الكلب الذي انقذني

كنت متخيلة اللحظة دي من وأنا في أولى ثانوي.

كل ليلة قبل ما أنام، أقف قدام مراية أوضتي، أمسك فرشة الشعر كأنها ميكروفون، وأتخيل الناس كلها بتسقفلي وأنا باخد شهادة التفوق.

اسمي سلمى.

بنت بسيطة من بلد صغيرة في مصر، وأبويا سواق ميكروباص، وأمي ست بيت عمرها كله تعب عشان أوصل لليوم ده.

يوم الحفلة لبست الروب الأسود، ولبست الطاقية، وأمي فضلت تبكي من الفرحة وهي بتقول:

أخيرًا يا بنتي… تعبنا ما راحش هدر.

أبويا كان مبتسم، لكن ابتسامته كان فيها تعب سنين.

أما “راسي”…

الكلب الدهبي اللي ربيناه من وهو جرو صغير، فكان بيجري في البيت بطريقة غريبة من أول الصبح.

كان بينبح كل شوية ويبص ناحية الباب، وبعدها يرجع يبصلي، كأنه عايز يقول حاجة ومش قادر.

ضحكت وأنا بحك له على راسه.

استنى لما أرجع يا مجنون.

وصلنا المدرسة، والدنيا كلها زحمة.

أهالي… مدرسين… تصوير… وأغاني التخرج شغالة.

بدأوا ينادوا على أسماء الطلبة.

ولما جه دوري…

طلعت على المسرح وسط تصفيق الناس.

لسه همد إيدي آخد الشهادة…

وفجأة…

سمعنا صوت نباح عالي.

الناس كلها بصت ناحية البوابة.

ولقيت راسي داخل المدرسة وهو بيجري بكل قوته.

الأمن حاول يمسكه.

لكنه فلت منهم وطلع السلالم ناحية المسرح.

المدير اتعصب.

مين دخل الكلب ده هنا؟

لكن راسي ما بصش لأي حد.

جرى عليا مباشرة.

شد طرف الروب بتاعي بأسنانه.

الناس ضحكت.

واحدة قالت:

واضح إنه بيباركلها بطريقته.

لكن أنا حسيت إن فيه حاجة غلط.

عيونه كانت مرعوبة.

مش فرحانة.

مرعوبة.

ركعت قدامه وقلت بهدوء:

مالك يا راسي؟

فضل يشدني لتحت.

وفجأة…

دوى صوت فرقعة ضخمة هزت المسرح كله.

النجفة الحديد الكبيرة اللي كانت معلقة فوق مكان وقوفي مباشرة وقعت في ثانية.

اتكسرت على المسرح.

ولو كنت فضلت واقفة مكاني…

كانت هتنزل فوق دماغي.

سكت المكان كله.

الضحك اختفى.

والناس جريت تصرخ.

أمي حضنتني وهي بترتعش.

وأبويا وقف يبص لراسي، وبعدها حضنه وهو بيقول بصوت مخنوق:

أنقذ بنتي… والله أنقذها.

الصحافة المحلية وصلت بعد نص ساعة.

بقى الكلب بطل المدرسة.

لكن اللي محدش أخد باله منه…

إن راسي، بعد ما اطمّن إني بخير، رجع يبص ناحية سور المدرسة.

ونبح تاني.

بنفس الخوف.

المرة دي كان بيبص ناحية عربية فان بيضا كانت واقفة بعيد.

أول ما صاحب العربية شاف إن الكلب بص ناحيته…

شغّل العربية بسرعة وهرب.

راسي جرى وراه بكل قوته.

وأنا حسيت إن الموضوع أكبر من مجرد نجفة وقعت.

بعد يومين، البوليس استدعاني.

قالولي إن كاميرات المدرسة جابت حاجة غريبة.

العربية البيضا كانت واقفة من قبل الحفلة بساعتين.

ورجل نزل منها ودخل قاعة الاحتفال.

وبعد عشر دقايق خرج بسرعة.

ولما راجعوا كاميرات المسرح…

اكتشفوا إن نفس الراجل كان واقف فوق السقالة اللي متعلقة فيها النجفة.

حد فك المسامير عمدًا.

الموضوع ماكانش حادث.

دي كانت محاولة قتل.

لكن السؤال كان…

مين كان مستهدف؟

أنا؟

ولا حد تاني؟

وفي نفس الليلة، وأنا قاعدة في البيت أحاول أفهم اللي بيحصل، سمعت راسي ينبح بجنون في الجنينة.

خرجت أجري.

لقيته واقف عند شجرة الليمون، بيحفر في التراب بعصبية.

افتكرت إنه بيدور على عظمة دفنها.

لكن بعد ثواني…

طلع من تحت التراب شنطة جلد سوداء صغيرة، عليها آثار طين قديم.

فتحتها بإيدي المرتعشة…

ولقيت جواها فلاشة، ومبلغ كبير من الفلوس، وصورة قديمة لأبويا وهو واقف جنب ثلاثة رجال، واحد منهم هو نفس الشخص اللي ظهر في كاميرات المدرسة.

لأول مرة في حياتي، شفت لون وش أبويا يتغير.

اتجمد مكانه، وبص للصورة، وبعدها بص لراسي.

وقال بصوت واطي كله خوف:

يا نهار أسود… هو رجع تاني؟! أنا كنت فاكر إنه مات من عشرين سنة…

حكايات شروق خالد

أبويا كان ماسك الصورة بإيد بتترعش.

فضل يبص فيها كذا ثانية، وبعدها قفل الشنطة بسرعة وقال بحدة:

محدش يلمس حاجة… ولا كلمة عن اللي شوفناه.

أمي اتوترت.

خير يا حسن؟ إيه اللي بيحصل؟

رد عليها وهو بيبلع ريقه:

بعدين… هقولكم بعدين.

لكن أنا ما سكتش.

بعدين إيه؟ حد حاول يقتلني النهارده، وراسي طلع الشنطة دي، وفيها صورتك مع الراجل اللي ظهر في الكاميرات… لازم أفهم.

أبويا قعد على الكرسي كأنه اتكسر.

حط وشه بين إيديه، وقال:

فيه حاجة عمري ما حكيتها لحد… حتى أمك متعرفهاش.

سكت شوية، وبعدين كمل:

من اتنين وعشرين سنة كنت شغال سواق نقل مع شركة خاصة. وفي مرة طلبوا مني أوصل شحنة بالليل لمخزن قديم على أطراف البلد.

ولما وصلت؟

سمعت أصوات خناق وضرب. استخبيت، ولقيت مجموعة رجال بينقلوا آثار وتماثيل مهربة. وكان رئيسهم واحد اسمه جابر الحديدي.

الاسم وقع على ودني زي الصاعقة.

هو نفس الاسم المكتوب على ضهر الصورة.

أبويا كمل:

شافوني… وكانوا ناويين يقتلوني. لكن قدرت أهرب، وخدت معايا دليل يدينهم.

إيه هو الدليل؟

بص للشنطة.

الفلاشة دي.

اتصدمت.

يعني الفلاشة كانت عندك؟

هز راسه بالنفي.

خبّيتها زمان في الشنطة ودفنتها تحت الشجرة. وبعدها سمعت إن جابر مات في تبادل إطلاق نار، فافتكرت إن القصة انتهت.

بصيت لراسي.

وهو عرف مكانها إزاي؟

أبويا ابتسم لأول مرة.

زمان وأنا بدفنها، راسي كان لسه جرو صغير، وكان واقف جنبي. شكله عمره ما نسي المكان.

وقبل ما حد ينطق…

سمعنا صوت تكسير جامد.

زاز الشباك اتفتت.

ورصاصة استقرت في الحيطة فوق راسي مباشرة.

أمي صرخت.

أبويا شدني على الأرض.

وفي نفس اللحظة، راسي اندفع ناحية الباب وهو بينبح بجنون.

فتحنا الكاميرا اللي قدام البيت بسرعة.

لقينا تلات رجالة ملثمين بيجروا ناحية عربية سوداء.

لكن قبل ما يركبوا…

راسي لحق واحد منهم، وغرز سنانه في رجله.

الراجل وقع وهو بيصرخ.

التاني ضرب راسي بعصاية حديد.

صرخت بأعلى صوتي:

راسييي!

لكن الكلب رفض يسيبه.

وفي ثواني، الجيران خرجوا على الصوت.

الملثمين اضطروا يهربوا، وسابوا صاحبهم واقع على الأرض.

وصلت الشرطة بعد دقائق.

ولما كشفوا عن وش الراجل المصاب…

اتسعت عيون أبويا.

همس وهو مصدوم:

مستحيل…

قربت منه.

تعرفه؟

قال بصوت مخنوق:

ده مش واحد من رجالة جابر…

سكت لحظة، ثم أكمل:

ده ابني.

الدنيا لفت بيا.

بصيت لأبويا وأنا مش فاهمة.

إنت بتقول إيه؟! أنا أخت الراجل ده؟

رفع عينيه المليانة دموع وقال:

لا… ده ابن أخويا الكبير… وابن عمك… والظاهر إنه اختار يقف مع العصابة بدل ما يعيش شريف.

لكن قبل ما يكمل كلامه، ابتسم الشاب المصاب ابتسامة غريبة، وقال لضابط الشرطة:

أنتم فاكرين إنكم كسبتم؟

ضحك بصوت منخفض وأضاف:

اللي بيدوروا عليه… مش الفلاشة.

كلهم سكتوا.

ثم قال وهو ينظر مباشرة إليّ:

هما عايزين سلمى… لأنها آخر شخص يقدر يوصل للميراث اللي محدش يعرف مكانه.

حكايات شروق خالد
سكت المكان كله.

بصيت له وأنا مش مستوعبة.

ميراث؟! ميراث إيه؟

ابتسم وهو بينزف من رجله وقال:

واضح إن عمك مات وخد نص الحقيقة معاه… لكن أبوكي عارف.

لفيت ناحية أبويا.

وشه كان شاحب، وعينيه مليانين خوف.

الضابط سأله:

الكلام ده حقيقي؟

أبويا نزل راسه وقال:

للأسف… أيوه.

أمي صرخت فيه:

يعني إيه أيوه؟! أنت مخبي علينا إيه طول السنين دي؟

تنهد أبويا وقال:

جابر الحديدي ماكنش مجرد تاجر آثار… كان بيغسل فلوس لعصابة كبيرة. وفي ليلة حصل خلاف بينهم، وكل واحد حاول يسرق التاني. قبل ما يختفي، خبّى صندوق فيه دهب وآثار ومستندات تساوي ملايين.

بلعت ريقي.

وإيه علاقتنا إحنا؟

رد:

لأن الشخص اللي خبّى الصندوق ما ائتمنش حد غير أخويا الكبير… عمك محمود.

وعم محمود مات من خمس سنين!

مات… لكن قبل ما يموت كتب كل حاجة في جواب، وقال إن اللي هيقدر يفك الشفرة هو أول حفيد من العيلة يتخرج بتفوق.

اتصدمت.

يعني… أنا؟

هز رأسه.

علشان كده كانوا مستنيين يوم تخرجك. كانوا فاكرين إن الجواب أو الدليل هيكون معاكي.

وقبل ما حد يتكلم…

رن تليفوني.

رقم غريب.

رديت بحذر.

جالي صوت راجل كبير:

مبروك يا سلمى… نجوتي المرة دي.

اتجمد الدم في عروقي.

مين؟

ضحك وقال:

اسمي مش مهم… المهم إن عندك 48 ساعة تسلمينا اللي معاكي… وإلا كل واحد بتحبيه هيدفع التمن.

وقفل السكة.

في نفس اللحظة، سمعنا نباح راسي من أوضة الصالون.

جرينا بسرعة.

لقيناه واقف قدام مكتبة قديمة، بيخبط عليها بمخالبه.

أبويا قرب وهو مستغرب.

غريبة… عمره ما عمل كده.

شدينا المكتبة بعيد عن الحيطة.

وفجأة…

ظهر تجويف صغير مستخبي.

كان جواه ظرف أصفر قديم، مكتوب عليه بخط باهت:

“يفتح بمعرفة سلمى فقط.”

إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الظرف.

طلع منه مفتاح نحاس قديم، وورقة مرسوم عليها جزء من خريطة، وفي آخرها جملة واحدة:

“ابدئي من المكان اللي بدأت فيه الحكاية… تحت شجرة الجميز العتيقة عند بيت الجد.”

بصيت لأبويا.

قلت:

بيت جدو اتحرق من أكتر من عشرين سنة.

ابتسم ابتسامة حزينة وقال:

ده اللي الناس كلها فاكراه… لكن الحقيقة إن فيه سرداب تحت البيت، محدش يعرف عنه حاجة غيري أنا وأخويا محمود.

في اللحظة دي، راسي بدأ ينبح بعنف ناحية باب البيت.

وبعد ثوانٍ…

انقطعت الكهرباء.

وغرق البيت كله في ظلام دامس.

ثم سمعنا صوت خطوات بطيئة داخل الفناء…

مع إن باب البيت كان مقفول بالمفتاح.

وأول ما أبويا سلط كشاف الموبايل ناحية الباب…

ظهر ظل شخص واقف في الضلمة، وقال بصوت هادئ أرعبنا كلنا:

متتعبوش نفسكم… أنا جيت آخد المفتاح بنفسي.

حكايات شروق خالد

الضلمة كانت مالية المكان.

ولا حد فينا كان قادر يشوف ملامح الراجل اللي واقف عند الباب.

أبويا وقف قدامي على طول، وقال بصوت ثابت رغم خوفه:

محدش يتحرك.

أما راسي…

فوقف قدامنا وهو بيكشر عن سنانه، وبيطلع صوت عمرنا ما سمعناه منه قبل كده.

الراجل ضحك.

لسه الكلب فاكر إنه هيمنعني؟

وفجأة رمى حاجة صغيرة على الأرض.

ثانية واحدة…

وانفجرت في دخان أبيض كثيف.

الكحة ملت البيت.

وأول ما الدخان بدأ يخف…

الراجل اختفى.

لكن…

الظرف اللي كان في إيدي اختفى معاه.

صرخت:

أخده!

أبويا جري برا البيت، وأنا وراه.

لكن الشارع كان فاضي.

ولا كأن حد كان واقف من شوية.

راسي، من غير ما يبص لحد، شم الأرض وبدأ يجري.

عدى آخر الشارع، ودخل أرض زراعية قديمة.

كنا بنجري وراه لحد ما وقف قدام عربية نص نقل.

بابها كان مفتوح.

لكن مفيش حد.

ولما قربنا…

سمعنا أنين خافت خارج من صندوق خشب كبير في ضهر العربية.

فتحناه بسرعة.

ولقينا…

راجل كبير مكبل بالحبال، وبوقه متكتف.

أبويا أول ما شافه شهق.

يا ساتر… عم سيد!

فكينا الحبال بسرعة.

الراجل كان بياخد نفسه بالعافية.

شرب شوية مية، وقال وهو بيبص لأبويا:

الحق… جابر ما ماتش.

سكتنا كلنا.

أبويا قال بانفعال:

إزاي؟! أنا حضرت دفنته!

عم سيد هز راسه.

اللي اتدفن كان واحد شبهه… أما جابر فهرب، وغير اسمه، وبقى واحد من أكبر رجال الأعمال في البلد.

حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي.

يعني الراجل اللي الناس كلها بتحترمه…

هو نفسه زعيم العصابة؟

قبل ما نسأله أي حاجة تانية…

طلع صوت موتور عربية بسرعة جنونية.

عربية سودا اندفعت ناحيتنا.

أبويا زقني بعيد في آخر لحظة.

العربية خبطت الصندوق الخشب واتقلبت.

ونزل منها تلاتة رجالة ملثمين.

واحد منهم طلع مسد*س وقال:

هاتوا المفتاح… وإلا محدش هيخرج من هنا عايش.

أبويا رفع إيده وقال:

المفتاح مش معانا.

الراجل قرب وهو بيضحك.

يبقى البنت هتيجي معانا.

أول ما مد إيده ناحيتي…

راسي انقض عليه بكل قوته.

وقعه على الأرض، لكن واحد من التانيين ضرب راسي بمؤخرة المسد*س.

وقع راسي وهو بيئن.

صرخت باسمه، وحاولت أجري عليه، لكن اتنين مسكوني من دراعاتي.

في اللحظة دي…

سمعنا صفارات شرطة جاية من بعيد.

الملثمين ارتبكوا.

كبيرهم شتمني وقال:

المرة دي هربتي… لكن الليلة الجاية هنخلص كل حاجة.

ركبوا العربية وهربوا قبل ما الشرطة توصل بثوانٍ.

جريت على راسي.

كان بيتنفس بصعوبة.

حطيت راسه على رجلي، والدموع نازلة من عيني.

فتح عينه بالعافية، ولحس إيدي كأنه بيطمني.

الطبيب البيطري قال بعد ما كشف عليه:

الضربة قوية… لكنه محارب، ولو ارتاح كام يوم هيقوم تاني.

ابتسمت وسط دموعي.

لكن وأنا بمسح على فروه…

حسيت بحاجة صلبة مستخبية تحت الطوق اللي في رقبته.

فكيت الطوق…

ولقيت بداخله أنبوبة معدنية صغيرة جدًا، مقفولة بإحكام.

فتحناها بحذر.

كان جواها ورقة ملفوفة، مكتوب فيها بخط قديم:

“إذا وصلت الرسالة دي لسلمى، يبقى عرفت إن راسي حافظ على الأمانة… والمفتاح اللي بيدوروا عليه مش المفتاح الحقيقي. الحقيقة كلها مدفونة تحت الجميزة، لكن افتحي السرداب قبل شروق الشمس… لأن بعد الشروق، هيكون فات الأوان.”

حكايات شروق خالد

قضينا الليلة كلها صاحيين.

ولا أنا ولا أبويا ولا أمي عرفنا نغمض عين.

راسي كان نايم جنب الكنبة بعد ما خد العلاج، وكل شوية يفتح عينه ويبصلي، كأنه بيأكدلي إنه لسه معايا.

أول ما الساعة جابت أربعة الفجر، أبويا قال:

يلا… لازم نتحرك دلوقتي.

ركبنا عربية قديمة كانت مركونة عند جارنا، ومشينا من طرق جانبية عشان محدش يراقبنا.

بعد حوالي ساعة وصلنا لبيت جدي.

البيت كان مهجور بقاله أكتر من عشرين سنة.

حيطانه متشققة، وسقفه واقع، والزرايب اللي حواليه كلها مليانة حشائش.

لكن شجرة الجميزة…

لسه واقفة.

ضخمة.

كأن الزمن مقدرش يهزمها.

أبويا وقف قدامها وقال:

هنا بدأت كل المصايب.

بدأنا نحفر تحت الشجرة.

بعد عشر دقائق، خبطت الجاروف في حاجة حديد.

شيلنا التراب.

لقينا باب دائري قديم، عليه قفل صدئ.

طلعت المفتاح النحاس من جيبي.

أول ما دخل في القفل…

سمعنا صوت “تك”.

والباب اتفتح ببطء.

ريحة تراب ورطوبة طلعت من السرداب.

نزلنا بحذر.

المكان كان ضيق، وعلى الحيطان فوانيس قديمة.

وفي آخر الممر كانت أوضة صغيرة.

وفي نصها…

صندوق حديد ضخم.

أبويا ابتسم لأول مرة من أيام.

هو ده.

لكن قبل ما يقرب منه…

سمعنا تصفيق.

بطيء.

بارد.

لفينا بسرعة.

ولقينا راجل لابس بدلة شيك، وشعره كله أبيض، ومعاه ستة رجالة مسلحين.

الراجل ابتسم وقال:

برافو يا حسن… كنت عارف إنك هتوصلني للصندوق بنفسك.

أبويا بص له بصدمة.

جابر…

ابتسم الراجل.

زمان كنت جابر الحديدي… دلوقتي الناس تعرفني باسم الحاج فؤاد المنشاوي.

أنا اتجمدت.

الحاج فؤاد كان من أشهر رجال الأعمال في المحافظة.

كل الناس بتتكلم عن أعماله الخيرية.

طلع في التلفزيون عشرات المرات.

محدش كان يتخيل إنه زعيم عصابة.

جابر بصلي وقال:

وسلمى… البنت الشاطرة.

ثم أشار ناحية الصندوق.

افتحيه.

قلت بثبات:

مش هفتحه.

ضحك.

يبقى أبوكي هيموت قدامك.

ورفع واحد من رجالته المسد*س في وش أبويا.

في اللحظة دي…

سمعنا نباح قوي جاي من مدخل السرداب.

راسي!

كان رغم إصابته نزل يجرجري نفسه لحد المكان.

وخلفه…

ظهر عم سيد ومعاه عشرات من رجال البلد، كل واحد ماسك عصاية أو فأس أو كشاف.

عم سيد صرخ:

محدش يقرب من ولاد حسن!

جابر اتفاجئ.

ماكانش متوقع إن أهل البلد كلهم ينزلوا معانا.

بدأ رجاله يتراجعوا.

لكن جابر، وهو بيهرب، لف ناحيتي بسرعة وخطف الصندوق الحديدي، وجري ناحية مخرج سري في آخر السرداب.

أبويا صرخ:

لأ… المخرج ده بيروح للنيل!

جريت أنا وراه، وراسي بيجري جنبي رغم تعبه.

كان واضح إن المواجهة الأخيرة لسه ما بدأتش… وأن سر الصندوق أخطر بكتير مما كنا متخيلين.

حكايات شروق خالد
جريت وراه بكل قوتي.

صوت أنفاسي كان أعلى من أي حاجة حواليّا.

الممر السري كان ضيق، وسقفه واطي، وكل شوية يقع منه تراب وحجارة.

جابر كان قدامنا بمسافة بسيطة، شايل الصندوق الحديد بإيده، ورغم سنه كان بيجري كأنه شاب.

أبويا كان بيزعق:

سلمى… خلي بالك!

لكن أنا ماكنتش شايفة غير جابر.

خرجنا من الممر، ولقينا نفسنا عند مرسى قديم على النيل.

كان فيه لنش صغير مستني، وعليه اتنين مسلحين.

أول ما شافوا جابر، واحد منهم صاح:

بسرعة… الشرطة قربت!

جابر رمى الصندوق على اللنش، ولسه هيطلع…

راسي انطلق من جنبي.

رغم إصابته، قفز بكل قوته على جابر.

الراجل اختل توازنه، ووقع على الأرض، والصندوق اتفتح من قوة الوقعة.

كلنا اتجمدنا.

لأننا كنا متوقعين نلاقي دهب… أو آثار.

لكن اللي كان جواه…

مجموعة دفاتر قديمة، وهارد ديسك، وملفات مختومة بالشمع الأحمر.

جابر صرخ بجنون:

اقفلوا الصندوق! بسرعة!

في اللحظة دي، وصلت عربيات الشرطة، وحاصرت المكان من كل ناحية.

الضابط نزل وهو شايل سلاحه.

ارموا السلاح! المكان كله محاصر!

المسلحين حاولوا يهربوا باللنش، لكن وحدة من شرطة المسطحات كانت جاية من الناحية التانية، فقفلوا عليهم الطريق.

أما جابر…

فبص للصندوق، وبص ليا.

وقال بابتسامة غريبة:

فاكرة إنك كسبتي؟

رديت بثبات:

النهاية خلاص.

هز راسه وقال:

دي البداية… لأن اللي في الملفات دي هيدمر ناس أكبر مني بكتير.

وقبل ما يكمل، قبضت الشرطة عليه.

بدأت التحقيقات تستمر أسابيع.

ولما فتحوا الملفات…

اكتشفوا إنها مش مجرد مستندات تهريب آثار.

كانت فيها حسابات سرية، وأسماء مسؤولين ورجال أعمال متورطين، وعقود مزورة، وتسجيلات تثبت جرائم امتدت لسنين.

الق\ضية هزت البلد كلها.

وتم القبض على عشرات المتهمين.

أما أنا…

رجعت أكمل حياتي.

واستلمت شهادة تخرجي في احتفال جديد أقامته المدرسة مخصوص.

المدير وقف قدام الطلبة وقال:

في حياتنا بنقابل أبطال كتير… لكن البطل الحقيقي النهارده مش إنسان.

في اللحظة دي…

دخل راسي من باب المدرسة وسط تصفيق كل الموجودين.

الأطفال جريوا عليه.

والمدرسين كانوا بيضحكوا ويصفقوا.

أما أنا…

فنزلت على ركبتي، وحضنته.

وقلت وأنا بامسح على راسه:

لولاك… ماكنتش هكون عايشة دلوقتي.

بعدها بشهور، اتعافى راسي تمامًا، وبقى معروف في البلد كلها.

لكن كل ما كنت أبص في عينيه، كنت أفتكر الحقيقة اللي غيرت حياتي:

أوقات، أوفى قلب في الدنيا… مش بيكون قلب إنسان، لكنه قلب كلب مستعد يضحي بروحه علشان ينقذ اللي بيحبه.

حكايات شروق خالد

عدّى حوالي سنة.

الناس افتكرت إن الحكاية خلصت.

جابر اتحكم عليه بالسجن المؤبد، والعصابة اتفككت، وأنا اتعينت مدرسة لغة عربية في مدرسة قريبة من بيتنا.

الحياة بدأت تهدى.

لكن الهدوء ماكملش.

في ليلة شتا، كنت راجعة من الدرس، لقيت باب البيت مفتوح.

أول حاجة عملتها إني ناديت:

ماما… بابا…

محدش رد.

قلبي وقع.

دخلت أجري.

لقيت البيت متبهدل، وكل الدولايب مفتوحة.

لكن الغريب…

ولا جنيه واحد كان متاخد.

اللي كانوا بيدوروا عليه كان حاجة معينة.

في نفس اللحظة، راسي بدأ ينبح ناحية أوضة أبويا.

دخلنا.

لقينا الحيطة اللي ورا الدولاب مكسورة.

وفيها تجويف صغير.

لكن كان فاضي.

أبويا قعد على الأرض وهو حاطط إيده على راسه.

قلت له:

إيه اللي كان هنا؟

بصلي وسكت.

بعدها قال:

كنت مخبي جواب أخويا محمود… الجواب الكامل.

اتوترت.

يعني الورقة اللي لقيناها ماكنتش كل حاجة؟

هز راسه.

لا… دي كانت أول صفحة بس.

في اللحظة دي، خبط حد على الباب.

فتحنا.

لقينا شاب في أوائل التلاتينات، لابس جلابية بسيطة، وشكله مرهق.

قال:

حضرتك حسن؟

أيوه.

طلع ظرف من جيبه.

واحد اداني الظرف ده وقال لي أوصله ليك لو حصل أي حاجة.

فتح أبويا الظرف بسرعة.

كان جواه ورقة مكتوب فيها:

“لو الرسالة دي وصلت ليك، يبقى فيه خيانة من جوه البيت… دور على اللي بيسمع أكتر ما بيتكلم.”

كلنا بصينا لبعض.

أمي اتكلمت بعصبية:

يعني إيه خيانة؟!

أنا سكت.

لكن افتكرت حاجة.

وقت الهجوم على بيتنا، العصابة كانت عارفة مكان الشنطة.

ووقت السرداب، كانوا وصلوا في نفس اللحظة.

كل مرة…

كانوا بيسبقونا بخطوة.

وده معناه إن فعلًا فيه حد بينقل أخبارنا.

بعد يومين، قررنا منقولش لأي حد إننا رايحين نزور قبر عمي محمود.

كان اتفاق بيني وبين أبويا وأمي بس.

لكن وإحنا في الطريق…

اتفاجئنا بعربية سودا ماشية ورانا.

نفس العربية اللي كانت بتظهر في كل مرة.

أبويا وقف العربية فجأة.

العربية اللي ورانا وقفت هي كمان.

نزل منها راجل.

ولما قرب…

عرفناه.

كان “نادر”، المحامي اللي كان بيتابع قضيتنا من أول يوم.

الراجل اللي وثقنا فيه.

ابتسم وقال:

متستغربوش… كنتوا لازم تعرفوا الحقيقة في يوم من الأيام.

أبويا بص له بعدم تصديق.

إنت؟!

ضحك نادر وقال:

أيوه… أنا اللي كنت بوصل أخباركم.

لكن مش علشان جابر.

علشان الشخص اللي كان بيصدر الأوامر لجابر.

اتجمدت مكاني.

قلت:

يعني جابر ماكنش الكبير؟

رد نادر وهو بيبص ناحيتي مباشرة:

جابر كان مجرد منفذ… أما اللي بيحرك كل الخيوط من سنين، فهو شخص محدش فيكم هيصدق اسمه… لأنه عايش وسطكم من البداية، وبتسلموا عليه كل يوم.

حكايات شروق خالد

الكلام وقع علينا زي الصاعقة.

أبويا قرب من نادر، ومسكه من هدومه.

انطق! مين هو؟

نادر زقه بهدوء، وعدل جاكيته وقال:

لو قلتلكم دلوقتي، مش هتصدقوني… لازم تشوفوا بعينيكم.

أنا قلت بعصبية:

بطل ألغاز!

فتح شنطة صغيرة كانت معاه، وطلع منها فلاشة.

دي نسخة من تسجيلات كاميرات قديمة، احتفظت بيها سنين. كنت خايف أطلعها، لأن اللي فيها كان هيقتلني.

أخد أبويا الفلاشة، ورجعنا البيت بسرعة.

قفلنا كل الشبابيك، وشغلنا اللاب توب.

بدأ التسجيل.

الصورة كانت مهزوزة، والتاريخ راجع لأكتر من عشرين سنة.

ظهر جابر وهو داخل مخزن قديم.

بعد ثواني دخل راجل تاني.

أول ما وشه بان…

وقع اللاب من إيد أبويا.

أمي شهقت.

وأنا حسيت إن الدم جمد في عروقي.

الراجل كان…

العم عبد التواب.

شيخ البلد.

الراجل اللي الناس كلها بتحلف بأخلاقه.

اللي كان أول واحد يحضر أي عزاء، وأول واحد يساهم في أي خير.

اللي كان بيزورنا كل أسبوع يطمن على أبويا بعد الق\ضية.

أبويا همس:

مستحيل…

لكن التسجيل مكمل.

سمعنا صوت عبد التواب وهو بيقول:

حسن لازم يموت… هو الوحيد اللي يعرف مكان المستندات.

وجابر رد:

وسيب البنت؟

ابتسم عبد التواب وقال:

لسه صغيرة… لما تكبر هنخلص منها هي كمان.

أمي انفجرت في العياط.

وأبويا قعد على الأرض وهو مش قادر يتكلم.

أما أنا…

فكل حاجة بقت واضحة.

كل مرة كان عبد التواب يزورنا، كان بيتفرج على البيت.

كل مرة كان يسأل عن تحركاتنا.

كل مرة كان يعرف إحنا رايحين فين.

لأنه ببساطة…

كان قريب مننا أكتر من أي حد.

وفي اللحظة دي…

سمعنا خبط على الباب.

ثلاث خبطات هادية.

ثم صوت مألوف جدًا:

يا حسن… افتح يا أخويا… جبتلكم فطار سخن.

بصينا لبعض في رعب.

ده كان صوت عبد التواب نفسه.

يعني…

هو واقف بره الباب دلوقتي.

أبويا بصلي، وهمس:

متفتحيش… مهما حصل.

لكن راسي…

اللي كان نايم من شوية…

وقف فجأة، وشعر ضهره انتصب، وبدأ يزأر بصوت عمرنا ما سمعناه منه.

ثم جرى ناحية باب المطبخ، مش الباب الرئيسي.

وكأنه عرف إن الخطر الحقيقي…

مش جاي من قدام البيت.

لكن من الخلف.

وفعلًا، في نفس اللحظة، سمعنا صوت تكسير زجاج الشباك الخلفي، وصوت حد بيقفز إلى داخل المنزل… لتبدأ أخطر مواجهة في حياتنا.

حكايات شروق خالد

صوت الزجاج وهو بيتكسر خلّى أمي تصرخ.

أبويا شدني من إيدي وقال:

اطلعي الأوضة واقفلي الباب!

هزيت راسي بعناد.

لا… مش هسيبكم.

في نفس اللحظة، راسي اندفع ناحية المطبخ وهو بينبح بجنون.

سمعنا صوت خناقة، وبعدها صرخة راجل.

جرينا ناحية المطبخ.

لقينا واحد ملثم واقع على الأرض، وراسي ماسك دراعه بأسنانه ومش راضي يسيبه.

لكن اللي خلانا نتجمد مكاننا…

إن الملثم ضحك.

رغم إنه متكتف بين سنان راسي، كان بيضحك.

قال بصوت هادي:

اتأخرتم… اللي جه عشاني مش هيفضل مستني.

وفجأة…

سمعنا صوت فتح الباب الرئيسي.

لفينا بسرعة.

لقينا عبد التواب داخل بكل هدوء، كأنه صاحب البيت.

كان لابس جلابيته البيضاء، وفي إيده عصاية.

بص لأبويا وقال:

كنت أتمنى تفضل ساكت يا حسن.

أبويا رد بغضب:

عمرك ما كنت شيخ بلد… كنت شيطان لابس جلابية.

ابتسم عبد التواب.

الناس بتحب اللي بيساعدها، ومحدش بيسأل الفلوس جاية منين.

بعدها بصلي مباشرة.

إنتِ السبب في كل اللي حصل. لو كنتي سيبتي الموضوع من يوم التخرج، كان زمانكم عايشين في سلام.

قلت بثبات:

السلام اللي مبني على الدم عمره ما يبقى سلام.

وشه اتغير.

رفع العصاية، لكن قبل ما يتحرك…

سمعنا صوت عربيات شرطة.

عبد التواب اتوتر لأول مرة.

بص للملثم اللي على الأرض، وقال بعصبية:

قوم يا غبي!

لكن الملثم ضحك تاني.

وقال:

خلاص… اللعبة انتهت.

مد إيده جوه الجاكيت، وطلع جهاز تسجيل صغير.

ضغط زر.

وفجأة، صوت عبد التواب بدأ يطلع من الجهاز.

كان تسجيل لكل اعترافاته، من أول ما دخل البيت.

عبد التواب بقى لونه أصفر.

بص للملثم وهو بيصرخ:

إنت خنتني!

الملثم خلع القناع ببطء.

واتصدمنا.

كان نادر.

المحامي.

قلت بذهول:

إنت!

ابتسم وقال:

من أول ما عرفت الحقيقة، بقيت بشتغل مع الشرطة في السر. كنت لازم يثقوا فيا علشان نعرف نوقعهم كلهم مرة واحدة.

في اللحظة دي، اقتحمت الشرطة البيت.

الضابط دخل ومعاه قوة كبيرة.

عبد التواب حاول يهرب من الباب الخلفي.

لكن راسي، رغم إصاباته القديمة، جرى بأقصى سرعة وأسقطه على الأرض قبل ما يخرج.

وصل الضابط وكبّل عبد التواب.

وهو بيتاخد للعربية، لف ناحيتي وقال:

فاكرة إنك انتصرتي؟

ابتسمت لأول مرة من شهور.

لا… اللي انتصر هو الحق.

بعد ست شهور، المحكمة أصدرت حكمها.

اتحكم على عبد التواب وباقي أفراد الشبكة بالسجن لسنين طويلة، واتصادرت كل ممتلكاتهم اللي كانت جاية من تجارة الآثار والفساد.

أما أبويا…

فأخيرًا عاش من غير خوف لأول مرة من أكتر من عشرين سنة.

وأمي رجع الضحك لوشها.

أما راسي…

فبقى أشهر كلب في المحافظة.

المدرسة علقت صورته في مدخلها، وكتبت تحتها:

“الوفاء أحيانًا ينقذ حياة كاملة.”

وفي كل سنة، يوم حفلة التخرج، كنت بروح أقف في نفس المكان اللي بدأت منه الحكاية.

أبص لراسي، وأبتسم.

وأقول:

يوم ما الكل افتكر إنك بوظت أجمل يوم في حياتي… كنت في الحقيقة بتنقذ عمري كله.

الكلب اللي أنقذني يوم تخرجي

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *