طبق اهان

في مطعم كبير على كورنيش النيل في القاهرة، كان كل أفراد العيلة مجتمعين يحتفلوا بخروج الحاج محمود على المعاش. القاعة متزينة، والضحك مالي المكان، وكل واحد لابس أحسن هدوم عنده، وكأنها ليلة فرح.

سلمى كانت قاعدة جنب ابنها يوسف، عنده تماني سنين، لابس قميصه الأزرق الجديد اللي أصر يلبسه عشان جده بيحبه، وحاضن كارت صغير عمله بإيده مكتوب عليه: “مبروك يا جدو… أنا فخور بيك.”

ابتسمت وهي بصاله، لكنها ما كانتش تعرف إن الليلة دي هتفضل محفورة في قلبه طول عمره.

وصل الجرسون بالأطباق.

قدام أولاد أخوها كريم اتحطت أطباق ريب آي ستيك كبيرة، والريحة تفتح النفس.

أما قدام يوسف…

حط طبق عليه ساندويتش هوت دوج صغير وبطاطس باردة.

يوسف بص للطبق… وبص لأولاد خاله… وبعدها رفع عينه لأمه في هدوء.

كريم قال وهو بيرجع ضهره على الكرسي: ـ معلش يا يوسف… إحنا ما طلبنالكش منيو. الهوت دوج مناسب للأطفال.

قبل ما سلمى تتكلم، أمها قالت ببرود: ـ كان المفروض تكوني جايبة له أكل من البيت. إنتِ عارفة إن المطعم غالي.

ثانية واحدة…

وسكتت الترابيزة كلها.

بعدها مرات كريم ضحكت وهي بتحاول تخبي ضحكتها.

الحاج محمود نزل عينه في الأرض وكأنه ما سمعش حاجة.

أما يوسف فقال بصوت واطي: ـ ماما… أنا مش جعان.

سلمى كانت عارفة إنه كداب.

هي شافت بعينه قد إيه نفسه في قطعة اللحمة اللي قدامه.

لكن كرامته منعته يطلب.

حطت إيدها على كتفه وقالت بهدوء: ـ متاكلش لو مش عايز.

كريم لف ناحيتها وقال بسخرية: ـ متعمليش فيلم. الأطفال بيحبوا الهوت دوج.

أمها هزت رأسها وقالت: ـ وبعدين أخوكي دافع كتير النهارده.

سلمى ابتسمت.

الابتسامة اللي كانت بتطلع منها كل مرة تقرر تسكت…

لكن المرة دي كانت مختلفة.

افتكرت كل مرة اتحملت فيها.

كل مرة دفعوا من فلوسها بحجة إنهم “عيلة”.

كل مرة استلفوا ومارجعوش.

كل مرة قالولها: “إنتِ بنت… وإخوكي أولى.”

بعد وفاة جوزها بسنة، كانت هي الوحيدة اللي بتشتغل ليل ونهار.

فتحت محل أدوات كهربائية صغير، وكبرته بنفسها.

ولما أمها تعبت وعملت عملية قلب، سلمى هي اللي فتحت دفتر توفير للعيلة.

كل شهر كانت تحول مبلغ ثابت.

سموه “صندوق العيلة”.

قالوا وقت الأزمات.

لكن الحقيقة…

كان بيتفتح كل ما كريم يحب يسافر.

أو يغير عربيته.

أو يجيب موبايل جديد لمراته.

وفي كل مرة كانوا يقولوا: ـ بعدين نرجعهم.

ولا مرة رجعوا جنيه.

حتى مصاريف علاج يوسف لما تعب السنة اللي فاتت…

رفضوا يطلعوا منها جنيه واحد.

قالوا: ـ الصندوق للحالات الضرورية.

واضطرت تستلف من صاحبتها.

ورغم كده…

فضلت ساكتة.

عشان أبوها.

لكن اللي حصل لابنها الليلة دي…

كان آخر نقطة.

في اللحظة دي كان الجرسون داخل بزجاجة عصير غالية طلبها كريم وهو بيتباهى بالسعر قدام الناس.

وقفت سلمى فجأة.

كل الموجودين بصوا لها.

رفعت الكوباية وقالت بابتسامة هادية: ـ قبل ما تتحط الحلويات… عندي كلمة صغيرة.

ابتسم كريم بثقة.

افتكر إنها هتشكره.

أو هتبارك لأبوها.

لكنها بصت للجرسون وقالت بكل هدوء: ـ من فضلك… افصل الحساب.

الجرسون اتفاجئ. ـ أفندم؟

قالت بثبات: ـ كل اللي أنا وابني طلبناه على حسابي لوحدي… وباقي الطلبات كل واحد يحاسب على اللي أكله.

سكتت القاعة كلها.

ابتسامة كريم اختفت.

وأمه قالت بعصبية: ـ يعني إيه الكلام ده؟

ردت سلمى وهي بتطلع محفظتها: ـ وياريت كمان تلغي اسمي من أي حساب باسم “صندوق العيلة”.

كريم ضرب بإيده على الترابيزة. ـ إنتِ اتجننتي؟

ابتسمت وقالت: ـ لا… أنا فوقت.

الجرسون وقف محتار.

بص لكريم.

ثم لسلمى.

قال كريم بعصبية: ـ الحساب كله علينا… اعمل زي ما اتفقنا.

الجرسون رد باحترام: ـ يا فندم… الاتفاق المسجل عندنا إن البطاقة المرتبطة بالحجز هي بطاقة الأستاذة سلمى… ولو هي طلبت فصل الحساب، لازم أنفذ طلبها.

تحول لون وش كريم.

لأنه كان عامل الحجز ببطاقتها من غير حتى ما يبلغها، معتمد إنها هتسكت زي كل مرة.

سلمى مدت إيدها وسحبت البطاقة البنكية من ملف الحجز اللي كان قدام الجرسون وقالت: ـ ومن النهارده… مفيش حد هيصرف جنيه واحد من تعبي غيري أنا وابني.

يوسف مسك إيد أمه وهو لأول مرة يحس إنها رجعت له حقه.

أما باقي أفراد العيلة…

فكانوا قاعدين في صمت، بعدما اكتشفوا أن الست اللي كانوا فاكرينها هتفضل دايمًا تدفع في هدوء… قررت أخيرًا تقفل المحفظة، وتفتح باب الكرامة.

حكايات شروق خالد

خرجت سلمى من القاعة وهي ماسكة إيد يوسف، لكن قبل ما توصل لباب المطعم سمعت صوت أبوها بينادي عليها.

ـ استني يا سلمى.

وقفت مكانها، من غير ما تلف.

قرب الحاج محمود وهو باين عليه الإحراج لأول مرة من سنين، وقال بصوت مكسور: ـ متزعليش يا بنتي… اللي حصل ماكانش يصح.

بصت له بعين مليانة وجع وقالت: ـ تعرف يا بابا إيه اللي وجعني؟ مش الهوت دوج… اللي وجعني إن حفيدك اتذل قدامك وإنت سكت.

نزل راسه وماعرفش يرد.

يوسف مد له الكارت اللي كان عامله بإيده وقال: ـ اتفضل يا جدو… كنت عاملهولك.

الحاج محمود أخده، ولما فتحه وشاف الخط المرتعش المكتوب فيه: “أنا فخور بيك”، دموعه نزلت غصب عنه.

في نفس الوقت، كان كريم جوه القاعة بيتخانق مع مدير المطعم.

ـ يعني إيه الحساب طلع بالمبلغ ده؟

رد المدير بهدوء: ـ حضرتك طلبت خمس زجاجات عصير مستورد، وثلاثة أطباق ستيك إضافية، وحلويات خاصة، وكل ده بيتحاسب.

قال كريم بعصبية: ـ سجلهم على حساب العيلة.

ابتسم المدير وقال: ـ الأستاذة سلمى ألغت البطاقة، ولازم الدفع يتم دلوقتي.

وش مرات كريم اصفر.

همست له: ـ اعمل أي حاجة… أنا معنديش المبلغ.

رد وهو بيكز على سنانه: ـ الكارت اترفض… الرصيد مش مكفي.

أمه قامت من مكانها وقالت: ـ ادفع من حسابك.

لف لها وهو بيزعق: ـ حسابي فاضي… إنتِ فاكرة إني بصرف منين طول السنين؟

ساد الصمت.

كل الموجودين بصوا لبعض.

أول مرة يعرفوا إن كريم كان عايش على فلوس أخته.

عمته قالت بدهشة: ـ يعني العربية الجديدة؟

واحد من أولاد خالاتهم قال: ـ والسفرة اللي رحتوها تركيا؟

مرات كريم نطقت من غير قصد: ـ كلها من فلوس صندوق العيلة…

وفور ما قالت الجملة، حطت إيدها على بقها.

لكن كان فات الأوان.

كل العيون راحت لأم سلمى.

قالت خالتها بغضب: ـ يعني الفلوس اللي كنا فاكرينها للطوارئ… كنتوا بتصرفوها على نفسكم؟

الأم حاولت تبرر: ـ دي فلوس ولادنا كلنا.

ردت واحدة من القرايب: ـ لا… دي فلوس بنتك بس.

الحاج محمود رجع للقاعة في اللحظة دي، والكل سكت.

وقف في نص المكان وقال بصوت عالي: ـ الحساب ده أنا هسدده.

كريم ابتسم باستهزاء.

لكن أبوه كمل: ـ وهبيع الساعة الدهب اللي إنت جبتها لنفسك من فلوس أختك… وهترجع كل جنيه خدته منها.

اتجمدت ملامح كريم.

ـ إيه الكلام ده يا بابا؟

رد الحاج محمود لأول مرة بحزم: ـ الكلام اللي كان لازم أقوله من سنين.

بعدها خرج من المطعم، وركب مع سلمى ويوسف في عربيتها.

وفي الطريق، قال لحفيده: ـ تحب ناكل إيه؟

ابتسم يوسف لأول مرة من بداية الليلة وقال: ـ مش مهم ناكل إيه… المهم ناكل كلنا سوا.

بكت سلمى وهي سايقة.

لكنها كانت دموع ارتياح.

لأن ابنها اتعلم درسًا لن ينساه أبدًا…

أن الكرامة لا تُقاس بما يوجد في الطبق، بل بمن يقف إلى جوارك عندما يحاول الآخرون إهانتك.

وفي الجهة الأخرى، كان كريم لا يعلم أن تلك الليلة لم تكن مجرد نهاية عزومة…

بل كانت بداية انكشاف أسرار أخفاها سنوات، وأن هناك شخصًا داخل العائلة كان يحتفظ بكل إيصالات التحويلات والسحوبات من “صندوق العيلة”… ويستعد لتسليمها لسلمى في صباح اليوم التالي.

حكايات شروق خالد

في صباح اليوم التالي، كانت سلمى بتحضر فطار يوسف قبل المدرسة، لما جرس الباب رن.

فتحت، لقت عمتها نادية واقفة، وفي إيدها ملف أزرق قديم.

قالت وهي بتدخل: ـ الملف ده كان لازم يبقى معاكي من زمان.

حطته على الترابيزة، وفتحته.

سلمى اتفاجئت بعشرات الأوراق.

إيصالات سحب.

تحويلات بنكية.

وصور شيكات.

كل ورقة عليها تاريخ ومبلغ.

قالت نادية: ـ أبوكي كان بيطلب مني أحتفظ بنسخة من أي ورقة تخص صندوق العيلة… كان خايف يحصل خلاف في يوم.

سلمى قلبت الأوراق بإيد مرتعشة.

أول سحب… مائتين ألف جنيه.

السبب المكتوب: “مصاريف علاج.”

لكن جنبها فاتورة شراء عربية فارهة باسم كريم.

بعدها سحب تاني.

ثلاثمائة ألف جنيه.

السبب: “عملية عاجلة.”

وبعدها بأسبوع، حجز رحلة لماليزيا.

ورقة ورا التانية…

كلها كدب.

كلها استغلال.

همست سلمى: ـ يعني كانوا بيضحكوا عليا كل السنين دي؟

هزت نادية رأسها بحزن.

ـ للأسف… أيوه.

في اللحظة دي، رن موبايل سلمى.

كان أبوها.

ردت في هدوء.

ـ أيوه يا بابا.

صوته كان تعبان.

ـ تعالي البيت… لازم نتكلم.

بعد ساعة، دخلت بيت العيلة.

لقيت أمها وكريم ومراته قاعدين.

الجو متوتر.

أول ما دخلت، أمها قالت: ـ إحنا عايزين نقفل الموضوع ده.

سلمى حطت الملف قدامهم.

ـ نقفله؟ طيب قبل ما نقفله، حد يفسرلي دي.

فتحت أول ورقة.

وش كريم اتغير.

قال بسرعة: ـ دي قديمة.

طلعت التانية.

ـ ودي؟

سكت.

طلعت التالتة.

ـ ودي كمان قديمة؟

بدأ العرق ينزل من جبينه.

قال بعصبية: ـ كنت هايرجعهم.

ضحكت سلمى لأول مرة.

ضحكة كلها سخرية.

ـ إمتى؟ بعد عشر سنين؟ ولا بعد ما تخلص كل اللي في الحساب؟

أبوها ضرب بإيده على الترابيزة.

ـ كفاية كدب.

بص لكريم وقال: ـ جاوب… أخدتها؟

سكت.

كرر السؤال بصوت أعلى: ـ أخدتها؟

رد كريم وهو مكسور: ـ أيوه.

ساد صمت ثقيل.

الأم قامت بسرعة وقالت: ـ هو أخوك… والفلوس بين الإخوات مش حرام.

لفت سلمى ناحيتها.

ـ لا يا أمي… الفلوس اللي تتاخد من غير إذن اسمها حاجة تانية.

الأم اتوترت.

ـ إنتِ هتفضحي أخوكي؟

قالت بثبات: ـ اللي فضح نفسه… مش أنا.

في اللحظة دي، طلع أبوها ظرف أبيض من درج المكتب.

ومده لسلمى.

ـ افتحيه.

فتحت الظرف.

كان فيه عقد.

عقد بيع قطعة أرض صغيرة كان الحاج محمود بيملكها.

قال: ـ بعتها الصبح.

بصت له باستغراب.

ـ ليه؟

قال وعينه مليانة ندم: ـ عشان أول حاجة أعملها قبل ما أموت… أرجعلك جزء من حقك.

حاولت ترفض.

لكنه أوقفها.

ـ اسمعيني… أنا سكت كتير، وسكوتي ظلمك.

وأنا لازم أصلح اللي أقدر عليه.

وقبل ما حد يتكلم…

دخل رجل خمسيني أنيق من باب الشقة.

كل الموجودين بصوا له باستغراب.

قال: ـ صباح الخير.

سأل كريم: ـ حضرتك مين؟

ابتسم الرجل وهو رفع بطاقة تعريفه.

ـ أنا المحاسب القانوني اللي كان بيدير حساب صندوق العيلة.

والحقيقة…

مش كل اللي اتسرق موجود في الأوراق دي.

فيه مبالغ أكبر بكتير…

وفيه توقيعات مزورة باسم سلمى.

ساد الصمت.

أما كريم…

فشحب وجهه تمامًا، لأنه أدرك أن الأمر لم يعد مجرد خلاف عائلي، بل قد يتحول إلى قضي*ة قد تغيّر حياة الجميع.

حكايات شروق خالد

نظر كريم إلى المحاسب وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه.

قال بتلعثم: ـ توقيعات مزورة إيه؟ حضرتك أكيد غلطان.

فتح المحاسب حقيبته بهدوء، وأخرج ملفًا أسود أكثر سمكًا من الأول.

وضعه على الطاولة وقال: ـ قبل ما أتكلم، أحب أوضح إن كل كلمة هقولها عليها مستند.

فتح أول صفحة.

ـ دي استمارة سحب بمبلغ أربعمائة وخمسين ألف جنيه.

ثم وضع ورقة أخرى بجوارها.

ـ ودي توقيع الأستاذة سلمى الحقيقي الموجود في البنك.

حتى الشخص العادي كان يقدر يلاحظ الفرق.

رفع الحاج محمود الورقتين، وبص لابنه بصدمة.

ـ إنت… كنت بتزور توقيع أختك؟

كريم بلع ريقه، ثم أشار إلى أمه.

ـ أنا… أنا ماكنتش لوحدي.

التفتت كل الأنظار إلى الأم.

صرخت وهي واقفة: ـ بتحدف الغلط عليا؟!

قال وهو يكاد يبكي: ـ إنتِ اللي قولتيلي إنها مش هتعرف… وإن دي فلوس العيلة، ومن حقنا نتصرف فيها.

شهقت سلمى.

كانت أول مرة تسمع اعترافًا صريحًا.

أما أمها، فجلست على الكرسي وهي ترتجف.

قالت بصوت خافت: ـ كنت فاكرة إنك لما تكبر تجارتك هترجع الفلوس… ماكنتش متخيلة الأمور هتوصل لكده.

قالت سلمى بمرارة: ـ يعني كنتوا مستعدين تسرقوني… بس مش مستعدين تشتروا لابني طبق أكل؟

لم يرد أحد.

دخل يوسف من باب الشقة، فقد كان قد عاد من المدرسة مع عمته نادية.

وقف الصغير ينظر إلى الوجوه الصامتة.

ثم سأل ببراءة: ـ ماما… هما زعلانين ليه؟

احتضنته سلمى بقوة.

قالت وهي تمسح دموعها: ـ لأن الحقيقة ظهرت يا حبيبي.

اقترب الحاج محمود من حفيده، وجثا على ركبتيه أمامه.

قال بصوت مبحوح: ـ سامحني يا يوسف… جدك غلط.

هز يوسف رأسه وقال: ـ أنا مش زعلان منك يا جدو… أنا زعلان إنهم خلوا ماما تعيط.

انفجر الحاج محمود بالبكاء.

ولأول مرة منذ سنوات، لم يحاول أن يخفي دموعه.

أما المحاسب، فأغلق الملف وقال: ـ عندكم فرصة تحلوا الموضوع بينكم بالتراضي.

ثم نظر إلى كريم مباشرة.

ـ لكن لو الأستاذة سلمى قررت تبلغ، فكل المستندات دي هتتسلم للنيابة.

ساد صمت ثقيل.

كريم كان ينظر إلى الأرض، ويداه ترتجفان.

كان يعرف أن حياته كلها قد تنهار.

لكن في تلك اللحظة، لم يكن أحد منهم يعلم أن هناك مفاجأة أخرى.

ففي مساء اليوم نفسه، اتصل مدير البنك بسلمى، وقال لها جملة واحدة جعلت قلبها يتوقف للحظة:

ـ يا أستاذة سلمى… أثناء مراجعة الحسابات اكتشفنا وجود خزنة باسم والدتك، وبداخلها مستند يخصك شخصيًا… ولو ثبتت صحته، فحقك مش هيكون مجرد الفلوس اللي اتسرقت… حقك أكبر بكتير.

حكايات شروق خالد

نظر كريم إلى المحاسب وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه.

قال بتلعثم: ـ توقيعات مزورة إيه؟ حضرتك أكيد غلطان.

فتح المحاسب حقيبته بهدوء، وأخرج ملفًا أسود أكثر سمكًا من الأول.

وضعه على الطاولة وقال: ـ قبل ما أتكلم، أحب أوضح إن كل كلمة هقولها عليها مستند.

فتح أول صفحة.

ـ دي استمارة سحب بمبلغ أربعمائة وخمسين ألف جنيه.

ثم وضع ورقة أخرى بجوارها.

ـ ودي توقيع الأستاذة سلمى الحقيقي الموجود في البنك.

حتى الشخص العادي كان يقدر يلاحظ الفرق.

رفع الحاج محمود الورقتين، وبص لابنه بصدمة.

ـ إنت… كنت بتزور توقيع أختك؟

كريم بلع ريقه، ثم أشار إلى أمه.

ـ أنا… أنا ماكنتش لوحدي.

التفتت كل الأنظار إلى الأم.

صرخت وهي واقفة: ـ بتحدف الغلط عليا؟!

قال وهو يكاد يبكي: ـ إنتِ اللي قولتيلي إنها مش هتعرف… وإن دي فلوس العيلة، ومن حقنا نتصرف فيها.

شهقت سلمى.

كانت أول مرة تسمع اعترافًا صريحًا.

أما أمها، فجلست على الكرسي وهي ترتجف.

قالت بصوت خافت: ـ كنت فاكرة إنك لما تكبر تجارتك هترجع الفلوس… ماكنتش متخيلة الأمور هتوصل لكده.

قالت سلمى بمرارة: ـ يعني كنتوا مستعدين تسرقوني… بس مش مستعدين تشتروا لابني طبق أكل؟

لم يرد أحد.

دخل يوسف من باب الشقة، فقد كان قد عاد من المدرسة مع عمته نادية.

وقف الصغير ينظر إلى الوجوه الصامتة.

ثم سأل ببراءة: ـ ماما… هما زعلانين ليه؟

احتضنته سلمى بقوة.

قالت وهي تمسح دموعها: ـ لأن الحقيقة ظهرت يا حبيبي.

اقترب الحاج محمود من حفيده، وجثا على ركبتيه أمامه.

قال بصوت مبحوح: ـ سامحني يا يوسف… جدك غلط.

هز يوسف رأسه وقال: ـ أنا مش زعلان منك يا جدو… أنا زعلان إنهم خلوا ماما تعيط.

انفجر الحاج محمود بالبكاء.

ولأول مرة منذ سنوات، لم يحاول أن يخفي دموعه.

أما المحاسب، فأغلق الملف وقال: ـ عندكم فرصة تحلوا الموضوع بينكم بالتراضي.

ثم نظر إلى كريم مباشرة.

ـ لكن لو الأستاذة سلمى قررت تبلغ، فكل المستندات دي هتتسلم للنيابة.

ساد صمت ثقيل.

كريم كان ينظر إلى الأرض، ويداه ترتجفان.

كان يعرف أن حياته كلها قد تنهار.

لكن في تلك اللحظة، لم يكن أحد منهم يعلم أن هناك مفاجأة أخرى.

ففي مساء اليوم نفسه، اتصل مدير البنك بسلمى، وقال لها جملة واحدة جعلت قلبها يتوقف للحظة:

ـ يا أستاذة سلمى… أثناء مراجعة الحسابات اكتشفنا وجود خزنة باسم والدتك، وبداخلها مستند يخصك شخصيًا… ولو ثبتت صحته، فحقك مش هيكون مجرد الفلوس اللي اتسرقت… حقك أكبر بكتير.

حكايات شروق خالد

سلمى ما نمتش طول الليل.

الجملة اللي قالها مدير البنك فضلت ترن في ودانها:

ـ حقك أكبر بكتير.

تاني يوم الصبح، راحت البنك ومعاها أبوها والمحامي اللي نصحتها بيه عمتها نادية.

استقبلهم مدير الفرع بنفسه، وأدخلهم مكتبه.

قال وهو قدامهم ملف مختوم بالشمع الأحمر:

ـ الخزنة باسم الحاجة فاطمة، لكن فيها مظروف مكتوب عليه بخط واضح: “لا يُفتح إلا بحضور سلمى.”

اتسعت عيون الجميع.

أبوها همس: ـ أنا أول مرة أشوف المظروف ده.

فتح المدير المظروف بعد استكمال الإجراءات القانونية.

كان فيه خطاب قديم، وعقد ملكية.

أمسكت سلمى الخطاب، وبدأت تقرأ بصوت مرتعش.

“إذا وصل الخطاب ده لسلمى، يبقى أنا مقدرتش أقول الحقيقة بنفسي…”

رفعت رأسها باستغراب.

قال المحامي: ـ كملي.

أخذت نفسًا عميقًا وأكملت.

“من عشر سنين، جدك الله يرحمه كتب قطعة الأرض الكبيرة اللي على الطريق الزراعي باسمك، مكافأة ليكي لأنك الوحيدة اللي فضلتي جنبه في مرضه. لكنه طلب مني أخبي الموضوع لحد ما تستقري في حياتك.”

شهقت سلمى.

أما الحاج محمود، فجلس على الكرسي وكأنه فقد القدرة على الوقوف.

همس: ـ أبويا… عمل كده؟

واصلت القراءة.

“بعد وفاة جدك، حاول كريم يقنعني أنقل الملكية باسمه، لكنه رفضت. فخبّيت العقد في الخزنة، وخفت أقول الحقيقة بسبب المشاكل.”

نظر الجميع إلى الأم.

كانت دموعها تنزل في صمت.

قالت بصوت مكسور: ـ أيوه… أنا غلطت في حقك كتير… لكن في دي بالذات، مقدرتش أديها له.

سأل المحامي: ـ فين الأرض دي؟

رد مدير البنك: ـ حسب الأوراق… الأرض دلوقتي بقت داخل الحيز العمراني.

فتح المحامي خريطة على اللابتوب، وبعد دقائق رفع رأسه وقال:

ـ قيمة الأرض النهارده… تتجاوز خمسين مليون جنيه.

ساد صمت كامل.

كريم، الذي كان قد دخل البنك خلفهم بعدما عرف بالأمر، صرخ:

ـ مستحيل!

التفت إليه المحامي وقال ببرود:

ـ المستندات سليمة… والملكية باسم سلمى.

اندفع كريم ناحية أخته.

ـ دي أرض العيلة!

ردت سلمى لأول مرة من غير أي انفعال:

ـ لأ… دي الأرض الوحيدة اللي حد فكر يكتبها باسمي… ويمكن عشان كان شايف اللي محدش فيكم شافه.

حاول كريم يمسك العقد، لكن أفراد الأمن تدخلوا بسرعة وأبعدوه.

وقف الحاج محمود أمام ابنته وقال وعيناه مليئتان بالندم:

ـ سامحيني… ضيعت عمري وأنا بميز بين ولادي… فاكر إن الولد أولى من البنت.

لكن ربنا وراني الحقيقة متأخر.

أمسك يد سلمى، وقبّل رأسها أمام الجميع.

وقال بصوت عالٍ:

ـ من النهارده… اللي يغلط في بنتي، يبقى غلط فيا أنا.

خرجت سلمى من البنك وهي تمسك يد يوسف.

ابتسم الصغير وسألها:

ـ ماما… إحنا بقينا أغنيا؟

ضحكت لأول مرة من قلبها، وربتت على شعره وقالت:

ـ يا حبيبي… إحنا بقينا أصحاب حق… ودي أغلى من أي فلوس.

وبينما كانت تركب سيارتها، رن هاتفها برقم مجهول.

ردت بهدوء.

جاءها صوت رجل مسن يقول:

ـ مدام سلمى… أنا كنت شريك جدك زمان… وعندي سر أخطر من كل اللي عرفتيه النهارده… ولو ما لحقتيش تعرفيه، ناس كتير هتخسر كل حاجة.

حكايات شروق خالد

سلمى سكتت لحظات، ثم قالت بحذر:

ـ حضرتك مين؟

رد الرجل بصوت هادئ:

ـ اسمي عبدالسلام، كنت شريك جدك الحاج حسن لأكتر من عشرين سنة. لما عرفت إن عقد الأرض ظهر، عرفت إن الوقت جه أتكلم.

سألته:

ـ وإيه السر؟

قال:

ـ الكلام ده مينفعش في التليفون. تعالي المكتب بتاعي بكرة الصبح، وهتعرفي ليه جدك كان مصمم يكتب الأرض باسمك إنتِ.

وافقت بعد تردد، وقفلت المكالمة.

في اليوم التالي، دخلت سلمى مكتبًا قديمًا في وسط البلد. كان الرجل في أواخر السبعينيات، وبمجرد ما شافها، ابتسم وقال:

ـ نسخة من جدك… نفس النظرة.

أخرج من درج مكتبه صندوقًا خشبيًا صغيرًا.

فتحه، وأخرج دفترًا قديمًا.

قال:

ـ ده دفتر حسابات الشركة اللي كنت أنا وجدك شغالين فيها. كان فيه اتفاق بينا إن أي أرباح تخص الأرض دي تفضل تتجمع لحد ما يتم بيعها.

قلبت سلمى الصفحات، ثم توقفت عند آخر صفحة.

كان مكتوب بخط جدها:

“سلمى أكثر واحد تعبت معايا، ولو جرالي حاجة، محدش له حق في الأرض ولا أرباحها غير هي.”

اختنق صوتها وهي تقرأ.

قال عبدالسلام:

ـ جدك كان عارف إنك هتتعرضي للظلم. كان بيقول دايمًا: “البنت دي هتشيل حمل العيلة كله، ولازم يبقى ليها سند.”

ثم فتح خزنة صغيرة، وأخرج منها شيكًا.

نظر إليها وقال:

ـ ده نصيبك من أرباح الأرض خلال السنين اللي فاتت. أنا احتفظت بيه تنفيذًا لوصية جدك.

نظرت إلى قيمة الشيك، فكادت تقع من الصدمة.

كان المبلغ اثني عشر مليون جنيه.

دموعها نزلت دون أن تشعر.

قالت:

ـ حضرتك كنت تقدر تاخد الفلوس دي لنفسك.

ابتسم الرجل وقال:

ـ كنت هقف أقابل جدك بإيه بعد ما أموت؟

في نفس الوقت، كان كريم في البيت يحاول إقناع أمه أن تطلب من سلمى التنازل.

قال بغضب:

ـ لو احتفظت بكل ده، إحنا انتهينا.

ردت الأم لأول مرة بحزم:

ـ انتهيتوا يوم ما كسرتوا قلبها وقلب ابنها.

نظر إليها مصدومًا.

ـ إنتِ بتقفّي في صفها؟

قالت وهي تمسح دموعها:

ـ لأ… أنا أخيرًا بقيت في صف الحق.

وفي المساء، عادت سلمى إلى منزلها.

وضعت الشيك داخل درج مكتبها، ثم نادت يوسف.

قالت له:

ـ فاكر يوم المطعم؟

هز رأسه.

ابتسمت وقالت:

ـ أوعدك، عمرك ما هتحس إنك أقل من حد تاني.

احتضنها يوسف بقوة وقال:

ـ وأنا أوعدك إني لما أكبر، هخليكي فخورة بيا كل يوم.

ابتسمت وهي تضمه إلى صدرها.

وأدركت أن أعظم انتصار لم يكن الأرض، ولا الملايين…

بل أنها أنقذت ابنها من أن يكبر وهو يصدق أنه يستحق “الهوت دوج” بينما غيره يستحق كل شيء.

طبق أهان طفلي… فأفلسهم جميعًا

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *