امه طردته

أمه طردت مراته وهي حامل وهو ميعرفش، وعدّت سنتين كاملين عايش فيهم على عمى عينه، لحد ما جه اليوم اللي اتفاجأ بيها واقفة في وسط سوق شعبي زحمة.. شغالة على فرش خضار بسيط، وشايلة على إيدها طفل.

أول ما عنيها جت في عنيه اتخضت، جسمها كله اترعش، بس في ثانية لفت وشها وعملت نفسها مش شايفاه ودارت ورا الميزان. هو بقى؟ الدنيا اسودت في عينه، الدموية ضربت في نفوخه، ومبقاش شايف قدامه. راح عليها زي القطر، مسكها من دراعها وسط زحمة السوق والناس وبقى يزعق ويصرخ وصوته جايب آخر الشارع:

> “كنتي فين؟.. خنتيني وصغرتيني؟.. ابن مين ده؟ انطقييييي!”

 

عمره ما كان يتخيل إن الدنيا ممكن تفرّم بني آدم وتخبيه سنتين كاملين، وبعدين ترميه في وشك فجأة وسط زحمة سوق وخضار وناس بتفاصل، وكأنها مكنتش مراته في يوم من الأيام، وكأن العمر اللي عاشه معاها كان شوية حلم هبل صِحي منه على قفل برد في ليلة شتا سودة.

كان ماشي وسط السوق بيقضي طلبات للبيت بالصدفة، ودماغه بتودي وتجيب في تفاصيل ملهاش عازة، بس كان بيحاول يهرب من خنقة الشغل والدنيا. كان بيبص لوشوش الناس وهو بيفكر في بيته اللي بقى بقاله سنتين شبه التربة؛ ملوش حس، ولا فيه دفا، ولا ضحكة ست، ولا حتى سبب يبرد ناره. مكنش يعرف إن السر كله كان مدفون في أوضة أمه، وفي كلمتها اللي بتمشي على الرقاب، الكلمة اللي قفلت عليها بابها وحلفت مية يمين ما حد يشم خبرها.

أمه وقتها حطت حطاطها وقالتله:

* “دي هجرت بيتك وراحت لأهلها!”

* “دي مبلبلة ومبتحترمش طبعك!”

* “سيبها تغور.. ولو عايزها، روح هاتها من بيت أبوها واكسر مناخيرها!”

وهو يومها؟ ركبه العند والغرور، والرجولية المحروقة عمته. قال لنفسه “الست اللي تخرج من بيت جوزها بغير إذنه تهون، ولمّا ترجع ترجع مكسورة العين وتتأسف”.

لكن الغشيم مكنش يعرف إن مراته مخرجتش بمزاجها.. دي اطردت بالهدوم اللي عليها وهي في الشهور الأولى، اطردت في عز الليل وهي مش قادرة تقف على رجلها، لا معاها قرش سليم للمواصفات، ولا قادرة تدافع عن نفسها، ولا حتى لحقت تسيب له ورقة في يد البواب تقول له: **”أنا شايلة ابنك في بطني”**.

## المقابلة.. عين في عين

وقف وسط الممر الضيق في السوق، ولمحها.

مش شكلها بس اللي جابه الأرض، لأ.. دي وقفتها! وقفتها ورا فرش الخضار وهي حاطة العيل على كتفها، وبتشد طرف الشال القديم بإيدها التانية، ومقوسة ضهرها عشان تحمي الواد من سعة الهوا وقساوة الجو، كأنها بقت حيطة سد مابين حتة اللحمة الحمرا دي والدنيا. كانت لcurrent لبس بسيط يدوب يسترها في الشارع، وعلى وشها كمية تعب وهدة حيل تخلي الحجر ينطق.. تعب ست عاشت سنتين بتفهم نفسها إن العيشة مرة بس الصمت أستر، وإن الست لما تتبهدل وتصرف على نفسها دي مش بطولة، ده أكل عيش، وإن الوجع لما بيطول بيبقى زي شرب الشاي السادة كل يوم.. عادي ومبيجزعش.

**كانت هي.. مراته اللي فص ملح وداب.**

وفي ثانية، العيون اتقابلت.

الكاتب_رومانى_مكرم

هي عنيها وسعت وبرقت زي اللي شاف عزرائيل، مكنتش تتوقع أبدًا إن المكتوب هيجيبه لحد السوق ده، في المكان اللي بتاكل فيه عيش بالحلال وبتنداري من عيون الناس. دراعها اترعش والواد بغى يقع، راحت ضماه لِصدرها جامد ونزلت عيونها في الأرض وتدارت ورا قفاص الخضار وهي بتحاول تتجاهله كأنه زبون غريب جاي يشتري ويمشي.. دي الحاجة الوحيدة اللي كانت حيلتها عشان متقعش من طولها.

هو بقى؟ حس إن نفوخه هيطير، وقلبه اتعصر عصرة جابت أجله. عمره ما شافها ضعيفة كده؛ دي كانت لسه مخلصة وبنت بنوت، عنيدة وراسها ناشفة وبتوقف لأمه وللدنيا كلها على الواحدة بكبرياء يغيظ. ودلوقتي؟ واقفة بتبيع في السوق وشايلة عيل وبتتهرب من عينه!

النار شعللت في صدره، مكنش حب ولا شوق، كان غل وجرح قديم اتفتح عليه صديد سنتين وهو بيقنع نفسه إنها سابته وباعت عشرته ومحبتوش من الأول.

قدم خطوة..

وفي التانية كان واقف فوق راسها وقلب الفرش في وشها..

 

تدحرجت حبات الطماطم والبطاطس على الأرض الطينية، واختلطت بصوت صراخ الطفل اللي اتفزع من خبطة الأقفاص وصوت أبوه اللي زلزل السوق. الناس اتلمت في ثواني، البياعين والزبائن سابوا اللي في إيديهم ووقفوا يتفرجوا، والهمهمات بدأت تزيد في المكان: “في إيه؟ الراجل ده جرى في عقله إيه؟ بيمد إيده على ولية غلبانة وشايلة عيل؟”.

هو مكنش سامع حد، كان ماسك دراعها بقوة خلت صوابعه تغرز في لحمها، وعينيه الحمرا بتطق شرار وهو بيبص للطفل اللي متبت في رقبتها وبيعيط بهستيريا.

هي، رغم الرعب اللي كان هيموتها، ورغم إن ركبها مكنتش شايلاها، لقت في نفسها فجأة قوة أم بتدافع عن ضناها. زقته بإيدها التانية بكل ما تملك من عزم وصوتها طلع مخنوق بالدموع والكسرة، بس كان حامي زي الموس:

“سيب دراعي.. سيبني في حالي يا جبار.. ملقتش إلا السوق والفضايح تيجي تكمل بيها علينا؟”

صاحب الفرش اللي جنبها، راجل أربعيني صعيدي جدع اسمه “المعلم مرسي”، شاف المنظر ومقدرش يستحمل الشوفه دي. جرى عليهم وزق إيد الزوج بعنف وقال بصوت جهوري هز المكان:

“جرى إيه يا فندي؟ إحنا ملناش كبير في السوق ده ولا إيه؟ سيب الست دي في حالها وإلا ورب العرش ما هتعرف هتخرج من هنا على رجلك ولا على حمالة!”

الزوج بصله وعينيه ماليانة جنون، وزعق في وش الكل:

“دي مراتي! دي هربانة مني بقالها سنتين.. وراجعة وعايلة على إيدها وواقفة تبيع في وسطكم.. سيبوني أربيها وأعرف الميكروب ده جه منين!”

الكلمة نزلت على السوق زي الصاعقة. البياعين بصلوا لبعض بذهول، الست “أم أحمد” (زي ما كانوا بيسموها في السوق) اللي بقالها سنتين عايشة في حالها، مبتنطقش إلا بالحلال، ومبتديرش وشها لحد، تطلع هربانة من جوزها؟

هنا، ضحكت هي ضحكة ماليانة قهر ووجع، دموعها نزلت مغرقة وشها الدبلان، وبصتله في عينه وقالت بصوت مسموع للكل والكل سكت عشان يسمع:

“مراتك؟ دلوقتي بقيت مراتك؟ والطفل ده اللي بتسأل ابن مين.. ده ابنك يا غشيم! ابنك اللي أمك طردتني وأنا شايلاه في بطني في عز الليل والبرد.. طردتني بالهدوم اللي عليا وقالتلي مالكيش عيش هنا، وراحت حطت في بطنك بطيخة صيفي وقالتلك هربت وراحت لأهلها!”

الكلمة دي لجمته. الجملة وقعت عليه زي جبل مهدود. “ابنك يا غشيم”.

حس إن الأرض بتلف بيه، والناس اللي حواليه اختفوا، مابقاش سامع غير الكلمة دي وهي بتتردد في ودنه زي صدى صوت مرعب. بص للطفل اللي كان وشه أحمر من العياط ومتبت في هدوم أمه.. بص لملامحه بتركيز لأول مرة.. العيون الواسعة، رسمة الحواجب، وحتى الشامة الصغيرة اللي في رقبتها.. الواد حتة منه، نسخة مصغرة من صورته هو وهو عيل صغير في ألبومات الصور القديمة.

مسك دماغه بإيديه والذهول شل حركته، تراجع خطوة لورا وهو مش مصدق، وصوته اتهز لأول مرة:

“أمي؟ أمي هي اللي طردتك؟ أنتي بتتبلي عليها عشان تداري عملتك؟ أمي قالتلي إنك لميتي حاجتك ومشيتي!”

صرخت فيه بحرقة وهي بتعدل الشال على الواد اللي بدأ يهدأ من التعب والخوف:

“أتبلى عليها؟ اسأل بواب عمارتك.. اسأل جارتك طنط ميرفت اللي شافتني وأنا نازلة على السلم بعيط وبموت من المغص وأمك بتحدف ورايا الهدوم وتقولي غوري في داهية أنتي واللي في بطنك ومش هتشوفي وش ابني تاني! أنا مهربتش يا ابن الأصول.. أنا اترميت في الشارع، ولما رحت لأهلي ملقتش حد يشيلني.. أبويا مات من قهرته عليا بعديها بشهرين وأمي ست عاجزة.. نزلت السوق، وقفت على رجلي، شيلت قفاص الخضار على ضهري وأنا حامل في الشهر السابع عشان ألاقي لقمة عيش بالحلال وممدش إيدي لحد.. عشان لما الواد ده يكبر ويقولولي أبوه سابك ليه، أقوله أبوه كان مأمن لأمه وعايش في مية البطيخ!”

الناس في السوق بدأوا يتأثروا، النبرة الصادقة والوجع اللي في صوتها مكنش محتاج دليل. البياعين بدأوا يبصوا للزوج بنظرات لوم واحتقار. المعلم مرسي طبطب على كتف الست وقالها: “اهدئي يا أم أحمد، حقك على راسنا، ومحدش يقدر يمسك هنا طول ما فينا نفس”. والتفت للزوج وقال بلهجة حاسمة وناشفة:

“اطلع بره السوق يا فندي.. الست دي شرفها أنضف من التوب الأبيض، وإحنا هنا بقالنا سنتين شايفين شقاها وعفتها وعمرنا ما شفنا منها العايبة.. روح حل مشاكلك مع الست الوالدة بعيد عن فرش أكل عيشها”.

الزوج كان واقف زي الصنم، الكبرياء والغرور والرجولية المزيفة اللي عاش بيهم سنتين اتهدوا في لحظة فوق دماغه. افتكر كل كلمة أمه كانت بتقولها له وهي بتدعي عليها، افتكر نظرات أمه المتهربة لما كان يجي سيرة مراته، وافتكر إزاي كانت بتزن عليه وتصر إنه يتجوز بنت خالته عشان “تنسيه الأيام السودة وتجيب له حتة عيل يشيل اسمه”.

بص لمراته بنظرة ماليانة دموع وضياع، حاول يقرب منها تاني ويمد إيده عشان يلمس الواد، يدوب صوابعه لمست طرف هدمة العيل، بس هي رجعت لورا بخوف وقهر وقالتله بصوت ميت:

“أوعى تلمسه.. ده مش ابنك.. ده ابن الشقا والبهدلة.. ده ابني أنا وبس، وأنت مالكش حاجة عندي”.

دارت الدنيا في عينه، والدموع اللي حبسها سنتين نزلت رغماً عنه قدام السوق كله. مبقاش شايف قدامه من كتر الغضب اللي اتقلب في ثانية لبركان موجه ناحية بيته.. ناحية أمه اللي دمرت حياته، وحرمته من ابنه البكري، وسابته عايش في كذبة وسواد وهدت حيل الست اللي حبها.

لف وشه وجرى وسط زحمة السوق زي المجنون، بيخبط في الناس وفي الأقفاص وهو مش حاسس بجسمه، والكل بيبص عليه وهو بيجري وعينيه بتطق شرار. ركب عربيته ودورها بأيد بترتعش من كتر العصبية، وداس بنزين بأقصى سرعة وهو ناوي يرجع البيت.. ناوي يهد الدنيا على دماغ اللي كانت السبب في المأساة دي كلها.

وفي نفس الوقت، كانت الست قعدت ورا الفرش المهدود على ركبها، بتلم الطماطم والبطاطس المرمية في التراب وهي بتبكي بحرقة وبتضم ابنها لصدرها، والستات حواليها بيتجمعوا يواسوها، وهي بتهمس لنفسها وخوف الدنيا كله رجع يسكن قلبها تاني: “يا ترى اللي جاي إيه؟ هل هيسيبني في حالي ولا الرعب هيبدأ من جديد؟”.

بينما الزوج كان في طريقه للبيت، وعينيه على الطريق وعقله بيغلي، وصورة ابنه المتبهدل في البرد مش مفارقة خياله.. وفي ثلث ساعة كان واصل لباب الشقة، وبيرزع الباب بكل قوته لدرجة إن الخشب كان هيتكسر، وهو بيصرخ بأعلى صوت عنده زلزل جدران البيت: “يااااااااا أمي! أنتي فين يا أمي؟!”..

 
خرجت الأم من المطبخ مخضوضة، في إيدها فوطة المطبخ ووشها أصفر من روعة رزعة الباب وصوت ابنها اللي عمره ما علي في البيت بالشكل ده. بصتله وهي بتبلع ريقها ولقت منظره يخوف؛ قميصه متبهدل وتراب السوق مغرق جزمته، وعينيه طالع منها شرار أحمر وعروق رقبته ونفوخه بارزة وزي ما يكون راجع من معركة.

قالت بصوت مرعوش وهي بتحاول تداري قلقها:

“في إيه يا فوزي؟ جرى إيه يا ابني فزعتني! بتصرخ في وش أمك كده ليه؟ اللطف يا رب.. مالك؟”

قرب منها خطوتين سريعين لدرجة إنها رجعت لورا وخبطت في نيش الصالة. طوح إيده في الهواء وزعق بصوت مالهوش ملامح من كتر القهر والغل:

“جرى إيه؟ جرى إن العمر ضاع! جرى إن بقالي سنتين عايش على عمايا ومغفل.. سنتين وأنا باكل في نفسي وبقول مراتي هربت وباعتني، وأنا السر كله كان مدفون هنا.. في بيتي.. تحت رجليكي يا أمي!”

الأم وشها اتخطف تماماً، وبدأت إيديها تترعش، بس حاولت تقاوح وتلعب دور الضحية كالعادة، حطت إيدها على صدرها وقالت:

“أنت اتهبلت يا فوزي؟ جرى في عقلك إيه عشان تيجي ترمي بلاك عليا؟ سر إيه وزفت إيه اللي مدفون؟”

مسكها من كتافها براحة بس بضغط ماليان غضب، وبص في عينيها مباشرة وقال وعينيه بتدمع من الكسرة:

“شفتها يا أمي.. شفتها بعيني وسط سوق الخضار.. واقفة على رجلها وورا فرش بسيط بتبيع للناس وبتتبهدل في عز البرد.. وشايلة على إيدها عيل.. ابن سنيتن.. وشه نسخة مني.. حتة من قلبي اللي حرمتيني منه! طردتيها يا أمي؟ طردتيها بالهدوم اللي عليها وهي حامل في ابنها وفي شهورها الأولى؟ حدفتي وراها حاجتها وقولتيلها غوري؟”

الأم لقت نفسها في خانة اليك، الكلام نزل عليها زي الصاعقة ومكنتش عاملة حساب إن الأيام هتدور ويتقابلوا في سوق ولا في شارع. حاولت تفك إيديه وتزعق هي كمان عشان تداري على ذنبها:

“آه طردتها! وتستاهل الطرد والرمية في الشارع! كانت ست لسانها طويل ومبتسمعش الكلام، وكانت فاكرة نفسها هتمشي كلمتها عليا في بيتي! كنت عايزني أسيبها تخدك مني وتعملك خاتم في صباعها؟ أنا عملت كده عشان مصلحتك، عشان تنظف بيتك من وحدة مكنتش هتعمر معاك!”

فوزي ساب كتافها ورجع لورا وهو بيضحك ضحكة هستيرية ماليانة وجع، حط إيديه على وشه وبقى رايح جاي في الصالة زي الأسد الحبيس:

“مصلحتي؟ مصلحتي إنك تخليني أعيش سنتين ميت؟ مصلحتي إن ابني البكري يتولد ويتربى في وسط الأسواق وياكل من عرق جبين أمه في البهدلة والناس تفاصل معاها؟ مصلحتي إن أبوها يموت بجرعة قهر بسببك؟ أنتي إيه يا شيخة؟ معندكيش قلب؟ معندكيش رحمة؟ دي كانت أمانة في بيتي!”

صوت الزعيق كان مسمع العمارة كلها، والأم لما لقت فضيحتها هتبقى بجلاجل، بدأت تلجأ للحيلة القديمة؛ قعدت على الكنبة وحطت إيدها على قلبها وبدأت تصوت وتدعي التعب:

“آه يا قلبي.. هتموتني عشان حتة بت لا راحت ولا جت؟ بتعلي صوتك على أمك اللي ربتك وسهرت عليك عشان وحدة رمت نفسها في الأسواق؟ ما لو كانت بنت أصول مكنتش وقفت الوقفة دي، كانت راحت قعدت في بيت أمها!”

فوزي صرخ فيها بغضب أعمى زلزل المكان:

“بس بقى! كفاية تمثيل وكدب ونصابه! بيت أبوها اللي مات مقهور؟ ولا أمها الست العاجزة اللي مش قادرة تتحرك؟ البنت شالت شيلت رجالة وصانت شرفي واسمي وهي متبهدلة، وممدتش إيدها لحد.. وأنتي قاعدة هنا في الدفا والتكييف وعايزاني أروح أتجوز بنت خالتو عشان تخلفيلي حتة عيل وأنا ابني بيرضع قهر في الشارع!”

الندم كان بياكل في قلبه زي السوس، افتكر كل ليلة نام فيها وهو زعلان منها، افتكر إزاي كبريائه منعه يسأل عليها أو يروح يشوفها فين، واكتشف إنه كان ألعوبة في إيد أمه.

التفت للباب بكل عزم، وقبل ما يخرج بص لأمه نظرة أخيرة، نظرة مفيهاش أي نوع من العاطفة، وقال بصوت حاد وهادي زي السكينة:

“البيت ده أنا مش عتبة تانية طول ما أنتي فيه.. أنا رايح لمراتي وابني، ومش هرجع إلا وبهم معايا، ولو هي م رضيتش ترجعلي.. هقعد تحت رجليها في السوق لحد ما تسامحني.. وإنتي؟ عيشي لوحدك في البيت الفاضي اللي هديتيه بإيديكي.”

خبط الباب وراه بكل قوته ونزل على السلم يجري، ركب عربيته والدموع مغرقة عينيه، مكنش شايف قدامه غير صورة ابنه وهو بيعيط ومفزوع منه، وصورة مراته وضهرها المقوس من التعب. كان حاسس إن الثواني بتمر كأنها سنين، وعايز يوصل للسوق بأي طريقة قبل ما تلم فرشها وتمشي وتختفي تاني.

في الوقت ده، في السوق..

كانت الأجواء بدأت تهدأ شوية، والمعلم مرسي والستات جابوا لـ “أم أحمد” كرسي خشبي تقعد عليه، وجابوا كوباية مية بسكر عشان تهدي روعها. الواد الصغير كان نام على كتفها من كتر العياط، وهي كانت بتترعش ودموعها مش راضية تقف.

الست أم أحمد (الجارة في السوق) قعدت جنبها وطبطبت عليها:

“وحدي الله يا بنتي، مكنتش أعرف إن ورا وشك الصافي ده كل الوجع ده.. بس الراجل ده شكله مكنش يعرف الحقيقة، عينيه كانت بتقول إنه مخدوع.”

هزت رأسها بكسرة وقالت:

“ميعرفش إيه يا خالة؟ اللي بيحب حد بيسأل عليه، اللي بيصون عرضه مبيقعدش سنتين حاطط رجله على رجل ويقول كبريائي! ده سابني للدنيا تفرمني، ولولا ستر ربنا وكرمه ورزق الحلال كنت زماني ضعت أنا وابنه.. أنا خايفة يا خالة.. خايفة يرجع ياخد مني الواد.. ده الحيلة اللي طلعت بيها من الدنيا.”

المعلم مرسي وقف وقال بنبرة رجولة:

“ياخد مين يا أم أحمد؟ السوق ده فيه رجالة، ومحدش يقدر يمد إيده على حاجة تخصك، والواد ابنك طول ما أنتي شقيانة عليه محدش يجرؤ يحرمك منه.. اهدئي واجمدي كده.”

وفجأة.. وسط الزحمة والدوشة بتاعة آخر النهار، ظهرت عربية فوزي وهي بتهدي بسرعة جنونية على أول السوق، ونزل منها وهو بينهج، وبدأ يمشي وسط الممرات وعينيه بتدور عليها بلهفة وخوف.. لحد ما لمحها قاعدة على الكرسي والناس حواليها.

أول ما شافها، مشي بخطوات بطيئة، مكنش فيه في عينيه الغضب بتاع المرة الأولى، كان فيه رجاء وانكسار ودموع مغرقة وشه. الناس أول ما شافوه راجع، وقفو بصلابة وعملوا حيطة سد بينه وبينها، والمعلم مرسي حط إيده في وسطه وقاله بحزم:

“أنت رجعت تاني ليه يا فندي؟ مش قُلنا مفيش مكان ليك هنا؟”

فوزي مبصش للمعلم مرسي ولا لأي حد، عينه كانت مركزة عليها هي وبس. وقف على بعد خطوتين، ووجع الدنيا كله في صوته لما نطق:

“أنا عرفت كل حاجة.. عرفت إن أمي هي اللي ظلمتك وطردتك.. أنا أسف يا سمر.. أسف بالنيابة عن عمري اللي ضاع في الكدب.. ارجعي معايا ومتكسريش بخاطري قدام ابني.”

سمر بصتله، وعينيها اللي كانت دبلانة من التعب فجأة بقى فيها نظرة قوة وجمود صدمته، وقفت وشالت الواد على كتفها، وبصتله وقالت بكل حسم:

“الأسف ده يبله واشرب ميته يا فوزي.. السنتين اللي عشتهم في الشقا مش هيتمسحوا بكلمة ‘عرفت الحقيقة’.. أنت هترجع بيتك، وأنا هفضل هنا في السوق.. والواد ده مالهوش أب!”

فوزي حس إن قلبه اتخلع من مكانه، وبدأ يقرب منها وهو بيتوسل ليها بعينيه، والكل واقف مستني يشوف رد فعله.. وتفاصيل المواجهة الحقيقية يلا هتبدأ دلوقتي..

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

خطوة واحدة قربها فوزي، فجأة لقى كف المعلم مرسي نزل على صدره زي الحيطة منعه يتحرك. صوته طلع خشن وناشف:

“جرى إيه يا فندي؟ الست قالت كلمتها، والرجالة واقفة.. قُلنا حلوا مشاكلكم بعيد عن هنا، لكن هتعملي فيها سبع وتكسر كبرياء ولية في وسط سوقنا، يبقى أنت اللي جنيت على نفسك.”

فوزي مبصش للمعلم مرسي اصلاً، عينيه كانت متعلقة بوش سمر اللي كان زي الحجر. نزل على ركبه في الأرض وسط الطين والتراب، قدام البياعين والزبائن وكل اللي واقفين يتفرجوا. المنظر صدم الكل؛ راجل ببدلته وهيبته ينزل بالمنظر ده في وسط سوق شعبي!

دموعه نزلت حامية وهو بيبص لرجليها وقال بصوت مخنوق بالكسرة:

“أنا مش هعمل سبع ولا هكسر كلمتها يا معلم.. أنا مكسور ومتهان أكتر منها. أنا بنزل تحت رجليكي يا سمر.. قدام الدنيا كلها أهو، وبقولك إني كنت أغبى راجل في الدنيا. اضربيني، اطرديني، اعملي اللي أنتِ عايزاه.. بس متمشيش وتسبيني على عمايا تاني. أنا ابني ميربتش في سوق وأنا عايش!”

سمر لما شافته بالمنظر ده، قلبها اتعصر عصرة أشد من الأولى. فوزي اللي كان كبريائه واصل للسحاب، اللي كانت كلمته في البيت متثنية، نازل على ركبه في الطين؟ بس افتكرت على طول ليلة الطرد.. افتكرت لما كانت بتصرخ تحت المطر والبرد والوجع بياكل بطنها، وأمه بتقفل الباب في وشها وتقولها “غوري في داهية”. افتكرت بهدلة الفجرية وهي بتشيل الأقفاص وضهرها هيتكسر عشان تجيب تمن علبة اللبن للواد.

جمدت قلبها، وضمت الواد لِصدرها أكتر كأنها بتستمد منه القوة، وقالت ونبرتها حامية زي الرصاص:

“وابنك ماله بالأسواق يا ابن الأصول؟ السوق ده هو اللي شالني لما بيتك طردني! السوق ده ورجالته هما اللي وقفوا جنبي ووكلوني لقمة حلال لما أنت كنت نايم في العسل ومأمن لكلام أمك! ابني مترباش في الحرام.. ابني كبر بقرش حلال وعرق جبين، والأسواق دي فوق راسك وراس أي حد!”

الناس حواليها بدأوا يهمهموا بإعجاب: “أصيلة يا أم أحمد.. بنت أصول والله”.

فوزي وقف على رجله، وشه كان أحمر وعينيه ماليانة رجاء. بص للطفل اللي بدأ يفتح عينيه الصغيرين ويبص للراجل اللي بيعيط قدامه ببراءة كاملة. فوزي مد إيده ببطء شديد، وصوابعه بترتعش، لحد ما لمست خد الواد الناعم المورد. الواد متخضش المرة دي، بالعكس، مسك صباع أبوه بإيده الصغيرة المكلبظة.

اللمسة دي كانت كفيلة تخلي فوزي ينهار تماماً. شهق بحرقة وغمض عينيه، وحس إن روحه بترد ليه من جديد. بص لسمر وقال:

“عشان خاطر الحتة دي.. عشان خاطر الواد اللي مالهوش ذنب يدفع تمن غبائي وظلم أمي.. أديني فرصة واحدة. أنا مش هقولك ارجعي الشقة.. الشقة دي أنا قفلتها ومستعد أولع فيها باللي فيها. أنا هأجرلك مكان تشاوري عليه، هقعد تحت رجليكي ورجلين أمك العاجزة أخدمكم، بس متحرمنيش من ابني.. متسبنيش أموت بالبطيء وأنا عارف إنكم بتتبهدلوا.”

سمر لفت وشها الناحية التانية وهي بتبكي، مكنتش عايزة تضعف قدام دموعه وتوسلاته، بس الوجع اللي جواها كان كبير، وشعور الخذلان مبيتمسحش في ساعة زمن.

في اللحظة دي، المعلم مرسي هدي شوية لما شاف صدق انكسار الراجل، وبص لسمر وقال بلهجة حكيمة:

“بصي يا أم أحمد.. إحنا ملناش كلمة عليكي، وأنتِ أدرى بحالك. بس الراجل لما ينزل الأرض بالمنظر ده قدام الخلق، يبقى شاريكي وشارى ابنه بجد، واللي غلطت في حقك هي أمه مش هو، وهو دفع تمن غباؤه سنتين من عمره عايش في كذبة. فكري في مصلحة الواد يا بنتي.. الشقا مر، والوقفة في السوق صعبة على الولايا، ولو الراجل ده هيصونك ويعوضك، يبقى تديله فرصة.. بس بشرط!”

التفت المعلم مرسي لفوزي وبص له بعين حمرا وقاله:

“الست دي لو رجعت معاك وحسينا يدوب إحساس إنها زعلت تاني، أو إن الست الوالدة مدت لسانها عليها بكلمة.. مش هتشوف وشها تاني، والسوق ده كله هيبقى خصيمك.. سامع يا فندي؟”

فوزي هز رأسه بلهفة وهو بيمسح دموعه:

“سامع وعارف يا معلم، ورقبتي سدادة.. سمر وابني في عيني، وأمي ملهاش خطوة تانية في حياتي طول ما أنا عايش.”

بص فوزي لسمر المستنية، ومد إيده ليها وعينيه بتترجاها تاخد الخطوة.. سمر بصت لإيده الممدودة، وبصت للواد اللي في حضنها، والتردد والحيرة بياكلوا في عقلها وقلبها.. هل تسامح وترجع للدفا اللي اتحرمت منه، ولا الكرامة والوجع القديم هيقفلوا الباب ده للأبد؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *