رسمنا شكل الفرح
الجزء الاول
ـ بصوا بقى… إحنا رسمنا شكل الفرح تقريبًا. هيبقى فيه حوالي مية واحد. وعايزين الفرح يتعمل في مكان حلو على النيل. بخيم شيك كده، والزفة تبقى في الهوا. ولازم بوابة ورد طبيعي كبيرة… ده حلمي من زمان! وكمان عايزين مذيع معروف يقدم الفرح، وفرقة موسيقى جامدة. والديكور كله يبقى دهبي في بيج كده… حاجة شيك آخر حاجة.
—
منة خدت نفس طويل وهي بتقفل ملف إكسيل جديد، وفركت عينيها من التعب.
المكتب كان فاضي تقريبًا، ونور الكمبيوتر هو الحاجة الوحيدة اللي منورة المكان.
قدامها كانت الفواتير والعقود متكومة بشكل مرتب.
منة كانت شغالة محاسبة أولى في شركة كبيرة لتنظيم الأفراح والحفلات.
الناس كانت بتدخل الشركة دي وهي بتحلم بفرح زي اللي في الأفلام.
أما منة…
فكانت شايفة كل الأحلام دي أرقام وحسابات بس.
عارفة الورد ده بكام.
والكوشة دي بكام.
والضحكة اللي الناس بتدفع عشانها بتكلف كام.
الصبح بس كانت محولة أكتر من ميتين ألف جنيه حق ورد فرح واحد.
ورد هيدبل بعد يومين!
قفلت الكمبيوتر وقامت.
النهارده خلاص خلص.
لازم ترجع لشقتها.
شقتها اللي لسه بتتشطب بقالها سنتين.
أول ما فتحت الباب شمّت ريحة التنر.
ـ منة؟ وصلتي؟
صوت أحمد جه من الصالة.
ـ خلي بالك وإنتِ داخلة… مفَرّش جرايد على الأرض.
دخلت وضحكت.
أحمد كان قاعد على الأرض ومركز مع بقعة لاصق مش راضية تروح.
ـ إيه؟ استسلمت؟
بص لها وهو متضايق.
ـ اللاصق ده طلع ابن لذينة. جربت عليه كل حاجة ولسه معلم.
قعدت جنبه وربتت على كتفه.
ـ بسيطة… دي مش أول مصيبة نصلحها.
ـ عملت حسابات الحيطة الجديدة؟
وشه نور.
ـ آه. محتاجين حوالي أربعمية طوبة. ولسه ماشيين في حدود الميزانية.
ـ حلو أوي.
ابتسمت.
الشقة دي كانت حلمهم.
اشتروها بقرض.
وكانوا كل يوم يرجعوا من الشغل يكملوا فيها حاجة جديدة.
فجأة موبايل أحمد رن.
بص للشاشة.
ـ يا ساتر… أمي.
منة نفخت.
ـ رد.
ـ أيوة يا ماما.
وصوت الحاجة دولت خرج من السماعة كأنه مكبر صوت.
ـ السبت عايزاكم عندي الساعة تلاتة!
ـ خير يا ماما؟
ـ مصطفى اتقدم لندى! وعاملة بط محشي. كلكم تيجوا ومفيش أعذار.
قفلت السكة.
بص أحمد لمراته.
ـ اجتماع عائلي رسمي.
منة ضحكت.
ـ بط محشي؟ يبقى الموضوع كبير فعلًا.
وسكتت شوية وقالت:
ـ هو مصطفى هيتجوز بإيه أصلًا؟ مش من كام شهر ساب شغله عشان المدير مش مقدّر عبقريته؟
ضحك أحمد.
ـ يمكن لقى شغل.
ـ أو يمكن ندى هي اللي هتصرف.
الاتنين ضحكوا.
ـ نروح نبارك ونجيب هدية وخلاص.
ماكانوش يعرفوا إن اللي مستنيهم هيبقى صدمة عمرهم.
—
السبت وصلوا بيت الحاجة دولت.
ريحة البط والمحشي مالية الشقة.
والحاجة دولت بتتحرك يمين وشمال كأنها قائد جيش.
على الكنبة كان قاعد مصطفى.
لابس شيك ومفكر نفسه نجم سينما.
وجنبه ندى.
بنت جميلة جدًا، لكن من أول بصّة تحس إنها بتقيّم كل حاجة حواليها بالسعر.
ـ أهو الكبار وصلوا.
قالها مصطفى وهو ممدد رجله.
ـ اتفضلوا.
ندى رفعت إيديها وورّت الكل الدبلة.
ـ ألف مبروك.
قالها أحمد بفرحة حقيقية.
ـ الفرح إمتى؟
ـ أغسطس إن شاء الله.
قالتها الحاجة دولت وهي بتحط الأكل.
ـ يلا كلوا قبل ما يبرد.
الأكل خلص.
والكلام العادي خلص.
وفجأة الحاجة دولت شبكت صوابعها وبصت لمنة وأحمد.
البصة دي منة كانت حافظاها.
بصة معناها:
“استعدوا للمصيبة.”
ـ نيجي بقى للمهم.
قالتها وهي معتدلة في قعدتها.
ـ مصطفى وندى لسه في أول حياتهم.
لازم الفرح يطلع يشرّف.
ندى بنت ناس ومستواها عالي.
مينفعش نطلع شكلنا وحش.
هز أحمد راسه.
ـ أكيد هنساعد على قد ما نقدر.
ـ لو محتاجين عربية أو نقل حاجات…
قاطعه صوت الحاجة دولت.
ـ لا لا… مش ده المقصود.
وسكتت ثانية.
وبعدين قالت بمنتهى البساطة:
ـ إحنا قررنا إنكم أنتم الاتنين تتكفلوا بالفرح كله.
الصالة سكتت.
منة حست إنها ما سمعتش كويس.
ـ نعم؟!
ـ يعني إيه نتكفل بالفرح كله؟
الحاجة دولت استغربت.
ـ يعني تدفعوا تكاليفه كلها.
أهو كلام واضح.
منة فتحت بقها من الصدمة.
ـ كلها؟!
ـ أيوة كلها.
ردت الحاجة دولت بمنتهى البرود.
ـ أنتم الاتنين شغالين.
ومعندكوش عيال.
ومعاكم فلوس.
يبقى تساعدوا أخوكم.
بصت منة ناحية ندى.
ندى طلعت موبايلها بمنتهى الثقة.
وبدأت تقرأ:
ـ قاعة على النيل…
مية معزوم…
بوابة ورد طبيعي…
فنان معروف…
فرقة موسيقى…
ديكور فاخر…
وابتسمت وقالت:
ـ وأنتِ بقى يا منة هتمسكي التنظيم كله بحكم شغلك… صح؟
منة سكتت.
لكن جوا دماغها كانت الأرقام بتجري.
قاعة…
أكل…
ديكور…
ورد…
فنان…
تصوير…
رقم ورا رقم.
لحد ما وصلت للمبلغ النهائي.
وساعتها حسّت إن قلبها وقع في رجليها.
لأنهم مش بيطلبوا منها تساعد…
هم ببساطة كانوا عايزينها تدفع ثمن فرح أحلامهم كله.
من جيبها هي وأحمد.
يتبع…
الجزء الثاني
أحمد اتجمد مكانه.
الأرقام قدام عينيه كانت بتلف.
رمش مرة…
وبعدين بص تاني.
لا…
مفيش غلطة.
المبلغ حقيقي.
للدرجة دي؟!
هي بتقبض كل ده كل شهر؟!
مراته مي…
الهادية اللي طول عمره بيتريق عليها ويقول إنها “موظفة غلبانة”…
بتكسب أكتر من أي مرتب هو أخده في حياته كلها!
حس بنار طالعة من جواه.
غضب.
وإهانة.
ووجع.
كل الصورة اللي رسمها لنفسه طول السنين، إنه الراجل اللي شايل البيت وإنه الأفضل والأهم…
وقعت فجأة.
في نفس اللحظة خرجت مي من الحمام.
فوطة خفيفة على كتفها.
أول ما شافته واقف قدام اللابتوب ووشه متغير، فهمت إن فيه حاجة حصلت.
قالت بهدوء:
ـ بتدور على حاجة؟
رد من غير ما يبصلها:
ـ كنت داخل أشرب مية.
وأشار للشاشة.
ـ بس واضح إني لقيت حاجة أهم.
مي بصت للشاشة.
وفهمت فورًا.
سكتت.
أما أحمد فقرب منها خطوة.
ـ كنتِ عارفة إنك بتقبضي المبلغ ده كله وساكتة؟
ـ طول السنين دي كلها؟
ـ وسيباني فاكر إننا عايشين على مرتبك العادي؟
مي ردت بهدوء:
ـ عمرك ما سألت يا أحمد.
ـ وبعدين أنت اللي كنت مصمم إن كل واحد يصرف على نفسه.
ـ حسابات منفصلة… فاكر؟
ضحك ضحكة عصبية.
ـ يعني كنتِ بتحوشي وبتخبي عليا؟
ـ فاكراني عبيط؟
ـ فاكرة إني مش هاخد بالي إن مستواكي بقى أحسن مني؟
ـ ولا إيه؟
ـ شايفة نفسك عليا؟
لكن مي ما خافتش.
ولا حتى اتوترت.
كل اللي كان باين عليها هو التعب.
تعب سنين.
قالت بهدوء:
ـ لا يا أحمد.
ـ أنا بس بطلت أبقى البنك بتاعك.
ـ وبطلت أبقى الشخص اللي يشيل كل حاجة ويسكت.
ـ أنا بشتغل.
ـ وبقبض.
ـ وبس.
انفجر:
ـ وبس؟!
ـ وإيه مكاني أنا دلوقتي؟
ـ أبقى إيه؟
ـ راجل فاشل؟
ـ جوز مراته سبقت منه بمراحل؟
هزت راسها.
ـ أنا عمري ما قلت كده.
ـ بس أنت بنفسك اللي حطيت نفسك في المكان ده.
قبض على إيده بعصبية.
كان عايز يرد.
لكن الكلام وقف في زوره.
كانت واقفة قدامه ثابتة بشكل جننه.
كل غضبه كان بيتكسر قدام هدوئها.
وبعدين قال بصوت مخنوق:
ـ أنا مش قادر أكمل مع واحدة بتضحك عليا من ورا ضهري.
بصتله مي باستغراب.
ـ أنا عمري ما ضحكت عليك.
ـ لكن كمان مقدرش أكمل مع واحد فضل سنين يحاسبني على كل جنيه.
ـ ولما تعب، قرر يقعد مستني مراته تصرف عليه.
الصمت نزل بينهم.
ثواني طويلة.
وبعدين مي فتحت الدولاب.
طلعت شنطة سفر.
وحطتها على السرير.
أحمد اتصدم.
ـ بتعملي إيه؟
ردت وهي بتلم هدومها:
ـ الحاجة اللي كان المفروض أعملها من زمان.
بدأت تجمع حاجتها بسرعة.
قمصان.
فساتين.
برفيومات.
كل حاجة مهمة بالنسبالها.
أما أحمد فكان واقف مكانه.
وشه متجمد.
بس عينه كانت بترف من العصبية.
ـ رايحة فين؟
سأل أخيرًا.
بصتله.
وابتسمت ابتسامة حزينة.
ـ رايحة مكان أعرف أتنفس فيه.
وبعد دقائق…
الباب اتقفل وراها.
وسابته لوحده.
قاعد وسط الصمت.
قدامه شاشة اللابتوب.
والأرقام لسه منورة.
كبرت في عينيه أكتر وأكتر.
قعد على الأرض.
ولأول مرة من سنين طويلة…
سكت.
—
بعد شهر.
كانت مي واقفة قدام الشباك في مكتبها الجديد.
تحتها القاهرة بزحمتها وصوت عربياتها.
وجوا المكتب هدوء.
في أوضة الاجتماعات فريق الشغل كان بيضحك بعد ما خلصوا توقيع عقد جديد.
مديرها، كريم، خبطها بخفة على كتفها.
وقال مبتسم:
ـ شغل ممتاز يا مي.
ـ نجحنا.
ابتسمت وهزت راسها.
وبصت لانعكاسها في الإزاز.
وشافت ست مختلفة.
مش مي المرهقة اللي كانت شايلة الدنيا فوق كتافها.
ولا مي اللي كانت بتسكت عشان تتجنب المشاكل.
لكن واحدة قوية.
واثقة.
جميلة.
واخدِة قرارها.
واحدة عرفت إمتى تحط نقطة في آخر السطر.
عشان تبدأ سطر جديد.
في آخر النهار وهي ماشية في الشارع…
موبايلها رن.
رقم غريب.
ردت.
وجالها صوت تعرفه كويس.
صوت أحمد.
بس المرة دي كان مكسور.
ـ مي…
أنا أحمد.
حكايات منــال عـلـي
كنت عايز أقولك حاجة.
سكتت شوية.
وبعدين قالت:
ـ خير يا أحمد؟
اتنهد.
ـ سامحيني.
ـ فهمت كل حاجة متأخر.
ـ عايز نرجع تاني.
ـ نبدأ من جديد.
مي رفعت وشها للسماء.
الهواء كان لطيف.
والشمس وقت الغروب كانت مالية السما دهب.
وفي ثانية عدت قدامها كل الذكريات…
الخناقات.
الحسابات.
المعايرة.
والتعب.
كل ده بقى وراها.حصري على صفحه روايات واقتباسات
قالت بهدوء:
ـ شكرًا إنك اتصلت.
ـ بس أنا فعلًا بدأت من جديد.
ـ ومن غيرك.
وقفلت المكالمة.
الموبايل سكت.
والدنيا قدامها كانت مفتوحة.
ابتسمت.
ومشت لقدام.
وعرفت إن في ناس بتفضل مخيفة طول ما إحنا سايبين لهم الباب مفتوح.
لكن أول ما نقفله…
بيختفوا من حياتنا للأبد.
النهاية.
