ندم متاخر

بعـد 7 سنيـن جـواز وأنا بـعدّي مواقـف كتيـر عشـان خاطـر بيتـي، اتفاجئـت إن حمـاتي عزمـت قرايبهـا كلهـم على الغـدا في شقتـي من غيـر ما تعرفنـي… والمفاجـأة الأكبـر كانـت اللي حـصل بعـد كـده!!
— أنا آسفـة.. قولـتِ إيـه؟ ….سألت وأنا بلقط بالصدفة آخر جملة كانت حماتي بتقولها لجوزي في التليفون.
طنط تيسير كانت واقفة في نص الصالة، بعبايتها الكريب الكحلي المطرزة باللولي الأبيض، العباية اللي بتلبسها في كل مناسبة من يجي عشرين سنة. شعرها مفرود ومصقول لورا بالملي، وعلى شفايفها نفس الابتسامة الصفراء المرسومة اللي بتوزعها على الناس. بس عينيها.. عينيها كانت باردة زي مية الساقعة في طوبة….
— سمعـتِ كويـس يا منـى …. قالتها وهي بتنطق اسمي وكأنها بتنطق كلمة عيب.
— أنا عزمـت قرايبـي من ناحـية بابا شريـف، ناس متعلمـة وواصلـة وليهم برستيجـهم. وأنـتِ.. يعني، أنـتِ فاهمـة طبـعاً، مش عاوزيـن كسـوف قدامهـم….
كنت فاهمة. يا رب، كنت فاهمة جداً….
كنت فاهمة من أول يوم دخلت فيه شقتهم القديمة اللي كانت إيجار، وأنا ماسكة في إيد شريف، فرحانة وبترعش من كتر الأمل…حصري على صفحة روايات و اقتباسات…..
طنط تيسير بصت لي وقتها من فوق لتحت وقالت:
“وهي منـي من عيلـة ميـن في طنـطا؟” السؤال ده كان جواه كل حاجة: الحكم عليا، والتقلِيل مني، والثقة العمياء إني عمري ما هكون مقامي من مقام ابنها الوحيد….
#حكايات_منـي_السيـد
فات سبـع سنيـن من ساعتهـا. سبع سنين مستحملة، ببتسم، وبطبخ، وبنظف، وبحمل وبخلف، وبشتغل، وأرجع تاني للمطبخ وأنا مبتسمة. اتعلمت أبلع الكلام المسموم، وأعمل نفسي مش سامعة لما تقول على أكلي “موش من مقامنا” أو لبسي “بلدي شوية”. اتعودت أسكت لما تقول قدام القرايب في العزومات: “والله جيل خايب، إحنا زمان كنا بنعرف مقام حمواتنا ونقف انتباه”….
بس النهاردة.. النهاردة جابت آخرها معايا…
— طنـط تيسـير …. حطيت مج الشاي على السفرة وحاولت أتحكم في إيدي عشان متبانش بتترعش.
— البيـت ده بيـتنا. بيـتي أنا وشريـف، والعزومـة دي إحـنا اللي هنحـدد هنعـمل فيها إيـه، وميـن هيـعزم مـين.. إحـنا مع بعـض، في بيتـنا الصغـير.
طلعت ضحكة ناشفة، قصيرة ومليانة تريقة، كأني قولت نكتة بايخة : بيتـكوا؟ … كررت الكلمة بنبرة تقرف…
— البيـت ده لما يـكون فيه احـترام للكـبار. وإنـتي حتـى سفـرة مش عارفة ترصيـها عـدل. إيه الهـباب اللي شريـاه ده؟ دي أطـباق ملاميـن رخيـصة من العتـبة! حاجـة تكـسف الصراحـة قـدام النـاس.
بصيت على السفرة بتاعتنا. كانت خشب متين، دافية، وريحتها مالية البيت بالبركة واللمة. أنا وشريف اخترناها سوا واحنا بنضحك لما لقيناها مش راضية تدخل في الأسانسير ونزلنا شيلناها مع العمال. ومصطفى، ابننا اللي عنده ست سنين، هو اللي رص الفوط والملاحات لوحده؛ كان هيوقع من على الكرسي ولحقناه إحنا الاثنين وفضلنا نبوس فيه. دي كانت سفرتنا.. بتاعتنا إحنا…
#حكايات_منـي_السيـد
— طنط تيسـير … سمعت صوتي طالع كأنه جاي من برة، هادي، وثابت، لدرجة إني معرفتوش…
— لو الأطبـاق مش عاجبـاكي، ولا عاجـبك طريقـتنا وعيشـتنا.. البـاب يفـوت جـمل. تقـدري متحـضريش العزومـة دي وتقعـدي في شقـتك.. لوحـدك.
في ثانية، الصمت هبط على الصالة. حتى مصطفى اللي كان بيلعب بالمسدسات في الطرقة سكت ومتحركش.
طنط تيسير لفت بوسطها كله ناحيتي، وعينيها ضاقت.
— إنـتِ.. إنـتِ بتطرديـني؟ …. سألت بصوت واطي جداً، بس كان مليان سم لدرجة إني رجعت خطوة لورا غصب عني.
— فـي بيتـي؟
— ده مـش بيتـك — رديت، ورغم إن صوتي اتهز لثانية بس كملت: ده بيـتنا. أنا وشـريف اللي شاريينـه بفلوسـنا وشـقانا. شقتـك إنـتِ في مـصر الجـديدة…
فتحت بقها.. وقفلتُه. ورجعت فتحته تاني كأنها بتدور على أكتر كلمة تجرحني بيها.
— أنا هعـرف أتكـلم مـع ابنـي …قالتها في الآخر وهي بتجز على سنانها…. حصري على صفحة روايات و اقتباسات…
— هو اللي هيـعرف يربيـكي. شريـف طـول عمـره عـارف مـين كلمته بتمـشي هـنا…
ومشيت وهي رافعة راسها لفوق، كأنها ملكة اتأذت من ناس ملهمش قيمة… حصري على صفحة روايات و اقتباسات
فضلت واقفة في نص الصالة، باصة للسفرة، وللستائر، والنور اللي داخل من البلكونة. ولأول مرة من سبع سنين، حسيت بوضوح إن فيه حاجة جوايا اتكسرت.. حتة واحدة.. ومفيش أي أمل إنها تتصلح تاني.
على المغرب، شريف وصل. كان راجع هلكان وعينيه حمرا من التعب؛ تقفيل الحسابات السنوية في الشغل دايماً بيكون كابوس. رحت أفتح له الباب ووو…!!!
#حكايات_منـي_السيـد
شريف دخل الشقة، رمى مفاتيحه على الجزامة بصوت رن في ودني زي جرس إنذار. قلع الجاكيت ورمى نفسه على أول كرسي في الصالة، وفضل يفرك في وشه بتعب وهو بيـّنهد تنهيدة طويلة طلعت من ضلوعه.
بصيت عليه.. الراجل اللي عشت معاه سبع سنين، شيلنا الهم سوا، وفرحنا سوا، وبنينا البيت ده طوبة طوبة. كنت واقفة مكاني مش قادرة أتحرك، إيدي سسقعانة وضوافري مغروزة في كف إيدي من التوتر.
— مالك يا منى؟ واقفة كدا ليه زي الغريبة؟ ومصطفى فين؟ — سأل شريف وهو بيفتح زراير قميصه الفوقانية وبيحاول يلقط نفسه.
قبل ما أنطق بكلمة واحدة، تليفونه اللي على الجزامة نور واهتز.. شاشة التليفون كان مكتوب عليها “أمي”. النفس اتقطع جوايا. شريف مد إيده وأخده، فتح الخط وحطه على ودنه:
— أيوة يا أمي.. مساء الخير.. آه لسه واصل حالا.. إيه؟! لاء مش فاهم.. براحة بس يا أمي مال صوتك؟
أنا كنت سامعة صرصار الحقل وهو بيمشي في الصالة من كتر الهدوء، بس صوت طنط تيسير كان طالع من سماعة التليفون حاد وزي السك..ينة، مشحون عياط مصطنع وصويت ونبرة قهر متمثلة بأعلى إتقان:
— شريف يا ابن بطني.. بقى دي آخرتها؟ أتهان في بيت ابني الوحيد؟ طردتني يا شريف! بنت طنطا طردتني وقالت لي الباب يفوت جمل! بتقولي شقتك في مصر الجديدة ومالكيش قعاد هنا.. أنا اللي عشت وعلمتك وكبرتك، يتقال لي متحضرش العزومة وتقعد لوحدها؟ بقى الحتة دي تعمل فيا أنا كدا؟ لو مجبتليش حقي يا شريف، لا أنا أمك ولا أعرفك ليوم الدين!
الخط قطع. شريف نزل التليفون من على ودنه وبص لي.. النظرة دي عمري ما هساها. عينيه التعبانة اتحولت في ثانية لكتلة نار، العروق اللي في جبهته برزت، ووشه اتخطف وبقى أحمر دم. وقف على حيله وبقى طوله بعرضه قدامي، نبرة صوته اتغيرت تماماً وبقت مرعبة:
— الكلام ده حصل يا منى؟ أنتِ طردتي أمي من بيتي؟
حصري على صفحة روايات و اقتباسات
النفس اللي جوايا هدي فجأة. الخوف اللي كان مرعش إيدي من شوية اتمسح، وحل مكانه برود غريب، برود الست اللي جابت آخرها وفاض بيها الكيل.
— أمك مطرودتش يا شريف — رديت وصوتي كان طالع واطي بس ثابت وزي الحديد. — أمك دخلت هنا من ورايا، عزمت قرايبها كلهم من ناحية أبوك في شقتي، من غير ما تكلف خاطرها ترفع سماعة التليفون وتقولي يا منى أنا عازمة حد.. دخلت تعيب في عيشتي، وفي أطباقي، وفي أصلي، وبتقولي مش عاوزين كسوف قدام الناس الواصلة المتعلمة.. كأني جربوعة متجوزاها من الشارع!
شريف قرب مني خطوة، وصوته علي أكتر:
— تقوميييي تطرديها؟ تقولي لها الباب يفوت جمل؟ دي أمي يا منى! أمي يعني خط أحمر! تعزم اللي هي عاوزاه في أي وقت، البيت ده بيتها زي ما هو بيتي!
— لاء مش بيتها! — صرخت أنا كمان، والصوت طلع رعد وهز حيطان الصالة. — البيت ده بيتي أنا وأنت.. بفلوسي وفلوسك، بشقايا وشقاك.. أمك عندها فيلا وشقة في مصر الجديدة، مش هتيجي تعمل علينا أسياد هنا وتكسر نفسي في وسط بيتي وعيالي.. أنا بقالي سبع سنين بتبلع لها السم، وبقول معلش عشان خاطرك، وعشان خاطر بيتنا ومصطفى.. سبع سنين بتقولي على أكلي ولبسي بلدي ومش من مقامها وبسكت.. لكن تمنعني من إني أكون صاحبة القرار في بيتي؟ لاء يا شريف.. لاء لحد هنا وستوب!
شريف بص لي وكأنه بيشوفني لأول مرة، مكنش متعود مني على الرد ولا على الصوت العالي.. دايماً كنت أنا اللي بطيب الخاطر وبقول “حاضر يا طنط” وبمشي الأمور.
— أنتِ اتجننتي يا منى؟ — قالها وهو بيجز على سنانه وعينيه بتطق شرار. — صوتك يعلى عليا وعليها؟ عشان عزومة؟ عشان أهلي جايين ياكلوا لقمة؟ أنتِ إيه الأنانية والغل اللي جواكي ده من ناحية أمي؟
الكلمة دي.. “الغل والأنانية”.. نزلت على قلبي زي مية نار. سبع سنين تضحية، سبع سنين بشتغل الصبح وبالليل واقفة على رجلي في المطبخ عشان أعمل لها الأصناف اللي بتحبها لما تشرفنا، وفي الآخر أنا اللي جوايا غل؟
حصري على صفحة روايات و اقتباسات
— شريف.. اوزن كلامك — قولت الكلمة وأنا برفع صباعي قدامه. — العزومة دي مش هتم في الشقة هنا. أمك عاوزة تعزم قرايب البرستيج بتوعها؟ تعزمهم في شقتها في مصر الجديدة، أو تاخدهم مطعم.. شقتي مش هتفتح للي يقلل مني ومن أهلي.
شريف ضحك ضحكة صفرا، شبه ضحكة أمه بالملي، وقال بنبرة مليانة تحدي وقسوة:
— لاء هتم يا منى.. وهتم هنا في الشقة دي بالذات.. ورجلك فوق رقبتك! وهتطبخي أحسن أكل، وتفرشي أحسن فرش، وأمي هتيجي راسها مرفوعة.. ولو مش عاجبك، الباب اللي قولتِ لأمي عليه يفوت جمل.. تقدري تاخدي حاجتك وتروحي لأهلك في طنطا.. وريني بقى مين فينا اللي كلمته هتمشي!
الكلمات طلعت من بقه وسابت وراها سكوت تام.. سكوت قاتل.
بصيت لشريف.. الراجل اللي اخترته وسيبت الدنيا عشانه.. الراجل اللي شيلت معاه الطوب ونزلنا على السلم عشان السفرة دي.. بيخيرني بين كرامتي وبين بيتي.. بيطردني عشان خاطر رغبة أمه في إنها تكسرني قدام قرايبها.
في اللحظة دي بالذات، حسيت ببرود تام لف كل جسمي. دموعي اللي كانت محبوسة نشفت تماماً. بصيت له بنظرة خالية من أي مشاعر.. نظرة خوّفته هو شخصياً لدرجة إنه سكت ومكملش كلامه.
— تمام يا شريف — قولت الكلمة دي بمنتهى الهدوء. — أنت اللي اخترت.
مشيت من قدامه ودخلت أوضة الأطفال.. لقيت مصطفى قاعد على سريره، ضامم رجله لبطنه وماسك مسدسه اللعبة وعينيه مليانة خوف من صوت خناقنا. قلبي اتقطع عليه، بس اتمالكت نفسي. قعدت جنبه وأخدته في حضني وطبطبت عليه:
— متخافش يا قلب ماما.. مفيش حاجة.. يلا عشان ننام.
غيرت له هدومه ونيمته، وقعدت جنبه على السرير باصة للسقف.. والليل عدا عليا وكأنه سنة.. شريف نام في الصالة، وأنا فضلت صاحية، برتب كل حاجة في دماغي.. السبع سنين كلهم عدوا قدام عيني زي الشريط.. شريط مليان تنازلات، وكل تنازل كان بيصغرني في عينيهم أكتر.. لحد ما بقيت مش شايفة نفسي تماماً.
#حكايات_منـي_السيـد
تاني يوم الصبح.. شريف نزل الشغل من غير ما ينطق بكلمة، قفل الباب وراه برزع هزت الشقة كلها.
قومت من السرير، غسلت وشي، وبصيت في المراية.. الوش التعبان المجهد ده لازم يفوق.
مسكت التليفون وكلمت والدتي في طنطا.. أول ما سمعت صوتها، كان نفسي أعيط وأقولها “الحقيني يا أمي”، بس مسكت نفسي وقسّيت قلبي:
— أيوة يا ماما.. عاملة إيه؟.. الحمد لله بخير.. بقولك يا حبيبتي، أنا ومصطفى جايين نقعد معاكي كام يوم.. آه شريف عنده ضغط شغل وتصفيات سنوية ومسافر.. يلا إحنا ساعتين وهنكون عندك.
قفلت مع ماما، وجبت الشنطة الكبيرة من فوق الدولاب.. بدأت أحط فيها هدومي وهدوم مصطفى.. كل قطعة كنت بحطها، كنت بحس إني بلم البواقي اللي فضلت من كرامتي.
وأنا بقفل السوستة، تليفوني رن.. بصيت على الشاشة.. كانت طنط تيسير!
رديت وأنا حاطة التليفون على ودني ومنتظرة أسمع نبرة التشفي والانتصار:
— ألو.. أيوة يا منى.. شريف كلمك وعرفك غلطك؟ — صوتها كان مليان شماتة وغرور مش طبيعي. — عموماً أنا كلمت شريف وقولت له إني هعدي الليلة دي بمزاجي عشان خاطر قرايب بابا شريف الواصلين.. العزومة يوم الجمعة الجاية.. وعاوزاكي تبيضي وشي.. هتعملي محاشي وبط ورقاق باللحمة، والأطباق الملامين دي تشيليها ترميها في الزبالة، وأنا هبعت لك مع الشغال طقم الصيني بتاعي القديم تفرشيه.. فاهمة يا حبيبتي؟ مش عاوزة كسوف.
كنت سامعة نبرة صوتها وصورة ابتسامتها الصفرا بتترسم قدام عيني.. بس المرة دي، مكنتش متعصبة، ولا كنت متغاظة.. كنت ببتسم، ابتسامة حقيقية وباردة جداً.
— فاهمة يا طنط.. فاهمة جداً — رديت بنبرة ناعمة وهادية لدرجة صدمتها. — العزومة هتم زي ما أنتِ عاوزة بالظبط.. وفي المكان اللي أنتِ عاوزاه.. متقلقيش خالص.. كل حاجة هتترتب بالملي.
— أيوا كدا.. اتعدلي وخليكي شاطرة عشان بيتك يمشي — قالتها بغرور وقفتلت السكة.
رميت التليفون على السرير، وبصيت للشنطة وجرّيتها ورايا.. أخدت مصطفى في إيدي، وبصيت للشقة بستانداتها، بسفرتها الخشب اللي شيلناها، بكل ركن عشت فيه سبع سنين.. وقفت عند الباب، وطلعت المفاتيح من الشنطة.. وحطيتها على الجزامة.. جنح مفاتيح شريف.. وقفتلت الباب ورايا بهدوء شديد.. من غير أي صوت.
