موامره موت مراتي
رجعت بدري من سفرية الشغل في لندن، وأول ما دخلت البيت اتجمدت في مكاني.. لقيت نعش في نص الصالة، ومراتي “نورا” نايمة جواه. أمي همست لي بصوت واطي: “الولادة جت بدري ومقدرتش تستحمل”.. وأختي “هند” كانت واقفة جنبها وبتمثل دور المنهارة وبتمسح دموعها اللي مش موجودة اصلا . لما طلبت أشوف مراتي لآخر مرة، لاحظت إن إيديها مقفولة جامد أوي على حاجة.. وفي اللحظة اللي فتحت فيها صوابعها، وشوشهم أصفرت واتخطف لونهم.. وقبل ما الشمس تطلع، كانوا هما الاتنين متكلبشين في القسم.
النعش كان أول حاجة عيني وقعت عليها أول ما دخلت شقتي. وتاني حاجة كانت مراتي “نورا”، نايمة جوه النعش لابسة الفستان السماوي اللي كانت اختارته لحفلة “السبوع” بتاع ابننا.
الشنطة وقعت من إيدي على الأرض.
أمي قالت لي بهدوء: “الولادة باظت، والبيبي مات كمان.. متوجعش قلبك بالتفاصيل”.
أختي “هند” كانت واقفة جنب المكتبة، لابسة أسود في أسود، وعينيها ناشفة، وبتحاول تطلع أي صوت عياط من غير ما تنزل دمعة واحدة.
أنا كنت راجع من السفر قبل ميعادي بيومين، ومحدش كان يعرف.
#انجي_الخطيب
سألتهم بصوت مخنوق: “أومال ابني فين؟”
صوت عياط “هند” سكت فجأة لمدة ثانية.
أمي قربت خطوة وقالت: “الطفل مات يا ابني، متغلبش نفسك بالتفاصيل”.
التفاصيل.. كلمة غالية أوي عندي. أنا بقالي 12 سنة شغال في مكافحة الفساد المالي قبل ما أفتح شركة استشارات أمنية خاصة. التفاصيل دي هي حياتي، ومستحيل أفوت منها حاجة.
بصيت لـ “نورا”؛ بشرتها كانت لسه فيها حياة، مش واحدة ميتة من امبارح. مفيش أي إشارة لمستشفى، مفيش دكاترة، ولا حتي حد من أهلها موجود.. مجرد نعش مأجرينه، ومعاهم أمي وأختي اللي طول عمرهم بيحقدوا على “نورا”، وكوم ورق ومستندات مركونة على السفرة.
أمي حطت إيدها على كتفي وقالت: “لازم تمضي على الأوراق دي عشان نخلص إجراءات الدفن بسرعة”.
بصيت لها وسألت: “أوراق دفن إيه دي؟”
”هند” ردت بسرعة: “لا دي تحويلات روتينية، حاحات اتصرفت في اجرأت الدفن والبيت، وباقي الورق بتاع الحسابات البنكية، والوصاية”.
بصيت لهم وقولت: “مش قلتي إن ابني مات؟”
وشوشهم اتغيرت.
رجعت بصيت لـ “نورا”. كانت في الشهر التامن لما سافرت، وآخر حاجة قالتها لي في المطار بصوت خايف : “ارجع بسرعة قبل ما يضيعوا كل حاجة”. وقتها كنت فاكرها بتدلع أو خايفة من الحمل، بس دلوقتي فهمت.. الكلمة دي هتفضل تلاحقني طول عمري.
قربت من النعش ، ولمحت علامات زرقاء (كدمات) على معصمها، مستخبية تحت الدانتيل.. وإيدها اليمين قافلة عليها جامد لدرجة إن ضوافرها غارزة في كف إيدها.
قولت بصوت حازم: “سيبوني لوحدي مع مراتي”.
أمي اعترضت بصوت حاد: “مفيش داعي”.
بصيت لها بصه خليتها ترجع لورا من غير ما تنطق.
#انجي_الخطيب
بالراحة، فتحت إيد “نورا”، ووقعت في كف إيدي “دلاية” فضة صغيرة.
”نورا” كانت شاريها بعد ما حد حاول يلعب في فرامل عربيتها من 3 شهور.. الدلاية دي فيها جهاز تسجيل صغير متوصل بسحابة مشفرة (Cloud) أنا ومراتي بس اللي نعرف رمزها.
قفلت إيدي على الدلاية، وعملت نفسي إني منهار تماماً، وهمست بصوت مكسور: “دي فاضية.. مفيش فيها حاجة”.
الراحة اللي ظهرت على وشوشهم قالت لي كل اللي كنت محتاج أعرفه.
ميلت بجسمي فوق “نورا” كأني بودعها، وفي الحقيقة، كنت في اللحظة دي ببعت رسالة سرية لرجالتي في الشركة عشان ييجوا لحد ما اشوف اية اللي موجود علي الفلاشة واعرف عملوا اية في مراتي وابني واللي شوفتة كان فظيع……
#انجي_الخطيب
الهدوء اللي ساد الأوضة بعد ما قلت “دي فاضية” كان مريب، لدرجة إني كنت سامع صوت نبضات قلبي اللي بتضرب في ودني زي الطبول، أمي اتنهدت براحة وهي بتبص لهند، وهند بدأت تمثل دور الحزينة تاني، وبصوت مبحوح قالت: “خلاص يا أخويا، كفاية كده.. الناس زمانها جاية، لازم نجهز النعش للدفن”.
ما ردتش عليها، فضلت موطي راسي فوق نورا، إيدي في جيبي الشمال بتتحسس الدلاية، وإيدي التانية بطلع الموبايل، وبحركة سريعة ومحترفة -من سنين شغل في التتبع- بعتت إشارة “كود أحمر” لرجالة الشركة.. ثواني وهيكونوا محاوطين البيت، بس لازم أجاريهم في اللعبة دي لحد ما نورا تفتح عينها، أو على الأقل أعرف هي فين.
بصيت لأمي اللي كانت واقفة بتراقبني بعين صقر، وبكل هدوء الأعصاب اللي اكتسبته من مهنتي قلت: “عايز أشوف ابني.. مستحيل أدفن مراتي من غير ما أودع ابني، ده حقي الشرعي يا أمي”.
هند اتبرجلت وبدأت تفرك في إيدها: “يا يحيى، قولتلك مفيش فايدة.. الج*ثة اتشوهت من الولادة المتعسرة، والدكاترة نصحونا بلاش نشوفه عشان صدمتك ما تزيدش”.
ضحكت ضحكة صفرا، وقمت وقفت في نص الصالة، بصيت للسفرة اللي مليانة ورق ومستندات، ورجعت بصيت لهند: “دكاترة مين يا هند؟ البيت ده ما دخلش فيه دكتور واحد من ساعة ما سافرت، والورق ده.. ورق إيه بالظبط؟ وريني كده”.
مشيت ناحية السفرة بخطوات واسعة، هند حاولت توقفني بس أمي مسكت دراعها ونظرتها كانت بتقولها “سيبيه يغرق نفسه”.. مسكت أول ورقة، كانت توكيل عام ببيع كل ممتلكاتي ونقل أرصدة الشركة لحساب في بنك خارجي باسم هند، وخط إيد نورا كان موجود في آخر الصفحة، بس كان واضح جداً إنه متزور، ومكتوب تحت ضغط، ده غير إن توقيع نورا الحقيقي بيبقى فيه لمسة فنية دايماً بتغلط فيها التزوير العادي.
بصيت لهم والشرارة في عيني بدأت تولع، قلت بصوت واطي ومرعب: “عارفين إيه اللي بيميز المحقق الشاطر عن أي حد تاني؟ إنه بيعرف يشم ريحة الخيانة قبل ما تحصل.. أنتوا فاكرين إني سافرت وسيبت مراتي وابني لقمة صائغة ليكم؟ أنتوا متعرفوش نورا كانت بتبعت لي تسجيلات لكل لحظة في البيت ده، وكنت بسمع كل كلمة بتتقال في غيابي.. كنت بتابع كل مؤامرة بتتحاك ليا وليها”.
أمي وشها اصفر، وهند رجعت لورا خبطت في الكنبة، وقبل ما أي واحدة فيهم تفتح بقها، سمعت صوت “تكة” الباب الخارجي وهو بيتفتح بعنف، ورجالة الشركة دخلوا البيت زي الإعصار، الموقف اتحول في ثانية لمشهد من أفلام الأكشن، بس بطلته الحقيقية كانت نايمة في النعش، وأنا واقف وسطهم حاسس إن العالم بيضيق، خصوصاً لما سمعت صوت خفيف جداً، مش صوت روح، ده صوت أنين.. جاي من تحت النعش مباشرة، نورا لسه عايشة، ومحبوسة في مكان سري تحت الأرضية، وبصيت للأرض لقيت سجادة الصالة مرفوعة بوضوح.. اللعبة بدأت دلوقتي وبس.
#انجي_الخطيب
…….
شورت برجالتي، دخلوا كأنهم زلزال خبط في البيت، في ثانية كانوا محاوطين أمي وهند اللي اتسمروا في مكانهم ووجوههم اتغيرت من الغرور للرعب، هند وقعت منها ورقة التوكيل اللي كانت لسه متمسكة بيها، أما أمي فطلعت كل قناع الطيبة اللي لبساه عشان تداري وراه شرها، وبدأت تصرخ: “أنت اتجننت يا يحيى؟ ده بيتك.. دي أمك وأختك!”
ما ردتش عليها، كنت زي الآلة، مش شايف قدامي غير السجادة المرفوعة، رميت نفسي على ركبي، وبأطراف أصابعي بدأت أشد طرف السجادة بعنف، النعش كان محطوط فوق “فتحة” سرية في الأرضية، غطاء خشبي متثبت بمسامير باين إنها جديدة، سحبت س*كينة المطبخ اللي كانت قريبة من السفرة وبدأت أخلع المسامير بضغطي وبغضبي، الخشب اتكسر في إيدي، ومن تحت النعش طلعت ريحة خنقة، وصوت أنين مكتوم ومتقطع.. نورا كانت مربوطة ووشها مليان كدمات، والدم جاف على بقها، بس عينيها.. عينيها كانت بتلمع بأمل لما شافتني.
بسرعة البرق، قطعت الحبال اللي مكتفة إيديها ورجليها، وخدتها في حضني، كانت بتترعش زي العصفورة، همست في ودنها بصوت مش قادر يمسك نفسه: “أنا هنا يا حبيبتي، خلاص.. كل حاجة انتهت”، بصيت لهند وأمي اللي كانوا بيحاولوا يتسللوا ناحية باب الشقة، صرخت في رجالتي: “محدش فيهم يخرج من البيت، دول هيتحاسبوا على كل لحظة وجع عاشتها نورا”.
نورا مسكت في قميصي بصعوبة، وصوتها طلع زي فحيح التعبان: “يحيى.. ابني.. خدوة.. خدوة قبل ما…”.
ما كملتش جملتها، غابت عن الوعي، قلبي اتجمد في مكاني، التفت لأمي اللي كانت بتبص لي بتحدي وخبث: “الطفل مش هنا يا يحيى، والوصاية اللي أمضيتها في التوكيل دي هي اللي هتخليك خسران في كل الأحوال، لأنك لو بلغت البوليس، هند هتطلع أوراق تثبت إنك كنت مأجر ناس تقتحم بيتك وتعتدي على أمك، والورق ده عليه بصماتك في كل حتة”.
وقفت، ودموعي اتحجرت في عيني، قربت منها لحد ما بقيت حاسس بنفسها اللي ريحته خيانة، قلت لها بهمس مرعب: “أنتي فاكرة إني هاخد طريقي للقسم بالطرق التقليدية؟ أنتي لعبتي مع راجل حياته كلها مكافحة فساد، يعني أعرف أخفي الأدلة، وأعرف أطلعها، وأعرف أدمر حياة اللي فكروا يلمسوا شعرة من مراتي”، طلعت الفلاشة الصغيرة اللي كانت في الدلاية، ورفعتها قدام عينيهم: “دي مش مجرد تسجيل، دي خريطة لكل تحركاتكم، لكل قرش اتسرق، ولكل مكالمة تمت مع الناس اللي ساعدوكم تخطفوا نورا.. اللعبة خلصت، والبوليس مش هيحتاج يدور، لأن أنا اللي هسلمكم ليهم، بس بعد ما أعرف ابني فين”.
هند انهارت وقعدت على الأرض بتعيط بجد دلوقتي، وأمي اتجمدت، لأني في اللحظة دي، طلعت سلاحي الشخصي وحطيته على التربيزة، مش عشان أهددهم، بس عشان يعرفوا إني خلاص، مبقاش عندي حاجة أخاف عليها، والوحش اللي كان نايم فيا من سنين شغل في أخطر ملفات البلد، صحي.. ومافيش قوة في الأرض هتمنعني أسترد ابني وأنتقم لنورا.
#انجي_الخطيب
…….
صوت صريخ “هند” كان بيتردد في أرجاء الشقة، بس أنا كنت في عالم تاني، عالم مفيش فيه غير نورا، وابني اللي ريحته لسه ما شميتهاش. مسكت الموبايل، وفتحت التسجيل اللي على الفلاشة، ووصلته بسماعة بلوتوث صغيرة في ودني عشان أسمع التفاصيل اللي ممكن تدلني على مكانه.
أمي بصت لي بابتسامة صفرا، وقالت بنبرة متحدية: “دور براحتك يا يحيى، ابنك مش في البيت، وده آخر كارت معانا، لو فكرت تسلمنا للبوليس، الطفل مش هتشوفه تاني.. لأن اللي حاطين إيدهم عليه مش زينا، دول ناس ما بتعرفش الرحمة”.
وقفت قدامها، ومسكت وشها بإيدي الاتنين بقوة خلتها تصرخ من الألم، وقربت وشي منها لحد ما أنفاسي خبطت في وشها: “أنتي فاكرة إن تهديدك ده هيوقفني؟ أنتي متعرفيش مين يحيى اللي ربتيه.. أنتي ربيتي وحش بيعرف يوصل للي عايزه في قلب الجحيم. التسجيل ده مش بس فيه اعترافاتكم، ده فيه اسم ‘الطرف التالت’ اللي اتفقتوا معاه.. وعارفين إيه اللي بيحصل لما الملفات اللي عندي توصل للنائب العام؟ البيت ده هيتحول لزنزانة ليكم أنتوا الاتنين”.
في اللحظة دي، سمعت في السماعة صوت “كحة” طفل، وصوت راجل بيقول: “الولد بدأ يعيط، نخلص عليه ولا نستنى؟”.
دمي غلي في عروقي، الرؤية قدامي بدأت تغبش من كتر الغضب. بصيت لواحد من رجالتي، “سالم”، وأديته إشارة بالعين، سالم فاهم اللعبة، مسك أمي وهند وكتفهم بربطة إحترافية، ورمى تليفوناتهم بعيد.
نزلت لمستوى نورا اللي بدأت تفوق ببطء، هزيتها براحة: “نورا.. نورا بصيلي، سمعت صوت ابننا، هو فين؟ قولي لي المكان.. مين اللي معاهم؟”.
نورا فتحت عينيها بتعب، والدموع نزلت حارة على وشها المورم، مسكت إيدي وقالت بصوت متهدج: “في.. في المخزن القديم اللي ورا مزرعة الحاج عثمان.. يحيى.. خاف على نفسك، دول مسلحين..”.
قاطعتها وأنا بضمها لصدرى: “محدش يقدر يلمسني وأنا رايح أجيب ضنايا”.
قمت وقفت، وخدت سلاحي، وبصيت لهند وأمي اللي كانوا بيترعشوا في ركن الصالة. قلت لهم بصوت جحيمي: “لو ابني حصل له أي حاجة، السجن هيكون أرحم مكان ليكم في حياتكم.. لأني مش هخليكم توصلوا للسجن أصلاً”.
طلعت من الشقة وسيبت رجالتي يتصرفوا معاهم، ركبت عربيتي وانطلقت بأقصى سرعة ناحية المزرعة. الطريق كان فاضي، والليل كان ساتر كل حاجة، بس في قلبي كانت نار بتحرق الأخضر واليابس. وصلت للمخزن، شفت عربية سوداء واقفة، وصوت عياط ابني بدأ يعلى.. نزلت من العربية، ومن غير تفكير، بدأت أتحرك زي الشبح في الضلمة، عارف إن كل ثانية بتمر هي حياة أو موت.. اللحظة دي مش مجرد مواجهة، دي لحظة استعادة روحي اللي سرقوها مني.
#انجي_الخطيب
……
سحبت أجزاء الطبنجة ببطء ودمي بيفور، صوت عياط الولد كان بيقطع في قلبي وكل صرخة منه كانت بتزود الغل اللي جوايا. الحارس الأولاني كان واقف ساند ضهره على الباب الحديد الخارجي للمخزن وبيولع سيجارة، مش دريان بالدنيا. في أقل من ثانية، كنت وراه زي الشبح، كتمت بقه بإيدي الشمال وضغطت بقوة احترافية على عصب رقبتة لحد ما هبط في إيدي ووقع على الأرض من غير ما يطلع نفس.
دخلت جوه المخزن بخطوات ناعمة زي القطط، الإضاءة كانت عبارة عن لمبة صفرا واحدة بتترعش في السقف وبتعكس ظلال مرعبة على الحيطان. في نص الأوضة، كان في راجل ضخم حاطط التليفون على ودنه وبيتكلم بعصبية وهو بيتحرك رايح جاي: “بقولك الواد مش راضي يسكت، والست الكبيرة وبنتها تليفوناتهم اتقفلت فجأة.. الحكاية شكلها قفشت والبلان باظ يا غبي”. ولمحت وراه سرير صغير محطوط فوق صندوق خشب.
طلعت من وسط الضلمة وبصوت هادي ومرعب قلت: “هي باظت فعلاً”.
الراجل اتخض والتليفون وقع من إيده، وحاول يمد إيده على جيبه يطول سلاحه، بس رصاصة واحدة من طبنجتي سبقت حركته وجت في كتفه اليمين، وقع على الأرض وهو بيصرخ وكاتم الوجع، وقبل ما يستوعب إيه اللي بيحصل كنت واقف فوق دماغه وبوز السلاح في عينه: “الحركة الجاية فيها عمرك.. انطق، مين تاني هنا؟”.
هز رأسه برعب وهو غرقان في دمه: “مفيش.. مفيش غيري أنا والي بره.. أختك هند هي اللي اتفقت معانا، قالت لنا نورا ماتت والواد ده لازم يستخبى هنا لحد ما نخلص ورق الوصاية والبيع ونقسّم القرشين.. أرجوك سيبني”.
ما ديتلوش فرصة يكمل، ضربته بكعب الطبنجة على دماغه عشان يغيب عن الوعي. جريت على السرير الصغير، وشيلت ابني.. كان حتة لحمة حمرا، وشه مخطوف من كتر العياط، أول ما شلته وضميته لصدري وحس بدقائق قلبي، سكت فجأة كأنه شم ريحة الأمان اللي اتسحبت منه من أول ثانية اتولد فيها. شلته بإيد، وبالإيد التانية طلعت الموبايل وكلمت “طاهر” صاحبي، رئيس مباحث القطاع وعشير عمري.
ما فاتتش ساعة واحدة، والليل كان لسه مخلصش. عربيات المباحث كانت محاصرة المخزن وعربيات تانية كانت عند بيتي بتنفذ أمر القبض بناءً على التسجيلات والتوكيل المزور وحالة نورا اللي اعتبروها شروع في قت/ل واخت*طاف.
وقبل ما خيوط الشمس الأولى تطلع وتشق ضلمة السما، كنت واقف في وسط الشارع قدام شقتي، نورا كانت جوه عربية الإسعاف معلقين ليها محاليل وبتفتح عينيها بالعافية وهي بتبص للولد اللي في حضني والدموع نازلة من الفرحة. وفي نفس اللحظة، العساكر كانوا نازلين بأمي وهند من باب العمارة، الكلبشات حديد في إيديهم، ووشوشهم صفرا وميتة من الرعب والفضيحة وسط ذهول الجيران اللي صحيوا على صوت السارينة. هند كانت بتصرخ وبتطلب السماح وتبوس على إيدي، وأمي كانت بتبص لي بنظرة كسر وندم لأول مرة في حياتها.
لفيت ضهري ومشتش ورايا، ركبت عربية الإسعاف جنب مراتي وابني، وأنا عارف إن التفاصيل اللي حاولوا يدفنوا مراتي وابني عشانها.. هي اللي دفنتهم في الآخر وودتهم ورا الشمس.
#انجي_الخطيب
…….
في المستشفى، الريحة المعتادة للكلور والمحاليل كانت بتمحي تدريجياً ريحة الخوف اللي لسه عالقة في هدومي. نورا كانت نايمة على السرير، وشها المرهق بدأ يسترد لونه الطبيعي ببطء، والولد.. ابني.. كان نايم في حضنها بأمان لأول مرة.
قعدت على الكرسي جنب السرير، مسكت إيد نورا وبستها، وقبل ما أنطق بحرف، حطت إيدها التانية على إيدي وقالت بصوت واطي ومبحوح: “يحيى.. كنت عارفة إنك هترجع.. بس مكنتش متخيلة إنهم يوصلوا بيهم للدرجة دي.. دمهم.”
بصيت لـ “ياسين” –الاسم اللي قررنا نسميه بيه في لحظة ولادته قبل ما يخططوا للسرقة– وقولت بجدية: “الدم بيبقى مية لما الجشع بيعمي البصيرة يا نورا. أنا مش بس رجعت، أنا مسحتهم من حياتنا تماماً. لا أم ولا أخت، دول بقوا ملفات في النيابة دلوقتي، والملفات دي ما بتعرفش الرحمة.”
نورا دمعت وبصت لابننا: “خايفة يا يحيى.. خايفة يخرجوا، خايفة يرجعوا تاني.”
ميلت عليها، وهمست في ودنها: “طول ما أنا بتنفس، مفيش قوة على الأرض تقدر تقرب منكم. القانون اللي اشتغلت بيه سنين بيحمينا، ورجالتي اللي مبيخلفوش وعد.. حوالينا في كل حتة. اللي فات مات، والبداية بتبدأ من اللحظة دي.”
قضيت الليلة كلها صاحي، مش عارف أنام. كنت بتابع التحقيقات من الموبايل، “طاهر” كان بيبعت لي تحديثات أول بأول. اعترافاتهم كانت صدمة للكل، التخطيط للمؤامرة كان بادئ من شهور، من ساعة ما عرفوا بحمل نورا، خافوا الورث والشركة يضيعوا من إيديهم بعد ما كنت أنا اللي شايلهم ومصرف عليهم سنين.
لما الشمس طلعت من شباك الأوضة، نورا بدأت تتحرك، وبصت لي بابتسامة باهتة بس حقيقية: “يحيى.. قولي، هنعمل إيه لما نخرج من هنا؟”
قمت وقفت، بصيت للسما الصافية وبكل ثقة قولت: “هنسافر، هنبعد عن كل ده. هنبدأ حياة جديدة، بعيد عن سموم الماضي، بعيد عن أي حد حاول يكسرنا. المكان الجديد اللي هنروحه، مفيش حد يعرف فيه يحيى المحقق، ولا يعرف فيه مين كانت أمي ومين كانت أختي.. هنعيش لينا وبس.”
مسكت إيدها، وحسيت إن كل التعب اللي مريت بيه في السفر، وفي التحقيقات، وفي المواجهة اللي كانت هتنهي حياتي.. كله يهون قصاد اللحظة دي. خرجت من المستشفى وأنا شايل ابني، ونورا ماشية جنبي، حسيت إن العالم بيفتح لي بابه من جديد، بس المرة دي، الباب ده مفتاحه في إيدي أنا.. وبس.
#انجي_الخطيب
تمت
حكايات انجى الخطيب
