اهانت الخادمه
“انزلي على ركبك… ولمّي الإزاز بإيدك.”
الجملة خرجت من بسمة الجندي وهي رافعة راسها بتكبر، قدام أكتر من ميتين شخص مجتمعين في قاعة أفخم فيلا في إسكندرية.
المزيكا سكتت.
الكلام وقف.
حتى الجرسونات بطلوا حركة.
كل العيون اتجهت ناحية البنت اللي كانت واقفة في النص، لابسة يونيفورم أسود بسيط، وشعرها مربوط وراها، ووشها باين عليه الإرهاق من سنين الشقا.
اسمها داليا منصور.
بنت فقيرة، اشتغلت من وهي عندها خمستاشر سنة عشان تصرف على أمها المريضة.
وفي الناحية التانية كانت واقفة بسمة الجندي…
بفستان أبيض مطرز بالألماس، وساعة تمنها يشتري عمارة كاملة، وخاتم خطوبتها كان حديث كل الناس.
بعد أسبوع واحد بس، كانت هتبقى مرات رأفت الديب…
الاسم اللي أي حد في إسكندرية بيخاف ينطقه بصوت عالي.
بسمة قربت من داليا وهي بتبتسم ابتسامة كلها شماتة.
وقالت بصوت متعمد يخلي كل الموجودين يسمعوا:
ـ إيه يا خدامة… واقفة بتبصيلي كده ليه؟ أول مرة تشوفي ناس لابسة نضيف؟
داليا ردت بهدوء وهي ماسكة صينية العصاير:
ـ أنا ببص قدامي يا هانم.
بسمة ضحكت وهي بصت للضيوف.
ـ سمعتوا؟! حتى وهي خدامة بتحاول تبان محترمة.
واحدة من الستات همست لجوزها:
ـ البنت دي شكلها هتروح في داهية.
الراجل هز راسه وقال:
ـ محدش يقف قدام بسمة… خصوصًا دلوقتي وهي بقت ست البيت.
بسمة مدت إيدها فجأة…
وخبطت الصينية بكل قوتها.
الكوبايات طارت في الهوا.
والإزاز اتكسر على الرخام الإيطالي.
العصير الأحمر اتناثر على الأرض وعلى هدوم داليا، لدرجة إن شكله بقى كأنه دم.
شهقة خرجت من أكتر من شخص.
لكن…
ولا واحد اتحرك.
كلهم خافوا.
خافوا من اسم الديب.
بسمة بصت للإزاز المكسور وقالت وهي بتضحك:
ـ يلا… انزلي لمّي الزبالة اللي عملتيها.
داليا نزلت بعينيها للإزاز.
ثواني عدت…
والكل مستني يشوفها وهي بتعيط أو تعتذر.
لكن اللي حصل كان حاجة محدش توقعها.
رفعت راسها ببطء…
وبصت مباشرة في عيون بسمة.
وقالت بهدوء يخوف:
ـ أنا هنضف الأرض… لأنها جزء من شغلي.
بسمة ابتسمت بانتصار.
لكن داليا كملت:
ـ إنما الإهانة… دي مش شغلي.
ابتسامة بسمة اختفت.
ـ نعم؟!
ـ أنا فقيرة… أيوه.
وبشتغل خدامة… أيوه.
لكن لا الفقر عيب… ولا الشغل عيب.
العيب الوحيد…
إن الإنسان يفتكر إن فلوسه ادته الحق يهين الناس.
القاعة كلها اتجمدت.
الأنفاس اتحبست.
أقدم محامي في القاعة بص للي جنبه وقال بصوت واطي:
ـ البنت دي خلصت على نفسها.
بسمة قربت منها لدرجة إن وشهم بقى قصاد بعض.
وقالت من بين سنانها:
ـ شكلك مش عارفة أنا مين.
داليا ردت من غير خوف:
ـ لا…
أنا عارفة كويس.
بس اللي واضح إن حضرتك اللي لسه متعرفيش نفسك.
بسمة فقدت أعصابها.
ورفعت إيدها…
كانت هتضرب داليا بالقلم قدام كل الناس.
لكن قبل ما إيدها توصل لوشها…
صوت رجولي هادي خرج من آخر القاعة:
ـ نزلي إيدك… حالًا.
الصوت كان هادي جدًا…
لكن وقعه كان أقوى من طلقة رصاص.
الكل لف ناحية الباب.
وفجأة…
كل اللي كانوا قاعدين وقفوا مرة واحدة.
الحراس عدلوا وقفتهم.
الخدم نزلوا عيونهم في الأرض.
حتى بسمة نفسها بهت لونها.
واقف عند باب الفيلا…
رأفت الديب.
الرجل اللي اسمه لوحده كان بيقفل شركات ويفتحها.
الرجل اللي أكبر رجال الأعمال كانوا يحسبوا حساب كلمته.
كان لابس بدلة سودا، وفي إيده باقة ورد أبيض كان جايبها لخطيبته.
لكن أول ما شاف الإزاز المكسور…
والعصير اللي مغرق هدوم داليا…
والدموع اللي كانت محبوسة في عينيها…
حط الورد على أول ترابيزة قابلته.
وبص لخطيبته نظرة خلت قلبها يقع.
قال بهدوء:
ـ قوليلي يا بسمة…
مين اللي كسر الكوبايات؟
بسمة حاولت تبتسم.
ـ الخدامة دي قليلة الأدب…
قاطعها رأفت وهو بيقرب خطوة:
ـ سألت سؤال واحد…
مين اللي كسرهم؟
لأول مرة…
بسمة معرفتش ترد.
وساعتها…
اتكلم كبير الخدم عم سيد، وكان صوته بيرتعش:
ـ الحقيقة… الهانم هي اللي خبطت الصينية يا باشا.
ساد صمت مرعب.
رأفت بص لداليا.
ثم للإزاز.
ثم لخطيبته.
وبعد لحظات قال الجملة اللي قلبت الليلة كلها…
ـ اللي يهين إنسان ضعيف قدام الناس… ما ينفعش يبقى شريك حياتي.
حكايات شروق خالد
جلس الصمت على القاعة كأنه حمل ثقيل.
ولا نفس واحد اتجرأ يقطعه.
بسمة بصت لرأفت وهي فاكرة إنه بيهزر.
ضحكت ضحكة قصيرة وقالت:
ـ إيه؟! أنت أكيد بتهزر… معقول هتزعل مني عشان خدامة؟
رأفت ما ردش.
فضل باصص لها بنفس البرود.
وده كان أسوأ من أي صريخ.
ابتسامتها بدأت تختفي.
ـ رأفت… أنا بكلمك.
رد من غير ما يرفع صوته:
ـ وأنا سمعتك.
ـ يبقى قول للبنت دي تعتذر.
ـ تعتذر على إيه؟
ـ على طريقتها معايا.
داليا أخدت نفس عميق وقالت بهدوء:
ـ أنا ما غلطتش في حضرتك بكلمة.
بسمة لفت ناحيتها بعصبية.
ـ اخرسي! محدش سمحلك تتكلمي.
رأفت قال بحزم:
ـ لا… خليها تتكلم.
بصت له بسمة بصدمة.
ـ إنت بتديها الإذن تتكلم قدامي؟
ـ لأنها إنسانة… وليها حق تدافع عن نفسها.
اتغير لون وش بسمة.
كانت أول مرة حد يقف قدامها بالشكل ده.
من أول ما اتعرفت على رأفت، كانت متأكدة إن كل كلمة تقولها هتتنفذ.
لكن النهارده…
كل حاجة كانت بتنهار قدام عينيها.
داليا بصت لرأفت وقالت:
ـ لو تسمحلي… أنا ممكن أمشي.
رأفت هز راسه.
ـ لأ… استني.
بعدين بص على كبير الخدم.
ـ يا عم سيد…
ـ أمرك يا باشا.
ـ من النهارده… أي حد يشتغل في البيت ده، سواء خدام أو سواق أو جنايني… يتعامل باحترام كامل.
اللي يغلط في حد منهم… يغلط فيا أنا شخصيًا.
عم سيد حس إن عينيه دمعت.
اشتغل في البيت أكتر من أربعين سنة.
وعمره ما سمع حد من أصحاب البيت يقول الكلام ده.
بسمة ضحكت بسخرية.
ـ معقول؟! بقيت تدافع عن الخدم؟
رأفت رد وهو ثابت مكانه:
ـ بدافع عن الحق.
ـ والحق بقى مع خدامة؟
ـ الحق عمره ما كان له علاقة بالفلوس.
بسمة قربت منه وقالت بصوت منخفض:
ـ إوعى تنسى إن بعد أسبوع كتب كتابنا.
رأفت رد من غير تردد:
ـ مش متأكد إنه هيتم.
الجملة نزلت عليها كأنها صاعقة.
ـ إنت… إنت بتقول إيه؟
ـ بقول إني اكتشفت النهارده جانب في شخصيتك ما ينفعش أعيش معاه.
بسمة شهقت.
ـ عشان موقف تافه؟
ـ اللي إنتِ شايفاه تافه… هو بالنسبة لي اختبار أخلاق.
سكت لحظة.
وبعدين كمل:
ـ والاختبار ده… إنتِ سقطتي فيه.
بسمة فقدت أعصابها.
مسكت أقرب مزهرية كريستال ورمتها على الأرض.
اتكسرت لألف حتة.
ـ إنت هتسيبني عشان دي؟!
وأشارت على داليا باحتقار.
داليا اتراجعت خطوة.
كانت نفسها تختفي من المكان.
لكن رأفت وقف قدامها تلقائيًا، كأنه بيحميها.
الحركة دي خلت كل اللي واقفين يبصوا لبعض.
واحد من رجال الأعمال همس لصاحبه:
ـ أول مرة أشوف رأفت الديب يحمي حد بالشكل ده.
وقبل ما أي حد يتكلم…
دخل أحد الحراس بسرعة وهو بيجري.
وقف وهو بيحاول يلقط نفسه.
ـ باشا…
رأفت بص له.
ـ خير؟
الحارس بلع ريقه وقال:
ـ في راجل عجوز بره الفيلا… مصر يقابلك حالًا.
ـ قال اسمه إيه؟
ـ قال…
وسكت لحظة وهو باصص ناحية داليا.
ثم قال:
ـ قال اسمه… حسن منصور.
في اللحظة دي…
داليا شحب وشها فجأة.
وهمست بصوت مخنوق:
ـ مستحيل…
رأفت عقد حواجبه.
ـ تعرفيه؟
دموع داليا لمعت في عينيها وهي قالت:
ـ ده… اسم أبويا.
عم سيد وقع منه طبق الشاي من الصدمة.
وبص لداليا وهو بيردد بصوت مرتعش:
ـ لا… ده مستحيل…
أبوكي مات من أكتر من عشرين سنة… يبقى مين الراجل اللي واقف بره؟
حكايات شروق خالد
داليا رجليها خانتها.
سندت بإيدها على طرف الترابيزة وهي بتبص للحارس كأنها مش مستوعبة اللي سمعته.
همست بصوت متقطع:
ـ إنت… متأكد من الاسم؟
الحارس هز راسه.
ـ أيوه يا هانم… قال بالحرف: “قولوا لرأفت الديب إن حسن منصور مستنيه… وقولوا لداليا إن أبوها رجع.”
سكتت القاعة كلها.
بسمة ضحكت بسخرية وهي بتحاول تكسر لحظة الصدمة.
ـ باين إنهم عاملين مسرحية علشان يبتزوك يا رأفت.
لكن رأفت ما بصش لها.
كان مركز مع داليا.
وشها بقى أبيض، وإيديها بتترعش.
قرب منها وسألها بهدوء:
ـ إنتِ متأكدة إن والدك مات؟
داليا ردت والدموع مالية عينيها:
ـ أنا اللي حضرت دفنته… أو على الأقل… ده اللي قالوهولنا.
عم سيد فجأة قال بصوت منخفض:
ـ لا… اللي حصل وقتها كان فيه حاجات كتير مستخبية.
رأفت لف له بسرعة.
ـ تقصد إيه؟
عم سيد اتوتر.
ـ أنا… أنا قلت أكتر من اللازم.
رأفت قرب منه.
ـ عم سيد… من تلاتين سنة وإنت في البيت ده. لو تعرف حاجة، هتقولها دلوقتي.
الراجل العجوز نزل عينيه في الأرض.
ـ في الليلة دي… الله يرحمه الحاج كامل الديب رجع البيت ومعاه راجل غرقان دم. كان بيقول للحراس: “حد يعرف إن الراجل ده عايش، هدفعه التمن.”
داليا شهقت.
ـ مين الراجل ده؟
عم سيد رفع عينه ناحيتها.
ـ كان اسمه… حسن منصور.
الصمت رجع يسيطر على المكان.
رأفت حس إن قلبه دق لأول مرة بعنف.
ـ والدي كان يعرف والدها؟
عم سيد هز راسه.
ـ كانوا أصحاب زمان… وبعدين بقوا أعداء.
ـ ليه؟
ـ معرفش… لكن بعد الليلة دي، حسن اختفى… واتقال إنه مات في البحر.
داليا رجعت خطوة.
ـ يعني… أمي كانت بتكدب عليا؟
ـ يمكن كانت بتحميكي.
بسمة صرخت بعصبية:
ـ كفاية بقى! هتصدقوا قصة راجل مجهول؟
رأفت بص لها ببرود.
ـ اسكتي.
ـ إنت كل شوية تقولي اسكتي! أنا خطيبتك!
ـ لحد النهارده بس.
الكلمة وقعت عليها كأنها صفعة.
ـ يعني إيه؟
رأفت شال خاتم الخطوبة من جيبه، وحطه على الترابيزة قدامها.
ـ انتهى كل شيء بينا.
بسمة فتحت عينيها بصدمة.
ـ مستحيل!
ـ أنا مستحيل أكمل حياتي مع واحدة شايفة الناس درجات.
صرخت وهي بتعيط:
ـ هتندم يا رأفت! أنا هخليك تخسر كل حاجة!
ابتسم ابتسامة باردة.
ـ اللي بيهدد… بيكون خسر بالفعل.
في نفس اللحظة…
اتفتح باب الفيلا ببطء.
ودخل راجل كبير في السن، هدومه قديمة، وشعره كله أبيض، وماشي مستند على عصاية.
أول ما داليا شافته…
شهقت.
ملامحه…
نفس الصورة القديمة اللي كانت محتفظة بيها لأبوها.
الراجل وقف قدامها، وعينيه غرقت بالدموع.
رفع إيده المرتعشة ولمس وشها برفق.
وقال بصوت مخنوق:
ـ كبرتي يا داليا…
أنا عارف إنك مستحيل تسامحيني…
بس والله…
أنا ما سبتكوش بإرادتي.
داليا انفجرت في البكاء.
لكن قبل ما ترمي نفسها في حضنه…
سمعوا صوت تصفيق ساخر جاي من باب الفيلا.
لف الجميع.
وكان هناك رجل أنيق في الخمسينات، يبتسم ابتسامة باردة وهو يقول:
ـ يا سلام… لم الشمل خلص؟
ثم ثبت نظره على حسن منصور وقال:
ـ الهارب رجع أخيرًا… بعد خمسة وعشرين سنة.
حسن اتجمد مكانه، وهمس بخوف لأول مرة:
ـ فؤاد السيوفي… إنت لسه عايش؟!
حكايات شروق خالد
ابتسامة فؤاد السيوفي كانت هادية…
لكن عينيه كان فيهم شر يخلي أي حد يقشعر.
دخل القاعة بخطوات ثابتة، وكأن الفيلا بتاعته.
وراه أربعة رجالة ضخمين، كلهم لابسين بدلات سودا.
الحراس بصوا لرأفت مستنيين إشارة واحدة.
رأفت رفع إيده بهدوء.
ـ محدش يتحرك.
فؤاد ضحك وقال:
ـ لسه هادي زي أبوك يا رأفت… بس الهدوء ساعات بيضيع صاحبه.
رأفت رد ببرود:
ـ إنت دخلت بيتي من غير إذن… قول اللي عندك وامشي.
فؤاد وقف قدام حسن منصور.
وبصله باستهزاء.
ـ فاكر إني نسيتك؟
حسن شد على العصاية بإيده.
ـ كنت فاكر إنك هتسيب الماضي يموت.
ـ الماضي؟!
فؤاد ضحك بصوت عالي.
ـ الماضي هو اللي عملنا اللي إحنا فيه دلوقتي.
داليا بصت لأبوها وهي مش فاهمة.
ـ بابا… مين الراجل ده؟
حسن قفل عينيه لحظة.
ولما فتحهم، كان واضح إنه خد قرار عمره.
ـ ده الراجل اللي ضيع عمرنا.
الكل سكت.
حتى بسمة نسيت مصيبتها وفضلت تتابع.
حسن كمل:
ـ من خمسة وعشرين سنة… أنا وأبو رأفت كنا شركا.
كان عندنا شركة نقل بحري صغيرة.
اشتغلنا ليل ونهار لحد ما وقفنا على رجلينا.
وفجأة ظهر فؤاد.
عرض علينا ندخل معاه في شغل ممنوع.
رأفت عقد حواجبه.
ـ شغل إيه؟
حسن رد:
ـ تهريب.
القاعة اتجمدت.
ـ أنا رفضت.
وأبوك رفض.
لكن فؤاد ماكنش بيتقبل كلمة “لا”.
فؤاد ابتسم وهو بيصفق ببطء.
ـ كمل…
احكي الباقي.
حسن بص لداليا.
ـ في ليلة واحدة…
اتحرقت مخازننا.
واتقتل اتنين من رجالتنا.
واتلفقلي أنا تهمة.
ولما حاولت أبلغ…
اكتشفت إن الشرطة كلها متشتريه.
داليا دموعها نزلت.
ـ يعني كنت بريء؟
ـ أيوه يا بنتي.
ـ طب ليه سبتنا؟
حسن صوته اتكسر.
ـ لأنهم قالولي…
يا إما أختفي…
يا إما يقتلوكي إنتِ وأمك.
داليا شهقت.
ـ وأمي كانت عارفة؟
ـ كانت عارفة كل حاجة.
بس وافقت تكرهيني…
ولا تشوفك ميتة.
داليا جريت عليه.
ورمت نفسها في حضنه وهي بتعيط.
ـ ليه يا بابا…
ليه سيبتني أكبر من غيرك؟
حسن حضنها بقوة.
ـ كل يوم كنت بموت ألف مرة.
حتى عيد ميلادك…
كنت باجي أقف بعيد وأشوفك من غير ما تعرفي.
رأفت كان واقف ساكت.
حاسس إن في أجزاء من تاريخ أبوه عمره ما عرفها.
بص لفؤاد.
ـ لو الكلام ده حقيقي…
يبقى أنت السبب في كل اللي حصل.
فؤاد ابتسم.
ـ لا…
ده مجرد أول السر.
رفع إيده.
وأحد رجالته طلع ظرف أصفر قديم.
فؤاد رماه على الترابيزة.
ـ افتحه يا رأفت.
رأفت فتح الظرف.
كان فيه صورة قديمة.
أول ما شافها…
وشه اتغير.
الصورة كانت لأبوه…
واقف جنب حسن منصور…
وشخص تالت.
رأفت همس:
ـ مستحيل…
داليا قربت تشوف الصورة.
وتجمدت مكانها.
الشخص التالت…
كان عم سيد.
كبير الخدم.
الكل بص ناحية عم سيد.
الراجل العجوز بدأ جسمه يترعش.
والعرق نزل من على جبينه.
رأفت قرب منه وقال بصوت حاد لأول مرة:
ـ عم سيد…
إنت كنت معاهم؟
عم سيد دموعه نزلت.
وقال بصوت مكسور:
ـ أيوه يا باشا…
وأنا كمان…
خنتهم.
حكايات شروق خالد
عم سيد وقع على الكرسي كأن رجليه ما بقتش شايلة جسمه.
إيده كانت بتترعش وهو بيخبّي وشه.
داليا بصت له بصدمة.
ـ إنت؟! إنت اللي كنت دايمًا بتعاملني كويس… إزاي تقول إنك خنتهم؟
عم سيد انفجر في العياط.
ـ والله ما كنت عايز… والله ما كنت عايز.
رأفت ضرب بإيده على الترابيزة.
ـ اتكلم!
عم سيد انتفض من صوته.
ـ فؤاد خطف مراتي وابني… وقال لي لو ما قلتلوش حسن وأبوك رايحين فين، هيوصلولي جثثهم.
فؤاد ضحك وهو بيهز راسه.
ـ وفي الآخر برضه ماتوا.
عم سيد بصله بنظرة مليانة كراهية.
ـ إنت قتلتهم… بعد ما نفذت اللي طلبته.
القاعة كلها سكتت.
داليا حطت إيدها على بقها من الصدمة.
أما رأفت فكان بيبص لفؤاد بنظرة عمرها ما ظهرت في عينه قبل كده.
ـ يعني كل الدم ده… بسببك؟
فؤاد فرد دراعيه بثقة.
ـ الإمبراطوريات ما بتتبنيش بالرحمة يا رأفت.
رأفت قرب منه خطوة.
ـ وأنت فاكر نفسك إمبراطور؟
ـ لا… أنا اللي صنعت الإمبراطورية اللي أبوك سرقها مني.
حسن صرخ لأول مرة.
ـ كداب!
كل العيون راحت ناحيته.
ـ كامل الديب عمره ما سرق حد… بالعكس، هو اللي رفض يشتغل في الحرام، وإنت حاولت تقتله.
فؤاد ابتسم ابتسامة باردة.
ـ للأسف… كان لازم يموت.
رأفت حس إن الدم جرى في عروقه بسرعة.
ـ إيه؟
فؤاد بصله في عينه وقال بكل برود:
ـ أبوك ما ماتش حادث… أنا اللي دبّرت موته.
الجملة نزلت على رأفت كأنها رصاصة.
ـ إنت… بتقول إيه؟
ـ العربية اللي خبطته… كانت بتاعتي.
داليا شهقت.
عم سيد نزل راسه وهو بيبكي.
أما حسن فقفل عينيه بألم.
رأفت قرب من فؤاد لحد ما بقوا وش لوش.
ـ عندك دليل على اللي بتقوله؟
فؤاد ضحك.
ـ أنا مش محتاج دليل… لأن محدش هيصدقك.
وفجأة…
طلع ريموت صغير من جيبه.
وضغط على زر.
في نفس اللحظة…
انطفأت كل أنوار الفيلا.
واتحول المكان لظلام دامس.
بدأت أصوات صريخ الخدم تتعالى.
حد كسر إزاز.
حد وقع على الأرض.
وصوت رصاصة دوّى في المكان.
وبعد ثوانٍ…
رجعت الأنوار.
الكل لف حوالين نفسه في ذعر.
بس أول شخص شافته داليا…
خلّى صرختها هزت الفيلا كلها.
حسن منصور كان واقع على الأرض.
والدم بينزل من صدره.
أما فؤاد السيوفي…
فكان اختفى، كأنه اتبخر.
حكايات شروق خالد
صرخة داليا شقت سكون الفيلا.
ـ بابااااا!
جريت ناحيته ووقعت على ركبتيها، حطت إيديها على صدره وهي بتحاول توقف الدم.
لكن الدم كان بينساب بين صوابعها بسرعة.
حسن فتح عينيه بصعوبة، وبص لبنته.
ابتسم ابتسامة ضعيفة.
ـ أخيرًا… ناديتيني يا بنتي.
داليا كانت بتعيط بهستيريا.
ـ متتكلمش… حد يجيب دكتور! إسعاف بسرعة!
رأفت لف على الحراس وهو بيزعق لأول مرة:
ـ اقفلوا كل البوابات! محدش يخرج من الفيلا! فتشوا كل ركن… فؤاد لسه بعيدش!
الحراس انطلقوا يجَروا في كل الاتجاهات.
واحد منهم رجع بعد دقيقة وهو بيقول:
ـ يا باشا… العربية بتاعته لسه بره… لكنه اختفى.
رأفت قبض على إيده بعنف.
ـ مستحيل يختفي كده… حد ساعده.
في اللحظة دي…
كل العيون راحت ناحية بسمة.
كانت واقفة في آخر القاعة، وشها أصفر، لكن ملامحها ما كانتش ملامح واحدة مصدومة…
كانت ملامح واحدة خايفة.
رأفت قرب منها ببطء.
ـ إنتِ تعرفي فؤاد؟
بسمة هزت راسها بسرعة.
ـ لأ… أول مرة أشوفه.
رأفت مد إيده ومسَك موبايلها.
ـ اديني التليفون.
ـ ليه؟
ـ اديني التليفون.
حاولت تخبيه ورا ضهرها.
لكن رأفت شده منها.
فتح سجل المكالمات…
وساعتها اتجمد مكانه.
آخر مكالمة…
من عشر دقايق بس.
الاسم المسجل:
“العم فؤاد”.
رفع عينه ببطء وبصلها.
ـ العم؟!
بسمة بدأت تتراجع لورا.
ـ رأفت… اسمعني.
ـ يعني كنتِ تعرفيه.
ـ الموضوع مش زي ما إنت فاهم.
ـ أومال إزاي؟
سكتت.
رأفت زعق:
ـ انطقي!
بسمة انفجرت:
ـ أيوه أعرفه!
الكل بص لها.
ـ هو… هو خالي.
داليا بصتلها بعدم تصديق.
ـ خالك؟!
بسمة مسحت دموعها بسرعة.
ـ أمي كانت أخته… بس محدش يعرف.
كان قايل لنا من سنين إن عيلة الديب سرقت حقه… وإن أنا لازم أتجوز رأفت علشان أرجع كل حاجة.
رأفت حس الأرض بتميد بيه.
ـ يعني خطوبتنا…
ـ كانت خطة.
ـ وحبك؟
بسمة نزلت عينيها.
ـ كان تمثيل… في الأول.
رأفت ضحك ضحكة كلها وجع.
ـ وفي الآخر؟
بسمة سكتت.
ولأول مرة…
ما عرفتش تجاوب.
في نفس اللحظة، حسن شد داليا من إيدها بصعوبة.
كان نفسه بيطلع بالعافية.
قال بصوت متقطع:
ـ داليا…
ـ أنا معاك يا بابا.
ـ في… في درج المكتب…
ملف… أحمر…
خديه…
قبل… قبل ما…
الكلمة وقفت.
رأسه مال على جنب.
وداليا فضلت تهزه وهي بتصرخ:
ـ بابا!… بابا افتح عينيك!… متسبنيش تاني!
لكن حسن ما ردش.
عم سيد غمض عينيه وهو بيقرأ الفاتحة بصوت مكسور.
أما رأفت…
فكان واقف مكانه، وعينيه معلقة على الرجل اللي مات وهو بيحاول يقول الحقيقة.
ثم رفع رأسه ببطء.
وبص ناحية المكتب.
الملف الأحمر…
اللي قبل موته، حسن خاطر بحياته عشان يوصل رسالته.
ورأفت كان متأكد من حاجة واحدة…
الملف ده هيكشف السر اللي هيقلب تاريخ عيلة الديب كلها رأسًا على عقب.
حكايات شروق خالد
داليا كانت لسه محتضنة أبوها، ودموعها بتنزل من غير صوت.
مش قادرة تستوعب.
رجع لها بعد سنين طويلة…
وراح منها في نفس الليلة.
رأفت قرب منها، ونزل على ركبته جنبها.
قال بهدوء:
ـ داليا…
بصت له بعينين حمرا من كتر العياط.
ـ أوعى تقول لي “البقاء لله”… أنا حتى ملحقتش أشبع منه.
رأفت سكت.
لأول مرة في حياته، ما لقىش كلام يواسي بيه حد.
مد إيده وساعدها تقوم.
ـ أوعدك… دم والدك مش هيروح هدر.
داليا مسحت دموعها بطرف كمها.
ـ مش عايزة وعود.
ـ أومال عايزة إيه؟
بصت له بقوة، رغم الانكسار اللي جواها.
ـ عايزة الحقيقة.
رأفت هز راسه.
ـ وهتعرفيها.
لف ناحية عم سيد.
ـ المكتب… حالًا.
…
بعد دقائق…
دخل رأفت وداليا وعم سيد مكتب الحاج كامل الديب.
كانت أوضة كبيرة، كلها خشب قديم، وريحة الكتب المالية المكان.
رأفت وقف قدام المكتب.
فتح أول درج…
مفيش حاجة.
فتح التاني…
أوراق وعقود.
التالت…
فاضي.
داليا افتكرت كلام أبوها.
ـ قال… “الملف الأحمر في الدرج.”
رأفت وقف يفكر.
بعدين حط إيده تحت سطح المكتب من ناحية اليمين.
حس بحاجة غريبة.
ضغط عليها.
فجأة…
سمعوا صوت “تك”.
وطلع درج سري صغير.
عم سيد شهق.
ـ يا ساتر…
رأفت فتحه.
كان جواه ملف أحمر قديم، وعليه طبقة تراب كأنه متفتحش من سنين.
داليا إيديها كانت بتترعش وهي بتبص للملف.
رأفت فتحه بهدوء.
أول ورقة كانت مكتوب عليها بخط الحاج كامل:
“لو الملف ده اتفتح… يبقى أنا أو حسن بقينا مش موجودين.”
الكل سكت.
رأفت كمل قراءة.
> “ابني رأفت… لو بتقرا الكلام ده، يبقى الشخص اللي كنت بخاف منه وصل. فؤاد السيوفي عمره ما كان مجرد منافس. كان شريك لواحد أكبر منه… واحد محدش يعرف اسمه الحقيقي.”
رأفت قلب الصفحة بسرعة.
الورقة اللي بعدها كان فيها صور.
صور لاجتماعات قديمة.
فيها أبوه…
وحسن…
وفؤاد…
وشخص رابع.
وشه متغطي، لكن كان لابس خاتم ضخم عليه رسم عقرب.
عم سيد أول ما شاف الخاتم، وشه اصفر.
ـ لا…
رأفت رفع عينه.
ـ تعرفه؟
عم سيد بلع ريقه.
ـ الخاتم ده… بتاع منظمة اسمها العقرب.
داليا استغربت.
ـ منظمة؟
عم سيد هز راسه.
ـ أخطر شبكة كانت بتتحكم في المواني والتهريب زمان.
محدش يعرف مين رئيسها.
ولا حد شاف وشه.
رأفت قلب الورقة الأخيرة.
كان فيها سطر واحد.
“لو فؤاد اتحرك… اعرف إن رئيس العقرب رجع مصر.”
في اللحظة دي…
سمعوا صوت تليفون المكتب بيرن.
الغريب…
إن الخط ده مقطوع من سنين.
رأفت بص لداليا.
ثم مد إيده ورفع السماعة.
جاله صوت رجل كبير، هادئ جدًا.
ـ مساء الخير يا رأفت…
واضح إنك فتحت الملف.
رأفت اتجمد.
ـ مين؟
الرجل ضحك ضحكة خفيفة.
ـ أنا الراجل اللي أبوك قضى عمره كله بيستخبى منه.
وسابك لحد دلوقتي تكبر…
علشان تبقى جاهز.
رأفت قبض على السماعة.
ـ قول اسمك.
رد الرجل بكل هدوء:
ـ الناس بتناديني…
العقرب.
حكايات شروق خالد
رأفت قبض على سماعة التليفون لدرجة إن صوابعه ابيضّت.
قال بصوت حاد:
ـ إنت فين؟
الراجل ضحك ضحكة قصيرة.
ـ لو كنت عايز تعرف أنا فين… يبقى إنت لسه ما تعرفنيش.
ـ إنت اللي قتلت أبويا؟
ـ لا.
ـ يبقى فؤاد؟
ـ فؤاد مجرد بيدق بيتحرك على الرقعة… إنما اللي بيحركه غيره.
رأفت سكت.
الراجل كمل:
ـ افتح الصفحة الأخيرة في الملف.
رأفت قلب الورق بسرعة.
في آخر الملف كان فيه ظرف أبيض صغير، مقفول بالشمع الأحمر.
فتح الظرف.
طلع منه مفتاح نحاس قديم.
ومعاه ورقة مكتوب عليها:
“مخزن رقم 17 – الميناء القديم.”
العقرب قال من الناحية التانية:
ـ لو عايز تعرف مين قتل أبوك… ومين حاول يقتل حسن… ومين كان عايز داليا تشتغل في الفيلا… روح هناك.
داليا اتكلمت لأول مرة:
ـ إنت تعرفني؟
العقرب ضحك.
ـ أعرف عنك أكتر ما إنتِ تعرفي عن نفسك.
داليا اتوترت.
ـ تقصد إيه؟
ـ اسألي أمك… لو كانت لسه عايشة.
الخط اتقفل.
…
الهدوء سيطر على المكتب.
رأفت بص لداليا.
ـ أمك قالتلك أي حاجة قبل ما تموت؟
داليا هزت راسها بالنفي.
ـ آخر حاجة قالتها لي كانت… “لو الدنيا ضاقت بيكي… روحي بيت الديب.”
عم سيد رفع رأسه فجأة.
ـ يا نهار أبيض…
رأفت بصله.
ـ مالك؟
ـ دي نفس الجملة…
اللي الحاج كامل قالها لحسن قبل ما يختفي.
رأفت عقد حواجبه.
ـ يعني إيه؟
عم سيد بلع ريقه.
ـ يعني أبوك كان مستني اليوم ده من سنين.
…
بعد ساعة.
أربع عربيات سوداء خرجت من الفيلا في اتجاه الميناء القديم.
الجو كان ضلمة، والهوا جاي من البحر ببرودة غريبة.
وقفوا قدام مخزن قديم، متآكل، مكتوب عليه بالصدأ:
17
رأفت نزل من العربية.
بص للمفتاح اللي في إيده.
ودخله في القفل.
القفل اتفتح من أول محاولة.
الباب الحديد أصدر صريرًا عاليًا وهو بيتفتح ببطء.
ريحة التراب والرطوبة خرجت من جوه.
الحراس دخلوا الأول.
وفجأة واحد منهم صرخ:
ـ يا باشا… لازم تشوف ده.
رأفت جري ناحيته.
وفي منتصف المخزن…
كانت فيه عربية قديمة مغطاة بمشمع.
شالوا الغطا.
داليا حطت إيدها على بقها.
العربية كانت محطمة من الأمام.
ورقمها…
هو نفس رقم العربية اللي قالوا إن والد رأفت مات فيها.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في المقعد الخلفي.
كان فيه صندوق خشبي صغير.
رأفت فتحه.
ولقى جواه ساعة يد قديمة، ومحفظة جلد، وشريط كاسيت مكتوب عليه بخط اليد:
“الحقيقة… لو مت، شغّل الشريط.”
داليا همست:
ـ ده خط أبوك؟
رأفت هز رأسه.
ـ أيوه…
قبل ما يقدر يفتح جهاز التشغيل، دوّى صوت إطلاق نار من خارج المخزن.
طاخ… طاخ… طاخ!
الحراس احتموا بسرعة خلف الأعمدة.
واحد منهم صرخ:
ـ كمين! إحنا محاصرين!
رأفت سحب داليا ووراها صندوق حديدي.
وبص من فتحة الباب.
كان فيه أكتر من عشر عربيات واقفة.
ورجالة مسلحين بينزلوا منها.
وفي وسطهم…
نزل فؤاد السيوفي، وهو بيبتسم بثقة.
رفع صوته وقال:
ـ سلّموا الشريط يا رأفت… وإلا أول رصاصة هتكون في رأس داليا!
حكايات شروق خالد
رأفت شد داليا ورا عمود خرساني، ومد إيده بهدوء ناحية الحارس اللي جنبه.
الحارس فهم من غير كلام، واداله مسدسه.
داليا مسكت دراع رأفت بسرعة.
ـ لأ… متخرجش. دول كتير.
رأفت بص لها بعينين ثابتتين.
ـ لو سلّمت الشريط… يبقى أبويا مات على الفاضي.
برا المخزن، صوت فؤاد رجّ المكان.
ـ عندك عشر ثواني يا رأفت!
ـ عشرة…
ـ تسعة…
الحراس بصوا لرأفت مستنيين أوامره.
لكن رأفت كان مركز على الشريط اللي في إيده.
بص لعم سيد.
ـ فيه جهاز كاسيت هنا؟
عم سيد افتكر فجأة.
ـ أيوه… في أوضة الحارس القديمة آخر المخزن.
رأفت ناول الشريط لداليا.
ـ خديه.
اتصدمت.
ـ أنا؟
ـ لو حصل لي حاجة… متخليش الشريط يقع في إيد أي حد.
ـ وأنا مش هسيبك.
ابتسم لأول مرة من بداية الليلة.
ـ عنيدة…
ردت وهي دموعها نازلة:
ـ اتعلمت العند من الدنيا.
فجأة…
دوشششش!
رصاصة اخترقت باب المخزن.
بعدها وابل من الرصاص.
الإزاز اتكسر.
والحراس بدأوا يردوا بالنار.
المكان اتحول لساحة حرب.
فؤاد صرخ من بره:
ـ اقتحموا المخزن!
خمسة رجال اندفعوا للداخل.
أول واحد رفع سلاحه ناحية رأفت.
لكن قبل ما يضرب…
طاخ!
رأفت سبقه.
الراجل وقع على الأرض.
التاني جري ناحية داليا.
صرخت.
وقبل ما يوصلها…
عم سيد ضربه بقضيب حديد على راسه.
وقع فاقد الوعي.
رأفت بص لعم سيد باستغراب.
ـ لسه تعرف تضرب؟
عم سيد مسح الدم من على جبينه.
ـ يمكن كبرت…
بس لسه عندي حساب قديم مع فؤاد.
في اللحظة دي…
داليا وصلت لأوضة الحارس.
كانت صغيرة ومليانة تراب.
على رف مكسور لقت جهاز كاسيت قديم.
إيديها كانت بتترعش وهي حطت الشريط.
ضغطت زر التشغيل.
طلع صوت تشويش…
وبعدين صوت رجل.
هادئ…
وقوي.
“أنا كامل الديب… ولو التسجيل ده شغال، يبقى أنا غالبًا بقيت ميت.”
داليا شهقت.
كان صوت والد رأفت.
بره، الرصاص لسه شغال.
لكنها فضلت تسمع.
“اللي قتلني مش فؤاد… فؤاد كان مجرد منفذ.”
رأفت أول ما سمع الجملة، جري ناحية الجهاز.
وقف يسمع وهو نفسه محبوس.
الصوت كمل:
“الشخص الحقيقي… موجود وسط أقرب الناس ليك.”
رأفت بص تلقائيًا ناحية عم سيد.
عم سيد اتجمد.
لكن التسجيل كمل بسرعة.
“ولو عم سيد بيسمع التسجيل ده… يبقى أنا سامحته. لأنه خانني تحت التهديد… لكنه رجع وأنقذ ابني.”
عم سيد وقع على ركبته وهو بيبكي.
ـ سامحني يا كامل…
الصوت في التسجيل سكت لحظة.
ثم قال جملة خلت الدم يتجمد في عروق الجميع:
“أما الشخص اللي لازم تحذر منه… فهو اللي هيظهر بعد موت حسن مباشرة… لأنه الوحيد اللي يعرف مكان الشريط.”
رأفت عقد حواجبه.
ـ بس فؤاد ظهر فعلًا…
داليا همست:
ـ يعني هو…
قبل ما تكمل…
سمعوا صوت تصفيق جاي من آخر المخزن.
ببطء…
خرج رجل من بين الضلمة.
لابس بدلة رمادي.
وشه هادي.
وبيبتسم.
الغريب…
إن كل الحراس نزلوا سلاحهم أول ما شافوه.
حتى فؤاد، اللي كان واقف عند الباب، انحنى برأسه باحترام وقال:
ـ أهلاً يا باشا… لقد وصلنا قبلهم.
الرجل رفع عينه ناحية رأفت.
وقال بابتسامة غامضة:
ـ أخيرًا اتقابلنا…
يا ابن أخويا.
حكايات شروق خالد
رأفت حس كأن الزمن وقف.
حدق في الرجل وهو مش مستوعب اللي سمعه.
ـ ابن… أخوك؟!
الرجل ابتسم بهدوء، ومشى خطوتين لقدام.
كان في أوائل الستينات، شعره مخلوط بالأبيض، لكن حضوره كان يخلي أي حد في المكان ينسى فؤاد نفسه.
قال بصوت واطي:
ـ أيوه… أنا منير الديب.
داليا بصت لرأفت.
ـ إنت عندك عم؟
رأفت هز راسه ببطء.
ـ لأ…
ثم بص للرجل.
ـ أبويا كان بيقول إنه كان وحيد.
منير ضحك بسخرية.
ـ كان لازم يقول كده… لأنه دفني وأنا لسه عايش.
عم سيد أول ما شافه، وشه شحب.
ـ مستحيل…
ـ عم سيد… لسه عايش؟
ـ إنت… إنت مت!
منير رد وهو بيخلع جوانتي أسود من إيده.
ـ اللي مات… هو الحقيقة.
رأفت قرب منه خطوة.
ـ لو فعلًا عمي… فين كنت كل السنين دي؟
منير تنهد.
ـ في السجن.
ـ سجن؟
ـ عشرين سنة… بسبب جريمة أنا ما عملتهاش.
داليا سألت باستغراب:
ـ مين لفّقها لك؟
منير رفع عينه ناحية فؤاد.
ـ هو.
فؤاد ابتسم بثقة.
ـ أثبت.
منير رد:
ـ هثبت… بس الأول خليني أقول الحقيقة كاملة.
رأفت قال بحدة:
ـ الحقيقة دلوقتي.
منير هز راسه.
ـ زمان… أنا وكامل وحسن كنا إخوات قبل ما نكون شركا.
حلمنا نبني شركة كبيرة.
لكن فؤاد دخل بينا، ولما فشل يسيطر علينا، بدأ يوقع بينا.
لفّقلي قضية قتل.
دخلت السجن.
وكامل افتكر إني خنته.
ومن يومها… قطع أي سيرة ليا.
رأفت سأله:
ـ ليه ما رجعتش بعد ما خرجت؟
منير سكت لحظة.
ثم قال:
ـ لأن اللي خرج من السجن… ما كانش حر.
داليا استغربت.
ـ يعني إيه؟
منير بص حواليه.
ـ لأن “العقرب” اشتراني.
الاسم نزل على المكان زي الصاعقة.
فؤاد ابتسم ابتسامة واسعة.
ـ أخيرًا قلتها.
رأفت بص لمنير.
ـ يعني إنت بتشتغل مع العقرب؟
منير قفل عينيه.
ـ كنت.
ـ وكنت السبب في موت أبويا؟
منير فتح عينيه بسرعة.
ـ لا!
ـ أومال مين؟
منير قال بصوت منخفض:
ـ العقرب الحقيقي.
رأفت زعق:
ـ ومن هو؟
منير رفع صباعه ببطء…
وأشار ناحية شخص واقف في آخر المخزن.
كان لابس بدلة الحراس.
واقف من أول الهجوم.
ولا حد خد باله منه.
الرجل خلع الكاب من على راسه…
وابتسم.
عم سيد صرخ:
ـ سامي؟!
كان سامي… رئيس حرس رأفت.
الراجل اللي شغال معاه من خمس عشرة سنة.
واللي رأفت كان بيثق فيه أكتر من أي حد.
سامي بدأ يصفق وهو بيضحك.
ـ ممتاز يا منير… أخيرًا قلت الحقيقة.
رأفت بصله بعدم تصديق.
ـ إنت؟
سامي ابتسم.
ـ أيوه…
أنا العقرب.
ساد صمت ثقيل.
ثم قال سامي وهو بيبص لرأفت مباشرة:
ـ وكل اللي حصل الليلة دي…
كان مجرد أول خطوة في اللعبة.
ورفع مسدسه…
ووجهه مباشرة ناحية داليا.
حكايات شروق خالد
سامي ثبت المسدس على رأس داليا.
ابتسامته كانت هادئة… وده كان أكثر شيء مرعب فيه.
رأفت مد إيده قدام داليا بشكل تلقائي.
وقال بصوت منخفض:
ـ لو عايز تضرب… اضربني أنا.
سامي ضحك.
ـ لسه زي أبوك… مستعد يموت علشان يحمي اللي بيحبهم.
داليا همست وهي واقفة ورا رأفت:
ـ ابعد… هيقتلك.
رأفت من غير ما يبصلها قال:
ـ طول ما أنا واقف… محدش هيلمسك.
فؤاد قرب من سامي وقال:
ـ خلصنا بقى.
لكن سامي رفع إيده يمنعه.
ـ اسكت.
الصمت نزل على المخزن.
سامي بص لرأفت وقال:
ـ تعرف إيه أكبر غلطة عملها أبوك؟
رأفت رد بحدة:
ـ إنه وثق في ناس زيك.
سامي هز راسه.
ـ لا…
أكبر غلطة إنه كان فاكر إن الفلوس هي القوة.
القوة الحقيقية…
إنك تخلي الناس تنفذ أوامرك وهي فاكرة إنها بتختار بإرادتها.
عم سيد صاح بغضب:
ـ كفاية فلسفة… قول عايز إيه.
سامي ابتسم.
ـ عايز حاجة بسيطة جدًا.
لف ناحية داليا.
ـ الملف الأحمر.
داليا ضمت الملف لصدرها.
ـ مستحيل.
ـ يبقى هتموتي.
رأفت بص لداليا.
ـ متسلمهوش.
سامي ضغط بإصبعه على الزناد.
ـ آخر فرصة.
داليا كانت بتتنفس بسرعة.
لو سلمت الملف…
الحقيقة هتضيع.
ولو رفضت…
رأفت ممكن يموت قدامها.
في اللحظة دي…
افتكرت آخر كلمة قالها أبوها:
“الحقيقة أغلى من العمر.”
رفعت رأسها.
وبصت لسامي بثبات.
ـ اقتلني.
لكن الملف مش هيطلع من إيدي.
سامي سكت.
وبعدين…
ابتسم.
ـ كنت مستني الجواب ده.
فجأة وجه المسدس ناحية فؤاد.
قبل ما أي حد يفهم…
طاخ!
الرصاصة اخترقت صدر فؤاد.
فؤاد رجع لورا وهو فاتح عينيه بذهول.
بص لسامي وهو بيشرق دم.
ـ ليه…؟
سامي رد ببرود:
ـ لأنك بقيت عبء.
وقع فؤاد على الأرض…
ومات قبل ما ينطق كلمة تانية.
الكل اتجمد.
حتى الحراس.
سامي لف ناحية رأفت.
ـ شفت؟
أنا حتى رجالي… لو انتهى دورهم، بشيلهم من الطريق.
رأفت قبض على المسدس بقوة.
ـ إنت مريض.
ـ لا…
أنا راجل بخلص شغلي.
وفي لحظة خاطفة…
رأفت استغل انشغال سامي.
ارتمى على داليا، وزقها بعيد.
وفي نفس اللحظة دوى إطلاق نار من كل الاتجاهات.
المخزن اتحول لفوضى.
الرصاص بيطير.
الحديد بيتكسر.
والكل بيجري يحتمي.
وسط الدخان…
سامي اختفى.
كأنه اتبخر.
بعد دقائق…
الهدوء رجع.
رأفت قام وهو بيدور بعينيه.
ـ داليا!
ماحدش رد.
قلبه وقع.
فضل يجري بين الصناديق.
ـ داليا!… داليا!
عم سيد جري ناحيته.
ـ مش لاقيينها يا باشا.
رأفت وقف مكانه.
وشه بقى شاحب.
على الأرض…
كان فيه الملف الأحمر.
لكن داليا…
اختفت.
وبجانب الملف…
ورقة مطوية.
فتحها بسرعة.
كان مكتوب فيها بخط سامي:
“لو عايز تشوفها تاني… تعال وحدك. ولو جبت الشرطة… هترجعلك جثة.”
حكايات شروق خالد
رأفت فضل ماسك الورقة، وعينيه ثابتة عليها.
كل اللي حواليه كان بيتكلم…
لكن هو ما كانش سامع أي صوت.
عم سيد قرب منه بحذر.
ـ يا باشا…
رأفت قطع الورقة حتت صغيرة، وقال بهدوء مخيف:
ـ جهزوا العربيات.
عم سيد اتوتر.
ـ هنبلغ الشرطة؟
ـ لا.
ـ بس…
رأفت لف له، وكانت عينيه كلها نار.
ـ اللي خطف داليا عايزني أبلغ الشرطة… علشان يقتلها.
سكت لحظة.
وبعدين قال:
ـ المرة دي… هروح له أنا.
—
في نفس الوقت…
داليا فتحت عينيها ببطء.
كان دماغها بيوجعها.
حاولت تتحرك…
اكتشفت إن إيديها متربطة في كرسي حديد.
المكان ضلمة، والريحة رطوبة، وصوت الموج باين إنه قريب.
همست لنفسها:
ـ أنا فين؟
جايلها صوت تصفيق هادي.
خرج سامي من الضلمة.
كان شايل فنجان قهوة، وابتسامة باردة على وشه.
ـ صباح الخير يا داليا.
بصت له بغضب.
ـ لو راجل… فك قيودي.
ضحك.
ـ عجباني شجاعتك.
ـ الشجاعة إنك تواجه… مش تخطف بنت.
سامي قعد قدامها.
ـ تعرفي ليه اخترتك؟
ـ علشان مريض.
ـ لا…
علشان إنتِ أهم مفتاح في اللعبة كلها.
داليا عقدت حواجبها.
ـ أنا خدامة فقيرة… مفتاح إيه؟
سامي ابتسم.
ـ لحد دلوقتي… فاكرة نفسك خدامة.
مد إيده ناحية ترابيزة صغيرة، وشغّل جهاز عرض قديم.
ظهرت صورة لست شابة، حضناها طفل رضيع.
داليا شهقت.
ـ دي… أمي.
ـ أيوه.
ـ والطفل؟
سامي بصلها مباشرة.
ـ إنتِ.
داليا هزت راسها.
ـ طبيعي.
سامي ابتسم.
ـ لا…
الراجل اللي شايلك في الصورة…
مش حسن منصور.
داليا حسّت قلبها وقف.
ـ إنت بتكدب.
ـ بصي كويس.
كبر الصورة.
وش الراجل ظهر بوضوح.
داليا عمرها ما شافته قبل كده.
ـ مين ده؟
سامي قال بهدوء:
ـ والدك الحقيقي.
داليا صرخت:
ـ مستحيل!
ـ حسن رباكي…
لكن عمره ما كان أبوكي.
الصدمة خلت داليا تسكت.
كانت بتحاول تستوعب.
سامي قرب منها.
ـ وأمك خبت السر ده طول عمرها.
ـ ليه؟
ـ لأنها كانت خايفة.
ـ من مين؟
سامي ابتسم.
ـ مني.
—
في نفس اللحظة…
عربية رأفت كانت بتجري بأقصى سرعة على طريق ساحلي مهجور.
جنبه عم سيد.
وفجأة…
تليفون رأفت رن.
رقم مجهول.
رد فورًا.
ـ فين داليا؟
جاله صوت سامي.
ـ مستعجل ليه؟
ـ لو لمستها…
ـ هدي أعصابك.
رأفت صرخ:
ـ قول عايز إيه.
سامي ضحك.
ـ عايزك تيجي لوحدك.
ـ المكان؟
ـ المصنع القديم بتاع السفن.
ـ ولو جيت؟
ـ هتعرف الحقيقة.
ـ ولو مجتش؟
ـ هتبقى آخر مرة تسمع صوتها.
وقفل الخط.
رأفت لف العربية فجأة.
عم سيد قال بقلق:
ـ يا باشا… ده فخ.
رأفت رد من غير تردد:
ـ عارف.
ـ وبرضه رايح؟
ـ حتى لو هرجع ميت…
هرجع بيها.
لكن في نفس اللحظة…
في مكان بعيد، فوق سطح المصنع القديم…
كان سامي واقف، ومعاه قناص ماسك منظار البندقية.
القناص سأل:
ـ أول ما عربية رأفت تدخل… أضرب؟
سامي ابتسم وهو بيراقب الطريق.
ثم قال بهدوء:
ـ لا…
استنى لما ينزل… أنا عايزه يشوف داليا بتموت قدام عينيه الأول.
حكايات شروق خالد
عربية رأفت وقفت على بعد أمتار من المصنع القديم.
المكان كان مهجور من سنين.
هياكل سفن صدئة، وأوناش واقفة من غير حركة، والبحر صوته عالي بشكل يخوف.
عم سيد فتح باب العربية بسرعة.
ـ يا باشا… استنى! دي واضحة إنها مصيدة.
رأفت نزل وهو بيبص للمصنع.
ـ عارف.
ـ أمال داخل ليه؟
رأفت رد من غير ما يلف:
ـ لأن داليا جوا.
وفي اللحظة دي…
طلع صوت من سماعات متعلقة فوق بوابة المصنع.
كان صوت سامي.
ـ برافو يا رأفت… جيت في معادك.
رأفت رفع راسه.
ـ أنا هنا… سيبها.
ضحكة سامي اتسمعت في المكان كله.
ـ بالسهولة دي؟
البوابة الحديد الضخمة بدأت تتفتح ببطء.
ورأفت دخل لوحده.
أول ما دخل…
الباب اتقفل وراه بقوة.
دووووم!
عم سيد جري ناحية الباب وخبط عليه بكل قوته.
ـ افتحوا!… رأفت!
لكن مفيش أي رد.
…
من جوه…
كان المكان واسع جدًا.
والنور خافت.
وفي آخر العنبر…
كانت داليا مربوطة في كرسي.
أول ما شافته صرخت:
ـ رأفت!… امشي… دي مصيدة!
رأفت جري ناحيتها.
لكن قبل ما يوصل…
اشتغلت عشرات الكشافات مرة واحدة.
نورها كان قوي لدرجة إنه غمض عينه.
ولما فتحها…
لقى أكتر من عشرين راجل مسلح واقفين حواليه.
وفي النص…
واقف سامي.
وبيسقف ببطء.
ـ شجاع… أو غبي.
لسه محتار أحدد.
رأفت وقف مكانه.
ـ سيبها.
ـ أكيد.
بس الأول…
عايزك تسمع حاجة.
أشار بإيده.
واحد من رجالته جاب شاشة كبيرة.
شغلها.
ظهر عليها فيديو قديم.
جودة الصورة كانت ضعيفة.
لكن الوجوه كانت واضحة.
رأفت اتجمد.
اللي في الفيديو…
كان والده كامل الديب…
واقف مع أم داليا.
وكان بينهم طفل رضيع.
داليا شهقت.
ـ دي… أمي.
الفيديو كان فيه صوت.
كامل قال وهو شايل الطفل:
ـ أوعدك يا هدى… البنت دي هتفضل في أمان مهما حصل.
هدى ردت وهي بتبكي:
ـ لو جرالي حاجة… متقولهاش الحقيقة غير لما تكبر.
الفيديو وقف.
رأفت لف ناحية سامي.
ـ يعني إيه ده؟
سامي ابتسم.
ـ يعني إن حياتكم كلها كانت كذبة.
داليا دموعها نزلت.
ـ فين حسن؟
ـ حسن كان راجل شريف.
وافق يربي بنت مش بنته…
علشان يحميها.
رأفت بص لداليا.
كانت الصدمة أكبر من إنها تتكلم.
سامي قرب منهم.
ـ تعرفوا ليه؟
وسكت لحظة.
ثم قال:
ـ لأن…
داليا هي بنت كامل الديب.
الجملة وقعت كالصاعقة.
رأفت رجع خطوة لورا.
داليا بصت له، وبعدين بصت لسامي.
ـ لأ…
إنت كداب.
ـ عندي تحليل DNA.
ورمى ملف على الأرض.
رأفت فتحه بسرعة.
كانت النتائج واضحة.
اسم الأب:
كامل الديب.
اسم الابنة:
داليا منصور.
درجة التطابق:
99.99٪.
داليا وقعت على الأرض وهي مش قادرة تستوعب.
همست بصوت مكسور:
ـ يعني…
أنا…
بنت الحاج كامل؟
سامي ابتسم ابتسامة انتصار.
ـ وأخت رأفت…
من نفس الأب.
الصمت سيطر على المكان.
ورأفت حس إن الدنيا كلها بتنهار فوق راسه.
ثم قال سامي وهو بيرفع مسدسه ببطء:
ـ والآن…
بعد ما عرفتوا الحقيقة…
مبقاش في سبب يخليكم تعيشوا.
حكايات شروق خالد
سكتة مرعبة سيطرت على العنبر.
داليا كانت قاعدة على الأرض، عينيها مثبتة على ورقة تحليل الـDNA.
إيديها بترتعش.
همست وهي بتبكي:
ـ لا… مستحيل… أمي كانت هتقولي.
رأفت خطف الملف من إيدها، وقرأه بسرعة.
كل حاجة كانت مكتوبة باحتراف…
لكن فجأة، وقف عند حاجة صغيرة في آخر الصفحة.
عقد حواجبه.
قرأها مرة…
واتنين…
وبعدين رفع عينه ناحية سامي.
ولأول مرة…
ابتسم.
سامي اتفاجئ.
ـ بتضحك؟
رأفت رفع الورقة قدام الجميع.
ـ لأنك غبي.
وش سامي اتغير.
ـ قصدك إيه؟
رأفت قلب الورقة ووراها للحاضرين.
ـ التحليل ده مزور.
سامي ضحك بثقة.
ـ هتثبت إزاي؟
رأفت أشار بإصبعه على ختم المعمل.
ـ لأن المعمل ده اتقفل من خمس سنين.
الصمت نزل على المكان.
حتى رجال سامي بصوا لبعض.
رأفت كمل:
ـ وبص هنا…
رقم الترخيص نفسه منتهي من أربع سنين.
ولو ركزت أكتر…
هتلاقي التاريخ مكتوب بطريقة مختلفة عن النظام اللي المعمل كان بيستخدمه.
داليا رفعت عينيها بسرعة.
ـ يعني…
ـ يعني كل ده تمثيلية.
سامي لأول مرة فقد هدوءه.
شد المسدس بعصبية.
ـ حتى لو الورقة مزورة…
الحقيقة مش هتفرق.
رأفت قرب منه خطوة.
ـ بالعكس…
تفرق جدًا.
لأنك لما احتجت تزور دليل…
يبقى معندكش الحقيقة.
سامي صرخ:
ـ اسكت!
وفي اللحظة دي…
دوّى انفجار ضخم عند باب المصنع.
بووووم!
الباب الحديدي اتخلع من مكانه.
الدخان ملأ العنبر.
رجال سامي اتلفتوا بخضة.
ومن وسط الدخان…
دخلت عربيات سوداء واحدة ورا التانية.
نزل منها رجال مسلحون.
لكنهم مش تبع رأفت.
ولا تبع سامي.
في النص…
نزل رجل في السبعينات من عمره.
بدلة كحلي أنيقة.
وعصاية فضية.
كل الموجودين، حتى سامي، وشه اصفر أول ما شافه.
همس بخوف:
ـ مستحيل…
الرجل بص لسامي وقال بهدوء:
ـ واضح إنك استعجلت يا ابني.
رأفت عقد حواجبه.
ـ مين ده؟
عم سيد، اللي دخل مع الرجال، همس وهو بيرتجف:
ـ ده…
الحاج سليم البحيري.
ـ مين الحاج سليم؟
عم سيد بلع ريقه.
ـ الراجل اللي كانت كل عائلات الميناء بتحلف باسمه.
الحاج سليم وقف قدام سامي.
وبدون أي مقدمات…
رفع عصايته.
وضربه على وشه بقوة.
سامي وقع على الأرض وهو ماسك خده.
صرخ:
ـ إنت ضربتني؟!
الحاج سليم رد ببرود:
ـ الضربة دي…
متأخرة تلاتين سنة.
وبص ناحية رأفت.
ـ سامحني يا ابني…
أنا السبب إن الحقيقة اتدفنت كل السنين دي.
رأفت قال بحدة:
ـ تقصد إيه؟
الحاج سليم تنهد.
ـ لأن سامي…
مش ابني.
الصمت رجع يسيطر.
الحاج سليم كمل:
ـ أنا لقيته طفل مرمي قدام جامع وربّيته.
لكن لما كبر…
باع نفسه للفلوس والسلطة.
سامي قام وهو بينزف.
وضرب كف بكف وهو بيضحك بجنون.
ـ خلاص…
طالما وصلتوا للحقيقة…
يبقى مفيش داعي أخبي أكتر من كده.
مد إيده ببطء…
وضغط على زر صغير كان مخبيه في ساعته.
وفجأة…
بدأ عدّاد أحمر يشتغل على الشاشة المعلقة في العنبر.
09:59… 09:58… 09:57…
داليا شهقت.
ـ ده إيه؟!
سامي ابتسم ابتسامة مرعبة.
ـ قنبلة.
رأفت صرخ:
ـ إنت مجنون!
سامي رد وهو بيضحك:
ـ لو أنا هقع…
هوقعكم كلكم معايا.
حكايات شروق خالد
العداد الأحمر كان بينزل بسرعة.
09:41… 09:40…
صوت صفارة خافتة بدأ يملأ المصنع.
داليا بصت لرأفت بخوف.
ـ هنعمل إيه؟
رأفت بص حواليه بسرعة.
كل زاوية في المصنع بقت مصدر خطر.
الحاج سليم قرب وهو بيحاول يلتقط أنفاسه.
ـ القنبلة مش هنا.
رأفت لف ناحيته.
ـ تقصد إيه؟
ـ سامي عمره ما يحطها في نفس المكان اللي واقف فيه.
بص للسقف، وبعدين للميناء.
ـ القنبلة غالبًا في السفينة القديمة اللي ورا المصنع… لو انفجرت، هتنسف المصنع كله.
سامي ضحك.
ـ واضح إنك لسه ذكي يا حاج سليم.
رأفت بص للحراس.
ـ فتشوا المكان… بسرعة!
الحراس اتفرقوا في كل اتجاه.
في اللحظة دي، داليا لاحظت حاجة.
سامي كان بيتراجع ببطء ناحية باب جانبي.
همست لرأفت:
ـ بيهرب.
رأفت جري ناحيته.
ـ سامي!
سامي لف وضرب رصاصة.
طاخ!
الرصاصة عدت جنب كتف رأفت، وخبطت في الحيطة.
رأفت كمل جري.
الاتنين خرجوا من الباب الجانبي ووصلوا لرصيف الميناء.
البحر كان هادي بشكل غريب.
سامي وقف على طرف الرصيف، وابتسم.
ـ انتهت اللعبة يا رأفت.
ـ بالعكس… لسه بدأت.
ـ إنت فاكر إنك كسبت؟
ـ كفاية إن الناس عرفت حقيقتك.
سامي ضحك.
ـ الحقيقة؟
أشار بإيده ناحية البحر.
ـ بص.
رأفت بص.
سفينة شحن قديمة كانت بتتحرك ببطء بعيد عن الرصيف.
سامي قال:
ـ القنبلة جواها.
رأفت اتجمد.
ـ إيه؟
ـ بعد خمس دقايق هتنفجر… وهتولع الميناء كله.
رأفت قبض على إيده.
ـ ليه؟
ـ علشان تختفي كل الأدلة.
وفجأة…
سامي طلع جهاز تحكم صغير.
رفع إصبعه على زر أحمر.
ـ ولو مستني الخمس دقايق كتير…
أقدر أنهي كل حاجة دلوقتي.
في نفس اللحظة…
من بعيد، داليا خرجت من باب المصنع.
أول ما شافت الجهاز في إيد سامي، فهمت إنه مفتاح الكارثة.
من غير ما تفكر…
جريت بكل قوتها.
صرخت:
ـ رأفت… ابعد!
ورمت نفسها على سامي.
الجهاز وقع من إيده واتزحلق على الرصيف.
رأفت جري بسرعة، لكن سامي مسك داليا من دراعها بقوة.
ـ إنتِ اللي اخترتي.
رفع مسدسه.
ووجهه ناحية صدرها.
رأفت صرخ:
ـ لاااا!
وفي اللحظة اللي سامي كان هيدوس فيها على الزناد…
دوّى صوت طلقة واحدة.
طاخ!
سامي وقف مكانه.
بص على صدره.
بقعة دم كبرت على قميصه.
لف ببطء…
ولقى بسمة واقفة وراها، ماسكة مسدس بإيد مرتعشة.
دموعها كانت نازلة وهي بتقول:
ـ دي… دي النهاية.
سامي بص لها بعدم تصديق.
ـ إنتِ…؟
بسمة ردت وهي بتبكي:
ـ ضيعت عمري… وخليتني أعيش كذابة.
ثم وقع سامي على الأرض، وسقط المسدس من إيده.
رأفت جري بسرعة وأخذ جهاز التحكم قبل ما يوصل للمياه.
وفي اللحظة دي، سمعوا صوت أحد خبراء المفرقعات وهو بيصرخ من بعيد:
ـ لقيت القنبلة… لكن عندنا أقل من دقيقتين!
حكايات شروق خالد
خبير المفرقعات كان بيجري وهو بيصرخ:
ـ دقيقة واحدة بس… لو ما فصلناش الدائرة الرئيسية، الميناء كله هيتحول لرماد!
رأفت بص للجهاز اللي في إيده.
الشاشة كانت بتعد:
00:59… 00:58…
الحاج سليم قال بسرعة:
ـ الجهاز ده هو مفتاح الإيقاف!
الخبير هز راسه بعصبية.
ـ لأ… ده جهاز تشغيل عن بعد، لكن فيه كود لازم يتكتب.
رأفت زعق:
ـ والكود فين؟
الخبير رد:
ـ مع سامي… أو في ذاكرة الجهاز.
الكل بص ناحية سامي.
كان واقع على الأرض، بينزف، لكنه لسه عايش.
رأفت جثا جنبه.
ـ قول الكود.
سامي بصله وهو بيضحك بصعوبة.
ـ حتى لو مت… مش هتعرفوه.
رأفت مسكه من هدومه.
ـ لو انفجرت القنبلة، هتموت إنت كمان.
سامي ابتسم.
ـ يبقى نموت كلنا.
في اللحظة دي…
بسمة قربت من سامي.
ركعت قدامه.
دموعها كانت بتنزل.
وقالت بصوت مكسور:
ـ ليه عملت فيا كده؟
سامي بص لها لأول مرة من غير غرور.
ـ لأنك كنت وسيلة… مش أكتر.
بسمة قفلت عينيها.
ثم فتحتها وقالت:
ـ وأنا كنت غبية… صدقتك.
وفجأة شدت السلسلة اللي كانت في رقبته.
طلع منها فلاشة صغيرة.
الخبير خطفها بسرعة.
وصلها بجهازه المحمول.
بعد ثوانٍ ظهرت شاشة فيها الكود.
صرخ:
ـ لقيته!
بدأ يكتب الأرقام بسرعة.
العداد وصل:
00:10…
00:09…
الكل حبس أنفاسه.
00:05…
الخبير ضغط آخر زر.
ثانية…
اتنين…
وفجأة…
صدر صوت طويل.
بييييييييب…
ثم انطفأت الشاشة.
العداد اختفى.
القنبلة اتعطلت.
تنفس الجميع الصعداء.
أما سامي…
فابتسم ابتسامة أخيرة.
وقال لرأفت:
ـ المرة دي… كسبت.
ثم أغمض عينيه…
ولفظ آخر أنفاسه.
—
بعد ستة أشهر…
وقفت داليا قدام قبر حسن منصور.
حطت وردة بيضا فوق قبره.
وقالت وهي بتبتسم وسط دموعها:
ـ يمكن ما كنتش أبويا بالدم…
لكن كنت أبويا بالقلب.
وعمري ما هلاقي أب زيك.
وقف رأفت جنبها.
وقال بهدوء:
ـ التحقيقات أثبتت براءته، وكل ممتلكاته رجعت باسمه.
داليا هزت راسها.
ـ ده أقل حقه.
أما بسمة…
فقدمت نفسها للنيابة، واعترفت بكل اللي كانت تعرفه عن جرائم سامي وفؤاد، وساعدت في القبض على باقي أفراد الشبكة، ثم اختفت من حياة الجميع، وبدأت تعيش في مدينة بعيدة، تحاول تصلح أخطاء الماضي.
وعم سيد…
قرر يسيب الخدمة بعد أكثر من أربعين سنة، وفتح دار رعاية صغيرة للأيتام، وقال:
ـ يمكن أقدر أكفر عن اللي فات.
أما رأفت…
باع كل الأعمال المشبوهة اللي ورثها، ونضف اسم عيلة الديب، وحول جزءًا كبيرًا من ثروته لمشروعات خيرية ومستشفى مجاني لعلاج غير القادرين، تنفيذًا لوصية والده.
وفي يوم افتتاح المستشفى…
كانت داليا واقفة تتفرج على الناس وهي داخلة تتعالج.
ابتسم رأفت وقال:
ـ فاكرة أول يوم شفتك فيه؟
ضحكت داليا.
ـ يوم ما اتكسرت الصينية فوق دماغي؟
ابتسم.
ـ لأ…
يوم ما علمتيني إن كرامة الإنسان أغلى من أي سلطة.
سكت لحظة.
ثم مد إيده لها.
ـ ينفع نبدأ حياتنا من جديد… بعيد عن الدم والانتقام؟
بصت له داليا، وابتسمت.
ومدت إيدها في هدوء.
ـ المرة دي… هنبني حياتنا على الصدق.
تشابكت إيديهما، بينما كانت شمس الغروب تنعكس على البحر.
ولأول مرة منذ سنوات…
شعر الاثنان أن الماضي انتهى أخيرًا، وأن المستقبل أصبح يستحق أن يُعاش.
تمت.
أهانت الخدامة قدام الكل… لكن جملة واحدة قلبت إمبراطورية الديب رأسًا على عقب
حكايات شروق خالد

