهما..لقد عرضا عليه سويا تلك الخطة الحقيرة،فسولت له نفسه الدنيئة القيام بها،وليرى مستقبلا…مصير من يتبع الشيطان.
********************
حين تحب إسأل نفسك ..ماذا قدمت لمحبوبتك؟إن كانت التعاسة هي الإجابة،فقد أخفقت فى أن تكون العاشق الذى تستحقه تلك المحبوبة..لذا فلترحل وإتركها لمن يستحق.
كانت تتظاهر بالنوم تبغى هروبا من واقعها المؤلم..ونبضات عشق تخبو فى صدرها،تناضل من أجل الحياة تصارع من أجل إستعادة أنفاسها المهدرة..دون فائدة.
حين تناهى إلى مسامعها صوت الباب يفتح بهدوء..عرفته من خطواته التى تحفظها عن ظهر قلب وعطره الذى يسبقه،شعرت فى قلبها بلهفة إمتزجت بغصة..فالحبيب قد عاد ولكن فى عودته مرارة الذكرى،حاولت أن تتمالك نفسها كي لا تستقبله كما إعتادت،فالجرح مازال غائرا..وما فعله بها لم تنساه بعد.
شعرت به يتسلل إلى فراشها..يتأملها للحظات كالدهر،حاولت تنظيم أنفاسها قدر الإمكان،وجدته يتمدد بجوارها.. يمد يده ليسحبها إلى حضنه،يمرغ وجهه فى عنقها،يأخذ نفسا عميقا مشتاقا لنفحاتها العطرة..كادت أن تنتفض مبتعدة،ولكن جسدها الخائن لم يصغى اليها،بل إستكان بين ذراعيه..لتصلها همسته التى شعرت بها تقطر ندما وهو يقول:
-سامحينى.
فتحت عينيها تتسلل نبراته إلى وجدانها تجبرها مجددا ….على الغفران.
********************
وقفت تهانى تزفر فى حنق وقد ملت من البحث دون جدوى..فلقد إختارت النوبة الليلية فقط لكي تستطيع البحث فى حجرة الطبيب هادى..تبحث عن أي شئ قد تستطيع أن تؤذى به سمر..تلك المغرورة التى تنوى ان تمرغ انفها بالوحل عاجلا كان أم آجلا،ولكنها حتى الآن لم تعثر على أي شئ قد يؤذيها..ظلت قرابة الساعتان تقلب تلك الحجرة رأسا على عقب ولا شئ حتى الآن.
نظرت إلى المكتب مجددا ثم إتجهت إليه..تبحث فى أدراجه عن أي شئ قد يفيدها ولكنها لم تجد شيئا،ليصيبها الحنق وهي تسحب هذا الدرج الأخير بعصبية..فخرج من المكتب واقعا على الأرض ،لتنقلب محتوياته جميعها ..زفرت بقوة وهي تجلس بركبتيها على الأرضية الخشنة،تلملم محتويات الدرج وتضعهم به ثم تحمله لتضعه فى مكانه،إصطدمت يدها بشئ ما..فرفعت الدرج تنظر إلى أسفله..لتلتمع عيناها فى أمل وهي ترى ذلك المظروف الملتصق بأسفل الدرج ،أسندت الدرج على المكتب بيد ثم نزعت المظروف باليد الأخرى ..قبل أن تضع الدرج بأكمله على سطح المكتب..ثم تفتح المظروف بلهفة..لترى محتوياته التى جعلت عيونها تلمع بإنتصار..ترتسم على شفتيها إبتسامة شيطانية .
********************
إستيقظ يشعر بالفراغ بجانبه،ليعقد حاجبيه وهو يفتح عيناه يلاحظ غيابها..ترى هل إستيقظت فوجدت نفسها فى أحضانه،فإبتعدت نافرة منه؟هل هي الآن بالخارج تبكى..لقد لاحظ عيونها المتورمة بالأمس،ولاحظ ان جسدها أصبح هزيل بعض الشئ..تبا له ولأفعاله الحمقاء التى تصيبها بالحزن..وتبا لعقل لا يفكر فى تبعات تصرفاته عليها،نهض من الفراش..يخرج من الغرفة باحثا عنها..لتقع عيناه عليها وهي تحضر بعض الاطباق..توقفت للحظة تتطلع إليه قبل أن تكمل طريقها بإتجاه الطاولة التى يجلس عليها مراد ..إقترب بدوره منهما..قبل أن يقول بتردد:
-صباح الخير.
لم يجبه مراد بينما قالت سماح بهدوء:
-صباح النور.
نهض مراد لتقول سماح بدهشة:
-رايح فين يامراد؟
نظر إليها قائلا بثبات:
-شبعت ..هاخد الشنطة وأنزل عشان متأخرش عن الباص.
ليبتعد قليلا قبل أن يستوقفه حسام قائلا:
-مراد..مش هتسلم علية قبل ما تنزل زي عوايدك.
قال مراد دون أن يلتفت:
-للأسف..محدش بيفضل محافظ على اللى إتعود عليه،ولا حد بيفضل على حاله.
ثم حمل حقيبته وإتجه إلى الخارج بهدوء..ليلتفت حسام إلى سماح قائلا بحنق:
-شايفة الولد ياسماح؟بيعاقبنى.
رمقته سماح بهدوء قائلة:
-قدر يعمل اللى مقدرتش أنا أعمله ياحسام.
أصابه الإضطراب ليقول بتوتر:
-أنا مش عارف..قصدى يعنى آسف على اللى حصل منى،صدقينى كان غصب عنى..أول وآخر مرة تتمد إيدى ….
قاطعته قائلة بعيون غشيتها الدموع قائلة:
-متأكدة إنك مكنتش تقصد ومتأكدة كمان إنه كان غصب عنك وإنك مش هتكررها..لولا كدة مكنتش سامحتك ياحسام.
نهض يقترب منها بسرعة يركع على ركبتيه بجوارها ..يمسك بيديها بين يديه قائلا بلهفة:
-بجد ياسماح..بجد سامحتينى من قلبك؟ومش هتسيبينى؟
أومأت برأسها ودموعها تتساقط على وجنتيها لينهض بسرعة ينهضها معه آخذا إياها فى حضنه قائلا بإمتنان:
-أنا مش عارف أقولك إيه..بس صدقينى انا بحبك وعمرى ما هخليكى تندمى على قرارك ده.
إستسلمت سماح لعناقه وهي تغمض عينيها قائلة بدون صوت ولكنه إبتهال صامت تردد بداخلها:
-ياريت ياحسام..ياريت متخلنيش أندم على إنى سامحتك وقررت أكمل معاك.
*******************
قال رائف بحدة:
-ما هو ما ينفعش كدة يابيرى..أنا مش فاضى كل شوية أسيب كل الشغل اللى فى إيدى وأجيلك،دى رابع مربية أطفال اجيبها وتطفشيها..وأنا مبقتش قادر أستحمل تصرفاتك دى.
غشيت عيون بيرى الدموع قبل أن تطرق بحزن..زفر رائف بقوة وقد أصابته غصة فى قلبه،فأكثر ما يكره أن يرى هو دموع صادقة الحزن فى عيون أنثى خاصة إن كانت تلك العيون لمدللته الصغيرة..طفلته التى لا يبغى فى الحياة شيئا سوى سعادتها،يتيمة الأم نعم.. ولكنها تحظى به،وكفى به حضنا يضمها ويبعد عن قلبها الحزن للأبد..
لذا فقد إقترب منها بهدوء..قبل أن يجلس على ركبتيه أمامها ليصبح فى محازاتها يمد يده ليرفع ذقنها فتواجهه عيونها المغروقة بالدموع..مسح دموعها بيده فى حنان قائلا:
-أنا آسف إنى إتعصبت عليكى وآسف إنى زعقتلك..بس أنا بخاف عليكى يابيرى،ومش هينفع آخدك معايا الشغل..المربية هتاخد بالها منك طول ما أنا مشغول.
قالت بيرى بصوت متهدج :
-خلينى أروح عند طنط ماجى وجيسى..خلينى أفضل معاهم علطول.
قال رائف :
-مش هينفع ياحبيبتى..إنتى بتروحيلهم كتير يابيرى بس لازم تفهمى إن طنط ماجى مش هتكون فاضيالك علطول وبعدين كفاية عليها تاخد بالها من جيسى..مش هينفع نزود عليها بأميرة قلبى كمان.
قالت بيرى :
-طب ليه ميبقاليش ماما زي طنط ماجى يابابى؟
أصاب رائف الإضطراب وهو لايدرى بما يجيبها..ليقول بإرتباك:
-عشان..عشان انا بحبك اوى..وانتى ساكنة كل قلبى ومش مستعد ييجى اي حد وياخد حتة من قلبى ويشاركك فيه ياحبيبتى.
عقدت بيرى حاجبيها فى تركيز وكأنها تزن الكلام فى رأسها..بدت شبيهة به بشكل كبير،رائعة كما يجب ان تكون..كاد أن يبتسم ويحتضنها بحب كبير،ولكن استوقفته كلماتها وهي تقول بهدوء:
-إنت صح يابابى..وأنا خلاص فهمت،ومش هطفش النانى تانى..بس لو سمحت إختارها المرة دى كويس،وقولها إنها جاية عشانى أنا..مش عشانك انت..أوكيه.
نظر إليها بدهشة دامت للحظة قبل أن ينفجر ضاحكا..ثم آخذا إياها بين ذراعيه..يحتضنها بحب،يقربها إلى قلبه الذى يمتلئ عشقا لها.
********************
كانت تجلس فى هدوء لتغمض عينيها وقد تراءت لها فجأة ذكرى أخرى من حياتها الماضية ..
فى تلك الذكرى كانت تجلس فى شقتها القديمة ..على سريرها ،وحيدة كعادتها فى تلك الفترة الأخيرة..تفكر.. فقد إنشغل زوجها عنها بعمله كالعادة حتى أنه عاد ليأخذ بعض الأوراق الخاصة بعمله ثم ذهب،دون أن يلاحظ أنها مريضة للغاية..تشعر بمغص شديد بجانبها الأيمن،وحرارتها فى إرتفاع متزايد..أغمضت عينيها بألم وقد عاد الوجع من جديد..بعد أن زال مفعول المسكن،تأوهت بقوة تشعر بأنها على وشك الإغماء..لتدرك ان الأمر خطيرا للغاية،لذا ودون تردد..أمسكت هاتفها ..فلم تتصل بزوجها..وإنما بحثت عن إسم آخر ،هاهو يتراءى لها فى تلك الذكرى الحية..عقدت حاجبيها بقوة وإسمها يتراءى لها على شاشة الهاتف…..
إختفت الذكرى ..ففتحت عينيها بقوة،تتساءل فى صدمة..إن كانت مريضة للغاية هكذا..لما لم تتصل بزوجها؟هل لإدراكها أنه لن ينجدها؟او ربما لن يجيب عن إتصالاتها كما أيقنت من سر فعلتها تلك..لابد وأن وجعها هذا كان بسبب الزائدة الدودية وهذا يفسر أثر الجرح فى جانبها الأيمن،إنتابها الحيرة تتساءل ..لماذا كانت تتصل برقمها هي فى هذا الوقت العصيب،لماذا كانت تتصل بسمر وهي على وشك الموت؟زفرت بقوة وصداعها يعاودها ..تنتوى أن تحادث الطبيب هادى ما إن يزول هذا الصداع البغيض..أعلن هاتفها عن وصول رسالة ،وجدت نفسها تسرع بفتحها..ليتوقف إصبعها قبل أن يمس الشاشة..وهي تتعجب من نفسها ،هل باتت تنتظر رسائل هذا المجهول الآن؟وماذا عن مجد؟بماذا تفسر شعورها نحوه..أغمضت عيناها بألم ..كم باتت تكره نفسها الآن،تلك النفس المضطربة..التى تتعلق برسائل تبثها بعض الاهتمام والمشاعر..وتتعلق بنظرات رجل لا يمت إليها بصلة ولكنه يمنحها شعور رائع بالأمان..ربما تبحث فى كل هذا عن شعور إفتقدته فى حياتها الماضية..نعم هذا ما تؤمن به ..تماما
فتحت عيناها مجددا وصوت رسالة أخرى تعلن عن وصولها إلى هاتفها..لتحزم أمرها وهي تمد يدها تفتح الرسائل..لتتأكد من أن صاحب الرسالتين هو هذا المعجب المجهول..
كان يقول فى الرسالة الأولى
“الحياة أقصر من أن نضيعها هباء..ننشغل عن أحبتنا بسعينا الأبدي نحو المال،الحياة زائلة إن ظننا أننا خالدون فخسارتنا أكبر دليل على كذب ظننا..فى سعيي نحو تحقيق أهدافى إكتشفت أن الحياة حقا فى إبتسامة نرسمها بقلب روح سكنت روحنا..وأن الحياة دائرة،بدايتها أنت ونهايتها أنت..أبتهل إلى الله أن لا يكون إكتشافى هذا بعد فوات الأوان
ز ا م”.
إبتسمت رغما عنها..فقد وصفها بروح تسكن روحه،ثم عمق وصفه ليجعلها بداية الحياة وآخرها..كم دللها فى تلك الرسالة..جرت عيونها على رسالته الثانية تبغى المزيد،تلك الرسالة التى تقول كلماتها
“فى جوف الليل ..حين يستبد بك الخوف..فقط فكرى بشخص لا رغبة له فى الحياة سوى ان يضمك ويمنحك الطمأنينة.
فى لحظات حنقك..حين تعصف بك أمواج الغضب العاتية..فقط فكرى بشخص جل غايته أن يضمك ويأخذ منك غضبك بعيدا
فى لحظات حزنك..حين يغمرك الشجن..والحنين..فقط فكرى بشخص أمنيته الوحيدة ان يضمك ويمنحك السكينة
وفى لحظات فرحك..حين تهللين من السعادة..فقط فكرى بشخص يرغب بكل ذرة فى كيانه أن يشاركك مرحك ويبارك طفوليتك البريئة
فى كل لحظاتك..فكرى بى..فأنا هذا الشخص الذى يحبك..بكل ذرة فى وجدانه.
مست قلبها كلمات رسالته..غمرتها براحة غريبة،وكأن كاتبها يدرك أنها تحتاج إلى تلك الكلمات التى ترفق بقلب أنهكته الوحدة..قلب يريد الإهتمام،حتى وإن لم تمنحه هي أي شئ فى المقابل،سيظل يساندها..بدعمه الروحي..بكلماته التى تشعر مجددا بصدقها..باتت توقن من أنه شخص تعرفه من حياتها الماضية،ربما كان زوجها..لا لم يكن زوجها ..فزوجها كما تتذكره لم يكن بذلك الحنان ولم يكن بتلك الرومانسية..ربما إشتركا فى شيئ واحد..كلاهما طيف بلا ملامح..لا يهم..أيا كان هذا الشخص..ففى لحظات وحدتها الآن..هي تفكر فيه حقا..وتفكر فى شخص آخر….مجد
الفصل الثالث عشر
العشق يتسلل لقلوبنا دون أن ندرى..يتغلل بالوجدان دون إستئذان،يجرى فى الشرايين ويصبح جزءا منا،وحين ندرك وجوده نستسلم له..فقد فات أوان المقاومة ،وضعفت حصون الكيان.
كانت تمسك بفنجال قهوتها ترتشف منه بهدوء..شاردة فى أفكارها التى تدور مؤخرا حوله،لقد قاومت مشاعرها كثيرا وتصدت لها أكثر،تستحضر صورة والدها على الدوام كي تقوى من حصون هذا القلب الذى يتمسك بعناده..ولكن أنهكتها المقاومة حقا ،وأصبحت على مشارف الإستسلام.
كانت تضع فنجال القهوة على المكتب فى خضم شرودها ولكنه وقع لينكسر بصوت مسموع،زفرت فى حنق ونهضت تجلس على ركبتيها..ترفع الأجزاء المكسورة،لتجرحها إحدى الأجزاء بقوة ،فتأوهت بألم..
كاد أن يطرق الباب حين سمع تأوهها المكتوم،ليسرع بالولوج إلى الحجرة..ينظر إليها وهي تحاول أن تكتم الدماء بيدها،ليسرع إليها ويجثو بركبتيه إلى جوارها يخرج منديله من جيبه،يلف به كفها..إلتقت عيناها بعينيه ولأول مرة يرى الضعف فيهما،لأول مرة تصله بعض المشاعر تجاهه من قبلها..لأول مرة تصله خفقاتها المتسارعة وتظهر فى إنتفاضة هذا العرق النابض بقوة فى عنقها..ليتأملها بحب قائلا:
-سمر أنا….
صمت يتوق لإعتراف يريح قلبه ولكنه يخشى ردة الفعل على كلماته،يخشى فراق قد تبغيه هي إن أدركت مشاعره..ولكنها حسمت تردده عندما قالت بعيون ربض بهم رجاءها الحار أن يتحدث وينهى مقاومتها:
-إنت إيه ياهادى؟
قال بعيون ظهر بهما العشق واضحا:
-الحكاية مبقتش تمثيلية وأنا خلاص مبقتش قادر أخبى..أنا بحبك ياسمر ،بحبك من أول يوم شفتك فيه..وحبك كان كل يوم بيكبر جوايا،سمر انتى بالنسبة لى حاجة كبيرة أوى..انتى بالنسبة لى حياة.
شعرت بأنفاسها تحتبس داخل صدرها..بكيانها يذوب..لم تستطع أن تحيد بنظراتها عنه..ولكنها نهضت ببطئ لينهض بدوره،تأمل إضطرابها ولكنه أحس بضعفها فاقترب منها قائلا:
-أنا مش مستعجل وعايزك بس تفكرى فى تحويل الخيال لحقيقة..أنا…..
قاطعه اهتزاز هاتفها بقوة يعلن عن وصول عدة رسائل..إضطرت إلى أن تخرج من حصار نظراته،وهي تمسك هاتفها قائلة بإضطراب:
-لحظة واحدة،أكيد فيه حالات طارئة وصلت المستشفى وبيستدعونى.
كانت تنظر إلى تلك الرسائل مع كلماتها الأخيرة..لتتسع عيونها بصدمة،تنظر إليه باستنكار..ثم تعاود النظر إلى رسائلها وسط حيرته،قبل أن تتحول عيناها لكتلة من الجليد كلية ،وهي تنظر إليه قائلة :
-إنت كداب وغشاش..وخاين..زيك زيهم بالظبط.
عقد هادى حاجبيه يمسك يدها قائلا:
-سمر…
نفضت يدها من يده مقاطعة إياه وقد تصدعت ملامحها الجليدية قائلة بغضب:
-متنطقش إسمى على لسانك..واعتبر التمثيلية انتهت خلاص يادكتور،أنا مستقيلة.
وتركته مغادرة الحجرة بسرعة..تسمح لدموعها بالظهور لتخرج مكنون قلبها الحزين،بينما كانت هناك عيون تنظر لها وهي تغادر دامعة فى شماتة..ترتسم على شفتيها إبتسامة مقيتة.
هز هادى رأسه بصدمة ..بحيرة..يتسائل عن ما رأته بهاتفها وجعلها تتفوه بكل تلك الكلمات الجارحة لقلبه،حتى إهتز هاتفه بدوره يعلن عن وصول عدة رسائل..فتحه بسرعة آملا فى أن يكون فى تلك الرسائل تفسيرا لما يحدث..
ولقد كان..فقد إتسعت عيونه بصدمة..وهو يتصفح تلك الرسائل..قبل أن يغمض عينيه فى ألم..يلعن مرسلها.
*******************
كانت سماح تلمع أثاث المنزل ..حتى وصلت إلى تلك الصور التى تضعها فوق المدفئة،شعرت بالحنين وهي تمسك الصورة الأولى..كانت صورة زواجها ..تذكرت هذا اليوم..لقد كان من أجمل أيامها..بل الأجمل على الإطلاق..حين كانت تظن أن الحياة وردية..تركت الصورة فى حسرة لتتنقل بين الصور الأخرى ترى نفسها بين أخواتها،تأملت ضحكتها..تلك الضحكة التى تشع فى عيونها قبل شفتيها..تشرق وجهها بالسعادة..أين ذهبت تلك الضحكة،أين ضاعت تلك اللمعة بعينيها؟ذهبت دون رجعة..ذهبت مع كل موقف مر عليها مع حسام ..كان فيه بعيدا عنها ..ولم يكن بجوارها عندما احتاجته..ذهبت مع كل إنتظار لمشاعر خبت جذوتها..ذهبت مع رغباتها العميقة بأن يدعها تمارس شغفها وأجابها بتعنته..ذهبت مع غيرته المرضية والتى أرهقتها نفسيا ،حتى أنه كان يغار حين تهتم بأخواتها،يقلب الدنيا ويقعدها لإنها تركته وحده يشاهد المباراة ..عندما إستدعتها أختها لتسألها عن شيئ ما ذات مرة.
ذهبت ضحكتها بلا رجعة فى هذا اليوم الذى أصاب كفه وجهها،فكسر روحها ..ربما قالت انها سامحته ولكن بداخلها تعلم أنها لم تسامحه،فقلبها يَإنّ
فقط للذكرى..ودموعها عادت تبلل وجنتيها من جديد..أعلن هاتفها عن وصول بعض الرسائل،فأسرعت تحضره وتفتح تلك الرسائل..لتتسع عيناها بصدمة وهي ترى وثيقة زواج مصورة..بإسم زوجها..وفى خانة الزوجة كان هناك إسم آخر غيرها،إسم نور ،مديرة مكتبه..أعادت قراءة الصورة تكذب عيناها..ترفض تصديق ما تراه..تمالكت نفسها وقرأت الرسالة التالية والتى كتب فيها..
“لو كدبتى الصورة..تعالى بنفسك وشوفى الحقيقة..هو هناك دلوقتى..معاها..ساب حضنك وراح لحضنها ..هبعتلك العنوان فى ماسيدج..بس تعالى بسرعة قبل ماينزل ويروح شغله..الساعة بتمر..تك توك..تك توك”
فتحت الرسالة التالية لتجده عنوان قريب منها..أمسكت هاتفها بقوة ،ثم ارتدت حذائها وحملت حقيبتها..تنطلق بقلب واجف إلى هذا العنوان،تبتهل إلى الله أن يكون مرسل تلك الرسائل،هو شخص كاذب..كلية.
********************
توقف حسن أمام باب الشقة..ينتظر خروج هاجر،لينطلقا سويا إلى المكتبة كما أخبرته هاجر البارحة..ظهرت هاجر على عتبة الباب،وتوقفت حين إلتقت عيناها بعينيه..ألقى نظرة على لباسها المحتشم برضا..أربكتها النظرة،أفسح لها الطريق لتتقدمه..فتقدمته هابطة درجات السلم،كاد ان يتبعها لولا أن إستوقفه صوت سمر وهي تقول بإرتباك:
-أستاذ حسن.
إلتفت إليها متسائلا..لتستطرد قائلة:
-الحقيقة..أنا كنت عايزة أسأل أستاذ مجد على حاجة..هو نزل الشغل خلاص؟
قال حسن بهدوء:
-أيوة نزل..بس الحقيقة هو هيسافر القاهرة،عشان يطمن على سماح ..ومش هيرجع النهاردة،يعنى لو عايزاه ضرورى كلميه.
هل سافر القاهرة بالفعل؟ومن هي تلك الفتاة التى سافر من أجلها؟لم تنطق بتساؤلاتها وهي تقول:
-لأ مش ضرورى..لما يرجع من السفر بالسلامة بإذن الله.
أومأ حسن برأسه،ثم غادر..بينما أغلقت سمر الباب،تستند بظهرها عليه..ترفع يدها إلى خافقها الذى يكمن فيه شعور غير مألوف بالمرة لديها..هو ألم غريب نتج عن إدراكها أن تلك الفتاة والتى تدعى سماح ربما تحتل مكانة كبيرة فى قلبه..
ألم ناتج ربما عن الفراق ،فقد يمر يوما كاملا دون ان تراه على الإطلاق ولكنها تدرك أنه هنا..بجوارها..إن إحتاجته وجدته..
أو ربما هو ألم ناتج عن الشوق..الشوق لرؤية ملامحه وسماع نبراته الهادئة ونظراته التى تتغلل إلى وجدانها..
ألم خشيته وأصابها برهبة..فليس له سوى معنى واحد..هي تقع فى غرامه وبقوة..وهنا تقبع الجريمة..جريمتها فى حق نفسها وحق رجل مازالت متزوجة إياه..حتى وإن أيقنت بداخلها أنه….لا يستحقها.
********************
الغدر والخيانة يكمنان فى دماء الخائن..كآفة تسرى بدمائه…
يعطبان كيانه..ويدمران آدميته،إنهما كمرض ميئوس منه..لا علاج له..وفى النهاية..يحطم نفسه…وكل من يحب.
عقد حسام حاجبيه قائلا:
-يعنى جايبانى على ملا وشى يانور عشان عندك شوية مغص؟
إقتربت منه نور وهي تمسك يده تضعها على جانبها الأيمن قائلة بدلال:
-ده مش اي مغص ياحبيبى..ده مغص فى جنبى اليمين،يعنى ممكن تكون الزايدة..وانا لوحدى زي ما انت عارف وخايفة.
قال حسام بتافف:
-أيوة بس….
قاطعته واضعة سبابتها على شفتيه تمنعه من الحديث قائلة:
-من غير بس..بقولك خايفة ..هتسيبنى لوحدى وأنا تعبانة.
نظر إلى الرجاء فى عينيها..فرغما عنه لم يستطع أن يخيب رجاءها..فلأول مرة تطلب منه أن يمكث معها وهي مريضة،لتبتسم عيناه..ابعدت سبابتها،وهي تبتسم بدورها تخلع عنه رباط عنقه لا تحيد بناظريها عنه..ولا يحيد بناظريه عنها..رفعت نفسها تقبله على وجنته بإغراء،تبتعد ببطئ ليوقف إبتعادها عنه يضمها بقوة يغمرها بقبلاته..يغوص فى بئر الخيانة بعمق..لا يشعر بذنب…فخيانته كما أطلق عليها ليريح ضميره…..خيانة شرعية.
*******************
توقفت يد سماح قبل أن تطرق باب تلك الشقة..تضمها بقوة،تتردد لثوان..ماوراء هذا الباب،سيقتلها إن كان صحيحا..ربما وجب عليها العودة من حيث أتت..ربما إرتضت بإخفاء الحقيقة عن عقلها وقلبها..ربما من الأفضل لها أن لا تعلم..
لتغمض عيناها بألم..تساءل نفسها المكلومة،ألهذه الدرجة تحبينه؟ترتضين الحياة معه وأنت تشكين بخيانته على أن تتيقنى منها وتبتعدى عنه؟ألهذه الدرجة ضاع كيانك فى كيانه..لتشعرين بأنك إن إبتعدتى عنه..صرتى بلا كيان؟
ألهذه الدرجة ضعفتى أيتها المسكينة..فلن تقوى على مجابهة الحقيقة وتفضلى الجهل عليها؟
ألتلك الدرجة جعلك حسام إمرأة بلا هوية؟جعلك لا شيئ تقريبا.
فتحت عيناها وقد إرتسمت القسوة فيهما..لا..ربما هي إمرأة ولكنها ليست ضعيفة..خلقها الله لِتُكْرَم ..ليرفق بها..لم يخلقها لتهان..لم يخلقها لتعذب بالخيانة..لم يخلقها لتعيش بإنكسار..
لتدق جرس الباب بسرعة..ففتح الباب على مصراعيه وظهرت نور على عتبته..عيونها تنطق بشيئ أصاب قلب سماح فى الصميم..تدرك أن ما ستراه بالداخل سيؤلمها..سيطيح بأحلامها وحياتها،سيقتلها حقا..
قالت سماح ببرود:
-هو فين؟
تظاهرت نور بالارتباك قائلة:
-هو مين؟
تخطتها للداخل تبحث عنه..فأسرعت نور إلى الغرفة التى يوجد بها حسام،تقف امامها..تتظاهر بالقلق والخوف قائلة:
-لو سمحتى..كدة مايصحش يامدام سماح.
أزاحتها سماح من طريقها وهي تفتح الباب..لتصطدم عيونها بعينيه..كان يقف متجمدا بدوره،تأملت هيئته ..يرتدى ملابس بيتية مريحة..وكأنه فى منزله..فى حجرة نومه..إنه بالفعل فى بيته وفى حجرة نومه مع زوجته..وهي الغريبة بالفعل ..غشيت عيونها الدموع..شعرت بالطعنة تخترق صدرها..إنه هنا ..يخونها..يحطمها كلية..دون شفقة أو رحمة.
رفع يده بإتجاهها،فهزت رأسها رفضا..بألم..قبل أن تلتفت مغادرة ..تسلم ساقيها للرياح..لتتابعها عيون نور..يظهر على شفتيها….إبتسامة إنتصار.
********************
الأصعب من الخيانة أن تكون مجبرا على إحتواء ألم الحقيقة المفجعة..وهو أنك لم تكن كاملا فى عيون من تحب..أو أنه رأى فى غيرك ما عجزت عن منحه إياه دون إرادتك..
الأصعب من الخيانة أن تدرك أن كل ما فعلته من أجل من تحب..كل مامنحته إياه وكل سنواتك معه..كل مشاعرك وتضحياتك..ضاعت سدى.
والأصعب من إدراكك خيانته مع غيرك هو إدراكك أنك قد طعنت بخيانته مرارا وتكرارا..ولم تشعر بالخيانة سوى الآن.
فالإهمال خيانة..التجاهل خيانة..التعنت خيانة..القسوة والتجبر خيانة
خيانة لكل الوعود التى أقسم أن يحققها وكل الأماني التى رسمها لك
خيانة لقلبك الذى أعطى دون مقابل فلم يجنى سوى… الخيانة
كانت تبكى بحرقة حتى أنها أخفقت فى فتح الباب عدة مرات..لا تدرى كيف عادت إلى المنزل،لقد سارت تلك المسافة بخطوات متعثرة تغشاها الدموع..عادت تشعر بأنها إنسانة مغدورة..طعنت بقوة بسكين الخيانة البغيض..تنزف شرايينها..تشعر بالروح تغادرها..تثق بأنها لن تستطيع أن تتحمل ما حدث..ما إن دلفت إلى المنزل وألقت حقيبتها أرضا..حتى سمعته يفتح الباب ويدلف بدوره..إلتفتت إليه تطالعه بجمود..تحجرت دموعها داخل مقلتيها..وتأملته فى برود..كان الخزي يملأ ملامحه..الندم فى عينيه يعلن عن نفسه بوضوح..لم يهتز لها جفن ولم يضعف وتينها كعادتها معه..بل شعرت به يتحجر..تزداد برودته حتى أصابتها بالصقيع..إقترب منها بسرعة يمسك يدها قائلا:
-سماح أنا….أنا….
نفضت ذراعه تقول فى غضب:
-إنت إيه..ها..إنت إييييييه؟أظن هتقولى غلطان وسامحينى،أظن فاكر إن ندمك ممكن يأثر فية..أظن فاكر إنى ممكن أسامحك على اللى عملته ده؟مش كدة؟
عقد حسام حاجبيه وهو يراها لأول مرة بهذه الحالة..غاضبة منه بشدة..تصله شرارات حنقها ومرارتها..ليقول بإضطراب:
-صدقينى كان غصب عنى….
قاطعته هادرة:
-هو إيه ده اللى غصب عنك؟إنك تخون عشرة السنين كان غصب عنك؟إنك تدمر كل الوعود اللى إديتهالى كان غصب عنك؟إنك تطعنى فى ضهرى وتحسسنى إنى مكنتش كفاية عليك وإنى ولا حاجة بالنسبة لك كان غصب عنك؟
ليتهدج صوتها وتتصدع ملامحها ، يظهر ألمها فى عيونها الدامعة وهي تستطرد قائلة:
-إنك تإذينى وتدمرنى وتدمر قلب عمر ما كان همه غير سعادتك كان غصب عنك؟يا شيخ..
ده أنا إديتك كل حاجة ومخدتش ولا حاجة..كان كل همى سعادتك وراحتك وبس..
ده أنا مكنتش بنام قبل ما ترجع البيت وأطمن عليك ،أشوف أكلت ولا شربت..مرتاح ولا فيه حاجة مضايقاك فى الشغل؟كانت اهتماماتك اهتماماتى وهمك همى؟مكنتش بفكر غير فيك انت وبس وناسية نفسى،بعد ده كله تقولى كان غصب عنك؟أعمل بيهم إيه الكلمتين دول؟قوللى أعمل بيييهم إيييه؟
هيرجعولى كرامتى اللى دوستها برجليك..ولا هيرجعولى سنين عمرى اللى ضاعت هدر ولا هيرجعونى سماح بتاعة زمان اللى تاهت ملامحها معاك؟
لترفع يدها تضعها على قلبها تشعر بالألم فى نبضاته..مستطردة بصوت مذبوح:
-قلبى بيوجعنى أوى..حاساه خلاص بيموت..بيموت من سكينة غدرك اللى دبحته بيها بكل برود..آاااه ياقلبى…آاااه.
مد يده إليها لتوقفه بإشارة من يدها ونظرة حزينة ملتاعة تطل من عيونها..وهي تقول:
-متلمسنيش..مبقاش ليك حق تلمسنى،مبقاش ليك حق فية ياحسام.
عقد حاجبيه متوجسا وهو يقول:
-قصدك إيه؟
نظرت إليه بكره وهي تمسح دموعها قائلة بحزم :
-يعنى من اللحظة دى أنا معتبرة نفسى مش مراتك..ولازم تطلقنى…حالا.
********************
كانت تبكى بحرقة تضم ركبتيها إلى صدرها..وتستند بذقنها عليهما ،تشعر بالضياع..بالوحدة تقتلها..حتى فى أحزانها،لم تكن لها قط صديقة سوى أختها سماح وزوجة أخيها زوزا..لم يكن لها أحد أبدا سوى أخواتها ..خاصة مجد الذى كانت تفضى له دائما بمكنون صدرها،ولكنه الآن بعيدا عنها ..والآن،لا أحد بجوارها ،حتى شقيقتها سماح لم تكن موجودة عندما صعدت إليها فور عودتها للمنزل لتلقى بنفسها بين ذراعيها..تخبرها عن كل ما حدث معها،لقد إتضح أن هادى خائن كأبيها تماما..لم يعد لديها شك فى ذلك..لقد رأت صورته مع زوجته فى تلك الرسائل التى بعثوها إليها..رأت خطابات لها يبثها فيه شوقه وعشقه..تحمل إسمها (زهرة)زهرته الجورية كمان كان يناديها فى خطاباته،شعرت بالغيرة الحارقة..لتغمض عيناها بقوة..تلوم نفسها..لا حق لديها فى غيرتها..إن زهرة هي الأولى به وبمشاعره وحبه لا هي..لماذا تركت نفسها تتوق إليه..لماذا إستسلمت لمشاعرها ولماذا هو بالذات؟بعد أن قاومت كثيرا كل الرجال فى حياتها..لماذا هو بالذات ؟ألإنه بدا مختلفا..ألإنه كان مميزا؟أي إختلاف وأي تميز؟ كل الرجال سواء.
أفاقت من أفكارها لتفتح عيناها على مصراعيها حين سمعت الباب يفتح..تأملت الدالف والذى تجمد لدى رؤيتها بتلك الحالة..لتنتفض واقفة..تسرع إليه ..تلقى بنفسها بين ذراعيه ..تبكى بقوة..ليضمها مجد على الفور يربت على ظهرها مهدئا،نعم فلتهدأ أولا..ثم سيعرف ما بها ….لاحقا.
*******************
كان هادى يجول جيئة وذهابا كليث جريح..يدرك حالتها الآن وظنونها به..ولها كل الحق فى ذلك..ترفض جميع إتصالاته..وتصيبه بالجنون..تبا ..من مرسل تلك الرسائل وما غرضه من إرسالها؟ومن أين جاء بها؟ليتوقف وفى عيونه إرتسمت الصرامة..لقد كانت تلك الرسائل فى حجرة مكتبه،إذا هناك من تسلل إلى مكتبه وأخذ صورا لتلك الرسائل..شخص يبغى أن يؤذى سمر..وهو لن يسمح بأذيتها أبدا بل سيمحى من يمسها بسوء من سجل الأحياء..ليتجه إلى هاتف المشفى ويقوم بالإتصال برقم ما..وما إن أجابه محدثه حتى قال فى حزم:
-عايز شرايط الكاميرا اللى فى أوضتى فى اليومين اللى فاتوا دول….حالا.
********************
قال مجد بهدوء:
-بصى ياسمر أنا شايف ان فيه تفسير منطقى عند هادى للى شفتيه على الموبايل ده..هادى مستحيل يكون الشخص اللى انتى بتوصفيه..انا عرفته كويس فمستحيل أصدق إنه إنسان وحش أو خاين.
قالت سمر بمرارة:
-ميهمنيش و مش فارق معايا..أنا تعبت من المستشفى دى ومش هشتغل فيها تانى..هدور على مستشفى تانية أشتغل فيها..وأريح نفسى من كل ده.
ربت مجد على يديها قائلا:
-اهدى بس.. إيه رأيك تيجى معايا إسكندرية وتشتغلى هناك فى مستشفى والد عادل صاحبى؟
نظرت إليه سمر بعيون شعت فيهم السعادة..لتنطلق مجددا إلى حضنه قائلة:
-فكرة حلوة اوى..ربنا يخليكى لينا يامجد.
ربت مجد على ظهرها قائلا بحنان:
-ويخليكوا لية..قومى بقى إغسلى وشك وتعالى نطلع لسماح عشان أسلم عليها ..وحشتنى أوى.
قالت سمر :
-هوا.
كادت ان تنهض حين إستمعا سويا لصوت صراخ غاضب بالخارج..ليعقد مجد حاجبيه وسمر تقول بدهشة:
-مش ده صوت حسام؟
أومأ مجد برأسه قائلا:
-أيوة.
قالت سمر بقلق:
-طب تعالى نشوف فيه إيه؟
قال مجد:
-مش عايز أتدخل فى خصوصياتهم.
قالت سمر:
-شكل الموضوع كبير يامجد..وصوت حسام جايب لآخر الشارع..مبقتش خصوصيات على فكرة.
نهض مجد يتجه إلى الخارج قائلا:
-معاكى حق.
تبعته إلى الخارج..ليعقدا حاجبيهم وبعض أطراف الحديث تتناهى إلى مسامعهم.
********************
قال حسام بغضب:
-لو فاكرة ياهانم إنى ممكن أطلقك تبقى بتحلمى..إنتى هتفضلى على ذمتى،إيه يعنى إتجوزت عليكى ..مش ده شرع ربنا،مش ربنا حلل الجواز مرة تانية ولا حرمه؟
قالت سماح بمرارة:
-ربنا حلله فعلا..بس لما أكون انا مقصرة فى حاجة وهتلاقيها مع غيرى،بس أنا عمرى ما قصرت معاك..متجيبش بقى سيرة الشرع دلوقتى ..عشان رسولنا عليه الصلاة والسلام برده قال “رفقا بالقوارير”وإنت عمرك ما رفقت بية،متاخدش من الشرع اللى يمشى مع أهوائك وبس..إتقى الله ياحسام.
إقترب منها يمسك بذراعها بقسوة قائلا:
-انتى كمان طلعتينى كافر.
قالت بألم:
-أنا مقلتش كدة..سيب إيدى ياحسام.
اقترب منها قائلا بصوت كالفحيح:
-طب إيه رأيك بقى إنى مش هطلق وهخليكى كدة متعلقة لا طايلة سما ولا أرض،هتعيشى خدامة فى بيتى ياسماح لغاية لما تتعدلى.
أغروقت عيناها بالدموع مجددا قائلة بألم:
-ياخسارة ياحسام..ياريتنى ماشفتك ولا عرفتك،طلعت ندل بإمتياز.
إنتفخت أوداجه غضبا ليترك ذراعها وينهال على وجهها بصفعة قوية..فى تلك اللحظة التى دلف فيها مجد إلى الشقة حيث ترك حسام الباب مفتوحا،شهقت سمر وهي تسرع إلى أختها التى إرتمت أرضا من قوة الصفعة..تسيل الدماء من شفتيها..بينما أسرع مجد إلى حسام..ينهال على وجهه باللكمات..يقول فى غل:
-بتضربها ياندل ياحقير..دى الأمانة اللى سيبناها عندك..ده دينك ياعديم الدين والرجولة.
قالت سماح بضعف:
-سيبه يامجد..سيبه هيموت فى إيدك.
توقف مجد عن ضرب حسام، وهو ينظر إليها بصدمة قائلا:
-لسة خايفة عليه؟
تحاملت سماح على نفسها لتنهض بمساعدة سمر..تأوهت بألم وهي تمسك ذراعها ..فأدركت سمر بعيون الطبيبة أن ذراعها قد تأذى ،لتنظر إلى حسام بكره..إقتربت سماح منهما قائلة وهي تنظر إلى عيني مجد مباشرة قائلة بقوة:
-مبقاش يهمنى فى شيئ..ولا يعنيلى..والله من النهاردة محيته من حياتى ولا بقى يفرق معايا خالص،أنا خايفة عليك انت ،تروح فى داهية عشان واحد ميستاهلش.
ثم نظرت إلى حسام الذى نظر إليها بخزي ..لتقول بجمود:
-هتطلقنى ياحسام..وحالا..وإلا قسما عظما هرفع عليك قضية خلع ،وهبهدلك وافضحك فى شغلك وابقى قابلنى لو شركتك اللى انت فرحان بيها دى قامتلها قومة بعد كدة..طلقنى ياحسام وحالا والا هتشوف واحدة تانية عمرك ما اتخيلتها ولا حلمت تشوفها.
نظر حسام إلى عينيها يبحث عن طيفه الذى لطالما رآه بداخلهما فلم يجد غير عيون خالية من الحياة يثق بأنها قادرة على تنفيذ تهديداتها دون تردد..ليطرق برأسه ألما وهو يقول بحرقة:
-إنتى طالق.
أغمضت سماح عيناها ثم فتحتهما مجددا..لتسير بخطوات ثابتة بإتجاه باب المنزل..تغادر هذا القفص الذهبي التى ظلت سجينته بإرادتها..تغادره الآن بإرادتها أيضا…. للأبد
الفصل الرابع عشر
كان حسن يتنقل بين أروقة المكتبة يطالع بعض الكتب..حين تنحنحت هاجر قائلة:
-إحمم..أستاذ حسن.
إلتفت إليها قائلا بسخرية:
-وأخيرا..أنا كنت قربت أزهق،ده أنا قريت عناوين الكتب كلها خمس ست مرات.
رمقته بحنق قائلة:
-والله أنا مكنتش بلعب وبعدين ده بحث مهم ولازم أدقق فى المراجع اللى هاخد منها المعلومات.
رمقها للحظات بهدوء..يلاحظ إحمرار وجنتيها من الغضب مما زادها جمالا،تلتمع عيونها بشرارات تنطلق إليه وتصيب قلبه..نعم قلبه،يدرك بها تتسلل إليه رغما عنه ولكنه سيقاوم تأثيرها عليه حتى الرمق الأخير…ليقول ببرود:
-طيب لو خلصتى يلا بينا عشان إتأخرت على ميعاد مهم.
شعرت هاجر بنغزة فى قلبها..ينتابها شعور لم تفهمه..يجعلها حانقة غاضبة،وهي تتساءل..هل موعده ذاك مع فتاة يحبها أم صديق؟لتنفض أفكارها بسرعة ترفض مسارها،تتوق إلى الهرب الآن..فهي تبكى دوما عندما يعاملها بتلك الطريقة ..وها هي تشعر بالدموع تتصاعد إلى مقلتيها،تبغى مخرجا،وهي بالتأكيد لن تبكى أمامه ….أبدا.
إلتفتت تتمالك مشاعرها قائلة:
-يلا بينا ..أنا خلصت.
لتتقدمه ثم تتوقف فجأة صارخة:
-كتب يوسف السباعى.
نظر حسن بإرتباك حوله..لهؤلاء الناس الذين نظروا بإستنكار لتلك الفتاة التى أزعجت جو الهدوء والسكينة من حولهم وأخرجتهم من جولاتهم فى عوالم أخرى من المعرفة..ليضم حسن يديه معتذرا،بينما كانت هاجر فى عالم آخر وهي تمسك تلك الكتب واحدا تلو الآخر تقرأ عناوينهم فى صمت..(إنى راحلة..بين الأطلال..رد قلبى…..)
تنهدت وهي تمر بعيونها على باقى الروايات لتزفر فى إحباط قائلة:
-للأسف أرض النفاق برده مش موجودة هنا،أكيد فيه حد مستعيرها ..أنا عارفة حظى.
قال حسن بسخرية:
-مفيش حاجة إسمها حظ..فيه فرصة بتجيلك يابتاخديها يابتفوتك.
رمقته بحنق فهز كتفيه مستطردا وهو يقول :
-بس انا مقدرش ألومك على زعلك..الكتاب رائع جدا،وفيه عبر ومعانى عميقة ، واكتر جملة حبيتها فى الكتاب ده هي ان الإنسان غشاش ومخادع ..كذاب ومنافق فى كل أمة وفى كل جيل.
جاء دور هاجر لتسخر منه قائلة:
-ليه مش مستغربة ان يكون الكلام ده اكتر حاجة عجبتك فى الكتاب؟
لتتقدمه دون أن تنتظر رده ليبتسم رغما عنه..وهو يتابعها بعينيه ثم تبعها على الفور..
كانا فى طريقهما إلى سيارته..حين استوقفه صديق له يسلم عليه بحفاوة..ليقول حسن بهدوء:
-اسبقينى على العربية.
سبقته بالفعل ولكن قبل أن تركب السيارة..وضعت يد على فمها منديلا يحمل رائحة نفاذة كادت ان تصرخ ولكنها أحست بدوار ثم سقطت مغشيا عليها ليلتقطها الرجل بسرعة ثم يسحبها إلى تلك السيارة التى معه…
كان حسن يتحدث إلى صديقه حين حانت منه إلتفاتة إلى سيارته..ليرى أحدهم يولج هاجر فاقدة الوعي إلى سيارة أخرى..إتسعت عيونه بصدمة وصرخ بالرجل وهو يهرع إليه على الفور،ليراه الرجل ويسرع بركوب السيارة بإضطراب..ثم ينطلق بها،كادت دقات قلب حسن أن تتوقف خوفا عليها..ليسرع بدوره، يركب سيارته ويقودها مطاردا تلك السيارة المجهولة بقلب …..وجل.
*******************
كانت تقف فى شرفة منزلها تتطلع إلى الشارع الفارغ من الناس فى هذا التوقيت،تشعر بالوحشة ..بشيئ ينقصها بشدة،فى قلبها سكن الفراغ تماما،أغمضت عيناها وذكرى شبيهة تغزو أفكارها….
فى مكان آخر وزمن آخر،حيث كانت تنتظره طويلا فى الشرفة ..تأمل أن تراه يطل فى الشارع،لتشعر فقط بالأمان..بالحب فى نظراته،أدركت الآن فقط أنها كانت تحبه وكان هو بدوره يحبها،ولكنه ربما فقط لم يكترث بمشاعرها ..لم يدرك قلقها وخوفها عليه من الطريق وتأخره بالخارج،لم يتفهم شوقها إليه ؟إلى صحبته ومرافقته..
فقط لو إكترث….
لربما حادثها وأخبرها أنه فى العمل وسيتأخر قليلا فلا تقلق،أو لترك العمل فى يوم وفضل صحبتها،ولكنه لم يرفق بها..تركها دائما فريسة القلق والوحدة….
فجأة طلت أمامها ذكرى أخرى لها وهي تتراجع إلى سور الشرفة حتى إستندت إلى حائطها تودع أحدهم بدموع غزيرة قبل أن تلقى بنفسها من الشرفة..إنتفضت سمر تفتح عيونها فى قوة،يظهر الرعب على ملامحها ،لقد حاولت الإنتحار وفشلت كما يبدو..ألقت بنفسها من إرتفاع شاهق دون تردد..لماذا؟لماااااذا؟
تساقطت دموعها بغزارة وهي تتراجع إلى داخل المنزل،تسرع إلى حجرتها وترتمى على السرير..تبكى فى حرقة،تخرج إنفعالاتها قبل أن تتصل بالطبيب هادى،تخبره عما يحدث معها….
********************
كان هادى يشاهد أشرطة التسجيل لآخر يومين قبل إنتشار تلك الرسائل..فلم تظهر الشرائط أي شيئ حتى الآن ولم تفيده سوى فى أن بها مشهد لسمر وهي تخبره عن حالة لديها لن تستطيع تحمل نفقة العلاج الباهظة تدرك أنهم يدعمون تلك الحالات ان كانت حقا تستحتق الدعم..وتسأله أن يدعم حالة مريضها…
إبتسم بحنان وهو يمد يده إلى شاشة اللاب،يلمس ملامحها برقة..بعشق..بشوق..نعم..لقد إشتاق لها منذ الآن،يتساءل عنها وعن أحوالها،مازالت لا تجيبه،ومازال هو يتلظى بنار الفراق المرير ،بعد أن ظن أنها تبادله بعض مشاعره،بعد ان ظن أنها لانت قليلا،عاد كل شيئ كالسابق بينهما….بل أسوأ.
فجأة تركزت عيناه على شخص يدلف إلى حجرته متسللا..يعبث بمحتويات الحجرة يبحث عن شيئ ما،عقد حاجبيه وهذا الشخص يصل إلى تلك الرسائل التى لم يستطع هادى أن يمزقها وفى نفس الوقت أخفاها بعيدا حين عشق سمر،نظر إلى هذا الشخص الذى أمسك الرسائل يصورها بعيون منتصرة حاقدة قبل أن يعيدها إلى مكانها ويغادر الحجرة فى هدوء….
لينظر هادى إلى الأمام عاقدا حاجبيه قائلا بصرامة:
-كان لازم أعرف ان اللى ورا الموضوع ده انتى يا تهانى.
رن هاتفه ،فنظر الى شاشته بلهفة ثم ظهر الاحباط عليه وهو يرى رقم سمر،لينفض مشاعره جانبا وهو يجيبها بحرفية طبيب نفسي.
******************
كان حسن يتبع سيارة المختطف بإصرار،دون أن يشعرهم بأنه يتبعهم ..يخشى أن يتهربوا منه فلا يستطيع أن يصل لهم وينقذها من أيديهم..
كاد أن يصطدم بتلك السيارة أمامه..ليتفاداها بصعوبة بالغة،ثم يتابع مطاردته ..رآهم ينحرفون إلى شارع جانبي،فأسرع خلفهم،كان بعض المارة يعبرون الطريق فكاد أن يصطدم بهم ولكنه كبح فرامل السيارة فى اللحظة الأخيرة ..متجاهلا سباب ذلك الرجل وعيونه تتطلع إلى حيث توقفت السيارة الأخرى،ليسرع مرة أخرى بسيارته بعد أن عبر المارة إلى حيث توقفت السيارة..
هبط بسرعة وما إن دلف إلى مدخل هذا المنزل حتى فوجئ بالمختطفين يغادرون ..ليضم قبضته ويضرب فك الأول بقوة،بينما ركل الآخر فى معدته فإنثنى بألم ..ليمسك الأول من تلابيب عنقه..قائلا بقسوة:
-ودتوها فين ياولاد *****..ودتوها فين؟؟
لم يجيبه ليكيل له بعض اللكمات..بينما تمالك الرجل الآخر نفسه وحاول لكم حسن ولكنه تفاداه بمهارة،تاركا الرجل الاول يسقط أرضا فاقدا الوعي وموجها لكماته للرجل الثانى..ليتفادى اللكمة بدوره راكلا حسن ولكن حسن أمسك قدمه وأداره بها ليسقط الرجل أرضا على وجهه ،فكسرت أنفه و تلطخ وجهه بالدماء،رفعه حسن لا يبالى بتأوهاته قائلا بغضب ظهر فى كل أوردته التى تنتفض :
-إنطق ،ودتوها فين وإلا قسما بالله لأقتلك …حااالا.
قال الرجل من بين أنفاسه المتهدجة :
-فوق ..فوق فى الدور التالت.
تركه حسن مهرولا للأعلى..بينما تمالك الرجل نفسه وهز الرجل الآخر قائلا:
-سعيد..قوم ياسعيد الله يخرب بيتك هنروح فى داهية..
لم يحصل على إجابة منه فتركه… هاربا.
******************
كان مرتضى يتأمل تلك النائمة بعيون تلمع بالرغبة،يتأمل ملامحها الجميلة بنظراته التى تلتهم تفاصيلها،يتناثر شعرها حول وجهها بنعومة ورقة..إقترب منها وجلس بجوارها،رفع يده يمررها على شعرها ممررا إياها على وجنتها مرورا بثغرها..يود لو إقتطفه على الفور ،ولكن مهلا..أمامه من الوقت ليفعل كل مايشتهي،نزل بأصابعه على جيدها يتحسس نعومته ، يسيل لعابه ويبتلع ريقه بصعوبة حتى وصل إلى بلوزتها ليسرع بفك أزرارها كاشفا عن جسدها الغض،لم يستطع الصبر أكثر إنحنى لينهل منها مايشاء ولكنه إنتفض على صوت الباب يكسر ثم إندفاع حسن إلى الحجرة كثور هائج،والذى ما إن رأى هذا المشهد حتى نهض مرتضى يرتجف قلبه خوفا من ملامح حسن التى صارت ثائرة كبركان أدرك أنه سينفجر فيه فى التو واللحظة،كاد أن يهرب ولكن حسن إتجه إليه بسرعه..يوسعه ضربا بقوة،يكيل له الركلات واللكمات بغل،لم يستطع مرتضى أن يصدها من قوتها وعنفها..بل صرخ قائلا:
-كفاية بقى حرام عليك.
هدر حسن قائلا:
-حرام علية أنا..ياشيخ حرام عليك انت،ده انت ابن راجل طيب مشفناش منه غير كل خير،مخفتش على أختك ضحى ؟ أختك اللى كانت هتدوق من عمايلك؟ياأخى ده كما تدين تدان؟
ثم أشار لهاجر بعينيه قائلا بغضب:
-طيب مفكرتش فى مستقبل المسكينة دى اللى كان هيضيع بسببك؟
قال مرتضى من بين أنفاسه المتهدجة:
-لا ..ما انا كنت هتجوزها.
شعر حسن بالكره فى قلبه يتضاعف وشعور حارق بالغيرة يكويه وهو يصرخ مستنكرا:
-تتجوزك انت؟وانا روحت فين؟هو انا مش مالى عينك يا****.
لم يمنحه فرصة للرد وهو يكيل له اللكمات حتى أصبح وجهه ملطخا بالدماء ومتورما للغاية،بينما إستفاقت هاجر لتمسك رأسها التى تؤلمها بقوة..ولكنها مالبثت أن إتسعت عيونها بقوة وهي ترى حسن يكيل الضربات لمرتضى ،لتشهق وهي ترى أيضا جسدها العارى أمامها،منحتهما ظهرها على الفور وهي تسرع بغلق بلوزتها بأيدى مرتجفة تستوعب ما يحدث..لا تدرى سوى أنها كادت أن تضيع،لتتساقط عبراتها بقوة ..تمالكت نفسها وهي تسمع صراخ مرتضى المستنجد لتدرك أن حسن على وشك قتله ضربا،نهضت بسرعة وهرعت إلى حسن تمسك يده تمنعه من التمادى ،إلتفت إليها وكاد أن يدفعها عنه بقسوة ولكن عيونها الدامعة المتوسلة ألانت قسوته رويدا رويدا وكلماتها المرتجفة هدأته قليلا وهي تقول:
-كفاية ياحسن..سيبه ده ميستهلش تروح فى داهية بسببه،خلينا نمشى من هنا،أنا بردانة ياحسن،بردانة وعايزة أروح.
رأى إرتعاشة جسدها الواضحة ليدرك أنها تعانى صدمة عصبية ولكنها تتمالك نفسها فقط من أجله،ليومئ لها برأسه قبل أن يترك جسد مرتضى ويسقط هذا الأخير منهك القوى..بينما أمسكها يدها لتتمسك بيده بقوة يغادران متجهان إلى المنزل….سويا.
********************
كانت سمر قد إستعادت نفسها القوية ،وقاومت ضعفها بعد أن تحدثت قليلا مع هادى..تدرك انها على وشك الكشف عن ماضيها كله،رفعت فنجال قهوتها إلى شفتيها وهي تنظر إلى ساعتها عاقدة حاجبيها،تدرك تأخر هاجر ،ليرن جرس الباب فجأة..زفرت براحة ونهضت متجهة لكي تفتح باب المنزل وهي تقول بعتاب:
-إتأخرتى اوى ياهاجر وقلقتينى……
صمتت فجأة وعيونها تتسع بقوة وهي ترى وجه هاجر الشاحب كالموتى..وإرتعاشة جسدها الواضحة،لتنظر إلى حسن الذى تمسك هاجر بيده بقوة ترفض ترك يده ليدلف حسن معها قائلا:
-من فضلك يامدام سمر تجهزيلها حمام سخن وتديلها من الدوا ده..وتسيبيها تنام ومتحاوليش تتكلمى معاها فى حاجة.
قالت سمر فى حيرة امتزجت بالقلق:
-هي هاجر مالها ياحسن فيها إيه؟طمنى.
قال حسن :
-من فضلك إطمنى..هي بس تعبانة دلوقت بس هتبقى كويسة،اعملى بس اللى قلتلك عليه وأنا هروح مشوار وهرجع أحكيلك على كل حاجة.
أومأت سمر برأسها وهي مازالت حائرة قلقة ولكن لديها شعور مؤكد بأن كل شيئ سيكون على مايرام ،كما أخبرها حسن..إتجهت بسرعة إلى الحمام،ليحاول حسن ترك يد هاجر بعد أن أجلسها على الأريكة..لتنظر إليه بنظرات وجلة قائلة بصوت ضعيف:
-رايح فين؟
ربت على يدها قائلا بحنان:
-هروح مشوار لازم أعمله عشان أنهى المهزلة دى وهرجعلك تانى..اطمنى.
تركت يده على مضض..ليميل عليها ناظرا مباشرة إلى عينيها قائلا بحزم:
-هاجر إنتى بنت قوية ومش ضعيفة،تقدرى تتحملى أي حاجة واللى فات مش حاجة،ده ابتلاء من ربنا ونجاكى منه،متبصيش لورا وبصى لقدام..بصى للنعمة اللى انتى فيها،ياما بنات اتعرضوا للى حصلك وضاعوا بس انتى ربنا كان رءووف رحيم بيكى ونجاكى،نجاكى عشان خاطر أخوكى وسمر وعشان….
قطع كلماته وقد كاد أن ينطقها بكل قوة(لقد أنجاكى الله من أجلى ،فلو أصابك مكروه لما سامحت نفسى قط)..يعترف الآن بكل وضوح أنه قد وقع أسيرا لها ،وأن كل محاولاته لتجنب الوقوع فى حبها باءت بالفشل..صمت للحظة قبل أن يستطرد:
-عشان انتى بنت بستين راجل،وأنا واثق انك هتتخطى المحنة دى وهتكونى أقوى كمان..مش كدة؟
اومأت برأسها بعيون تغشاها الدموع..إقتربت منهم سمر فى تلك اللحظة ليعتدل موجها حديثه اليها ..قائلا:
-خدى بالك منها..انا مش هتأخر.
أومأت سمر برأسها..ليبتعد حسن مغادرا تتابعه عينا هاجر ليلتفت وينظر إليها يومئ برأسه مشجعا بإبتسامة،لتومئ له برأسها بدورها وهي تمسح دموعها بكفيها كالأطفال..قبل أن يغادر وتلك النظرة الحانية تختفى لتظهر فيهما برودة فى قسوة الجليد.
********************
قال حسن بقسوة:
-إبنك فين ياحاج سالم؟
قال سالم بحيرة:
-ابنى فى بورسعيد ياحسن ياابنى بيجيب بضاعة وهييجى بكرة.
قال حسن بسخرية:
-ده الكلام اللى ضحك عليك بيه.
قال سالم بإستنكار:
-ضحك علية بيه؟عيب ياابنى الكلام اللى إنت بتقوله ده.
قال حسن بقسوة:
-بس ده اللى حصل ياحاج،ابنك مسافرش ولا حاجة..ابنك سلط شوية عيال****،عشان يخطفوا هاجر ويجيبوهاله فى شقة فى الأزاريطة ،كانت فى الدور التالت،ولما لحقته هناك قبل ما يعمل عملته.. ضربته علقة موت وسيبته عشان أرجع الغلبانة المصدومة للبيت وآجى هنا عشان أخده وأسلمه بإيدى للنيابة.
كان سالم يستمع إلى حسن بصدمة ،ليهتز العكاز فى يديه ويكاد أن يسقط أرضا..أسرع حسن بإسناده ومساعدته للجلوس،بينما قال الشيخ سالم بصدمة:
-مرتضى..ابنى أنا بيخطف بنات ويعتدى على شرفهم،أمال لو مكنش صعيده ودمه حامى،أمال لو مكنش أبوه عارف ربنا وبيخاف منه ،وأمه الله يرحمها كانت ست أصيلة ومربياه كويس..ضاع شقاك ياسالم..ضاع تعبك على ابنك ياسالم..ياخسارة يامرتضى ..ياخسارة ياابنى.
ربت حسن على ظهره قائلا:
-اهدى ياحاج متعملش فى نفسك كدة.
نظر سالم بعيون تغشاها الدموع ليقول بصوت مهزوز:
-ابنى وطى راسى فى الطين ياحسن،جابلى العار ياابنى..أعمل ايه دلوقتى،اروح فين واجى منين،الله يرحمك ياابا،قلتلى بلاش المدينة،هتضيع جواها ياولدى بس انا كابرت وآخرتها ابنى اللى ضاع ياحاج حمدان..ابنى اللى ضاع.
قال حسن بشفقة:
-العيب مش فى المدينة ياحاج سالم..كل مكان فيه الوحش وفيه الحلو،ومرتضى كان كويس بس بقاله فترة مش مظبوط وشفته كذا مرة قاعد مع واحد مش تمام فى القهوة اللى على الناصية،أنور.. ما انت عارفه،ولما حذرته طلع فية وقالى ملكش دعوة،ومن ساعتها وانا فى حالى وهو فى حاله..العيب ياحاج فى صحاب السوء .
نظر إليه سالم قائلا فى يأس:
-طب والعمل ياحسن ياابنى ..هعمل ايه دلوقتى..هسلمه للبوليس بايدية،قلبى مش هيطاوعنى .
قال حسن وهو ينظر مباشرة إلى عينيه قائلا:
-ترجعه البلد ياحاج.
قال الشيخ سالم بإستنكار:
-البلد لأ ياولدى.. اللى عمله كبير ورده عندنا الدم ياحسن.
قال حسن بهدوء:
-متقولش هناك هو عمل ايه..قولهم بس ان حاله مش عاجبك ومحتاجهم يقوموه ويعدلوه،خليه يخالط الرجالة اللى بجد ..وجوزه ياحاج..اللى زي مرتضى..اللى أصله طيب وتربيته صح بس اتعوج.. لو اتجوز واحدة كويسة وصاحب ناس كويسة هيرجع لأصله ياحاج.
قال الشيخ سالم بلهفة:
-تفتكر ياحسن؟تفتكر مرتضى هيرجع ابنى اللى ربيته بتاع زمان؟
قال حسن :
-أنا متأكد ياحاج..
ليتنهد مستطردا:
-هسيبك دلوقتى وأروح اشوف الغلبانة اللى هناك ..أهى هي دى اللى يتخاف عليها بجد بعد اللى شافته على ايد ابنك النهاردة.
قال سالم بعيون دامعة:
-سامحنى ياابنى وخليها تسامحنى وانا هاخد ابنى وارجع البلد النهاردة قبل بكرة ومبقتوش تشوفوا وشنا أبدا.
ربت حسن على يد سالم وهو يومئ برأسه دون ان ينطق..مغادرا تتبعه عيون الشيخ سالم الذى قال:
-ابن حلال ياحسن..كلكم ولاد أصول وامكم عرفت تربيكم ياولاد محمود.
ثم ظل يردد مستطردا:
-لا حول ولا قوة الا بالله..لا اله الا انت سبحانك انى كنت من الظالمين..انى كنت من الظالمين.
الفصل الخامس عشر
فتحت سمر الباب لتجد حسن يقف على عتبته..ينظر إليها قائلا بنبرات قلقة:
-أخبارها إيه دلوقتى؟
أفسحت له سمر الطريق ليدلف إلى الداخل قائلة بحزن:
-لسة زي ما هي ياأستاذ حسن،كل اما ادخل ألاقيها بتغمض عنيها ، عايزة تفهمنى انها نايمة..بس الدموع اللى مغرقة وشها بتأكدلى انها مش نايمة..أنا قلتلها انى هكلم هادى أخوها بس هي رفضت وقالتلى هيقلق علية وهييجى اسكندرية بسرعة،خافت عليه يعمل حادثة فى الطريق.
هل من الممكن أن يتضخم القلب؟لقد شعر حسن بقلبه يتضخم بالفعل..يزداد إعجابا بتلك الفتاة التى تعرضت لأسوأ ما قد تتعرض إليه فتاة ومازالت تفكر فى الآخرين،أفاق من أفكاره..على صوت سمر وهي تقول :
-مش عارفة ،حاسة انى مش لازم أسمع كلامها ..حاسة إنى لازم أتصل بهادى،الموضوع مش سهل وأكيد هيأثر فيها..ده انت من ساعة ما حكيتلى امبارح وأنا منمتش.
قال حسن بهدوء:
-إستنى بس يامدام سمر..سيبينى أتكلم معاها شوية وبعدين نشوف هنعمل ايه.
أومأت برأسها موافقة..قائلة:
-اللى تشوفه.
قال بتردد:
-لو ممكن يعنى ..أدخلها الأوضة؟
قالت سمر:
-أكيد .. بس اسمحلى استأذنها الأول.
قال حسن:
-آه طبعا اتفضلى.
دلفت سمر الى حجرة هاجر..وظلت هناك لدقائق ثم خرجت تشير له بالدخول، ليدلف إلى الحجرة بهدوء..وجدها تجلس معتدلة على السرير،تستند بظهرها إلى الوسادة تنظر إلى الأمام بشرود..إقترب منها وجلس بذلك الكرسي بجوار السرير قائلا:
-هاجر.
نظرت إليه فى صمت..ليستطرد بهدوء:
-لسة برده مش قادرة تخرجى من الحالة اللى انتى فيها دى؟انا مش قلتلك انك أقوى من كل الظروف ..انا مش قلتلك تحاولى تنسى اللى حصل.
أغروقت عيناها بالدموع قائلة بصوت مختنق:
-مش قادرة أنسى ياحسن..مش قادرة ..كل ما افتكر الحيوان ده كان عايز يعمل فية ايه ،بحس بجسمى كله بيترعش..بيتنفض من جوة،كل أما أفكر انك كان ممكن متلحقنيش..
قاطعها واضعا يده على فمها قائلا بحزم:
-متفكريش بالشكل ده..مستحيل كنت هسيبك تضيعى،أنا …أنا….
تأملت عينيه بحيرة..ليبعد يده عن فمها وقد كاد أن يعترف بمشاعره،يشعر بكيانه يطالبه بالتصريح لها ولكن هناك حاجز يمنعه من البوح..ليقول بإرتباك:
-أنا متأكد من ان كل حاجة حصلتلك هتعدى وهتنسيها..ومش هتبقى منها حتى ذكرى..أوعدك انى حتى الذكرى دى هنسيهالك.
ظلت تنظر إليه فى حيرة ليقول بإبتسامة:
-إيه رأيك نقوم نخرج؟
ظهر الخوف فى عيونها على الفور قائلة:
-لأ..مستحيل طبعا..مش عايزة أخرج.
مد يده ليمسك يدها فنظرت إلى تشابك أيديهم بحيرة ثم نظرت إلى عيونه فوجدته يقول :
-مش هتفضلى محبوسة جوة قفص خايفة من البشر..الحياة لازم تمشى،وبعدين انتى معايا ..يعنى متخافيش من حاجة أبدا ياهاجر،أنا جنبك وايدى فى ايدك،مش هسيبها …أبدا.
تأملته للحظات تصلها ثقته فتغمرها براحة غريبة..لتشعر بثقتها تزداد..ظلا هكذا للحظات ثم قالت بحزم:
-معاك حق ،بس إنت هتسيب ايدى وحالا ياحسن.
عقد حاجبيه لتلين ملامحها مستطردة:
-هتسيبها عشان تخرج من الأوضة..عايزة أغير هدومى عشان أنزل معاك ياحسن.
شعر بالإضطراب..ليترك يدها على الفور وهو ينهض يمرر يده فى شعره قائلا:
-آه..طيب..هستناكى برة..سلام.
ثم غادر الحجرة بسرعة مغلقا الباب خلفه..لتزفر هاجر ، قبل أن تنفض عنها غطاءها وتنهض لترتدى ملابسها ..إستعدادا للخروج.
********************
دلف مجد إلى المنزل..يحمل فى يده بعض الأوراق،نظر إلى سمر الجالسة على الطاولة أمام اللاب توب الخاص بها تتابع شيئا ما بتركيز شديد..لتنتفض على صوت مجد وهو يقول:
-سماح فين ياسمر؟
قالت سمر :
-فى الأوضة جوة..آخدة مراد فى حضنها ونايمة..الحمد لله دراعها اتحسن،انا اول ما شفت دراعها قلت فيه كسر بس الحمد لله انه طلع التواء،الورم النهاردة خف كتير بس حاولت أخليها تاكل لقمة مرضيتش.
أومأ مجد برأسه متفهما حالتها لتنهض سمر قائلة:
-وانت عملت إيه؟خلصت الإجراءات بتاعة طلاقها؟
قال مجد ببغض:
-متفكرنيش..الباشا كان عايز يماطل ويقول ان يمين الطلاق وقع بالإكراه..بس أنا عملت زي سماح وهددته بانى هعمله فضايح قى شغله واتهمه بإحداث ضرر ليها نفسيا وجسديا،وخصوصا إنى عرفت من مراد انه ضربها قبل كدة.
قالت سمر بحزن:
-انا لما عرفت زيك والله إتقهرت..إزاي قبلت تكمل معاه بعد ما ضربها..إزاي هانت عليها نفسها بالشكل ده؟
قال مجد بمرارة:
-ساعات الحب بيخليكى عامية..ماشية وراه من غير ماتفكرى، وتستحملى اللى مش ممكن حد يستحمله..يخليكى تضحى بسعادتك نفسها على أمل ان اللى بتحبيه هيتغير،ساعات الحب بيضيع حياتك كلها وانتى مش حاسة ،لغاية ما فى يوم تفوقى وتعرفى ان اللى انتى بتضحى بيه ده هي روحك اللى بتموت حبة بحبة..هي كيانك اللى بيضعف وبتبهت ملامحه،بس للأسف غالبا يوم ما بتفوقى بيكون بعد فوات الأوان.
أدركت سمر أنه يتحدث عن حبيبته زوزا ..تلك التى تحملته بكل حالاته ،كانت تذبل معه رويدا رويدا..ولكنه لم يشعر ولم يستفق،سوى بعد فوات الأوان..هكذا هم الرجال يحتاجون لصفعة قوية ليدركوا قيمة ما تجاهلوه واعتبروه أمرا مسلما به،يحتاجون لفقدان نعمة أسبغها الله عليهم..ليدركوا قيمتها.
أطل وجه هادى فى مخيلتها لتنفضه مرددة بداخلها:
“فقط إنسيه يافتاة ..وكأنه لم يكن قط..فأنتى بخير طالما تبعدين عنك كل ما يحمل لقب..مذكر”
تنهدت ثم قالت:
-يعنى كدة خلاص..نقدر نسافر بكرة اسكندرية،أنا اتخنقت من المكان ده وعايزة أرجع هناك..لبيتنا..وخلاص اتفقت مع دكتور عزت صاحب المستشفى اللى كنت بشتغل فيها انى أمسك قسم الجراحة فى فرع المستشفى اللى فى اسكندرية.
قال مجد بهدوء:
-حسام خلاص مضى على أوراق الطلاق واتحولت للمحكمة عشان تراجع الأوراق ويتم تسجيل الطلاق،فاضل بس أروح بكرة أسحب أوراق مراد عشان نقدمله فى المدرسة اللى جنبنا فى اسكندرية..وساعتها هنقدر نسافر.
اومأت سمر برأسها..ليقول مجد:
-على فكرة هادى كلمنى…
قاطعته سمر قائلة فى حزم:
-لو سمحت مش عايزة أسمع إسمه تانى..دى صفحة واتقفلت وياريت منفتحش سيرتها خالص من هنا ورايح.
رأى مجد جمود ملامحها ليقول بهدوء:
-براحتك ياسمر.
ثم استطرد داخل نفسه قائلا:
“هسيبه هو يحل مشاكله بنفسه..أدها وأدود يادكترة”
كاد أن يبتسم ولكنه أخفى إبتسامته بسرعة تحت تفحصها الدقيق لملامحه الهادئة..وكأنها لا تصدق قبوله لرغبتها بعدم الحديث عنه..ليقول متهربا وهو يشعر بأنه على وشك الخضوع لإستجواب:
-أنا هدخل لأختك ..أطمن عليها وبعدين هخرج أطمن على اللى فى اسكندرية..حسن مكلمنيش من ساعة ما جيت وانا بدأت أتوغوش.
أومأت برأسها ليتجه إلى حجرة أخته سماح..بينما تركها تتساءل رغما عنها عما أخبر به هادى أخاها مجد.
*******************
بكت تهانى بدموع التماسيح قائلة:
-حضرتك ظالمنى يادكتور هادى..أنا مستحيل أعمل حاجة زي دى..أكيد الدكتورة سمر هي اللى ملت ودانك من ناحيتى.
هدر هادى قائلا:
-لسة بتظلميها..ونفسك تإذيها زي ما شوهتى سمعتها قبل كدة بالفيديو اللى نشرتيه ،مش كدة ياتهانى؟
إتسعت عينا تهانى بإستنكار قائلة:
-أنا ..طب إن شاالله يفرمنى….
قاطعها قائلا بحدة:
-متجيبيش سيرة ربنا فى كلامك ياتهانى..عشان ربنا برئ منك ومن أفعالك..
ليوجه شاشة اللاب بإتجاهها قائلا:
-كل اللى عملتيه متسجل فى الكاميرات ياهانم..وبالتسجيل ده أنا ممكن أوديكى فى ستين داهية.
إتسعت عيناها برعب وهي تطالع ذلك التسجيل الذى يدينها بإقتحام غرفة الطبيب هادى وسرقة مستنداته..لتنظر إلى هادى الذى عقد حاجبيه فى صرامة لتقول بدموع حقيقية:
-أبوس إيدك يادكتور هادى،أنا غلطانة وأستاهل كل اللى يجرالى بس متإذنيش وتودى الشرايط للبوليس..أنا عندى عيال ولو اتسجنت هيتشردوا.
قال هادى بغضب:
-وكانوا فين عيالك دول لما فكرتى تإذينى وتإذى الدكتورة سمر؟
اقتربت منه تقبل يده قائلة بتوسل:
-أبوس إيدك سامحنى.
نفض يده عنها لتستطرد قائلة:
-اعمل فية اللى انت عايزه..عاقبنى ..اقتلنى حتى بس متسجنيش،أنا مش هقدر استحمل يوم واحد فى السجن ولا اولادى هيقدروا يبعدوا عنى كمان..طب مش عشانى..عشان خاطرهم ،عشان مستقبلهم..بلاش مستقبلهم يضيع بسببى.
رغما عنه شعر بالضعف تجاه أبنائها الذين ستتركهم بلا عائل ان هي سجنت بالفعل..ولكنه أيضا يشعر بالشفقة عليهم لاضطرارهم أن يعيشوا مع أم بتلك الأخلاق..ليقول بصرامة:
-عشان خاطر ولادك بس..مش هقدم الفيديو ده للبوليس،وهكتفى برفدك مع توصية لكل المستشفيات الخاصة بإنها متشغلش واحدة زيك..وياريت تغيرى مهنتك لإنك متستاهليش لقب ملاك الرحمة،وامشى ياتهانى..امشى من وشى دلوقتى بدل ما أغير رأيي.
نظرت إليه وملامح الندم تكسو وجهها..تدرك أنها من جلبت كل هذا لنفسها،لتمشى بإنكسار مغادرة الحجرة يتابعها هادى بعيون جامدة..وما ان اختفت عن ناظريه حتى تغيرت ملامحه وهو يقول بمرارة:
-منك لله ياتهانى..هديتى كل اللى حاولت أبنيه مع سمر وياعالم هعرف ابنيه من تانى ولا حكايتنا كدة خلصت خلاص.
********************
الخيانة تقتل..تبيد الروح وتهدر دماء الوفاء،تكشف عن زيف شاع بالمشاعر وآفة سكنت الأحاسيس..فما أبشع أن تمنح روحك لإنسان وحين تشعر بطعنة فى الظهر،تلتفت فتجده هو من يطعنك ولا أحد غيره..
وما أصعب على النفس من طعنة ظننتها من أحدهم مستحيلة ،فصارت ….بالإمكان.
كانت تتأمل مراد النائم بجوارها كالملاك..يتمزق قلبها حزنا عليه،كم تمنت لو منحته مايستحق من عائلة محبة تحتويه..كم تمنت لو لم تستسلم لقلبها وتتبعه..فلربما وقتها ما عانى مراد من العذاب ولا عانت هي من الإحتراق…
نعم تحترق،تحترق بنيران الغدر والخيانة،تنزف نبضاتها كمدا على عمر ضاع سدى،تشعر بروحها تختنق ألما،تبغى ملاذا لكيانها المهترئ..تعيد فيه لملمة جروحها ونسيان أحزانها،تبغى أن تبدأ من جديد فى مكان بعيد لا يحمل لها ذكريات مقيتة تود لو محتها من ذاكرتها للأبد…..
طرقات خفيفة ثم الباب يفتح ببطئ ويطل أخاها بوجهه المحبوب..يطالعها بإبتسامة ما ان رآها مستيقظة،فبادلته ابتسامته قائلة:
-ادخل يامجد ..أنا صاحية.
دلف مجد واقترب منها يتجه إلى طرفها من السرير يجلس فى مقابلتها قائلا:
-إزيك دلوقتى ياسماح؟
قالت بإبتسامة على شفتيها:
-انا كويسة يامجد..متقلقش علية.
نظر إلى مقلتيها قائلا:
-لما انتى كويسة ياسماح..ليه الابتسامة مش واصلة لعنيكى..ليه ابتسامتك برعشة وعنيكى مدمعين؟
نزلت دموعها قائلة بمرارة:
-عشان لو قدرت أخبى عن الناس كلها مشاعرى مش هقدر أخبيهم عنك انت يامجد ،طول عمرك بتفهمنى من نظرة عينية ،طول عمرك بتحس باللى فى قلبى..
لتشير إلى قلبها قائلة بألم:
-وقلبى ده موجوع أوى..موجوع أوى يامجد..أد إيه صعب على الواحدة تدى كل حاجة ويكون جزاءها الخيانة والغدر،أد إيه بتقتل انك تشوف فى عيون شريكك انك مش مالى عينه ومقدرتش تكون كامل فى نظره ،أد إيه بتدبح انك تعرف انه دور على اللى ناقصك مع حد تانى..ورغم انك واثق فى انك مبخلتش عليه بكل كيانك إلا إن عملته بتفقدك كل ثقتك بنفسك،بتخليك بتحس انك ولا حاجة،أد إيه صعبة الخيانة وأد إيه الخاين غدار بيطعنك فى ضهرك بدم بارد ويقول مكنش قصدى..مكنش قصدى الجرح..مكنش قصدى القتل..
وأنا بجد اتقتلت يامجد،كل حاجة فية اتقتلت،مشاعرى ..أحاسيسى..كرامتى..قلبى..روحى..اتقتلت يامجد واللى قتلنى اقرب الناس لية،ياريتنى ماشفته،ياريتنى ماعرفته..ياريتنى مت قب…..
وضع يده على فمها يقول بعيون دامعة:
-بعيد الشر عنك ياسماح،متقوليش الكلمة دى تانى..مش عشان خاطرى ولا عشان خاطر اخواتك اللى بيحبوكى..لأ..عشان خاطر إبنك مراد،انت عارفة مراد متعلق بيكى إزاي..شوفى ضمته لإيدك..شوفى دمعته اللى على خده.
نظرت سماح لطفلها بعيون تساقطت دمعاتها تحرق وجنتيها ألما..ليرفع يده عن فمها مستطردا:
-من النهاردة هتنسى حسام..مش هيكون له أي وجود فى حياتك ،من النهاردة هتكونى أقوى ،مش هتكونى سماح اللى ضعفها حبها لحسام..مش هتكونى سماح اللى قبلت بإنها تتنازل عن كيانها ورغباتها عشان خاطر حبها،مش هتكونى سماح اللى دبلت ضحكتها وضاعت آمالها جوة قفص دهبى..هتكونى سماح اللى مفيش حاجة هتقف قصاد طموحها فى إنها تحقق أحلامها وتربى ابنها صح،ربنا قال فى كتابه الحكيم
“وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم”واللى حصل ده أكيد فيه خير ليكى ولمراد ياسماح.
قالت سماح:
-ونعم بالله..ونعم بالله يامجد.
قال مجد:
-يعنى اتفقنا ياسماح؟مفيش حزن تانى؟مفيش دموع تانية؟
اومأت برأسها بإبتسامة باهتة ليمد يديه يمسح دموع وجنتيها قائلا:
-طب يلا قومى عشان تاكلى معايا لقمة..من الصبح بجرى من هنا لهنا..وميت من الجوع.
قالت بحنان:
-طيب روح غير هدومك وأنا هجهزلك الأكل …
أشار بسبابته قائلا:
-وهتاكلى معايا؟
ابتسمت قائلة:
-وهاكل معاك يامجد.
ابتسم مجد وهو ينهض يقبلها فى رأسها قبل أن يغادر الحجرة لتهمس سماح قائلة:
-مش عارفة من غيرك كنا هنعمل إيه يامجد..ربنا يجبرك زي مابتجبرنا.
*******************
الإشتياق..شعور يهز الوجدان..يجبرك على التفكير الدائم بمن تشتاق إليه..
الفراغ القاتل هو ماتشعر به فى غيابه..تملأ دواخلك فقط ذكرياتك لمن تشتاق إليه..
تتمنى أن يصلك منه كلمة..خبرا..أو رسالة..تشبع بعض مشاعر الشوق إليه..
تتمنى لو رأيته للحظة فأشبعت عيونك بمرآه…
تتمنى وتتمنى وتظل كل أمنياتك أحلاما..لن تتحقق سوى عندما يعود الغائب.
تأملت سمر هاتفها للمرة العاشرة..وكالمعتاد..لا كلمة..لا رسالة..لا خبر..
هل إشتاقت لرسائله حقا؟هل إفتقدته؟أم أنها إفتقدت ما يمنحها كلماته من شعور بالإهتمام؟أو ربما إفتقدت شخص آخر..شخص كان يعيد لكيانها هذا الأمان المفقود..تنهدت بقوة…
نعم ..إفتقدت مجد..إفتقدته بشدة..تطاردها نظراته التى لا تفهمها ولكن رغم ذلك تمنحها شعور غريب بالإرتياح..بالحياة..نعم ..تبعثها نظراته حية من جديد..أغمضت عيناها..تشعر بالذنب مجددا،فى حق زوجها الذى لا تعلم عنه شيئا..وماض تجهله ولا ترغبه ولكنها تريده فقط من أجل أن تريح نفسها الغارقة بالذنب،تريد أن تحيا بحرية..أن تترك لمشاعرها العنان..فلقد ملت كبحها..وأرهقها الذنب.
تبا لهذا الصداع الذى أصبح ملازما لها فى الفترة الأخيرة..نتيجة لتفكيرها المتزايد،تتمنى من كل قلبها لو لم ترفض دعوة حسن لها للإنضمام لهما ،ولكن ما منعها هو شعورها بأن حسن يكن لهاجر بعض المشاعر وهاجر تبادله إياها..ربما فى خروجتهما سويا إستطاع حسن أن ينسي هاجر مصابها،وأن يمحو بحيويته ومشاعره..ذكرى بغيضة تحزنها،فإن كانت تتمنى شيئا.. فهو أن تحظى هاجر بما حرمت منه
هاجر..تلك الفتاة التى لم تكن تقربها ولا تمت لها بصلة دم..فأصبحت لها أكثر من اخت،تتمنى لها من كل قلبها أن تحظى بالعشق….لإنها تستحق
رواية ضلع مكسور سينجبر.
بقلم شاهندة.