حصري على صفحة روايات و اقتباسات
يوم الجمعة.. يوم العزومة الموعودة.
الساعة كانت خمسة بعد الظهر.. شريف واقف في نص الصالة، لابس قميصه البنطلون الكلاسيك، ووشه جايب ألوان.. الشقة كانت فاضية تماماً، مفيش فيها ريحة أكل، مفيش نفس، مفيش ملايات مفروشة، ولا أطباق مرصوصة.. مفيش غير الصمت وسفـرة خشب فاضية وعليها تراب خفيف.
الباب خبط.. شريف جرى فتح وهو مرعوب.. كانت طنط تيسير بعبايتها الكحلي ومعاها تلاتة من كبار عيلة بابا شريف، اتنين رجالة وست شيك جداً ولابسين دهب كتير.
طنط تيسير دخلت ووراها قرايبها وهي بتقول بصوت عالي ومبهج:
— اتفضلوا يا جماعة.. اتفضلوا في بيت ابني شريف.. منى يا منى! أنتِ فين يا بنتي؟ الناس وصلت!
شريف كان واقف وشه أصفر زي الليمونة، مش عارف ينطق ولا يقول إيه.. بص لأمه وعينيه مليانة صدمة وكسرة..
طنط تيسير دخلت الصالة، وبصت يمين وشمال.. الشقة ساقعة، والمطبخ ضلمة.. مفيش أي أثر لمنى ولا لمصطفى.. ولا لأي لقمة تتاكل!
في اللحظة دي.. تليفون شريف رن.. بص على الشاشة، كانت رسالة من منى على الواتساب.. فتحها بسرعة وهو إيده بـترتعش، والرسالة كانت عبارة عن صورة..
صورة لمنى ومصطفى وقاعدين في وسط عيلتها في طنطا، وقدامهم سفرة مليانة أكل وضكحتهم مالية الوشوش.. وتحت الصورة كلام مكتوب بالخط العريض:
“العزومة هتم في بيتكوا يا شريف.. والباب يفوت جمل زي ما قولتلي.. طقم الصيني بتاع مامتك سيبتهولك في الدولاب عشان تفرشه بنفسك وتبيض وشها قدام الناس الواصلة.. ورقتي توصلني لحد عند أهلي في طنطا.. عشان بنت طنطا عِـزتها متتباعش بلقمة في بيت مالوش أمان.”
شريف نزل إيده بالتليفون، وهو حاسس إن الأرض بتلف بيه.. طنط تيسير بصت له وبرقت عينيها وقالت بخضة:
— في إيه يا شريف؟ فين السفرة وفين مرتك؟ الناس واقفة!
شريف بص لأمه، ولأول مرة في حياته يصرخ فيها من قلبه وعينه مدمعة:
— منى مشيت يا أمي!.. منى سابت البيت وطلبت الطلاق!.. ارتاحي بقى.. ارتاحي وعيشي في البرستيج لوحدك!
وقع شريف على الكرسي وحط وشه بين إيديه وهو بيبكي بحرقة.. بينما طنط تيسير واقفة في نص الصالة، مذهولة، والابتسامة الصفرا اتسحبت من على وشها للأبد.. وبدأ قرايبها يبصوا لبعض بكسوف وهم مش عارفين يروحوا فين..
يا ترى شريف هيقدر يرجع منى بعد ما كسرها؟ وهل طنط تيسير هتسكت ولا هتقوم الدنيا؟
الناس الواصلة اللي طنط تيسير كانت جايباهم يتباهوا ببرستيجهم، وقفوا في نص الصالة يتلفتوا حوالين نفسهم بكسوف مش طبيعي. الست الشيك اللي لابسة دهب كتيـر، لفت وشها وبصت لطنط تيسير بنظرة كلها تريقة وقالت وهي بتقدم رجل وتأخر رجل:
— جرى إيه يا تيسير؟ أنتِ جايبانا على ملا وشنا عشان نتفرج على الصالة الفاضية؟ والبنـت مراته فين؟ فين الأكل والترحيب اللي قولتِ عليه؟ الصراحة.. الموقف يكسف!
طنط تيسير واقفة زي الصنم، وشها جاب ألوان الطيف.. من الأحمر للأصفر للأزرق. عينيها الباردة ضاقت وهي شايفة برستيجها اللي بقالها عشرين سنة بتبنيه قدام عيلة “بابا شريف” بيقع حتة واحدة على بلاط الصالة.
شريف كان لسه قاعد على الكرسي، دافن وشه بين كفوف إيده وصوت شهقاته طالع بوجع مسموع. الخبطة كانت تقيلة عليه، تقيلة لدرجة إنه مش قادر يقف على رجله ولا قادر يبص في وش حد.
— شريف! اخلص وقوم اقف كدا.. إيه الخيبة اللي أنت فيها دي؟! — صرخت طنط تيسير وهي بتحاول تداري كسفتها بقلة الأدب والصوت العالي. — لم نفسك قدام قرايب أبوك! البت دي فاكرة نفسها إيه؟ دي حتة عيلة جاية من طنطا، هتعمل علينا إحنا سبع رجالة في بعض؟ تطلق إيه وتغور فين! تلاقـيها رايحة تتدلع وتعمل شو.. قوم كلمها وهزأها وخليها تيجي حالا!
شريف رفع وشه.. عينيه كانت حمرا دم، والدموع مغرقة خده. بص لأمه بنظرة خلتها ترجع خطوة لورا من الخوف.
— أكلم مين وهزأ مين يا أمي؟! — زعق شريف بصوت شرخ جدران الشقة. — منى مشيت.. شالت هدومها وهدوم ابني ومفتاح الشقة محطوط على الجزامة! منى مش بتعمل شو.. منى قفلت الباب ده وهي عارفة إنها مش هترجع تاني.. أنتِ مسمعتيش الرسالة؟ بتقولي ورقتي تيجـيلي لحد عندي! خربتي بيتي يا أمي.. ارتحتي كدا؟ بيضت وشك قدام الناس؟!
أحد الرجالة من القرايب كح كحة ناشفة وقال وهو بيشد الست اللي معاه من إيدها:
— طيب يا تيسير.. إحنا هنسيبكم الصراحة تحلوا مشاكلكم العائلية دي.. واضح إن الوقت مش مناسب خالص، وإحنا ملناش ذنب نقف في وسط خناقة.. يلا يا جماعة.
خرجوا بسرعة وكأنهم بيهربوا من بيت موبوء. الباب اتقفل وراهم، والصمت رجع تاني ينهش في حيطان الشقة الكئيبة.
حصري على صفحة روايات و اقتباسات
في نفس الوقت ده.. في طنطا.
البيت القديم بتاع أهلي كان دافي، ريحة خبيز أمي وصوت التليفزيون شغال في الصالة كان واخدني في حضنه بعد سبع سنين غربة في بيت مش بيتي. مصطفى كان قاعد في وسط ولاد خالاته بيضحك وبيلعب، ولأول مرة من فترة طويلة أشوف ضحكته طالعة من قلبه ومن غير خوف.
كنت قاعدة على الكنبة، ضامة رجلي لصدري، وماسكة كوباية شاي بالنعناع عاملها لي أبويا بإيده. أمي قعدت جنبي، حطت إيدها الحنينة على كتفي وطبطبت عليا:
— نمتي كويس يا منى يا بنتي؟ وشك النهاردة أحسن.. بقالك يومين واصلة وشك كان زي الليمونة المصرورة من الهم.
تنـهدت تنهيدة طويلة، حاسة إن جبل كان على نفسي وانزاح:
— الحمد لله يا أمي.. نمت.. نمت من غير ما أصحي مخضوضة، ومن غير ما أفكر هطبخ إيه يرضي طنط تيسير، ومن غير ما أخاف من نظرة تقليل أو كلمة مسمومة.. أنا صحيت حاسة إني بني آدمة، حاسة إن منى بتاعة زمان رجعت تاني.
أبويا قلع نظارة القراءة وحط الجرنان على التربيزة، وبص لي بعينيه اللي مليانة حكمة وحنان:
— يا بنتي.. البيوت بتتبني على المودة والرحمة، مش على الكسر والتنازل.. أنتِ صونتي بيتك سبع سنين، ومقصرتيش.. والست لما بتصبر وتعدي بيبقى عشان شاريـة، بس لما بتجيب أخرها والكرامة تتهان.. مبيبقاش فيه خط رجوع. شريف لو مش عارف مقامتك ومقام أهلك، يبقى ملوش قعاد معاكي.
— هو ميعرفش يا بابا — رديت ودمعة عنيدة نزلت من عيني مسحتها بسرعة. — شريف افتكر إن سكوتي قلة حيلة، وافتكر إن طيبتي خوف.. ساب أمه تدوس عليا عشان يرضيها، وفي الآخر هو اللي خيرني بين كرامتي والباب.. وأنا اختـرت الباب يا بابا.. اخترت نفسي.
أمي دعت لي وهي بتمسح على راسي، وفي اللحظة دي.. تليفوني اللي على التربيزة بدأ يرن.. وبيهتز بقوة..
الشاشة كانت بتنور باسم “شـريف”.
بصيت للتليفون وسبته يرن لحد ما فصل.. رجع رن تاني وتالت ورابع.. شريف مكنش بيبطل. أمي بصت لي وقالت:
— مش هتردي يا بنتي؟ شوفيه عاوز إيه.
— لاء يا أمي.. مش هرد دلوقتي خالص.. شريف لازم يفهم الأول إن اللي حصل مش زعلة يومين وهتعدي.. لازم يستوي على نار هادية ويدوق طعم البيت من غيري، عشان يعرف قيمتي وقيمة التنازلات اللي كنت بعملها.
#حكايات_منـي_السيـد
في القاهرة.. الشقة كانت ضلمة.
الساعة بقت اتنين بعد نص الليل.. شريف كان قاعد في الصالة لوحده، مشغلش نور واحد.. مفيش غير إضاءة تليفونه اللي عمال يكلم منى وهي مش بترد.
البيت كان ساقع، ريحة الفراغ والوحدة بتخنق. شريف قام ودخل المطبخ وهو جعان وتعبان، فتح التلاجة.. لقاها فاضية تماماً، مفيش فيها غير علبة جبنة ناشفة وقزازة مية.
افتكر منى.. افتكر لما كان بيرجع في عز تصفيات الشغل السنوية وهلكان، كان بيدخل يلقى الشقة دافية، ريحة الأكل تجيب لآخر الشارع، ومنى واقفة بمريلتها مستنياه بابتسامة، تقلع جزامته وتاخده في حضنها وتقول له “ربنا يعينك ويقويك يا حبيبي”.
افتكر مصطفى وهو بيجري عليه ويقول له “بابا جيه!”.
شريف قفل التلاجة وضرب إيده في الحيطة بوجع:
— غبي.. غبي يا شريف! ضيعت بيتك بإيدك عشان ترضي أوهام وكبرياء!
تليفونه رن.. افتكرها منى ففتح بسرعة من غير ما يشوف الاسم:
— منى! منى أرجوكي ردي عليا أنا…
— منى إيه وزفت إيه يا شريف! أنا أمك! — صوت طنط تيسير جه زي الصدمة. — أنت لسه بتجري ورا البت دي؟ أنت بكرا الصبح هتيجي معايا لمصر الجديدة، أنا كلمت لك بنت المستشار رفعت، واحدة واصلة ومتعلمة ومن مقامنا، هتنسيك بنت طنطا دي وأيامها.. منى دي لازم تتربى، سيبها تترمي عند أهلها لحد ما تيجـي راكعة وتبوس إيدك ورجلك عشان ترجعها!
شريف حس إن ودنه بتصفر من كتر الغضب.. الكلام اللي كان بيعديه زمان عشان خاطر “أمه” وبيرضى بيه، النهاردة بقى بيسمعه ودمه بيغلي.
— أمي! — شريف قالها بصوت جهير وناشف تماماً. — اقفلي السيرة دي وماتنطقيش اسم منى على لسانك تاني! بنت المستشار مين اللي أتجوزها؟ أنا مش عاوز غير مراتي وابني! أنتِ مش فاهمة أنتِ عملتي إيه؟ أنتِ خربتي حياتي! العزومة والمنظرة بتوعك ضيعوا مني الست الوحيدة اللي استحملت طبعك واستحملت قرفك سبع سنين ومشتكتش! منى مش هتيجي راكعة يا أمي.. منى قوية، وأنا اللي خسرتها.. من هنا ورايح يا أمي، ياريت تخليكي في برستيجك وشقتك في مصر الجديدة وسيبيني في خيبتي!
شريف قفل السكة في وش أمه لأول مرة في حياته.. رمى التليفون على الكنبة ودخل أوضة مصطفى.. قعد على السرير الصغير، مسك السلم اللعبة وبندقية البلاستيك اللي مصطفى كان بيلعب بيهم.. وضمهم لصدري وبكى زي العيل الصغير.
حصري على صفحة روايات و اقتباسات
بعد ثلاثة أيام..
كنت واقفة في المطبخ مع أمي بنعمل غدا، لما سمعنا صوت جرس الباب بيضرب.. خبطات هادية ومتوترة.
أخوي الكبير أحمد قام فتح الباب.. وسمعت صوته وهو بيقول بنبرة جافة وناشفة:
— أهلاً يا شريف.. اتفضل.
قلبي دق بسرعة، بس ثبت نفسي.. مسحت إيدي في الفوطة وخرجت للصالة..
شريف كان واقف عند الباب، مبهدل، دقنه نابتة، وعينيه دبلانة وداخله لجوه وكأنه مانامش من أسبوع.. قميصه مكرمش، وشكله لا يوحي بالراجل الواثق من نفسه اللي كان بيزعق في نص الصالة من كام يوم.
أول ما شافني، خطى خطوة سريعة ناحيتي وصوته اتهز:
— منى.. الحمد لله إني شوفتك.. منى أرجوكي اسمعيني.
أبويا كان قاعد على كرسيه، وبأشارة من إيده خلى شريف يقعد.. قعد شريف وهو باصص في الأرض بكسرة.
— قولي يا شريف يا ابني.. إيه اللي جابك لحد هنا؟ — سأله أبويا بهدوء الأكابر.
شريف رفع عينه وبص لأبويا وقال ونبرته كلها رجاء:
— عمي.. أنا جاي وندمان.. أنا عارف إني غلطت في حق منى، وغلطت في حقكم.. أنا اتعميت لثانية وشيطان الكبر ركبني.. بس البيت من غير منى ومصطفى قـبر.. أنا مش قادر أعيش من غيرهم.. أنا جاي أخد مراتي وابني وراسي في الأرض ومستعد لأي شرط تطلبوه.
بصيت لشريف.. حته جوايا كانت حزينة عليه، بس الحتة الأكبر كانت لسه فاكرة كلمته “ورجلك فوق رقبتك.. وروحي لأهلك في طنطا”. الكلمة دي كانت زي الوشم في قلبي، مش بتتمسح بسهولة.
— شريف — قولت وأنا واقفة بعيد عنه، ومربعة إيدي. — الندم مبيصلحش اللي اتكسر في ثانية.. أنت خيرتني بين كرامتي وبينك، وأنا اختـرت كرامتي.. أنت سبت طنط تيسير تهين أهلي وتهين عيشتي وأصلي، وكنت واقف بتتفرج وبتدافع عنها.. أنا مش لعبة يا شريف، وقت ما تعوزني تلاقيني، ووقت ما تزهق تطردني لأهلي.
— والله العظيم ما هكررها يا منى! — شريف قام ووقف قدامي وعينيه مدمعة. — أنا وقفت لأمي وقولت لها لاء.. وقولت لها ميتدخلش في حياتنا تاني.. الشقة شقتك، والقرار قرارك.. ومستعد أكتب لك الشقة باسمك لو ده هيثبت لك إني شريكي بجد ومش هسمح لحد يكسرك تاني.. بس ارجعي معايا.. عشان خاطر مصطفى.
في اللحظة دي.. الباب خبط تاني.. بس المرة دي الخبط كان قوي وحاد.. كأنه اقتحام!
أحمد أخويا فتح الباب.. ودخلت صدمة جديدة مكانتش على البال..
طنط تيسير كانت واقفة على العتبة، ووراها اتنين رجالة شكلهم غريب ووشوشهم ناشفة.. بصت لأحمد ودخلت الصالة وهي رافعة راسها بغرور متموتش، وبصت لشريف اللي واقف مصدوم وقالت بصوت مسموع هز البيت كله:
— بقا أنت هنا يا شريف؟ بتتمسح في جزمهم عشان يرجعولك البت دي؟.. طالما جيت هنا بقا، يبقا تسمعوا كلكم.. أنا مش جاية أصلح.. أنا جاية أقولكم إن ابني مش هيتذل.. والبت دي لو مرجعتش بالذوق حالا، الرجالة دول جايين ياخدوا مصطفى ابن ابني.. ومش هتشوفي ضفره تاني يا منى يا بنت طنطا!
الصالة اتقلبت في ثانية لنار.. وأخويا أحمد عروقه ظهرت وقرب منها، وشريف صرخ بأعلى صوته.. وأنا حسيت إن الدم غلي في عروقي..
يا ترى طنط تيسير هتقدر تاخد مصطفى؟ وشريف هيقف في وش أمه بجد المرة دي ولا هيرجع لورا؟
أول ما كلمة “مش هتشوفي ضفره تاني” طلعت من بق طنط تيسير، الصالة اتقلبت لساحة حرب. أحمد أخويا خطى خطوة واسعة، وعروق رقبته كانت هتطق من كتر الغضب، وقف بطوله وعرضه قدام الرجالة اللي معاها وزعق بصوت هز حيطان البيت:
— لاء يا ست أنتِ.. لحد هنا والزمي حدودك! أنتِ فاكرة نفسك داخلة زريبة؟ ده بيت محترم، والرجالة اللي معاكي دول لو مخدوش بعضهم وطلعوا برة حالا، أنا هطلب النجدة وهعملكم قض..ية تهجم وعدم تعرض، وهخلي برستيجك اللي فرحانة بيه ده يبقى على كل لسان في طنطا ومصر كلها!
الرجالة اللي معاها، لما شافوا أحمد وصوته اللي زي الرعد، وبابا اللي وقف بكل هيبة ووقار من غير ما ينطق كلمة بس نظراته كانت كفيلة ترعب.. بدأوا يتراجعوا لورا ناحية السلم. واحد منهم شد طنط تيسير من كم عبايتها وقال بوش مخطوف:
— جرى إيه يا ست تيسير؟ أنتِ مقولتيش إننا داخلين على رجالة في بيتهم! إحنا ملناش دعوة بالمحاكم والمشاكل دي، يلا بينا.
طنط تيسير نفضت إيدها منه بغل وهي بتجز على سنانها:
— وسع كدا أنت وهو! رجالة مين؟ أنا باخد حق ابني وحق عيلتي.. الواد ده ابن ابني، شريف شريف شريف، مش ابن عيلة السيـد!
شريف في اللحظة دي.. كان واقف باصص لأمه وكأنه مش مصدق إن دي الست اللي ربته. وش الصدمة والكسرة اللي كان فيه من شوية، اتمسح وحل مكانه غضب أعمى، غضب راجل حس إن أمه بتدبح كرامته ورجولته قدام نسايبه وأهله.
خطى شريف خطوات سريعة، ووقف في النص بين أمه وبين أحمد، ولأول مرة يرفع صباعه في وشها وصوته يطلع حاد ومشرخ من كتر القهر:
— أمي!! اطلعي برة!!
حصري على صفحة روايات و اقتباسات
الكلمة نزلت على الصالة زي السكوت اللي بيسبق العاصفة. طنط تيسير برقت عينيها، والابتسامة الصفرا المرعوبة اترسمت على شفايفها وهي بتقول بنبرة مشحونة بالغل:
— أنت.. أنت بتقولي أنا اطلعي برة يا شريف؟ بتطرد أمك عشان خاطر دول؟
— أيوة بقولك اطلعي برة! — صرخ شريف، والدموع نزلت من عينيه من كتر القهر. — أنتِ إيه؟ مابتشبعيش خراب؟ مابيرضيكيش تشوفي ابني مبسوط؟ جايبة رجالة تتهجمي بيهم على بيت نسايبي وتخوفـي ابني؟ أنتِ جاية تاخدي مصطفى من حضن أمه؟ أنا مش هسمحلك تدمري اللي باقي من حياتي.. مصطفى هيفضل مع أمه، وأنا مش عاوز منك حاجة.. لا عاوز برستيج، ولا عاوز شقة مصر الجديدة، ولا عاوز بنت المستشار.. أنا مش عاوز غير مراتي وابني.. اطلعي برة يا أمي وماتدخليش في حياتي تاني!
طنط تيسير لفت بوسطها كله، وبصت للناس اللي واقفة، وبصت لي أنا بالذات وعينيها كانت بتطق شرار، وقالت بصوت واطي مليان سم:
— ماشي يا شريف.. ماشي يا ابن بطني.. بعتني وعقيتني عشان حتة ست.. خليها تنفعك.. والـله ما هتشوف مني مليم واحد، ولا هوريك وشي ليوم الدين.. واشبع بقعدتك في طنطا!
لفت ضهرها وخرجت تجري على السلم، ووراها الرجالة بتوعها، ورزعت الباب وراها رقعة سمعت في العمارة كلها.
الصالة هديت فجأة، مفيش غير صوت نفس شريف العالي وهو حاطط إيده على صدره وبيـّنهد بنهجات ورا بعض كأنه كان غرقان وطلع لسطح المية. لف وشه وبص لبابا وأحمد، ونزل على ركبه في الأرض، وبكى.. بكى بحرقة راجل حاسس إنه اتهد من جوه.
أحمد أخويا هدي، وبص له بصعبانية، قرب منه وحط إيده على كتفه وقومه وقعده على الكنبة. بابا اتنهد تنهيدة دافية، وبص لشريف وقال بصوته الهادي:
— اهدى يا شريف يا ابني.. اهدى يا حبيبي.. امسح دموعك، الراجل ميعيطش قدام حد.. قومتك في وش أمك دلوقتي، ورغم إنها صعبة على أي ابن، بس كانت هي الخطوة الأولى عشان تكون راجل وصاحب بيت بجد.. البيت اللي ملوش كبير بيحميه من التدخلات، بيبقى زي الخيمة اللي الهوا بيطيرها في ثانية.
#حكايات_منـي_السيـد
شريف مسح دموعه بكم قميصه، وبص لي وعينيه مليانة رجاء وتوسل:
— منى.. أنا شوفت الموت بعيني الكام يوم اللي فاتوا.. البيت من غيرك كابوس.. أنا وقفت لأمي وقطعت معاها عشانك وعشان ابننا.. أنا مش طالب منك ترجعي دلوقتي، أنا عارف إن جرحك كبير، بس أرجوكي.. إديني فرصة تانية.. إديني فرصة أثبت لك إن شريف بتاع زمان، الراجل اللي حبيتيه وشيلتي معاه السفرة على كتافك، لسه عايش وماتش.. مستعد أعمل أي حاجة ترضيكي.
كنت واقفة، والدموع في عيني مغرقة وشي.. حتة من قلبي كانت بتتقطع عليه وعلى كسـرته قدام أهلي، وحتة تانية كانت لسه خايفة.. خايفة من الأيام، وخايفة من طنط تيسير ومكائدها، وخايفة إن شريف يرجع يحن لأمه ويحس بالذنب تجاهها فيقلبه عليا تاني.
أبويا بص لي، وبص لشريف، وقال بحكمة:
— شريف يا ابني.. أنت نورتنا، واليومين دول منى ومصطفى هيفضلوا هنا في طنطا.. منى محتاجة ترتاح وتفكر، وأنت محتاج تروح ترتب بيتك وحياتك وتشوف هتمشي أمورك إزاي من غير ما تعتمد على حد.. فتره هدوء للطرفين.. وبعدها نشوف.
شريف هز راسه بالموافقة والامتنان، وقام وقف.. قرب مني وبص في عيني بصه طويلة، كأنه بيحفر ملامحي في ذاكرته عشان تصبره على الأيام الجاية:
— هسيبك ترتاحي يا منى.. بس افتكري إني شريكي ومش هسيبك.. ومصطفى هجيله في الإجازة أشوفه.. ربنا يحفظك ليا يا أم ابني.
سلم على بابا وأحمد، ومشي.. الباب اتقفل بهدوء، وأنا قعدت على الكنبة وحطيت وشي بين إيديا وفضلت أعيط.. بس المرة دي، مكنش عياط قهر ولا وجع.. كان عياط راحة، عياط ست حست إن كرامتها رجعت لها، وإن الراجل اللي اختارته وباعت الدنيا عشانه، بدأ يفوق ويحارب عشانها.
حصري على صفحة روايات و اقتباسات
مر شهر بحاله..
الشهر ده عدا عليا في طنطا وأنا براجع نفسي في كل حاجة. نزلت اشتغلت في فرع شركتنا اللي في طنطا، ورجعت أهتم بنفسي وبمصطفى اللي دخل حضانة جديدة وبقى فرحان ومبسوط. شريف مكنش بيبطل تليفونات.. كان بيكلم مصطفى كل يوم فيديو كول، يضحك معاه ويلاعبه، وكان بيبعت لي رسايل كل يوم يطمن عليا ويحكيلي عن يومه.. من غير ما يضغط عليا في الرجوع.
في رسايله، حكالي إنه نقل شغله لفرع تاني عشان يبعد عن أي مكان ممكن يشوف فيه أمه أو حد من طرفها، وإنه بدأ يطبخ لنفسه وينظف الشقة وبقى عارف قيمة كل ثانية كنت بقفها في البيت.. قالي: “أنا دلوقتي بس عرفت أنتِ كنتِ بتستحملي إيه يا منى.. أنا آسف على كل لحظة قصرت فيها”.
أما عن طنط تيسير.. فالعصفورة نقلت لي الأخبار من القاهرة.. قرايب بابا شريف الواصلين، بعد الموقف اللي حصل في العزومة، طلعوا عليها كلام في وسط العيلة إنها ست نكدية وخربت بيت ابنها الوحيد وكسفتهم في شقة فاضية من غير أكل ولا شرب.. البرستيج اللي كانت بتموت فيه اتهد، وبقت قاعدة في شقتها في مصر الجديدة لوحدها، ومحدش من القرايب بقا بيعبرها ولا بيروح لها.. شربت من نفس الكأس اللي سقتني منه سبع سنين.. الوحدة والتقلِيل.
#حكايات_منـي_السيـد
وفي يوم جمعة.. بعد مرور الشهر..
كنت قاعدة مع ماما وبابا، ولقت جرس الباب بيضرب.. أحمد فتح، ودخل شريف.. بس المرة دي مكنش مبهدل ولا دبلان.. كان لابس بدلة شيك جداً، وحالق دقنه، وفي إيده بوكيه ورد أحمر كبير، وفي الإيد التانية علبة قطيفة حمراء.
دخل وسلم على بابا وأحمد بحرارة، وقرب مني.. حط بوكيه الورد في إيدي، وفتح العلبة القطيفة.. ولقيت جواه مفتاح شقتنا في القاهرة.. ومعه عقد ملكية موثق في الشهر العقاري!
شريف بص في عيني وقدام بابا وأمي وأحمد، وقال بنبرة صوت ثابتة ومليانة حب وفخر:
— منى.. العقد ده باسمك.. الشقة دي شقتك أنتِ ومصطفى، ومحدش في الدنيا، لا أمي ولا غيرها، يقدر يخطى عتبتها من غير إذنك.. أنا جاي النهاردة مش بس عشان أرجعك.. أنا جاي أطلب إيدك من عمي وأحمد من أول وجديد.. جاي أقولك إنك ملكة بيتي، وعزتك من عزتي.. ترجعي معايا يا منى؟ ترجعي تنوري بيتنا اللي ضلم من غيرك؟
بصيت للعقد، وبصيت للمفتاح، وبعدين بصيت في عيون شريف.. لقيت فيهم الراجل اللي تمنيته.. الراجل اللي اتعلم الدرس وصان الأمانة..
بصيت لبابا.. لقيت أبويا بيبتسم لي ويهز راسه كأنه بيقولي “خدي قرارك يا بنتي.. أنتِ دلوقتي قوية”.
وقبل ما أنطق بكلمة وأقوله موافقة.. تليفون شريف رن بصوت حاد.. شريف أخرجه من جيبه وبص للشاشة.. وشه اتخطف فجأة، وعينيه برقت بصدمة ورعب..
بصيت على الشاشة معاه.. كان الرقم غريب.. بس الرسالة المكتوبة تحت الرقم كانت صدمة هزت الكيان:
“الحق يا شريف بيه.. الست تيسير مامتك نقللوها المستشفى بين الحيا والموت بعد ما جالها جلطة مفاجئة.. وبتقول عاوزة تشوفك أنت ومراته منى قبل ما تموت وتطلب منكم السماح!!”
الورد وقع من إيدي على الأرض.. والصالة رجعت تتهز تاني بصدمة جديدة..
يا ترى طنط تيسير فعلاً بتتصل بتموت وعاوزة السماح؟ ولا دي لعبة جديدة ومكيدة تانية عشان ترجع شريف لحضنها وتكسر فرحتنا؟
الرسالة نزلت علينا كأنها صاعقة في عز دفا الصالة. بوكيه الورد الأحمر اللي كان في إيدي وقع، والورد اتفرفط على السجادة زي أحلامنا اللي كانت لسه بتبدأ تتجمع. مفتاح الشقة وعقد الملكية فضلوا في إيد شريف، بس إيده كانت بـترتعش لدرجة إن العقد كان بيخروش وصوته مسموع في وسط السكوت المريب اللي حل علينا.
شريف بص للتليفون، وشه اتحول للون الأبيض الزاهق، وعينيه كانت بتتحرك بسرعة بين السطور كأنه بيحاول يكذب عينيه. بص لي ونبرة صوته تاهت منه وهو بيقول:
— منى.. أمي.. أمي بتموت يا منى.. جلطة؟
أحمد أخويا قرب بسرعة وأخد التليفون من إيد شريف وقرأ الرسالة بصوت عالي عشان بابا وأمي يسمعوا. أمي حطت إيدها على صدرها وشهقت:
— يا حفيظ يا رب! جلطة حتة واحدة؟ ربنا يشفي كل مريض يا بنتي.. الموت مفيش فيه شماتة ولا عناد.
بابا قعد في كرسيه وهز راسه بحزن وقار:
— لا حول ولا قوة إلا بالله.. الموت هو الحقيقة الوحيدة اللي بتهد أي كبرياء يا ابني. روح يا شريف.. روح لأمك، مهما كان ومهما حصل، دي الست اللي شالت وربت، واللحظات دي مفيش فيها حساب ولا عتاب.
شريف بص لي، والدموع نزلت من عينيه زي الشلال.. كان تايه بين حبه ليا ورغبته إنه يبدأ صفحة جديدة، وبين غريزة الابن اللي حاسس إن أمه بتضيع منه في ثانية. قرب مني خطوتين ولفت إيده حوالين إيدي وضغط عليها برجاء يقطع القلب:
— منى.. أرجوكي تعالي معايا.. الرسالة بتقول عاوزة تشوفك أنتِ كمان وتطلب السماح.. أرجوكي يا منى ما تسيبنيش لوحدي في الموقف ده.. أنا محتاجلك جمبي.
بصيت لإيده اللي ماسكة إيدي.. كنت حاسة بنار جوايا.. حتة بتقولي دي مكيدة جديدة من مكايد طنط تيسير عشان تسحب رجل شريف تاني وتلوي دراعه بمرضها بعد ما قاطعها وخسرت برستيجها.. وحتة تانية، الحتة النظيفة اللي جوايا اللي أهلي ربوني عليها في طنطا، بتقولي: “لو فعلاً بتموت، هتعيشي طول عمرك شايلة ذنب إنك سامحتهاش وهي على فراش الموت؟”.
بصيت لبابا.. لقيته بيهز راسه بالموافقة والرحمة:
— روحي معا جوزك يا منى.. الست الأصيلة بتبان في المواقف الصعبة.. روحي وسامحي لوجه الله، والمسامح كريم يا بنتي.
حصري على صفحة روايات و اقتباسات
ساعتين زمن.. كنا في العربية على طريق مصر الإسكندرية الصحراوي راجعين على القاهرة. شريف كان سايق زي المجنون، عينه مش على الطريق، عينه على تليفونه مستني أي مكالمة أو خبر. كنت قاعدة جمبه، ماسكة إيده بقوة عشان أهديه، بس دماغي كانت صاحية وبتلف زي الساقية.
وصلنا المستشفى الاستثماري الكبيرة اللي في مصر الجديدة على المغرب.. المستشفى كانت هادية وريحة المطهرات تزهق النفس. شريف جرى على الاستقبال يسأل بصوت مخنوق:
— الست تيسير الشافعي.. العناية المركزة فين لو سمحت؟
الموظف بص في الكمبيوتر وقاله:
— الدور الثالث يا فندم، العناية رقم ٣.. بس الزيارة ممنوعة، مسموح لفرد واحد بس يدخل لدقايق.
طلعنا في الأسانسير، وكل دور بنعديه كنت بحس إن قلبي بيتقبض أكتر. وصلنا الدور الثالث، لقينا الممر طويل وضلمة، وفي آخره واقف الدكتور المسؤول. شريف جرى عليه وعيونه مليانة رعب:
— دكتور.. أنا شريف ابن الست تيسير.. طمني أرجوك، أمي جرالها إيه؟
الدكتور أخد تنهيدة طويلة وبص في الأرض:
— البقاء والدوام لله يا فندم.. شد حيلك.. الجلطة كانت شديدة جداً وللأسف ملحقناش نعمل حاجة.. الحالة اتوفت من ربع ساعة بس!
الكلمة نزلت على شريف كأنها قذيفة هدت كيانه.. صرخ صرخة مكتومة ووقع على ركبه في وسط الممر، فضل يضرب راسه في الحيطة ويبكي بحرقة وندم ويقول:
— لاء يا أمي.. لاء ما تموتيش وأنتِ زعلانة مني! أنا أسف يا أمي.. أنا السبب.. أنا اللي زعلتك وعقيتك عشان بيتي.. سامحيني يا أمي!
قعدت في الأرض جمبه، أخدته في حضني وبكيت معاه.. الوجع كان حقيقي، وفكرة إنها ماتت وهي وحيدة بعد ما كل القرايب سابوها كانت تقطع القلب.. قسوتها وغرورها كلهم اتمسحوا في ثانية، وبقت قدامنا الحقيقة المرة.. الموت.
#حكايات_منـي_السيـد
الدكتور طبطب على كتف شريف وقال بنبرة هادية:
— يا فندم اهدى ووحد الله.. الموت علينا حق.. بس الست الوالدة قبل ما تدخل في الغيبوبة الأخيرة، سابت الأمانة دي مع الممرضة وقالت إنها لازم تتوصل لشريف ومنى بالذات.. اتفضل.
الدكتور مد إيده وادا لشريف ظرف أبيض مقفول.. شريف أخد الظرف وهو إيده بـترتعش، ودموعه مغرقة الورق. قعدنا على كراسي الانتظار في الممر، وشريف فتح الظرف ببطء شديد.. وطلع منه ورقة مكتوبة بخط إيد طنط تيسير.. الخط كان مهزوز وضعيف، مش الخط القوي الواثق اللي كنت بشوفه في جواباتها وشيكاتها.
شريف بدأ يقرأ بصوت واطي ومشرخ من كتر العياط:
“ابني الوحيد شريف.. وحبيبتي منى..
لما تقرأوا الكلام ده، هكون بقابل رب كريم.. أنا عارفة إني غلطت.. وغلطت كتير أوي في حقكم.. السبع سنين اللي فاتوا كنت شايفة نفسي فوق الناس كلها بسبب فلوسي وعيلتي وبرستيغي.. كنت فاكرة إن الكسر والمنظرة هما اللي بيعملوا قيمة للبني آدم..
لما أنت وقفت في وشي يا شريف وطردتني من بيت نسايبك، الدنيا اسودت في عيني.. زعلت وعانيت، وقولت ابني باعني.. بس لما رجعت شقتي في مصر الجديدة وقعدت لوحدي.. والشهر ده عدا عليا ومحدش من قرايب البرستيج بتوعي رفع سماعة التليفون يسأل عليا ولا جيه زارني.. عرفت إن منى بنت طنطا كانت هي الوحيدة اللي بتصون لقمة بيتي.. منى كانت بتبلع السم وبتسكت وتطبخ وتنظف وتستقبلني بابتسامة عشان خاطرك يا شريف.. وأنا كنت بعاملها بقسوة وجحود..
المرض جالي فجأة، وأنا في وسطه ملقتش حد جمبي.. عرفت إن البيوت بتتبني بالحب واللمة مش بالمنظرة الكدابة.. أنا مسمحاك يا شريف يا ابن بطني، وبتمنى تفرش بيتك وتعيش مبسوط مع مراتك وابنك.. ومنى.. يا منى يا بنتي.. سامحيني.. سامحيني على كل كلمة وجعتك، وعلى كل نظرة تقليل.. ادعيلي بالرحمة يا بنتي.. أمك تيسير.”
حصري على صفحة روايات و اقتباسات
الجواب خلص، وشريف ارتمى في حضني وهو بينتحب زي الطفل الصغير اللي تاه من أمه في المولد. كنت ببكي من قلبي.. الكلمات غسلت كل الغل والوجع اللي كان جوايا تجاهها.. الست اللي كانت مسببة لي رعب بقالها سبع سنين، ماتت وهي مكسورة وطالبة السماح.. وعرفت قيمتي وقيمة أصلي الطيب في آخر لحظات حياتها.
— مسامحاها يا شريف — قولت الكلمة دي وأنا بمسح دموعه بإيدي وببوس راسه. — والله العظيم مسامحاها من كل قلبي.. ربنا يرحمها ويغفر لها ويثبتها عند السؤال.. اهدى يا حبيبي وادعيلها.. هي دلوقتي محتاجة دعاك مش عياطك.
عدت أيام العزاء تقيلة وصعبة.. الشقة في مصر الجديدة كانت مفتوحة، وقرايب بابا شريف الواصلين جوم كلهم.. بس المرة دي جوم يعزوا بوجوه حزينة ومكسوفة، ومحدش فيهم قدر يفتح بقه ولا يتنمر ولا يتمنظر.. كنت واقفة أنا في وسطهم، لابسة أسود، باخد العزاء وبضايف الناس بكل هيبة وأصل، وشريف كان واقف برة مع أحمد أخويا وبابا اللي سابوا طنطا وجوم وقفوا في العزاء كأنهم أصحاب البيت.. شريف كان بيبص لي وسط الناس وعينيه مليانة فخر وحب.. عرف إن بنت طنطا هي الظهر والسند اللي بجد وقت الشدة.
بعد ما العزاء خلص والأيام عدت.. رجعنا شقتنا.. الشقة بتاعتنا إحنا.
السفرة الخشب كانت مرصوصة، النور كان داخل من البلكونة، ومصطفى كان بيجري بمسد..ساته اللعبة في الطرقة وصوت ضحكته مالي المكان بالبركة والبهجة.
كنت واقفة في المطبخ بعمل عشا، لما حسيت بإيدين شريف الكبيرة وهي بتلف حوالين وسطي من ضهري.. حط راسه على كتفي واتنهد تنهيدة دافية:
— منى.. أنا بحبك أوي.. وبشكر ربنا كل ثانية إنه حفظك ليا وحفظ بيتنا.. الشقة دي نورت بوجودك.. وأمي ماتت وهي راضية عننا.. مفيش حاجة ناقصاني في الدنيا دي تاني.
لفيت وشي وبصيت في عيونه اللي رجع لها الأمان واللمعة من تاني:
— وأنا بحبك يا شريف.. وبيتنا ده هيفضل دايماً مفتوح بالخير والبركة والأصل الطيب.. مفيش حاجة هتكسرنا تاني أبداً.
#حكايات_منـي_السيـد
مرت سنة كاملة على الأحداث دي..
الحياة مشيت هادية وجميلة.. شريف بقى شريك بجد في كل حاجة في البيت، والشغل بتاعه اتحسن وبقى مستقر.. ومصطفى كبر وبقى في المدرسة ومالي دنيتنا فرحة..
وفي يوم جمعة.. كنا قاعدين على السفرة الخشب بناكل سوا وبنضحك، لما تليفون شريف رن بصوت حاد.. شريف فتح الخط وحطه على ودنه، ولقيت ملامح وشه بتتغير من الضحك للجدية والصدمة المفاجئة..
قفل الخط وبص لي وعينيه واسعة مش مصدق..
— في إيه يا شريف؟ مالك؟ — سألته بقلق.
— منى.. المحامي بتاع أمي كلمني دلوقتي.. وبيقول إن أمي قبل ما تموت، كانت كاتبة وصية سرية ومقفولة في مكتبه، والوصية دي مش هتتفتح غير بعد مرور سنة كاملة على وفاتها.. والمحامي طالبنا بكرا الصبح في المكتب أنا وأنتِ ومصطفى عشان الوصية تتفتح وتتقرأ قدامنا.. وقالي إن فيها مفاجأة هتغير حياتنا كلها!!
قلبي دق بسرعة، وبصيت لشريف الصدمة والفضول هيموتونا.. يا ترى طنط تيسير سابت إيه في الوصية دي؟ وهل المفاجأة دي هتكون سبب في سعادتنا ولا بداية لكابوس جديد هيهد الاستقرار اللي عشنا فيه سنة كاملة؟
الليل مَعداش علينا أنا وشريف، كنا بنتقلب في السرير وكل واحد فينا باصص للسقف وعقله عمال يودي ويجيب. سنة كاملة من الهدوء والاستقرار، سنة كاملة بنبني في بيتنا وبنداوي جروح السبع سنين اللي فاتوا، وفجأة تظهر وصية تقلب الكيان وتصحي الفضول والخوف جوانا من تاني.
— تفتكر أمي كاتبة إيه في الوصية دي يا منى؟ — سأل شريف بصوت واطي ودافي في ضلمة الأوضة.
لفيت وشي وبصيت له، مديت إيدي وطبطبت على كتفه:
— الغيب بتاع ربنا يا حبيبي.. بس طالما طنط تيسير الله يرحمها ماتت وهي راضية عننا وسابت لنا الجواب الكله سماح ده، يبقى أكيد الوصية فيها خير.. نام وارتاح وعمى ضياع الفكر مش هيفيد بحاجة دلوقتي.
تاني يوم الصبح، الساعة كانت عشرة بالظبط.. كنا واقفين قدام مكتب الأستاذ فريد المحامي في وسط البلد. عمارة قديمة من بتوع زمان، بأسانسير خشب وببان عالية. شريف كان ماسك إيد مصطفى وإيدي التانية، وبنخطى الخطوات وكأننا داخلين على امتحان.
دخلنا المكتب، ريحة الورق القديم والقهوة كانت مالية المكان. الأستاذ فريد، راجل وقور بشعر أبيض ونظارة طبية سميكة، استقبلنا بابتسامة هادية وطلب مننا نقعد.
— أهلاً يا شريف بيه، أهلاً يا مدام منى.. خطوة عزيزة — قالها وهو بيعدل نظارته وبيطلع من الخزنة الحديدية اللي وراه ظرف كبير مختوم بالشمع الأحمر. — الست تيسير الله يرحمها، قبل وفاتها بأسبوعين بالظبط، جاتلي هنا المكتب.. وكانت في كامل قواها العقلية، وطلبت مني صياغة الوصية دي، واشترطت شرط قطعي إنها ماتتفتحش ولا تتقرأ غير بعد مرور سنة كاملة على وفاتها.. والنهاردة المعاد.
شريف بلع ريقه ونفسه اتكتم، وأنا حسيت برعشة خفيفة في إيدي. مصطفى كان قاعد هادي وبيتفرج على اللوحات اللي على الحيطة.
الأستاذ فريد مسك مقص صغير، وقطع الختم الشمع ببطء، وطلع ورقتين كبار مكتوبين بالآلة الكاتبة وموقعين بإمضاء طنط تيسير وبصمتها. كح كحة خفيفة وبدأ يقرأ بصوت جهير وواضح:
حصري على صفحة روايات و اقتباسات
— “بسم الله الرحمن الرحيم.. أنا تيسير الشافعي، أقر وأنا في كامل قواي العقلية والجسدية بهذه الوصية لتبلغ ابني الوحيد شريف وزوجته منى السيد..
يا شريف يا ابني، لما تسمع الكلام ده هكون بقالي سنة تحت التراب.. سنة كاملة سيبتكم فيها تعيشوا من غير تدخلي ومن غير سمومي.. أنا كتبت الوصية دي بعد ما طردتني من بيت نسايبك في طنطا، وعرفت إن طريقتي كانت هتخرب بيتك وتضيع منك الست اللي صانتك..
أنا طول عمري كنت بتباهى بالفلوس والبرستيج، وكنت فاكرة إن عيلة الشافعي هما أسياد الدنيا.. بس لما قعدت لوحدي، عرفت إن الفلوس من غير أصل وطيبة متساويش مليم.. وعشان أثبت لكم إني ندمانة بجد، وعشان أكفر عن السبع سنين اللي وجعت فيهم قلب منى وقللت منها.. قررت الآتي:
أولاً: فيلا مصر الجديدة، والشقة الاستثمارية اللي في التجمع، وكل أرصدتي في البنوك.. تُقسم كالتالي: نصف الثروة بالكامل يُكتب باسم زوجة ابني، منى السيد.. بيع وشراء قطعي لا رجعة فيه.. النصف ده مش ورث، ده حقها وتعويض عن كل كلمة وجعتها وكل دمصة نزلت من عينيها بسبب غطيرتي وتكبري.. وعشان تفضل طول عمرها راسها مرفوعة ومحدش يقدر يقول عليها كلمة تقلل من مقامها.”
الأستاذ فريد وقف قراءة وبص لي.. أنا بقيت مشهورة، بوقي اتفتح وعيني برقت ومكنتش قادرة أنطق.. نص ثروة طنط تيسير؟ الفيلا والشقة والأرصدة؟ البنت اللي كانت بتقول عليها “بلدي ومش من مقامنا وبنت طنطا” بتكتب لها نص أملاكها باسمها عشان ترفع راسها؟
بصيت لشريف، لقيت دموعه نازلة بس الابتسامة على وشه.. مكنش زعلان ولا متفاجئ بغيرة، كان فرحان إن أمه ردت لي اعتباري حتى وهي في قبرها.
الأستاذ فريد كمل قراءة:
— “ثانياً: النصف الثاني من الأملاك يكتب باسم حفيدي الغالي مصطفى شريف الشافعي، ويكون شريف ابني هو الوصي عليه لحد ما يبلغ السن القانوني..
وثالثاً وأخيراً.. دي أمانة خاصة لمنى.. يا منى يا بنتي.. في الخزنة الصغيرة اللي في أوضة نومي في الفيلا، هتلاقي صندوق خشب مطرز باللؤلؤ.. الصندوق ده جواه طقم الذهب الأثري اللي ورثته عن أمي وجدتي.. الطقم ده كان برستيغي الغالي اللي مكنتش برضى ألبسه غير في وسط الأكابر.. أنا واهباه ليكي تلبسيه وتتمنظري بيه وسط أهلك وناسك في طنطا، لأنك أنتِ الكبيرة والأصل الطيب اللي بجد.. سامحيني يا بنتي، وعيشي مبسوطة مع جوزك وابنك.. تمت الوصية.”
#حكايات_منـي_السيـد
الأستاذ فريد قفل الورقة وحطها على المكتب وبص لنا بابتسامة دافية:
— مبروك يا مدام منى.. الست الوالدة ردت لك اعتبارك بطريقة تليق بأصلك.. الأوراق كلها جاهزة للتوقيع ونقل الملكية في أي وقت تحبوه.
خرجنا من مكتب المحامي وأنا حاسة إني طايرة في الهواء.. مش عشان الفلوس ولا الأملاك، والـله العظيم ما كان يهمني مليم واحد من فلوسهم.. أنا كنت طايرة لأن كرامتي اللي اتدوست سبع سنين، رجعت لي كاملة مكملة.. طنط تيسير اعترفت قدام نفسها وقدام محاميها وعيلتها إن “بنت طنطا” هي الكبيرة وهي صاحبة الأصل.
شريف وقف في نص الشارع، مسك إيدي وباسها قدام الناس كلها وعينيه بتلمع بالدموع:
— منى.. أمي ردت لك حقك.. وأنا النهاردة أسعد راجل في الدنيا.. لأنك رفعتي راسي وصونتي بيتي، وفي الآخر ربنا نصرك وخلّى اللي ظلمك يشهد بأصلك.
— الحمد لله يا شريف — رديت وصوتي مخنوق بالدموع والراحة. — الحمد لله.. أنا مش عاوزة الفيلا ولا عاوزة الفلوس.. أنا عاوزة نفضل كدا، إيدنا في إيد بعض، وبيتنا الصغير المليان بالبركة والرضا يفضل مفتوح لينا ولابننا.
حصري على صفحة روايات و اقتباسات
بعد أسبوع..
كنا في طنطا.. بس المرة دي مكنتش رايحة عيانة ومكسورة وشايلة شنطة الهدوم بهروب.. المرة دي كنا رايحين في عربية شريف الجديدة، ومصطفى لابس طقم شيك وبيضحك.. وأنا كنت لابسة فستان رقيق وجميل، وحاطة في رقبتي العقد اللؤلؤ اللي كان في صندوق طنط تيسير.
دخلنا بيت أهلي.. البيت الدافي اللي ياما حماني وشالني..
أبويا كان قاعد على كرسيه وأمي واقفة في المطبخ، وأحمد أخويا استقبلنا بالصوت العالي والترحيب. قعدنا كلنا حوالين السفرة، وشريف طلع عقود الملكية الجديدة وحطها قدام أبويا:
— عمي.. دي عقود الأملاك اللي أمي الله يرحمها كتبتها لمنى.. نص الثروة بالكامل بقى باسم بنتك.. أنا جاي النهاردة عشان أقولك إن أمانتك في عنيا، وإن منى بقت هي صاحبة المال والملك، وأنا شغال عندها وعند ابننا بالحب والرضا.
أبويا مسك العقود، بصلها بابتسامة هادية ومن غير ما يفتحها حطها في إيد شريف تاني وقال بحكمته المعهودة:
— يا شريف يا ابني.. الفلوس بتروح وتيجي، والعقود دي ورق.. لكن العقد الحقيقي هو اللي بينك وبين ربنا في صون بنتي.. أمك الله يرحمها عرفت الغلط وصلحته، وده يكفينا ويبيض وشها.. ومنى بنت عيلة السيد، عمرها ما كان يهمها الجاه.. صون بيتك يا ابني، وخلي المودة والرحمة هما قانونكم.
أمي دخلت بصينية الشاي بالنعناع وهي بتزغرد بفرحة هزت البيت كله، ومصطفى جرى على جده يقعد على رجله ويحكيله عن مدرسته الجديدة.
#حكايات_منـي_السيـد
بصيت حواليا.. بصيت لأبويا وأمي وأخويا، وبعدين بصيت لشريف اللي كان قاعد باصص لي بنظرة كلها حب وندم وفخر..
عرفت في اللحظة دي إن الصبر دايماً آخره جبر.. وإن الست اللي بتعدي مواقف عشان خاطر بيتها مش ضعيفة، دي ست بتشتري بأصلها.. بس لما بتقف وتدافع عن كرامتها، ربنا بينصرها وبيجيب لها حقها لحد عندها ولو بعد حين.
رجعنا شقتنا في القاهرة بالليل.. الشقة الدافية بتاعتنا..
دخلت المطبخ ووقفت قدام السفرة الخشب اللي اخترناها سوا واحنا بنضحك.. السفرة اللي مصطفى رص عليها الملاحات.. حطيت إيدي عليها وحسيت بالبركة واللمة..
شريف جه من ورايا، لف إيده حوالين وسطي وحضنّي بقوة وباس كتفي:
— منورتي يا ملكة بيتي.. ويا ست الكل.. تفتكري الحكاية كدا خلصت؟
لفيت وشي وبصيت في عينيه وابتسمت من كل قلبي، الابتسامة الحقيقية الدافية اللي غابت عن وشي سبع سنين:
— الحكاية مخلصتش يا شريف.. الحكاية لسه بتبدأ.. بس المرة دي بتبدأ صح.. بالحب والكرامة والأصل الطيب اللي عمره ما بيموت.
ومصطفى دخل جرى في وسطنا، وضمينا بعض إحنا الثلاثة في نص الصالة.. والنور كان مالي الشقة بالبركة والبهجة.. والباب اللي كان زمان “يفوت جمل”.. اتقفل علينا بالخير والأمان والسرور وللأبد.
النهاية


