عقد زواج عرفي
وأنا بدور على شاحن الموبايل في تابلوه عربية جوزي… إيدي لمست ورقة مطوية. فتحتها من باب الفضول، لكن اللي شوفته جمد الدم في عروقي… كان عقد جواز عرفي مكتوب فيه اسم جوزي… والعروسة كانت بنت خالته….
أنا عروسة جديدة متجوزة بقالي سبع شهور…
جوازي جه بعد قصة حب استمرت أكتر من تلات سنين. وقفت قدام أهلي، واستحملت زعلهم واعتراضاتهم، وتمسكت بيه لآخر نفس. كنت مقتنعة إنهم مش شايفين سعادتي، وإن أول ما أتجوزه هثبت للجميع إن اختياري كان صح. وكنت فاكرة إني أخيرا هرتاح واخدت الراجل اللي انا عايزاه وإني انتصرت…
مكنتش أعرف إن وجع القلب الحقيقي لسه مستنيني .
من كام يوم كان مسافر شغل بالعربية. اتأخر شوية، فنزلت استناه تحت البيت. أول ما وصل، ركن العربية وقال وهو بينزل:
“دقيقة بس… هجيب كام حاجة من السوبر ماركت ونطلع.”
#انجي_الخطيب
هزيت راسي وقعدت أستناه جوه العربية.
موبايلي كان هيقفل، فقلت أدور على الشاحن. فتحت درج العربية وأنا مش حاطة في دماغي أي حاجة… لكن إيدي لمست ظرف بني قديم، متني.
طلعته وفتحت الظرف…
وأول ورقة وقعت في إيدي… خلت الدم يتسحب من وشي.
عقد جواز عرفي.
باسم جوزي .
فضلت أبص للاسم مرة… واتنين… وعشرة.
يمكن متلخبطة… يمكن حد تاني.
لكن لا…
الاسم اسمه والتوقيع توقيعه.
وبصيت على التاريخ…
العقد معمول من سنة ونص.
يعني قبل جوازنا.
إيدي كانت بتترعش وأنا ببص في العقد … لحد ما وصلت لاسم العروسة.
وقتها حسيت إن الأرض بتتهز من تحتي.
دا اسم بنت خالته.
البنت اللي عمره ما جاب سيرتها قدامي ولا مرة… مع إن العيلتين بينهم مشاكل قديمة، وكل واحد فيهم عامل نفسه ميعرفش التاني.
همست لنفسي وأنا مش مستوعبة:
“يعني… كان متجوزها؟!”
في اللحظة دي سمعت باب العربية بيتفتح.
قلبي كان هيقف.
قفلت العقد بسرعة، رجعته مكانه بالظبط، وقفلت الظرف كأنه عمره ما اتفتح.
ولما ركب، بصلي وهو بيبتسم وقال:
“مالك؟ وشك مخطوف كده ليه؟”
ابتسمت بالعافية وقلت:
“مفيش… شكلي تعبانة شوية.”
وبصيت من الشباك عشان ميشفش عيني.
من يومها… وأنا عايشة مع راجل حاسة إني معرفوش.
كل كلمة بيقولها بقيت أشك فيها.
كل مرة يبصلي فيها وأسمعه يكرر:
“إنتِ أول بنت دخلت حياتي.”
كان صوت الجملة دي بيبقى عامل زي السك..ينة وهي بتغرز في قلبي.
صورت العقد بموبايلي قبل ما أقفله… وهو لحد اللحظة دي ميعرفش إني شوفته.
ومن ساعتها وأنا مش بعرف أنام.
أواجهه؟
ولا أروح لأبويا الأول؟
ولا أسكت يمكن يكون فيه تفسير يغيّر كل اللي في دماغي؟
بس فيه حاجة واحدة متأكدة منها…
لو العقد ده حقيقي، بيتي انتهى.
وأهلي، خصوصًا أبويا، مستحيل يسيبوني أقعد معاه دقيقة واحدة.
لكن اللي خلاني أتجمد فعلًا… مش العقد.
اللي خلاني أحس إن فيه مصيبة أكبر مستخبية…
إن وأنا بقلب الورق، كان فيه ورقة تانية جوه الظرف…
قرأت أول سطر فيها بس…
وللأسف، اللي كان مكتوب فيها أخطر بكتير من عقد الجواز نفسه…
#انجي_الخطيب
حسيت بريقي بينشف ونبضات قلبي بقت تدق في وذني كأنها طبول الحرب، عيني كانت مسمرة على الورقة التانية اللي جوه الظرف، ونفسي بيطلع بصعوبة كأن حد كابس على صَدري، مكنتش قادرة أستوعب هل فيه مصيبة أكبر من عقد الجواز العرفي ده؟!، بصيت عليه وهو سايق ومسرح في الطريق، ملامحه الهادية اللي كنت بحس معاها بالأمان بقت مرعبة، كأنه واحد تاني خالص ماعرفوش، داس على فرامل العربية عشان إشارة المرور والتفتلي فجأة وقال بحنان مصطنع: “مالك يا انجي؟ من ساعتها وأنا حاسس إنك تايهة ومش معايا، فيكي إيه؟”، بلعت ريقي بصعوبة وابتسمت بتماسك كداب وقلت بصوت مهزوز: “مفيش يا حبيبي، تعبانة من الشغل مش أكتر”، هز رأسه بقلق مزيف وقال: “طب استملي شوية، خلاص قربنا نوصل البيت وترتاحي”، رجعت بصيتي للشباك والدنيا بتلف بيا، شريط تلات سنين حب، وعند أهلي، ووقفتي قدامهم، وكل دمعة نزلتها عشانه عشان أثبت للناس كلها إني صح، عدوا قدام عيني زي الشريط السريع، حسيت بنغزة تقيلة في قلبي، وكلمته اللي دايماً بيكررها وهو باصص في عيني “إنتِ روحي وكل حياتي” بقت تتردد في وداني بطريقة توجع، عديت الليلة دي وأنا نايمة جنبه على السرير، بس كأني نايمة على صفيح ساخن، عيني مابتغمضش، وطيف الورقة التانية دي مش مفارق مخيلتي، تساؤلات ماليش إجابة عليها بتموتني في اليوم ألف مرة، ياترى الورقة التانية دي فيها إيه؟ هل متجوزين ومعاهم عيال؟ ولا فيه بيزنس ومصالح ما بينا وبين عيلة خالته اللي مقاطعينهم؟ ولا السر أكبر بكتير؟ الصبح جه بطيء كأنه سنة، وهو نزل شغله بدري، ومنى عيني أفتح التليفون وأبص على صورة العقد اللي صورتها عشان أتأكد إني مش في كابوس، استنيت لما الساعة بقت الظهر، وقلبي كان بيترعش، فتحت الواتساب واخترت رقم بابا، ولقيت نفسي بكتبله رسالة قصيرة من غير تردد: “يا بابا، أنا محتاجة أجيلك حالا.. وماتسألنيش في إيه غير لما تشوفني بعينك”، داس على زرار الإرسال وعيني دمعت، حسيت إن دي النهاية لقصة حب مفبركة، وإن كبرياءي اللي دافعت عنه قدام أهلي اتهد في لحظة، وقبل ما الموبايل يرن برقم بابا، سمعت صوت المفتاح في الباب.. رجع بدري!
…….
صوت المفتاح وهو بيدور في الباب جه في وداني كأنه طلقة رصاص، موبايلي كان لسه على شاشة الواتساب ورسالة بابا منورة باللون الأزرق، من غير ميكانيكية تفكير نطيت من على السرير، قفلت الشاشة وحذفت السيرة الذاتية للرسالة في ثواني، وجريت على المطبخ وأنا ببلع ريقي وبمسح دموعي بالعافية عشان مايحسش بحاجة، دخل وهو بيفك كرافتة قميصه وبيبص حواليه بتعب وبيقول بصوت عالي: “يا انجي! إنتِ فين؟ مش سامعة صوتي ولا إيه؟”، طلعتله وأنا ماسكة كوباية مية وبحاول أبان طبيعية جداً، وقلت بابتسامة باهتة: “كنت في المطبخ بشرب.. رجعت بدري ليه؟ حصل حاجة في الشغل؟”، قرب مني وباس راسي بحرارة كالعادة، وبص في عيني قوي وقال: “الاجتماع خلص بدري، وحسيت إني مش قادير أقعد هناك دقيقة وأنا سايبك تعبانة، قلت أرجع أقضي معاكي بقية اليوم ونطلب أكل من بره”، الكلمة نزلت عليا زي السك..ينة، حنان الكدب ده بقى مقرف وصعب الاحتمال، حسيت بغثيان وقعدت على الكرسي وأنا بقول بصوت واطي: “تسلم لي يا حبيبي.. كتر خيرك”، دخل غير هدومه، وأنا فضلت قاعدة مكاني بقلب بيدق بجنون، عقلي كان مشتت بين حاجتين: هل أواجهه باللي شوفته دلوقتي وأخلص من العذاب ده، ولا أستنى بابا لما يجي وياخدني من هنا بكرامتي؟، وفي وسط ما أنا تايهة في أفكاري، موبايله اللي كان محطوط على الترابيزة رن رسالة، وبصدفة بحتة عيني وقعت على الشاشة وهي منورة، كان مكتوب في الإشعار من برا اسم “نهى” (بنت خالته)، والرسالة بتقول: “كل حاجة تمام زي ما اتفقنا؟ ولا باباها حس بحاجة؟”، الدم جمد في عروقي للمرة التانية، وفهمت إن الموضوع مش مجرد جواز عرفي قديم وخلاص، دول شغالين مع بعض في حاجة ومن ورايا، وفجاة سمعت صوته طالع من الحمام بيقول: “انجي.. ناوليني المنشفة اللي على السرير لو سمحتي”، وقفت ورجلي مش شايلاني، دخلت الأوضة، مسكت المنشفة، وعيني لمحت تليفونه اللي لسه منور جمب المخدة، من غير ما أتحكم في نفسي، مديت إيدي ومسكت تليفونه، وبسرعة البرق فتحت الشات بتاعها، ولقيت الطامة الكبرى.. لقيت محادثات بينه وبينها متصورة فيها مستندات وأوراق بيع وشراء، وصورة شهادة ميلاد لطفل!، ورسالة منه بيكتبلها فيها: “اصبري شوية كمان.. لحد ما أضمن أكتب نص شقة انجي باسمي ساعتها مش هيهمني حد”، وقفت مكاني مصدومة، الشنطة اللي حلمت بيها، والشقة اللي فرحت بيها، وكل لحظة حب كنت فاكراها حقيقية، طلعت مجرد خطة عشان يسرقوني ويتجوزوا من ورايا، في اللحظة دي سمعت باب الحمام بيتفتح وهو طالع بينشف إيده، ولقاني واقفة وماسكة تليفونه في إيدي.
حكايات انجى الخطيب
عيني كانت ثابتة في شاشة تليفونه، والحروف بتتحرك قدامي وتتداخل في بعضها كأنها كابوس طويل ومش راضي يخلص. خطواته وقفت فجأة قدام باب الأوضة، والصمت اللي حل بيننا كان أثقل من جبل على صدري.
سألني بصوت متبدل ونبرة هادية بس فيها رعب: “إنتِ بتعملي إيه بتليفوني يا انجي؟”.
رفعت عيني ببطء، وابتسامة مكسورة وموجوعة اترسمت على شفايفي، وبصيت جوه عيونه اللي لأول مرة أشوف فيها الخوف الحقيقي، وقلت بصوت بيترعش بس جواه ثورة: “بدور على إجابة يا ابن خالتي… أو بمعنى أصح، بدور على الراجل اللي ضحكت عليه تلات سنين، وطلعت في الآخر نصاب وسارقني”.
اتجنن في ثانيه ولون وشه خطف، قرب مني بسرعة وهو بيمد إيده عشان ياخد التليفون بعنف وقال بصوت عالي: “إنتِ اتجننتي؟! بتفتشي في تليفوني ليه؟ هاتيه هنا!”.
بعدت عنه خطوتين لورا ورجلي ثابتة في الأرض، ورفعت الموبايل في وشي وأنا بصرخ فيه بكل قهر الدنيا: “عايز تاخد ايه؟ الشات؟ ولا شهادة ميلاد ابنك؟ ولا نِص شقتي اللي كاتبها في خطتك؟ ولا الجواز العرفي اللي مداريه في تابلوه العربية؟ فُكك من تمثيل الطيبة والإنقاذ، الفيلم خلص يا محترم!”.
وقف مكاني كأنه اتخبط على راسه بفأس، ملامحه اتدمرت وبان على وشكليته الحقيقية والغباء اللي كان مستخبي وراء حُبه الكداب. بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت واطي ومرتجف وهو بيحاول يقرب: “انجي.. اسمعيني.. الموضوع مش زي ما انتِ فاهمة خالص، والله أقدر أفسر لك كل…”
قاطعتُه بضحكة هيستيرية دمعت فيها عيني، وقلت له وأنا بشد شنطة هدومي من على الدولاب: “تفسر إيه ولا إيه؟ خلاص، السك..ينة سرقت حبل القصة يا أستاذ.. وشكراً لإنك عرفتني بنفسك متأخر، أحسن ما أموت وأنا فاكرة إنك بتحبني”.
جريت على الباب وأنا سامعة صوته بينادي عليا بجنون وبيحاول يمسكني، بس فتحت الباب ونزلت جري على السلم زي المسعورة، وطلعت تليفوني وأنا في الشارع بكتب لبابايا بصوت مسطول من كتر العياط: “الحقني يا بابا… بيتي اتدمع، أنا راجعة لك”.
……..
الشارع كان زحمة، بس مكنتش شايفه قدامي غير شريط حياتي وهو بيتحرق في ثواني. جريت وأنا حافية تقريبًا من كتر الرهبة، وركبت أول تاكسي قابلني، عيطت بوجع خلّي السواق يبصلي في المراية بقلق ويقول بصوت حنين: “مالك يا بنتي؟ في إيه؟”، مردتش عليه، فضلت باصة للشارع ودموعي نازلة بغزارة لحد ما وقف قدام بيت أهلِي. نزلت ودخلت العمارة كأن الموت بيجري ورايا، طلعت السلم جَرْي من غير ما أنظم نفسي، وخبطت على الباب بعنف وأنا بصرخ: “يا بابا… افتحلي يا بابا!”.
الباب اتفتح في ثواني، وأول ما بابا شافني بمنظري ده—شعري منكوش، وعيني حمرا وورمامة، وشكلي منهار—وجهه اتغير كليًا. شدني جوه في حضنه بقوة، وبصوت مرتعش من الخضة قال: “في إيه يا انجي؟ مين عمل فيكي كده؟ جوزك فين؟”.
معرفتش أنطق بحرف، حضنته وفضلت أعيط بشهقات قطعت قلبه، وبصعوبة بالغة قلت: “طلع نصاب يا بابا… طلع متجوز بنت خالته ومعاه عين، وكان بيكتب نص شقتي باسمه…”.
بابا اتحول في لحظة لاسد مجروح. عينه شرّرت غضب، وسابني ودخل جاب عبايته وعصاته، وقال بصوت جهوري هز البيت كله: “والله ما هسيبه! وحياة دموعك دي لأخليه يندم على اليوم اللي اتولد فيه، اقعدي هنا مع أمك لحد ما أجيبهالك من قفاه!”.
قبل ما بابا يتحرك ويهبط على السلم، سمعنا صوت خبط جامد على باب الشقة، وصوت جوزي وهو بينادي بعصبية واطية بس مسموعة: “افتحي يا انجي! إنتِ فاكرة إنك هتهربي باللي عملتيه ده ولا إيه؟ افتحي بقولك!”.
قلبي وقف في صدري، وبصيت لبابا اللي بص للباب بنظرة مرعبة وهو بيرفع دراعه وقال بصوت واطي وصارم: “جه لحد عندي… أهلا بيك!”.
…….
أبويا مشي خطوات ثابتة ناحية الباب، وفتحه بعنف لدرجة إن الباب خبط في الحيطة بصوت رزع مرعب. جوزي وقف قدامنا، ملامحه كانت متغيرة ومبينة خوف مصطنع على شوية عصبية مدفوعة، بس أول ما شاف أبويا واقف قدامه بقامته الطويلة ونظرات عينه اللي كلها شرار، بلع ريقه وتراجع خطوة لورا.
أبويا مسكه من ياقة قميصه بقوة وقربه ليه لدرجة إن أنفاسهم بقت واحدة، وقال بصوت جهوري هز الحيطان: “جاي لحد عتبة بيتي يا ابن الـ…! دايس على وش بنتي ونازل تسرقها كمان؟ ده أنت ليلتك سودة على إيدي!”.
جوزي حاول يفك إيد أبويا وهو بيقول بصوت مرتعش ومرجف: “يا عمي.. اسمعني والنبي.. الأمور مش زي ما هي واصلالك، أنجي فهمت غلط، والله العظيم…”
قاطعه أبويا بلكمة قوية في صدره رجعته لورا كذا خطوة وخليته يفقد توازنه ويقع على ركبه في السلم، وقال بصوت بيترعش من شدة الغضب: “إياك تنطق اسمها تاني بلسانك النجس ده! ولا كلمة.. الشنطة والهدوء وكل حق لبنتي هترجع بالذوق، والورق اللي في جيبك ده مش هيحميك مني!”.
أمي طلعت على الصوت، وحطت إيديها على صدرها وهي بتعيط وتصرخ في وش جوزي: “حسبي الله ونعم الوکیل فيك.. ضحكت علينا كلنا، استحملنا زعل الدنيا عشانك، وفي الآخر تطلع خائن وبياع؟!”.
الشارع كله بدأ يتجمع تحت العمارة، والأصوات علت، وجوزي لقى نفسه في موقف مايعلم بيه إلا ربنا، الناس بتشاور عليه، وأبويا واقف وراه زي الجبل وماسك عصاته، رفع عينه ليا نظرة كلها رجاء وتوسل، كأنه بيقولي أنقذيني، بس قلبي كان مات م الكسرة والقهر.
دخلت جوه وسبت أبويا يتعامل معاه، ووقفت قدام المراية، لمست وشي وتذكرت كل كلمة حب كدابة قالها، بس حسيت بحاجة تانية خالص.. وجع الفراق رايح، وبدات أحس بقوة جديدة جوايا. أنا خسرت جوازة وتلات سنين من عمري، بس كسبت نفسي، وكشفت حقيقته بدري قبل ما يخرب حياتي أكتر من كده، ومهما كانت التمن، أنا قررت أرجع حقي كامل مكمل، ومستحيل أضعف تاني قصاده.
………..
أبويا نزل وراه على السلم، وكل الجيران كانوا متجمعين على باب الشقة والعمارة تحت، وصوت خناق بابا وهو بيزعق فيه ويقوله “اقسم بالله لو ما جت طلقت بنتي بالذوق وكتبت التنازل عن كل حاجة لاكون فاتح فيك محضر نصب يرميك في السجن بقية عمرك” كان مالي البيت كله، أنا فضلت واقفة في الصالة، شايفة أمي بتعيط وهي بتطبطب على كتفي وبتقولي “معلش يا بنتي، ربنا نجيكي منه بدري، ست العُارفين إنها جت على قد كده”، بصيت لها وابتسمت ابتسامة خفيفة وسط دموعي، وحسيت بروح جديدة بتدب فيا، كأن التلات سنين دول كانوا كابوس وانتهى بصدمة فوقتني، ربع ساعة وبابا دخل الشقة وهو بينهج من العصبية، بس عينه كانت ملمعة بنصر، وقف قدامي وقال بصوت حازم: “اخلصي يا أنجي، جهزي حاجتك كلها، مش هتقعدي هنا دقيقة زيادة، المأذون وجوزك تحت، وهيمضي على الطلاق والتنازل عن كل شقة أو مليم حطه، والورق كله بقى في إيدينا”، نطقت من جوايا كلمة “الحمد لله”، ودخلت الأوضة جمعت هدومي بسرعة، ووقفت قدام المراية بصيت لنفسي نظرة أخيرة، وودعت البنت الهبلة اللي كانت مخدوعة في كدبة اسمها الحب، ونزلت مع أبويا وأنا رافعة رأسي للسما، وعارفة إن اللي جاي كله ليا، وإن ربنا عوضني باللي يوقف في ضهري ويحميني، وإن دي كانت مجرد بداية لحياة جديدة ونضج حقيقي طفح مني وجاب نتيجته.
…….
خلصت الإجراءات في أسرع وقت ممكن وكأن كابوس طويل وانزاح من على صدري، إمضائه على وثيقة الطلاق والتنازل عن كل شقشاق وكل مليم دخل بينا كان أسرع من البرق من كتر الرعب اللي شافه في عيون أبويا ورجالة العيلة اللي متجمعين وراه.
لما خرجت من باب المحكمة، شميت الهوا بعمق لأول مرة من سنين، حسيت إن روحي رجعتلي ورئتني انضفت من كدبه ونفاقه.
مرت الشهور، ورجعت لشغلي وحياتي اللي كنت مأجلاها عشانه، ووقفة أهلي في ضهري كانت السند الحقيقي اللي خلاني أقوم وأقف على رجلي تاني أقوى من الأول.
وفي يوم، وأنا قاعدة في البلكونة بشرب القهوة وروحي هادية، لقيت تليفوني بيبعت إشعار برقم غريب. فتحت الرسالة، ولقيتها من “نهى” بنت خالته! كاتبة فيهاعيني كانت ثابتة في شاشة تليفونه، والحروف بتتحرك قدامي وتتداخل في بعضها كأنها كابوس طويل ومش راضي يخلص. خطواته وقفت فجأة قدام باب الأوضة، والصمت اللي حل بيننا كان أثقل من جبل على صدري.
سألني بصوت متبدل ونبرة هادية بس فيها رعب: “إنتِ بتعملي إيه بتليفوني يا انجي؟”.
رفعت عيني ببطء، وابتسامة مكسورة وموجوعة اترسمت على شفايفي، وبصيت جوه عيونه اللي لأول مرة أشوف فيها الخوف الحقيقي، وقلت بصوت بيترعش بس جواه ثورة: “بدور على إجابة يا ابن خالتي… أو بمعنى أصح، بدور على الراجل اللي ضحكت عليه تلات سنين، وطلعت في الآخر نصاب وسارقني”.
اتجنن في ثانيه ولون وشه خطف، قرب مني بسرعة وهو بيمد إيده عشان ياخد التليفون بعنف وقال بصوت عالي: “إنتِ اتجننتي؟! بتفتشي في تليفوني ليه؟ هاتيه هنا!”.
بعدت عنه خطوتين لورا ورجلي ثابتة في الأرض، ورفعت الموبايل في وشي وأنا بصرخ فيه بكل قهر الدنيا: “عايز تاخد ايه؟ الشات؟ ولا شهادة ميلاد ابنك؟ ولا نِص شقتي اللي كاتبها في خطتك؟ ولا الجواز العرفي اللي مداريه في تابلوه العربية؟ فُكك من تمثيل الطيبة والإنقاذ، الفيلم خلص يا محترم!”.
وقف مكاني كأنه اتخبط على راسه بفأس، ملامحه اتدمرت وبان على وشكليته الحقيقية والغباء اللي كان مستخبي وراء حُبه الكداب. بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت واطي ومرتجف وهو بيحاول يقرب: “انجي.. اسمعيني.. الموضوع مش زي ما انتِ فاهمة خالص، والله أقدر أفسر لك كل…”
قاطعتُه بضحكة هيستيرية دمعت فيها عيني، وقلت له وأنا بشد شنطة هدومي من على الدولاب: “تفسر إيه ولا إيه؟ خلاص، السك..ينة سرقت حبل القصة يا أستاذ.. وشكراً لإنك عرفتني بنفسك متأخر، أحسن ما أموت وأنا فاكرة إنك بتحبني”.
جريت على الباب وأنا سامعة صوته بينادي عليا بجنون وبيحاول يمسكني، بس فتحت الباب ونزلت جري على السلم زي المسعورة، وطلعت تليفوني وأنا في الشارع بكتب لبابايا بصوت مسطول من كتر العياط: “الحقني يا بابا… بيتي اتدمع، أنا راجعة لك”.
……..
الشارع كان زحمة، بس مكنتش شايفه قدامي غير شريط حياتي وهو بيتحرق في ثواني. جريت وأنا حافية تقريبًا من كتر الرهبة، وركبت أول تاكسي قابلني، عيطت بوجع خلّي السواق يبصلي في المراية بقلق ويقول بصوت حنين: “مالك يا بنتي؟ في إيه؟”، مردتش عليه، فضلت باصة للشارع ودموعي نازلة بغزارة لحد ما وقف قدام بيت أهلِي. نزلت ودخلت العمارة كأن الموت بيجري ورايا، طلعت السلم جَرْي من غير ما أنظم نفسي، وخبطت على الباب بعنف وأنا بصرخ: “يا بابا… افتحلي يا بابا!”.
الباب اتفتح في ثواني، وأول ما بابا شافني بمنظري ده—شعري منكوش، وعيني حمرا وورمامة، وشكلي منهار—وجهه اتغير كليًا. شدني جوه في حضنه بقوة، وبصوت مرتعش من الخضة قال: “في إيه يا انجي؟ مين عمل فيكي كده؟ جوزك فين؟”.
معرفتش أنطق بحرف، حضنته وفضلت أعيط بشهقات قطعت قلبه، وبصعوبة بالغة قلت: “طلع نصاب يا بابا… طلع متجوز بنت خالته ومعاه عين، وكان بيكتب نص شقتي باسمه…”.
بابا اتحول في لحظة لاسد مجروح. عينه شرّرت غضب، وسابني ودخل جاب عبايته وعصاته، وقال بصوت جهوري هز البيت كله: “والله ما هسيبه! وحياة دموعك دي لأخليه يندم على اليوم اللي اتولد فيه، اقعدي هنا مع أمك لحد ما أجيبهالك من قفاه!”.
قبل ما بابا يتحرك ويهبط على السلم، سمعنا صوت خبط جامد على باب الشقة، وصوت جوزي وهو بينادي بعصبية واطية بس مسموعة: “افتحي يا انجي! إنتِ فاكرة إنك هتهربي باللي عملتيه ده ولا إيه؟ افتحي بقولك!”.
قلبي وقف في صدري، وبصيت لبابا اللي بص للباب بنظرة مرعبة وهو بيرفع دراعه وقال بصوت واطي وصارم: “جه لحد عندي… أهلا بيك!”.
…….
أبويا مشي خطوات ثابتة ناحية الباب، وفتحه بعنف لدرجة إن الباب خبط في الحيطة بصوت رزع مرعب. جوزي وقف قدامنا، ملامحه كانت متغيرة ومبينة خوف مصطنع على شوية عصبية مدفوعة، بس أول ما شاف أبويا واقف قدامه بقامته الطويلة ونظرات عينه اللي كلها شرار، بلع ريقه وتراجع خطوة لورا.
أبويا مسكه من ياقة قميصه بقوة وقربه ليه لدرجة إن أنفاسهم بقت واحدة، وقال بصوت جهوري هز الحيطان: “جاي لحد عتبة بيتي يا ابن الـ…! دايس على وش بنتي ونازل تسرقها كمان؟ ده أنت ليلتك سودة على إيدي!”.
جوزي حاول يفك إيد أبويا وهو بيقول بصوت مرتعش ومرجف: “يا عمي.. اسمعني والنبي.. الأمور مش زي ما هي واصلالك، أنجي فهمت غلط، والله العظيم…”
قاطعه أبويا بلكمة قوية في صدره رجعته لورا كذا خطوة وخليته يفقد توازنه ويقع على ركبه في السلم، وقال بصوت بيترعش من شدة الغضب: “إياك تنطق اسمها تاني بلسانك النجس ده! ولا كلمة.. الشنطة والهدوء وكل حق لبنتي هترجع بالذوق، والورق اللي في جيبك ده مش هيحميك مني!”.
أمي طلعت على الصوت، وحطت إيديها على صدرها وهي بتعيط وتصرخ في وش جوزي: “حسبي الله ونعم الوکیل فيك.. ضحكت علينا كلنا، استحملنا زعل الدنيا عشانك، وفي الآخر تطلع خائن وبياع؟!”.
الشارع كله بدأ يتجمع تحت العمارة، والأصوات علت، وجوزي لقى نفسه في موقف مايعلم بيه إلا ربنا، الناس بتشاور عليه، وأبويا واقف وراه زي الجبل وماسك عصاته، رفع عينه ليا نظرة كلها رجاء وتوسل، كأنه بيقولي أنقذيني، بس قلبي كان مات م الكسرة والقهر.
دخلت جوه وسبت أبويا يتعامل معاه، ووقفت قدام المراية، لمست وشي وتذكرت كل كلمة حب كدابة قالها، بس حسيت بحاجة تانية خالص.. وجع الفراق رايح، وبدات أحس بقوة جديدة جوايا. أنا خسرت جوازة وتلات سنين من عمري، بس كسبت نفسي، وكشفت حقيقته بدري قبل ما يخرب حياتي أكتر من كده، ومهما كانت التمن، أنا قررت أرجع حقي كامل مكمل، ومستحيل أضعف تاني قصاده.
………..
أبويا نزل وراه على السلم، وكل الجيران كانوا متجمعين على باب الشقة والعمارة تحت، وصوت خناق بابا وهو بيزعق فيه ويقوله “اقسم بالله لو ما جت طلقت بنتي بالذوق وكتبت التنازل عن كل حاجة لاكون فاتح فيك محضر نصب يرميك في السجن بقية عمرك” كان مالي البيت كله، أنا فضلت واقفة في الصالة، شايفة أمي بتعيط وهي بتطبطب على كتفي وبتقولي “معلش يا بنتي، ربنا نجيكي منه بدري، ست العُارفين إنها جت على قد كده”، بصيت لها وابتسمت ابتسامة خفيفة وسط دموعي، وحسيت بروح جديدة بتدب فيا، كأن التلات سنين دول كانوا كابوس وانتهى بصدمة فوقتني، ربع ساعة وبابا دخل الشقة وهو بينهج من العصبية، بس عينه كانت ملمعة بنصر، وقف قدامي وقال بصوت حازم: “اخلصي يا أنجي، جهزي حاجتك كلها، مش هتقعدي هنا دقيقة زيادة، المأذون وجوزك تحت، وهيمضي على الطلاق والتنازل عن كل شقة أو مليم حطه، والورق كله بقى في إيدينا”، نطقت من جوايا كلمة “الحمد لله”، ودخلت الأوضة جمعت هدومي بسرعة، ووقفت قدام المراية بصيت لنفسي نظرة أخيرة، وودعت البنت الهبلة اللي كانت مخدوعة في كدبة اسمها الحب، ونزلت مع أبويا وأنا رافعة رأسي للسما، وعارفة إن اللي جاي كله ليا، وإن ربنا عوضني باللي يوقف في ضهري ويحميني، وإن دي كانت مجرد بداية لحياة جديدة ونضج حقيقي طفح مني وجاب نتيجته.
…….
خلصت الإجراءات في أسرع وقت ممكن وكأن كابوس طويل وانزاح من على صدري، إمضائه على وثيقة الطلاق والتنازل عن كل شقشاق وكل مليم دخل بينا كان أسرع من البرق من كتر الرعب اللي شافه في عيون أبويا ورجالة العيلة اللي متجمعين وراه.
لما خرجت من باب المحكمة، شميت الهوا بعمق لأول مرة من سنين، حسيت إن روحي رجعتلي ورئتني انضفت من كدبه ونفاقه.
مرت الشهور، ورجعت لشغلي وحياتي اللي كنت مأجلاها عشانه، ووقفة أهلي في ضهري كانت السند الحقيقي اللي خلاني أقوم وأقف على رجلي تاني أقوى من الأول.
وفي يوم، وأنا قاعدة في البلكونة بشرب القهوة وروحي هادية، لقيت تليفوني بيبعت إشعار برقم غريب. فتحت الرسالة، ولقيتها من “نهى” بنت خالته! كاتبة فيها: “شكراً إنك خلصتيني منه… بعد ما سابك اكتشفت إنه ضحك عليا أنا كمان وكاتب كل فلوسي باسمه وهرب برا البلد”.
بصيت للموبايل، ابتسمت ببرود شديد، ومسحت الرسالة من غير ما أفكر أرد بكلمة واحدة. قفلت الشاشة، رفعت راسي للسما، وهمست لنفسي بكل رضا: “الحمد لله… الخسارة في البداية مكسب، واللي جاي كله بتاعي أنا وبس”.
تمت
حكايات انجى الخطيب
: “شكراً إنك خلصتيني منه… بعد ما سابك اكتشفت إنه ضحك عليا أنا كمان وكاتب كل فلوسي باسمه وهرب برا البلد”.
بصيت للموبايل، ابتسمت ببرود شديد، ومسحت الرسالة من غير ما أفكر أرد بكلمة واحدة. قفلت الشاشة، رفعت راسي للسما، وهمست لنفسي بكل رضا: “الحمد لله… الخسارة في البداية مكسب، واللي جاي كله بتاعي أنا وبس”.
تمت
حكايات انجى الخطيب


